المادة 8
سادسا: منع التدخل السياسي في الإدارة: إن التدخل السياسي في الإدارة أثر بشكل سلبي على هيبة الدولة ومكانتها وصورتها لدى الرأي العام، وساعد كثيرا على انتشار الفساد ومخالفة القوانين والأنظمة بنتيجة الضغوط السياسية التي يمارسها أهل السياسة على الإدارة وموظفيها، وهذا ما يدفع باتجاه اتخاذ إجراءات سريعة للحد من هذا التدهور الذي قد يطيح بكافة الجهود الرامية إلى تحسين صورة الخدمة العامة لدى عامة الناس، ومن تلك الإجراءات: 1 ـ تفعيل دور المدراء العامين عن طريق تعديل البند «ثالثا» من المادة (7) من المرسوم الاشتراعي رقم 111 تاريخ 12/6/1959 (تنظيم الإدارات العامة) على النحو التالي: أ ـ يؤشر المدير العام على مشاريع المراسيم والقرارات وجميع المعاملات التي تعرض على الوزير أو من يمارس بحكم القانون صلاحيات الوزير باستثناء الصلاحيات الدستورية، أو يبدي مطالعته الخطية بشأنها. وتربط هذه المطالعة الخطية بالمعاملة وتحال معها على المراجع المختصة. تعتبر تأشيرة المدير العام أو مطالعته الخطية معاملة جوهرية وإلزامية. ب ـ على كل من أوجب عليه القانون أو النظام تقديم إنهاء أو اقتراح، أن يقدم إنهاءه أو اقتراحه في مهلة سبعة أيام للإنهاء وثلاثة أيام للاقتراح من تاريخ إيداعه المعاملة وإلا جاز للمرجع المختص السير في المعاملة وتنفيذها دون حاجة للإنهاء أو الاقتراح، وفي هذه الحالة يتحمل صاحب الصلاحية المعني المسؤولية الكاملة عن هذه المعاملة إذا ما كان تنفيذها يشكل مخالفة للقانون. 2 ـ التأكيد على تطبيق فوري وحازم لقرار مجلس الوزراء رقم 2 تاريخ 27/12/1989 المتعلق بالطلب من الوزراء عدم التأكيد والإصرار على تنفيذ الأوامر والتعليمات التي يلفتهم مرؤوسوهم خطيا إلى أنها مخالفة للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء بصورة صريحة وواضحة عملا بأحكام الفقرة (2) من المادة (14) من نظام الموظفين، إلا بعد عرض الموضوع على مجلس الوزراء. 3 ـ ضرورة أن يكون اختيار موظفي الفئة الأولى، سواء من داخل الملاك الإداري العام أو من خارجه، وفقا لمعايير وأسس تخدم طبيعة الوظيفة المراد إشغالها وتصب في مصلحتها، وبنتيجة اختبارات شفهية، وخطية عند الاقتضاء، تتولاها لجنة خاصة تؤلف لهذه الغاية وفقا لآلية معينة. 4 ـ اعتبار التدخل السياسي في الإدارة جرما يعاقب عليه القانون، ولهذا يجب، إضافة إلى إصدار التشريعات اللازمة بهذا المعنى، إصدار التعليمات التي تمنع المسؤولين السياسيين في الدولة ـ عملا بمبدأ التضامن الوزاري ـ وغيرهم من السياسيين، الاتصال بالإدارات غير التابعة لهم مباشرة بأي وسيلة كانت، مقابل وقف كافة أشكال الاستخدام التي يجريها الوزراء تحت أي تسمية أو صفة كانت، وربط ذلك مباشرة بمجلس الخدمة المدنية على قاعدة المباراة والجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص وكما هو مبين أعلاه. ـ وقد يكون لفصل الوزارة عن النيابة دوره الفعال في هذا الإطار. 5 ـ إلغاء نص المادة /97/ من نظام الموظفين، ذلك أن هذا النظام قد أفرغ من مضمونه عندما تضمن في المادة /97/ منه، إخضاع كل خلاف ينشأ بين الوزير ومجلس الخدمة المدنية إلى إرادة مجلس الوزراء بحيث يبت هذا الأخير في الخلاف، ويؤخذ برأيه ولو جاء مخالفا للقانون بصورة صريحة. وقد أخذ التفسير المطلق للمادة /97/ المذكورة للالتفاف على القوانين والأنظمة، بحيث أخذت قرارات مجلس الوزراء في غالب الأحيان مفعول القوانين التي تلغي أو تعدل من تطبيق القانون، حيث أن الخلاف الناشئ في هذا المجال، لم يكن عادة، إلا على تمسك مجلس الخدمة المدنية بتطبيق القانون، وهكذا أضحت قرارات مجلس الوزراء التي تناقض مقررات مجلس الخدمة المدنية سبيلا يتذرع به الموظفون في تبرير أعمالهم المخالفة وحافزا لهم في ذلك، وهذا ما انعكس سلبا على مقتضيات المصلحة العامة والأداء الإداري بشكل خاص. لذلك توجد ضرورة ملحة لإلغاء نص المادة /97/ من نظام الموظفين تمكينا لمجلس الخدمة المدنية من الاستمرار بعمله الرقابي بالشكل المرجو والمطلوب، فلا أهمية ولا دور فعال لهذا المجلس في ظل وجود المادة /97/ الآنفة الذكر، وبذلك تسجل خطوة أخرى تضاف إلى الخطوة النوعية التي تشكلت مع إصدار القانون رقم 259 تاريخ 6/ 10/1993 الذي جعل قرارات مجلس شورى الدولة ملزمة للإدارة. 6 ـ في موازاة ما تقدم، ضرورة التمني على المجلس النيابي مراعاة عدم تضمين قانون الموازنة العامة، أو القوانين الاستثنائية الخاصة، أحكاما تمس الركائز الأساسية للخدمة العامة، ولا سيما ما يتعلق منها بالمباراة المحصورة بفئة معينة من الأشخاص بما يخالف نص المادتين السابعة والثانية عشرة من الدستور، وأيضا ما يتعلق بالقوانين التي تجيز إعطاء منافع لفئة معينة من الموظفين على قاعدة الحلول الجزئية وبما يخالف مبدأ الشمول والعمومية الذي يجب أن يتصف به القانون، وأيضا ما يتعلق بالتشريعات التي تعفي بعض الأشخاص من شرط المباراة للدخول إلى الملاك الدائم، أو من شرط حيازة المؤهل العلمي. وأخيرا، أن الإصلاح قد يبدو صعبا في ظل الظروف الاقتصادية الحرجة، وهو لذلك يتطلب خطوات سريعة وثابتة ذات وقع مباشر وملموس، وعلى السلطة السياسية الترويج أكثر لسياساتها التصحيحية لتصبح أكثر تفهما من قبل المواطنين، وهذا لن يكون إلا من خلال وقف الهدر وزيادة الإيرادات وتخفيض العجز. في حين أن تراجع الخطوات الإصلاحية أو تباطؤها من شأنه الإضرار بتلك العملية ويسهل الانقضاض عليها من قبل المتضررين أصحاب الامتيازات، لهذا يجب الإسراع في طرح القوانين والأنظمة اللازمة للنقاط والعناوين التي تم ذكرها أعلاه في إطار من الشفافية والهدوء والعدالة، وإلا يسهل تأليب الرأي العام وبالتالي إضاعة الفرصة من جديد. إن المحاور الستة التي ذكرناها أعلاه، هي إجراءات متلازمة ومترابطة بعضها ببعض، أي بمعنى آخر، هي كل لا يتجزأ، يفترض، من أجل نجاحها، التقدم بها سلة واحدة، بما يضمن التخطيط السليم والأداء الفعال. وهكذا نتشرف بتقديم خطة إصلاحية متكاملة لخمس سنوات قادمة، قادرة على تحقيق الأمل الذي نصبو إليه جميعا. فهذا المشروع الذي نعرضه، من شأنه في حال تم وضعه موضع التطبيق العلمي، بعد إصدار النصوص اللازمة، وتوفر الدعم
السياسي الواضح والصريح له، أن ينقلنا من إدارة ذات الأنظمة المتشابكة إلى إدارة مبسطة تؤمن سرعة في إعطاء المعلومات ونوعية في توفير الخدمات على قاعدة «عمل أفضل وإنفاق أقل»، إدارة صانعة قرارات وأكثر شفافية تقوم على القلة والنخبة من العاملين ذوي الأيادي النظيفة، إدارة في خدمة الجميع بحيث لا يكون ولاء الموظف إلا للوطن والقانون، بما يمكننا من كسب رهان المرحلة القادمة.