الأبحاث

دراسة الدكتور وسام غياض 01/01/2013

التحقيق والتحري والتفتيش في مجالات مكافحة الفساد الاداري والمالي

المؤلف
الدكتور وسام غياض
تاريخ النشر
01/01/2013
المصدر
الجامعة اللبنانية

التحقيق والتحري والتفتيش في مجالات مكافحة الفساد الاداري والمالي

-Iماهية الفساد المالي والاداري

الفساد في معاجم اللغة هو في (فسد) ضد ( صلح ) والفساد لغة البطلان , فيقال فسد الشيء أي بطل وأضمحل , وياتي التعبير على معان عدة بحسب موقعه .

ان التعريف العام لمفهوم الفساد عربيا هو اللهو واللعب واخذ المال ظلما من دون وجه حق .

ويعرف معجم أوكسفورد الانكليزي الفساد بأنه : " انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة " وقد يعني الفساد : التلف أذا ارتبط المعنى بسلعة ما وهو لفظ شامل لكافة النواحي السلبية في الحياة .

ويعرف الفقهاء الفساد بانه اساءة استعمال السلطة أو المنصب العام للمنفعة الخاصة سواء عن طريق الرشوة او الابتزاز أو استغلال النفوذ او المحسوبية أو الغش أو الاختلاس أو تقديم اكراميات لتعجيل الخدمات عن دورها الطبيعي ...

ان هذا التعريف الاخير لا يعني أن الفساد موجود فقط في القطاع العام بل على العكس لان القطاع الخاص يتورط في معظم حالات الفساد الحكومي التي تنطوي على اساءة استعمال

السلطة العامة للحصول على امتيازات ومكاسب شخصية وذاتية.

كما أن التعريفات السابقة لا تعني أبدا أن الفساد ينطوي فقط على فئة معنية من الموظفين دون الاخرى , فالصحيح أن الفساد قد يطال الموظفون أصحاب الرواتب الزهيدة كما يطال الموظفون الكبار الذين يتخذون قرارات نهائية بشأن عقود عامة وكبيرة .

ان ظاهرة الفساد وبكل صوره هي محل اهتمام الدول والحكومات نظرا لما تفرزه من انعكاسات سلبية وأضرار بالغة في مختلف ميادين الحياة الانسانية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية .

لقد اخترنا في هذه الدراسة تسليط الضوء على نوعين من الفساد هما: الفساد الاداري والفساد المالي .

1 - الفساد المالي والاداري :

كما ذكرنا أعلاه ان الفساد هو ظاهرة عامة لا يحدها زمان أو مكان , ولا تقتصر على جانب دون آخر من جوانب المجتمع , فالفساد بصورة عامة منتشر في جميع الدول , المتقدم منها والمتخلف والمتتبع لأخبار العالم يلاحظ أن هناك محاكمات طالت بعض كبار الزعماء والمسؤولين وأدت الى ادانتهم أو حتى اقالتهم تحت عنوان مكافحة الفساد . وقبل اعطاء تعريف لكل من الفساد المالي والاداري لا بد من الاشارة الى ان مكافحة الفساد لا يقتصر فقط على سن تشريعات وقوانين داخل الدول بل ان هناك منظمات دولية تعقد مؤتمرات وتصدر توصيات وتقدم مساعدات لمكافحة الفساد واهمها ما تقوم به منظمة الامم المتحدة في هذا المجال ( مؤتمر نابولي عام 1994 ومؤتمر الامم المتحدة التاسع في عام 1995 ....) وهكذا اذا كان الفساد ظاهرة عامة وشاملة واذا كان هناك مصطلح " فساد اداري " ومصطلح أخر " فساد مالي " فان الوقائع تشير الى صعوبة ما في التمييز بينها , الا انه يصبح سهلا التمييز في حال استعرضنا بعض الامثلة :

فاستغلال النفوذ من قبل السياسيين أو الموظفين في الادارة العامة من أصحاب المراكز العليا للحصول على منافع لصالح أتباعهم , والغش في الامتحانات الرسمية وتغاضي المراقب لهذه المسألة , والتساهل في ضبط الدوام اليومي للعاملين في الادارة العامة وغيرها ... هذه المسائل تدخل في مصطلح الفساد الاداري .

وبالعكس ان التلاعب بالاموال العائدة للدولة والمرافق العامة وتزوير الايصالات والفواتير والمعاملات المتعلقة بشؤون مالية عمومية أو تعود للقطاع العام بسبب ضعف أو عدم وجود المراقبة بالتواطؤ مع الموظف المسؤول ... يشكل فسادا ماليا .

بناءا على ما تقدم يمكن القول أن الفساد الاداري هو ظاهرة سلبية تتفشى داخل الاجهزة الادارية ولها أشكال عديدة تتحد وتلك الاشكال نتيجة للثقافة السائدة في المجتمع وتقترن بمظاهر متنوعة كالرشوة وعلاقات القرابة والوساطة والصداقة وهي تنشأ بفعل أسباب مختلفة هدفها احداث انحراف في المسار الصحيح للجهاز الاداري لتحقيق أهداف مشروعة فردية أو جماعية ( نهب المال العام والابتزاز ) .

أما الفساد المالي فهو ظاهرة سلبية تتمثل بالانحرافات المالية وعدم الالتزام بالقواعد والاحكام المالية التي تنظم سير العمل الاداري والمالي في الدولة ومؤسسساتها ومخالفة تعليمات أجهزة الرقابة المالية . وتتجسد مظاهر الفساد المالي بالاختلاس والتهرب الضريبي ...

2- أسباب وجود الفساد المالي والاداري

في الواقع تتعدد أسباب وجود الفساد المالي والاداري في المجتمعات فمنها الأسباب السياسية والاجتماعية والحضارية والاقتصادية وغيرها ولعلنا نستطيع اختصار مجموعة من الاسباب العامة لهذه الظاهرة كما يلي :

· انتشار الفقر والجهل ونقص المعرفة بالحقوق الفردية , وسيادة القيم التقليدية والروابط القائمة على النسب والقرابة .

· عدم الالتزام بمبدأ الفصل المتوازن بين السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية في النظام السياسي وطغيان السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية وهو ما يؤدي الى الاخلال بمبدأ الرقابة المتبادلة , كما أن ضعف الجهاز القضائي وغياب استقلاليته ونزاهته يعتبر سببا مشجعا على الفساد .

· ضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها .

· تزداد الفرص لممارسة الفساد في المراحل الانتقالية والفترات التي تشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ويساعد على ذلك حداثة أو عدم اكتمال البناء المؤسسي والاطار القانوني التي توفر بيئة مناسبة للفاسدين مستغلين ضعف الجهاز الرقابي على الوظائف العامة في هذه المراحل .

· ضعف وانحسار المرافق والخدمات والمؤسسات العامة التي تخدم المواطنين .

· غياب قواعد العمل والاجراءات المكتوبة ومدونات السلوك للموظفين في قطاعات العمل العام والخاص , وهو ما يفتح المجال لممارسة الفساد .

· غياب حرية الاعلام وعدم السماح لها أو للمواطنين بالوصول الى المعلومات والسجلات العامة , مما يحول دون ممارستهم لدورهم الرقابي على اعمال الوزارات والمؤسسات العامة .

· ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخاصة في الرقابة على الأداء الحكومي أو عدم تمتعها بالحيادية في عملها

· الاسباب الخارجية للفساد وهي تنتج عن وجود مصالح وعلاقات تجارية مع شركاء خارجيين أو منتجين من دول أخرى , واستخدام وسائل غير قانونية من قبل شركات خارجية للحصول على امتيازات واحتكارات داخل الدولة .

· البطالة وتدني الرواتب والاجور وتباين الدخول بشكل كبير وانخفاض مستوى المعيشة بشكل عام فضلا عن غياب الفعالية الاقتصادية في الدولة وكثرة الصفقات التجارية المشبوهة أو الناتجة عن عمليات السمسرة .

· وهكذا فان جميع هذه العوامل الوارد ذكرها تساهم في نشوء حالات الفساد وتغلغله في ثنايا الادارة العامة على جميع مستوياتها ومن هنا يجب أن تكون المعالجة شاملة ولا تقتصر على جانب واحد من جوانب المجتمع ...

3- آ ثار الفساد المالي والاداري :

ان للفساد بصورة عامة مجموعة من الآثار السلبية لعل من اهمها :

· حالات الفقر وتراجع العدالة الاجتماعية وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع نتيجة تركز الثروات والسلطات في أيدي فئة الأقلية التي تملك المال والسلطة على حساب فئة الأكثرية وهم عامة الشعب .

· ضياع أموال الدولة التي يمكن استغلالها في اقامة المشاريع التي تخدم المواطنين بسبب سرقتها أو تبذيرها على مصالح شخصية , وما لذلك من آثار سلبية جدا على الفئات المهمشة .

· فقدان الثقة في النظام الاجتماعي السياسي , وبالتالي فقدان شعور المواطنة والانتماء القائم على علاقة تعاقدية بين الفرد والدولة , الى جانب هجرة العقول والكفاءات والتي تفقد الأمل في الحصول على موقع يتلاءم مع قدراتها , مما يدفعها للبحث عن فرص عمل ونجاح في الخارج , وهذا له تأثير على اقتصاد وتنمية المجتمع عموما .

4- التمييز بين المخالفات المالية والمخالفات الادارية :

تختلف المخالفة المالية عن المخالفة الادارية في ان الاولى هي عبارة عن مسلك مخالف لقاعدة مالية مقررة .

وقد تكون القاعدة المالية مقررة في الدستور أو القوانين أو اللوائح كما تتضمنها تعليمات عامة واجبة الاتباع فيلتزم بها مصدر هذه التعليمات وكذلك المخاطب بها .

أما المخالفة الادارية فهي ليست محددة حصرا ونوعا بل مردها الى اخلال الموظف بواجباته الوظيفية أو الخروج على مقتضياتها والواجبات الوظيفية لم ترد على سبيل الحصر بل على السبيل المثال , ولكنها قد ترد في تشريعات مختلفة ومثال تلك المخالفات التي نص عليها قانون الوظيفية العامة أو قوانين الخدمة المدنية ( أن ينفذ الموظف ما يناط به من عمل وما يصدر اليه من أوامر من رؤسائه بدقة وأمانة ) .

واذا كانت المخالفات المالية تمثل اخلالا من قبل الموظف لقاعدة مالية مقررة فان المخالفات الادارية هي اخلال بواجب وظيفي من الواجبات الملقاة على عاتق الموظف قانونا ولم يترتب عليها ضرر مالي للمؤسسة أو الوحدة الاقتصادية مثال :

أداء العمل بدقة وأمانة + احترام مواعيد العمل الرسمية + عدم افشاء أسرار العمل + عدم مزاولة الأعمال التجارية + عدم قبول أي مكافأة مقابل العمل .

ولتوضيح الفرق بين المخالفة الادارية والمخالفة المالية نورد المثال التالي :

· يحصل موظف في وزارة معينة على مكاسب خاصة بشكل غير قانوني مقابل أداء مهمة مطلوبة عادة منه بحكم القانون أو أن تدفع الرشوة للحصول على خدمات يحظر على الموظف تقديمها وهكذا نكون أمام مخالفة ادارية ...

· يتقاضى موظف في وزارة معينة نسبة مئوية على العقود وعن طريق التأخير في اعلام الادارة عن حاجتها الى طلبية معينة ... وعندما يعلم هذا الموظف احدى الشركات التي تحضر كل مستنداتها ... وبسبب التواطؤ بين الموظف والشركة تفوز هذه الأخيرة بالعقد ويتقاضى الموظف الرشوة وهكذا نكون أمام مخالفة مالية ...

II -الأجهزة المولجة بالتحري والتدقيق .

يمكن تقسيم الاجهزة المختصة بالتحري والتدقيق في عمل الادارات العامة والمؤسسات المستقلة الى أربعة فئات :

· التفتيش المالي والاداري

· ديوان المراقبة المالية

· النيابة العامة المالية

· وسيط الجمهورية

1- التفتيش المالي والاداري :

يسمى هذا الجهاز في لبنان بالتفتيش المركزي وقد أنشئ بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 115 تاريخ 12/6/1959 حيث نصت المادة الاولى منه على ما يلي : " أنشئ لدى رئاسة الوزراء تفتيش مركزي تشمل صلاحياته جميع الادارات الحكومية والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة والبلديات والذين يعملون في هذه الادارات والمؤسسات والمصالح والبلديات بصفة دائمة أو مؤقتة من موظفين أو مستخدمين أو أجراء أو متعاقدين وكل من يتناول راتبا أو أجرا من صناديقها وذلك ضمن أحكام النصوص التي يخضعون لها .

ويمكن للحكومة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء ان يخضع لسلطة التفتيش المركزي بصورة دائمة أو طارئة سائر المؤسسات الخاضعة لمراقبة ديوان المحاسبة .

لا يخضع القضاء والجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام لسلطة ادارة التفتيش المركزي الا في الحقل المالي وضمن الحدود المنصوص عليها في قوانينها الخاصة " .

واضافت المادة 2 من قانون التفتيش المركزي على انه : " يتولى التفتيش المركزي المهام التالية :

· مراقبة الادارات والمؤسسات العامة والبلديات بواسطة التفتيش على اختلاف أنواعه .

· السعي الى تحسين أساليب العمل الاداري .

· ابداء المشورة للسلطات الادارية عفوا أو بناء لطلبها .

· تنسيق الأعمال المشتركة بين عدة ادارات عامة .

· القيام بالدراسات والتحقيقات والاعمال التي تكلفه بها السلطات .

ويتألف التفتيش المركزي من ادارتين هما ادارة التفتيش المركزي وادارة الابحاث والتوجيه .

تتألف ادارة التفتيش المركزي من المديرية العامة الادارية والمفتشيات العامة الفنية .

ويرأس كل مفتشية عامة مفتشين ومفتشين معاونين .

كما أن للتفتيش المركزي هيئة مؤلفة من رئيس ادارة التفتيش ( رئيسا ) ورئيس ادارة الابحاث والتوجيه ( عضوا ) وأقدم المفتيشين العامين رتبة (عضوا ).

2 – ديوان المراقبة المالية :

وهو ما يعرف في لبنان بديوان المحاسبة المنشأ بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 82 تاريخ 16/9/1983 وهو عبارة عن محكمة ادارية تتولى القضاء المالي مهمتها السهر على الاموال العمومية والاموال المودعة في الخزينة وذلك بمراقبة استعمال هذه الاموال ومدى انطباق هذا الاستعمال على القوانين والانظمة المرعية الاجراء . وبالفصل في صحة وقانونية معاملاتها وحساباتها.

وبمحاكمة المسؤولين عن مخالفة القوانين والأنظمة المتعلقة بها . ويرتبط ديوان المحاسبة اداريا برئيس مجلس الوزراء . ولقد أخضعت المادة 2 من المرسوم 82 / 1983 لرقابة ديوان المحاسبة :

· ادارات الدولة

· البلديات الكبرى

· المؤسسات العامة التابعة للدولة وتلك التابعة للبلديات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة .

· هيئات الرقابة التي تمثل الدولة في المؤسسات التي تشرف عليها أو في المؤسسات التي تضمن لها الدولة حدا أدنى من الأرباح .

· المؤسسات والجمعيات وسائر الهيئات والشركات التي للدولة او للبلديات او للمؤسسات العامة التابعة للدولة أو للبلديات علاقة مالية بها عن طريق المساهمة او المساعدة أو التسليف ...

تجدر الاشارة الى ان ديوان المحاسبة يتالف من جهاز بشري يضم قضاة ومراقبين ومدققي حسابات وموظفين اداريين برئاسة رئيس الديوان الذي يوزع أعمال الديوان وهو يمارس كما رئيس التفتيش المركزي الصلاحيات المالية والادارية التي تنيطها القوانين والانظمة بالوزير باستثناء الصلاحيات الدستورية . كما ان لديوان المحاسبة وظيفتان : ادارية وقضائية

يمارس وظيفته الادارية برقابته المسبقة على تنفيذ الموازنة وبتقارير ينظمها عن نتائج رقابته المسبقة والتي تهدف الى التثبت من صحة المعاملة وانطباقها على الموازنة واحكام القوانين والانظمة . وهناك الرقابة الادارية المؤخرة التي تهدف الى تقدير المعاملات المالية ونتائجها العامة من حين عقدها الى حين الانتهاء من تنفيذها الى قيدها في الحسابات .

ويمارس وظيفته القضائية على الحسابات للبت في صحتها وعلى اي شخص يتدخل في قبض الاموال العمومية والاموال المودعة في الخزينة وعلى الموظفين الذين يقومون بعمليات القبض والدفع لحساب الخزينة او لصالحها أو يمسكون حساباتها.

3 – النيابة العامة المالية :

أنشئت بموجب قانون القضاء العدلي-المرسوم الاشتراعي رقم 15 تاريخ 16/9/1983 وهي تختص بما يلي :

· جميع الجرائم المسبقة عن مخالفة احكام قوانين الضرائب والرسوم في مختلف المرافق والمؤسسات العامة وفي البلديات بما في ذلك الضرائب الأميرية والبلدية والرسوم الجمركية ورسوم المخابرات السلكية واللاسلكية .

· الجرائم المتعلقة بالقوانين المصرفية والمؤسسات المالية والبورصة ولا سيما المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف .

· الجرائم المتعلقة بقوانين الشركة المساهمة وجرائم الافلاس اضرارا بالدائنين .

· الجرائم التي تنال من مكانة الدولة المالية وجرائم تقليد وتزييف العملة والاسناد العامة والطوابع وأختلاس الاموال العامة .

وتجدر الاشارة الى انه يتوجب على المراجع المختصة ابلاغ النيابة العامة المالية لدى ديوان المحاسبة عن المخالفات المتعلقة بالقوانين المالية .

فادارة التفتيش المركزي عليها ايداع النيابة العامة المالية نسخا عن تقارير التفتيش المالي عندما يطلب منها اجراء تفتيش أو تحقيق تقتضيه المصلحة العامة ...

4 – وسيط الجمهورية :

يعمل في هذه المؤسسة في كثير من الدول المتقدمة وقد حققت نجاحات عديدة في مكافحة الفساد وتلبية مطالب المواطنين .

ويجري حاليا التمييز بين نوعين من الوسطاء , الأمبودسمان البرلماني Ombudsman parlementaire والوسيط الاداري mediateur administratif فالاول هو نموذج بريطاني والثاني هو نموذج فرنسي وكلاهما يهدف الى تحسين العلاقة بين الادارة والافراد ومساعدة من يجد صعوبة في تعامله مع الادارة .

وفي لبنان انشئ وسيط الجمهورية بموجب القانون 664 تاريخ 4/2/2005 وهو عبارة عن شخصية مستقلة لا تتلقى التعليمات من اي سلطة وهو يتدخل ضمن الشروط المحددة في هذا القانون لتسهيل التعامل مع الادارة والمساعدة على حل الخلافات الناجمة عن هذا التعامل ولوسيط الجمهورية جهاز معاون يختاره وفق الحاجة كما له ان يسمي من بين جهازه المعاون من يمثله للقيام بمهام التنسيق بين الادارات الاقليمية والمواطنين .

ولقد نصت المادة السابقة من قانون وسيط الجمهورية على ما يلي :

· يعود للوسيط تقدير جدية الطلب وقانونيته وله ان يطلب من الادارة تقديم الايضاحات والتعليق على الطلب خلال مهلة يحددها وفقا لكل حالة . كما له ان يطلب تزويده بالوثائق والمستندات التي يراها ضرورية او التي ترتئي الادارة المختصة تزويده بها .

· يعمل الوسيط على معالجة كل من الطلبات الموجهة اليه عن طريق تقريب وجهات النظر بين صاحب الطلب والادارة وعقد اللقاءات بينهما لطرح الحلول الملائمة والتقدم من الادارة بالتوصيات التي يرى انها قد تؤدي الى معالجة الطلب المطروح أمامه , توخيا لتطبيق القانون وعند غياب النص فوفقا لقواعد العدل والانصاف

· يمكن لوسيط الجمهورية ان يتقدم من الادارة المعنية بتوصيات من شأنها تحسين سير العمل فيها وتطويره , كما يمكنه ان يوصي بتعديل النصوص القانونية والتنظيمية في حال رآى ان تطبيق بعض احكامها من شأنه ان يؤدي الى حالات غير عادية ومنصفة .

· يعود للوسيط ان يعلم الهيئات الرقابية المختصة في معرض قيامه بمهامه عن كل ما يراه خطا او تقصيرا او تقاعسا من الموظفين او العاملين او من الادارة المعنية وعن كل ما يتعلق بتحسين سير العمل وتقدمه .

· لوسيط الجمهورية أن يطلب من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل تزويده بالدراسات المناسبة .

ونظرا لاهمية دور الوسيط فقد الزمه المشرع بوضع تقريرا سنويا وتقارير خاصة حول مواضيع مهمة ويرفع نسخة عنها الى كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء على ان تنشر تقارير الوسيط حكما في الجريدة الرسمية .

III - صور الفساد المالي والاداري

كثيرة هي المجالات التي يحصل فيها الفساد المالي والاداري فهي متنوعة يتعذر حصرها , كما يتعذر وضع تعاريف جامعة لها , ومع ذلك توجد مجالات تكثر فيها المخالفات المالية وهي التالية :

· الايرادات: وتتمثل في كل مخالفة للقواعد المنظمة للايرادات بكافة انواعها سواء كان الامر متعلقا بتقدير او ربط أو تحصيل تلك الايرادات وسواء كانت القواعد المنظمة عامة او خاصة .

· المصروفات : وتشمل كل مخالفة للقواعد المنظمة لصرف المال العام مثل مخالفة قانون الموازنة ولوائحها أو مخالفة اللوائح المالية بالهيئات والمؤسسات ...

· المخازن : وفي هذا المجال تتمثل المخالفة المالية في مخالفة أحكام لائحة المخازن والمشتريات أو ما يقابلها من نصوص اللوائح بالهيئات والمؤسسات ...

· المشتريات : مخالفة القواعد الخاصة بالمشتريات الحكومية وفقا لقانون المناقصات والمزايدات ولائحته التنفيذية او ما يقابل ذلك من نصوص في اللوائح الخاصة بالهيئات أو المؤسسات العامة ووحدات القطاع الحكومي .

· أعمال الحسابات الجارية والختامية : القواعد المنظمة لاعداد تلك الحسابات او في حالة تقديم الحسابات الجارية والختامية الى وزارة المالية او الى الجهاز المركزي للرقابة بصورة لا تطابق ما هو وارد بالدفاتر الحسابية المختلفة .

· شؤون الموظفين : وتشمل المخالفات التي تمس شؤون الموظفين من حيث التعيين والعلاوات والترقيات والمرتبات والتسويات والمعاشات وهكذا نستطيع القول ان ما ورد أعلاه هو اهم مجالات التي يكثر فيها حدوث المخالفات المالية والادارية وليس معنى ذلك انه لا توجد مجالات اخرى للمخالفات المالية غير تلك المشار اليها .

ومن البديهي القول ان سبب وقوع المخالفات المالية والادارية يعود اما الى الاهمال وضعف الرقابة الداخلية واما الى الانحرافات العمدية ( اختلاسات ورشوة وسرقة وتزوير وغيرها )

عمليات التحقيق والتحري والتفتيش -IV

قبل الحديث عن التحقيق الاداري لا بد من الاشارة الى ان الفساد الاداري والمالي هو موضوع تجريم على المستويين الدولي والمحلي بمعنى اخر ان الرشوة في القطاعين العام والخاص واختلاس الاموال العامة واساءة استعمال السلطة والنفوذ تشكل جرائم جزائية وتعاقب عليها أغلبية القوانيين ان لم نقل جميعها عملا بمبدا شرعية الجرائم والعقوبات فالموظف الذي يرتكب هذه الجرائم يلاحق اولا على اساس المسؤولية الجزائية وان وجدت بعض الامتيازات والحصانات المقررة لبعض الموظفين ( حسب قانون كل دولة ) الا ان ذلك لا يتعدى ان يكون سوى قيد على الملاحقة الجزائية وليس مانعا من موانع العقاب .

وفي هذا الاتجاه نقرا المادة الثانية فقرة (3) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد الاداري عام 2003 والتي نصت على ما يلي : " تتخذ كل دولة طرف وفقا لنظامها القانوني ومبادئها الدستورية ما قد يلزم من تدابير لارساء أو ابقاء توازن مناسب بين اي حصانات او امتيازات قضائية ممنوحة لموظفيها العموميين من اجل أداء وظائفهم وامكانية القيام عند الضرورة بعمليات تحقيق وملاحظة ومقاضاة فعالة في الافعال المحرمة وفقا لهذه الاتفاقية ". هذا وان منح الموظفين او بعض فئات منهم حصانة او امتيازا يحد من مساءلتهم او ملاحقتهم الجزائية عن الجرائم التي تقع منهم بسبب او بمناسبة عملهم الوظيفي لا يبدو متسقا من الناحية القانونية مع المبادئ الحديثة واهمها مبدا المساواة امام القانون الجزائي ولا متفقا من الناحية الواقعية مع ضرورات مكافحة الفساد .

فهذه الحصانات ايا كانت تسميتها او نطاقها تميز في المركز الاجرائي بين الافراد والمتهمين لمخالفة احكام القانون الجزائي ولا يبرر ذلك بمبدا الفصل بين السلطات او ضمان استقلال السلطة التنفيذية في مواجهة السلطة القضائية .

اما من الناحية الواقعية فاننا نرى ان هذه الحصانات ايا كان تسميتها تعرقل الكشف عن جرائم الفساد او تحد من فاعلية اجراءات التحقيق والملاحقة في مواجهة جرائم الفساد ولا سيما وان هذه الحصانات مضافا اليها ما يتمتع به كبار الموظفيين من سلطة فعلية تمثل في الغالب عائقا يحول دون تعزيز الادلة ويساهم في بطء اجراءات الكشف عن الحقيقة .

وبالعودة الى موضوع التحقيق الاداري في المخالفات المالية والادارية الناتجة عن الفساد كما ذكرنا سابقا فاننا سنعالجه وفقا للخطة التالية :

1- اجراءات المرحلة السابقة على التحقيق الاداري :

2- الاجراءات التي ينبغي مراعاتها اثناء التحقيق :

ولكن قبل الحديث عن هذه الاجراءات لا بد من تسليط الضوء على مفهوم التحقيق الاداري وتمييزه عن التحقيق الجنائي .

وعليه يعتبر التحقيق الاداري عبارة عن مجموعة من الاجراءات التي تهدف الى الكشف عن حقيقة العلاقة بين الموظف المحال للتحقيق والواقعة محل التحقيق كاجراء تمهيدي للمحاكمة التأديبية واستصدار قرار اداري تاديبي في حالة ثبوت المخالفة اما التحقيق الجنائي فهو مجموعة الاجراءلت التي تهدف للوصول الى الحقيقة بشان جريمة جزائية معينة ( مبدا شرعية الجرائم والعقوبات ) ولكن قد يكون الفعل الواحد مكون لجريمة جزائية وتاديبية في الوقت ذاته وفي هذه الحالة يجب ان تتوقف التحقيقات الادارية حتى صدور حكم جزائي نهائي بشان الجريمة المقترفة . وفي حال التبرئة جزائيا فلا شيء يمنع من تحريك المسؤولية التأديبية اي متابعة التحقيق الاداري ومعاقبته اداريا اذا تحققت عناصر المخالفة الادارية .

كما ينظر الى الفرق بين التحقيق الجنائي والتحقيق الاداري من زاوية سلطات المحقق في كل منهما .فسلطات المحقق الجنائي أوسع من سلطات المحقق الاداري نظر لاختلاف النظام القانوني الذي يحكم عمل المحقق كما ان العقوبات التي يمكن ايقاعها على المتهم تختلف في النظام التأديبي عنها في النظام الجزائي وهذا يعكس النتائج المترتبة على التحقيق الاداري وأثرها على المركز الوظيفي للموظف العام اما التحقيق الجنائي فنجد آثاره تنعكس على الوضع الاجتماعي للمتهم والتي قد تصل الى سلبه حريته ( السجن او التوقيف ) او الى حرمانه منها كالاعدام .

والغاية من التحقيق الاداري هو ضبط العمل الاداري وتامين سير المرافق العامة بانتظام واطراد من خلال ردع الموظفين الذين يرتكبون مخالفات وظيفية بينما يهدف التحقيق الجنائي من اكتشاف الجرائم الى انزال العقوبات بمن يمس امن المجتمع ويهدد سلامته .

يبقى ان نقول بان التحقيق الجنائي تتولاه هيئة تحقيق وادعاء عام ويستثنى من ذلك الحالات التي تتولى فيها هيئة الرقابة والتحقيق مهمة التحقيق في بعض الجرائم المتصلة بالوظيفة العامة اما التحقيق الاداري فتتولاه الجهة الادارية او هيئة الرقابة والتحقيق ...

بعد تعريف التحقيق الاداري وتمييزه عن التحقيق الجنائي تعود الى دراسة الاجراءات بشيء من التفصيل .

1- اجراءات المرحلة السابقة على التحقيق الاداري:

ونقصد بذلك الاحالة والاستدعاء ودراسة الاوراق .

· الاحالة الى التحقيق :

تعد الاحالة الى التحقيق من الشكليات الجوهرية ومنها تبدا اجراءات التحقيق للكشف عن حقيقة التهمة المنسوبة الى الموظف المخالف وتوقيع الجزاء التاديبي عليه , فهي تعتبر ضمانة للموظف المخالف حتى لا يفاجأ بدون مقدمات باحالته الى التحقيق لما في ذلك من اضرار معنوية وادبية والاحالة الى التحقيق تكون بموجب قرار اداري او مذكرة صادرة من صاحب الصلاحية المختص بالتأديب في الجهة الادارية او من يفوضه .

وهنا نشير الى انه يتعين اتخاذ جانب الحرص عند الاحالة الى التحقيق بحيث ينبغي الا يكون التحقيق قائما على شبهة او نكاية او عداوة كما يجب عدم التهاون في الاحالة الى التحقيق حتى لا يؤدي ذلك الى التسيب ومكافأة المخالف .

· استدعاء الموظف المخالف للتحقيق معه :

هو اجراء يكلف به المحقق الموظف المخالف بالحضور في المكان والزمان المحددين بالاستدعاء لسؤاله عما هو منسوب اليه او لاستجوابه او مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود وينبغي ان يتضمن الاستدعاء اسم الموظف المخالف ولقبه ووظيفته ومحل اقامته وتوقيع من اصدره فضلا عن اشتماله على الزمان والمكان اللذين يحضر فيهما .

· دراسة الاوراق :

يجب على المحقق قبل البدء في التحقيق ان يقوم بدراسة كل اوراق القضية واركانها وكل ما يتعلق بها لكي يتمكن من تحديد نوعية المخالفة المطلوب التحقيق فيها ولمعرفة اختصاص وطبيعة عمل الموظف المخالف .

2- الاجراءات التي ينبغي مراعاتها اثناء التحقيق :

هناك مجموعة من الاجراءات لا بد من مراعاتها اثناء التحقيق الاداري وهي التالية :

· وجوب ان يكون التحقيق مكتوبا بحيث يدون الكاتب افادة الموظف بعد سماع أقواله من قبل المحقق .

· وجوب بداية التحقيق بمواجهة الموظف المخالف بالتهمة المنسوبة اليه واحاطته بوضوح انه بصدد تحقيق رسمي معه بشان التهمة وافهامه ان ذلك يؤدي الى توقيع عقوبة تاديبية عليه في حال الادانة .

· استجواب الموظف المخالف بان توضح له جميع تفاصيل المخالفة المنسوبة اليه ومجابهته بالادلة المختلفة القائمة ضده ومناقشته فيها تفصيليا ومطالبة المتهم بالرد على ما هو منسوب اليه من وقائع وادلة اتهام وتمكينه من الدفاع عن نفسه من خلال طلب الشهود والمستندات وخلافه التي تؤيد براءته .

· سماع شهود الاثبات ومواجهة المخالف لهم اذا رآى المحقق ضرورة لهذه المواجهة واثبات كل ذلك في محاضر التحقيق

· سماع شهود النفي الذين يطلب المخالف سماع شهادتهم مع التأكيد على حرية المحقق في تحديد الشهود والذين يستمع اليهم ولكن بالقدر الذي لا يهدر حق الموظف في الدفاع عن نفسه .

· مواجهة الموظف في نهاية التحقيق بجميع الادلة والقرائن القائمة ضده ومطالبته بالرد على كل منها على حدة .

· في حال الانتقال الى اي مكان للمعاينة يجب اجراء محضر بذلك يذكر فيه وقت الانتقال وعدد المرافقين وسبب الانتقال وكل ما شاهدوه او وجدوه في المكان .

· وجوب اثبات كل اقوال ووقائع التحقيق في محاضر التحقيق كل في وقتها وملاحظة توقيع المحقق والمخالف والشهود وكاتب المحضر ان وجد .

· بعد انتهاء التحقيق في القضية يقوم المحقق باعداد مذكرة تفصيلية يوضح فيها وقائع القضية والاجراءات التي تمت بشانها والتحقيقات التي اجريت فيها والنتائج التي تم التوصل اليها والرأي النظامي فيها .

· يتوجب على المحقق أن يكون ملما بمشتملات محضر التحقيق واجراءاته لكي يكون التحقيق قد تم وفقا للأصول القانونية بحيث ينبغي عليه عند افتتاحه للمحضر ان يذكر فيه اسمه ووظيفته وتاريخ ومكان وساعة افتتاحه , والامر المستند اليه في ذلك وموضوع القضية باختصار, كما يتوجب عليه تدوين اسم المستجوب وعمره ومهنته ومرتبته الوظيفية وجنسيته ورقم هويته ومصدرها .

· يجب أن تذيل كل ورقة من أوراق التحقيق بتوقيع من تولى التحقيق .

· ينبغي أن يكون تدوين المحضر بخط واضح ولا يجوز المسح أو الشطب أو الحشو أو الالغاء لاي صفحة من صفحات المحضر وفي حال الخطأ في عبارة ما توضح بين قوسين ويكتب القوس الأخير عبارة ملغى ويوقع المحقق أمام التعديل ...

· يجب ان تتلى على المستجوب أقواله بعد الانتهاء منها ويثبت اقراره بها واصراره عليها بعد السؤال الأخير والاجابة عنه أنه (تليت عليه أقواله فأقرها ووقع ) .

-Vآليات مكافحة الفساد المالي والاداري :

ان تعقد ظاهرة الفساد الاداري والمالي وامكانية تغلغها في كافة جوانب الحياة ونتيجة لأثارها السلبية على كافة مفاصل الحياة فقد وضعت عدة اليات لمكافحة هذه الظاهرة ولعل من اهمها هي :

· المحاسبة : وهي تعني خضوع الأشخاص الذين يتولون المناصب العامة للمساءلة القانونية والادارية والاخلاقية عن نتائج أعمالهم , اي أن يكون الموظفين الحكوميين مسؤولين أمام رؤسائهم ( الذين يشغلون قمة الهرم في المؤسسة اي الوزراء ومن هم في مراتبهم ) الذين يكونون مسؤولين بدورهم السلطة التشريعية التي تتولى الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية .

· المساءلة : وهي واجب المسؤولين عن الوظائف العامة سواء كانوا منتخين او معينين وتقديم تقارير دورية عن نتائج أعمالهم ومدى نجاحهم في تنفيذها وحق المواطنين في الحصول على المعلومات اللازمة عن اعمال الادارات العامة ( أعمال النواب والوزراء والموظفين العموميين ) .

حتى يتم التأكد من أن عمل هؤلاء تتفق مع القيم الديمقراطية ومع تعريف القانون لوظائفهم ومهامهم وهو ما يشكل أساسا لاستمرار اكتسابهم للشرعية والدعم من الشعب .

· الشفافية : وهي وضوح ما تقوم به المؤسسة ووضوح علاقتها مع الموظفين ( المنتفعين من الخدمة او مموليها ) وعلنية الاجراءات والغايات والاهداف , وهو ما ينطبق على أعمال الحكومة كما ينطبق على اعمال المؤسسات الأخرى غير الحكومية .

· النزاهة : هي منظومة القيم المتعلقة بالصدق والامانة والاخلاص والمهنية في العمل بالرغم من التقارب بين مفهومي الشفافية والنزاهة الا ان الثاني يتصل بقيم أخلاقية معنوية بينما يتصل الاول بنظم واجراءات عملية .

وان آليات المكافحة السابقة الذكر تشكل عناصر اساسية في استراتيجية مكافحة الفساد الاداري وتمثل الاستراتيجية كافة الاجراءات التي تتخذ بهدف اجراء اداء اعلى , كذلك وتعتبر الاستراتيجية نشاطا مستمرا ياخذ بعين الاعتبار القيم الادارية والبيئية . لذلك فان أغلب مؤسسات مكافحة الفساد الاداري تضع استراتيجية معينة لمكافحة حالات الفساد الموجودة وتبني هذه الاسترتيجية على الشمولية والتكامل لمكافحة هذه الظاهرة .

و ينبغي الاشارة الى ان القضاء على الفساد الاداري يتطلب صحوة ثقافية تبين مخاطره السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما ينبغي توفر الارادة الجادة والحقيقية من قبل القيادة السياسية لمحاربة الفساد الاداري حتى يكون ذلك على مستوى الدولة والمجتمع او على الاقل بان لا تصطدم توجهات مكافحة الفساد الاداري مع السلطة السياسية وان اي استراتيجية لمحاربة الفساد تتطلب استخدام وسائل شاملة تدعمها الادارة السابقة وعلى النحو التالي :

+ تبني نظام ديمقراطي يقوم على مبدا فصل السلطات و سيادة القانون من خلال خضوع الجميع للقانون واحترامه والمساواة امامه وتنفيذ احكامه من جميع الاطراف , نظام يقوم على الشفافية و المساءلة .

+ بناء جهاز قضائي مستقل و قوي و نزيه و تحريره من كل المؤثرات التي يمكن ان تضعف عمله والالتزام من قبل السلطة التنفيذية على احترام احكامه .

+ تفعيل القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد على جميع المستويات , كقانون الافصاح عن الذمم المالية لذوي المناصب العليا , وقانون الكسب غير المشروع , و قانون حرية الوصول الى المعلومات , وتشديد الاحكام المتعلقة بمكافحة الرشوة والمحسوبية واستغلال الوظيفة العامة في قانون العقوبات .

+ تطوير دور الرقابة والمساءلة للهيئات التشريعية من خلال الادوات البرلمانية المختلفة في هذا المجال مثل الاسئلة الموجهة للوزراء وطرح الثقة بالحكومة .

+ تعزيز دور هيئات الرقابة العامة كمراقب الدولة او دواوين الرقابة المالية والادارية او دواوين المظالم , و التي تتابع حالات سوء الادارة في مؤسسات الدولة والتعسف في استخدام السلطة , وعدم الالتزام المالي و الاداري , وغياب الشفافية في الاجراءات المتعلقة بممارسة الوظيفة العامة .

+ التركيز على البعد الاخلاقي و بناء الانسان في محاربة الفساد في قطاعات العمل العام والخاص وذلك من خلال التركيز على دعوة كل الاديان الى محاربة الفساد باشكاله المختلفة , وكذلك من خلال قوانين الخدمة المدنية او الانظمة والمواثيق المتعلقة بشرف ممارسة الوظيفة .

+اعطاء الحرية للصحافة و تمكينها من الوصول الى المعلومات و منح الحصانة للصحافيين للقيام بدورهم في نشر المعلومات وعمل التحقيقات التي تكشف عن قضايا الفساد و مرتكبيها .

+ تنمية الدور الجماهيري في مكافحة الفساد من خلال برامج التوعية بهذه الافة و مخاطرها و تكلفتها الباهظة على الوطن والمواطن , وتعزيز دور المؤسسات التابعة للمجتمع المدني والجامعات في محاربة الفساد و القيام بدور التوعية القطاعية و الجماهرية ...

المصادر :

1-الاعرجي عاصم:"نظريات التطوير والتنمية الادارية"-بغداد-مطبعة التعليم العالي-1988.

2-دحلان عبدالله صادق"قراءة في كتاب الفساد الاداري"-2004www.alwatan.com .

3-القريوتي محمد قاسم"اخلاقيات الخدمة العامة"-الطبعة الاولى-عمان-1985.

4-سليمان محمد مصطفى"حوكمة الشركات ومعالجة الفساد المالي والاداري"-الدار الجامعية-مصر-2006.

5-الوائلي ياسر خالد بركات"الفساد الاداري-مفهومه ومظاهره واسبابه"-مركز دراسات المستقبل-2005.

6-Caiden and caiden:”Administrative corruption public”-administration review- vo.l37-janv-1977.

7-Dobel,j.patrick:”The corruption of state american politica”-science review-vol.72-1978

8-Werner,simcha”New direction in the study of administrative corruption” Public administration review-vol.43-1983.

9-Hill,R,jonez.balkin”Administrative corruption”Strategic management journal-n4.2006.

10-Monk,R.and Minow,N:”Corporate governance”2e ed.Black Well Publishers,Malden,2001.

11-Hess,David and Impavido,Gregorio:”Governance of public pension funds,lessons from corporate governance and international evidence”,2003.

12-WWW.ahewar.org/debat/chow.art.asp.

13-WWW.al-ghad.org.

14-WWW.saaid.net/book.

15-WWW.almadapaper.net/sub.

16-WWW.alfikraalarabi.net.

17-WWW.ankawa.com/forum/index.phd.

18-WWW.hrdiscussion.com.

19-WWW.khutabaa.com/index.

20-WWW.nazaha.iq/search_web/edare/5.

بقلم الدكتور وسام غياض

استاذ في الجامعة اللبنانية

مجلة الحياة النيابية

سنة 2013 / عدد 88