الأبحاث

دراسة ربى الحيدري 01/01/2016

تنازع القوانين في عقد العمل الدولي

المؤلف
ربى الحيدري
تاريخ النشر
01/01/2016
المصدر
الجامعة اللبنانية

تنازع القوانين في عقد العمل الدولي

بقلم المحامية الدكتورة ربى الحيدري

المقدمــــة :

أسفرت العوّلمة عن التوسع في فتح الحدود بوجه الأجراء وأصحاب العمل وذوي رؤوس الأموال للإستثمار خارج النطاق الوطني والإقليمي واصبحت علاقات العمل علاقات متبادلة بين الدول مثلها مثل العلاقات التجارية الدولية اذ ان سوق الإستخدام هو جزء من البنيان الإقتصادي في أية دولة.والعقود الدولية عامة ترتكز الى اتصالها بأكثرمن نظام قانوني يعود الى دول متعددة. ولهذا ان العقد الدولي المبرم بين طرفيه غالبا ما يتضمن عناصر اتصال تشير الى أكثر من نظام قانوني يصلح ان يطبق على أحكام العقد المذكور.وقد تكون عناصر الاتصال شخصية (جنسية المتعاقدين او محل اقامتهم) او قد تكون موضوعية (مكان ابرام العقد او مكان تنفيذه)([1]).

ينطبق التعريف المذكور أعلاه على تعريف عقد العمل الدولي([2])حيث ترتبط علاقة الاستخدام بين الأجير وصاحب العمل بعنصر أجنبي من شأنه ان يمنح الصلاحية والاختصاص لأكثر من نظام قانوني([3])يسمح بتدخل أكثر من قاعدة قانونية وطنية وأجنبية لحل النزاع([4])وان هذا الأمر غالبا ما يؤدي الى تنازع القوانين. والمثال الأبرز اليوم يظهر على مستوى العقود التي يجريها الأجراء اللبنانيون مع شركات أجنبية لتنفيذ عقد العمل في دولة أجنبية ثالثة او كأن تكون الشركة المستخدمة لبنانية وعقد العمل سينفذ في دولة أجنبية يختلف نظامها القانوني عن نظام دولة الأجير ودولة صاحب العمل. باختصار ان مشكلة تنازع القوانين هي بالدرجة الأولى مشكلة اختيار بين قانون دولتين او أكثر.امام هذا التعدد في العلاقات والانظمة القانونية تبرز المشكلة بوضوح عند حدوث اي نزاع بخصوص انفاذ عقد العمل او انهائه قانونيا.

والمسألة الأدق تكمن في معرفة مدى تأثر عقد العمل الدولي بمنهجية حل النزاع وفقا لقواعد القانون الدولي الخاص([5]).خاصة وان اختصاص مجلس العمل التحكيمي هو اختصاص حصري، يتعلق بالنّظام العام وقواعد قانون العمل هي من القواعد الحتميّة التطبيق على المستوى الداخلي، حيث تعتمد عادة منهجية القواعد ذات التطبيق الفوري اي انه لا يعترض القاضي الناظر في النزاع اي عملية اختيار طالما انه يطبق هذه القواعد مباشرة دون البحث عما اذا كان ثمة قانون أجنبي على اتصال بالنزاع ام لا فيطبق قانون مكان تنفيذ العقد عملا بمبدأ الإقليميّة([6]) ( الفقرة الأولى) انما هل بامكان فرقاء عقد العمل اختيار القانون الواجب التطبيق على النزاعات الناتجة عن العقد بموجب ارادتهم التعاقدية، بمعزل عن القضاء الوطني المختص( الفقرة الثانية)؟

الفقرة الأولى : قانون العمل من القوانين الحتميّة التطبيق

تتضمن القوانين الحتميّة التطبيق مجموعة من القواعد الموضوعية القائمة داخل النّظام القانوني الوطني والبالغة الأهميّة في الدولة الى حد كبير يحول دون دخولها في اي منافسة مع القوانين الأجنبية ويتعين تاليا تطبيقها بصورة مباشرة وفورية بمعزل عن اعمال قواعد التنازع المعمول بها في الدولة([7]). ظهرت هذه القوانين بسبب تزايد تدخل الدولة في العديد من المجالات لا سيما الإقتصادية منها كما في عمليات الائتمان والرقابة على النقد او كتدخلها لحماية بعض الفئات غير المتساوية مع الفريق الآخر لحماية الطرف الضعيف كما في عقود العمل والنقل والايجار حيث تراجع بوضوح مبدأ سلطان الإرادة([8]). ويكون لهذه القوانين صفة النّظام العام الذي يوجب تدخلها بصورة مباشرة لفرض التطبيق الآمر لبعض الأحكام التي تحفظ تماسك النّظام القانوني وفاعليته([9])على اقليم الدولة وهو ما يعرف بمبدأ الإقليميّة(البند الاول) الذي يترتب عليه تطبيق قانون مكان تنفيذ العقد (البند الثاني).

البند الأوّل: إعمال مبدأ الإقليميّة

يعتبر قانون العمل من القوانين الحتميّة التطبيق او ذات التطبيق المباشر بعد ان نظمت الدولة العمل بقواعد إلزامية وغدا هذا التنظيم جزءا من قوانين الأمن العائدة للصناعة وينتمي بحكم ذلك الى القواعد الإقليميّة. وقد اعتبرت المسائل التنظيميّة في عقد العمل مثلا تحديد الأجور، ساعات العمل ،التعويض عن اصابات العمل وغيرها تخضع الى قواعد التطبيق المباشر لأنها تكون من اعداد وطني([10]).

فاذا كان تنفيذ عقد العمل سيكون في الإقليم اللبناني فان أحكام قانون العمل اللبناني الآمرة هي التي ستطبق على اي نزاع قد يطرأ على العقد. وهذا ما يعرف بمبدأ الإقليميّة في اطار القانون الدولي الخاص حيث تكون مهمة قاضي النزاع هي تعيين القانون الواجب التطبيق وفق قواعده الوطنية في حل النزاع.

وبدوره اخذ التشريع الفرنسي بأحكام إتفاقيّة روما تاريخ 19 حزيران 1980 التي اصبحت جزءا من النّظام القانوني الاوروبي وفرنسا طرف أساسي فيها وقد نشرت هذه الإتفاقيّة تاريخ 28 شباط 1991([11]). فنصت المادة السابعة([12])من الإتفاقيّة المذكورة على تطبيق قوانين البوليس والأمن المدني لقاضي النزاع كما نصت على امكانية اعطاء مفعول لقوانين البوليس والأمن المدني العائد الى دولة أجنبية غير الدولة التي يطبق قانونها اذا تبين وجود صلة ضيقة بتلك الدولة. ومن آثار تطبيق قاعدة الإقليميّة تطبيق قانون مكان تنفيذ العقد.

البند الثاني: تطبيق قانون مكان تنفيذ العقد

اتجه الفقه الفرنسي([13]) الى الأخذ بتطبيق قانون مكان تنفيذ عقد العمل حيث يؤيد بعض الفقه اللبناني([14])هذا الرأي ناظرا الى فئة العقود المنظّمة التي بمقتضاها تتدخل الدولة بين الأفراد لأسباب سياسية او إجتماعية او إقتصادية بأنه ومهما كانت العوامل الأجنبية التي تحيط بها، فان قاعدة الإرادة لا تطبق وتخضع هذه العقود حتما لقانون الدولة التي ترتبط بها بعنصر الربط المحدد بهذه الدولة والذي يكون غالبا مكان التنفيذ كما هو حال عقد العمل الخاضع إلزاميا للقانون اللبناني منذ تنفيذه على الإقليم اللبناني رغم وجود عناصر أخرى تعطي الصلاحية لاعمال القوانين الأجنبية.

وأخذ الإجتهاد اللبناني بهذه الوجهة([15])فقضى بأنه من المتفق عليه علما وإجتهادا ان قانون محل تنفيذ العقد هو القانون الواجب التطبيق دون سواه لأنه هو الذي يرعى مندرجاته وهو الذي يجب ان يكون الأجير خاضعا له اثناء عمله. وقضي ايضا([16]) بأنه لايختلف الحل وان تجزأ مكان التنفيذ اذا كان الأجير تنفيذا لعقد استخدامه قد عمل لدى صاحب العمل مدة أخرى في السعودية حيث حصل له طارىء عمل فيكون القانون اللبناني هو الواجب تطبيقه في مثل هذه الحالة لكون العقد قد تنفذ جزئيا في لبنان.

كما قضى مجلس العمل التحكيمي في بيروت([17]) بأن مبدأ الإقليميّة يجد سنداً له في نص المادة الثامنة من قانون العمل اللبناني التي نصت على ان أحكامه تطبق على الشّركات الأجنبية التي لها مركز تجاري او فرع او وكالة في لبنان.ونصوصه هي إلزامية تطبق على علاقة الأجير بأرباب العمل بالرغم من وجود اي اتفاق مخالف فتطبيقا لهذه الإعتبارات يكون مجلس العمل التحكيمي هو وحده المختص بالبت بجميع الخلافات الناشئة عن عقد عمل جرى تنفيذه في بيروت ولا قيمة لاتفاق الفريقين المخالف.

وتأييدا لهذه الوجهة، قضت محكمة التمييز اللبنانيّة([18])بتصفية تعويض نهاية الخدمة للأجيراللبناني وفقا للقانون اللبناني وبالعملة اللبنانيّة رغم انه متعاقد مع شركة سعودية لها مركز في لبنان بعد ان قررت ان تنقله للعمل في الخارج.

وحسب إجتهاد محكمة التمييز الفرنسية([19]) يطبق قانون مكان تنفيذ العقد الاعتيادي ولو وجد الأجير في دولة أخرى مؤقتا.وطبقت قانون العمل الفرنسي على عامل هندي الجنسية يعمل في مصرف تابع لشركة متعددة الجنسيّات انما نفذ عقد عمله في الفرع الفرنسي([20]).كما اهملت محكمة التمييز الفرنسية([21]) الأخذ بالمعيار الشخصي المتعلق بجنسية المتقاضين بل أخذت بالمعيار الموضوعي المتعلق بمكان تنفيذ العقد فقضت بأن محكمة الاستئناف احسنت بالقول بأن قانون ساحل العاج هو الواجب التطبيق و لو كان الطيار فرنسيا طالما انه لم ينفذ عقده فوق الاراضي الفرنسية و كان يتقاضى راتبه في ساحل العاج. وكل المؤشرات تربطه بقانون ساحل العاج.كما قضت بتطبيق قواعد الصرف التعسفي وفقا للقانون الفرنسي على أجير نقابي تابع لنقابة فرع الشركة في فرنسا و لو كان مرتبطا بعقد عمل مع شركة أجنبية([22]).كما طبقت المحكمة العليا قواعد الصرف الإقتصادي و فقا للقانون الفرنسي على أجراء يعملون لحساب شركة طيران أجنبية انما مركزهم في فرنسا([23]).

الا أنه وازّاء اعمال القواعد الإقليميّة هل من دور متبق لإرادة الأجير وصاحب العمل بمخالفة هذه القواعد وادراج بند تعاقدي صريح يجيز لهما اللجوء الى قانون اختياري يختلف عن القانون الإقليمي الواجب التطبيق؟

الفقرة الثانية: دور الإرادة التعاقدية في حل تنازع القوانين

ان المبدأ الذي يسود العلاقات الدولية وخاصة في مسألة حل التنازع بين القوانين ينطلق من قواعد ونظريات مختلفة حيث تبرز منها قاعدة الإرادة وهي التي تعطي للفرقاء في العقد ان يختاروا بارادتهم أحكام القانون التي ينبغي ان تطبق في حال وجود اي نزاع له علاقة اما بابرام العقد او تنفيذه او انهائه([24]).يظهر ذلك من خلال اختيار قانون من ضمن البنود التعاقدية المتفق عليها وفي حدود عدم مخالفة القواعد الآمرة في القانون الداخلي كأي بند تعاقدي آخر.فالقانون الأجنبي لا يتدخل في هذه الحالة بصفته قانونا أجنبيا وانما كتعبير عن ارادة تعاقدية([25]).

ان قاعدة الإرادة في القانون الدولي الخاص هي من القواعد التي كرستها إتفاقيّة روما المذكورة في المادة الثانية منها حيث يحق للفرقاء في العقد ان يعيّنوا القانون الذي يحكم كافة بنود العقد او اجزاء منه واذا كان العقد يمكن ان يتجزأ فعدة قوانين ممكنة التطبيق في هذه الحالة.

انما هل من مجال لإعمال قانون الإرادة في عقد العمل الدولي واستبعاد أحكام قانون العمل الإلزامية التطبيق والمتعلقة بالنّظام العام اذا اختار الفرقاء صراحة استبعاد القانون الوطني؟ ( البند الأوّل) ام يمكن للقاضي الناظر في النزاع ان يبحث عما اتجهت اليه ارادة الفرقاء لايجاد عناصر اتصال وثيقة مع القانون الواجب التطبيق( البند الثاني)؟ او ان يختار بين مجموع القوانين المطروحة لحل النزاع ما هو أفضل لمصلحة الأجير(البند االثالث)؟

البند الأوّل :تطبيق قانون الإرادة الصريحة في عقد العمل الدولي

ان الصلاحية الإقليميّة لدولة القاضي الناظر في النزاع لاتنسجم الا مع المسائل التي تتعلق بالانتظام العام دون سواها التي لا تؤثر في العلاقة العقدية القائمة بين الفرقاء والذين ارتضوا مسبقا بالتخلي عن بعض القواعد القانونية التي تنسجم مع طبيعة علاقاتهم. حيث نقضت محكمة التمييز الفرنسية([26]) قرار محكمة الاستئناف الذي قضى بتطبيق القانون الفرنسي بدلا من القانون البرازيلي المتفق على تطبيقه في عقد العمل. كما قضت ايضا بأن القرار الاستئنافي الذي قضى بتحميل صاحب العمل تعويضات مختلفة للأجراء وفقا للقانون الفرنسي قد خالف نص المادة 1134 المتعلقة بحرّية التعاقد طالما ان الفريقين قد اتفقا على انفاذ العقد وفقا للقانون النيجيري([27]).

يشير بعض الفقه الفرنسي([28])الى ان عقد العمل يشكل علاقة محض خاصة تخضع لقاعدة التنازع التي تخضع لها الموجبات العقدية.وبالتالي يخضع لقانون الإرادة الصريحةوالضمنية.والفقه الفرنسي([29]) الذين يؤيد هذا المنحى لا يميّز في العقود المماثلة لعقد العمل بين ما قد تضمنه من أحكام إلزامية وأخرى مكملة ويسمحون للإرادة في الحالتين ان تختار القانون الواجب التطبيق.

الا ان هذا الرأي قد انتقد من الفقه اللبناني([30])لأن قانون العمل يتضمن من جهة أحكاما تخضع للقانون العام والحرّية التعاقدية وقواعد أخرى حمائية تتعلق بالنّظام العام المطلق ولا يمكن لإرادة الفرقاء ان تخالفها ببنود تعاقدية من خلال استبعادها باختيار قانون لا ينسجم مع هذه القواعد.

وفي اتجاه فقهي ثالث([31])يوازي بين الرأيين، يعتبر انه طالما يتضمن عقد العمل أحكاما تنظيمية وأخرى تعاقدية فيقتضي التفريق بين قواعد تنظيم العمل وبين ما هو متروك لإرادة الفريقين. فبشأن قواعد تنظيم العمل يقتضي اعمال طريقة تحليل القوانين وتطبيق الأحكام الإلزامية في قانون القاضي الوطني تطبيقا مباشرا فمثلا ان عقد العمل المؤبد هو مخالف للنظام العام المطلق ايا كانت جنسية الأجير وايا كان القانون الذي اختاره المتعاقدان.لأن هذه القاعدة ترفض الاسترقاق وهي قاعدة متعلقة بالنّظام العام الدولي الذي يفرض نفسه دائما عندما يحاول صاحب العمل التنصل من قواعد ربط النزاع الوطنية([32]).وتأكيدا على هذا الرأي قضت محكمة التمييز الفرنسية في قضية Moukarim([33])بفسخ عقد عمل نيجيرية تعمل لدى بريطاني كخادمة وكانا قد مرا على الأراضي الفرنسية في رحلة.وذلك بعد ثبوت استرقاق الأجيرة النيجيرية وهو أمر مخالف للنظام العام ولحقوق الانسان، رغم انه لا يوجد اي رابط او صلة في القضية (الجنسية، مكان التنفيذ، الاتفاق) ما يسمح بتطبيق القانون الفرنسي.

اما عدا ذلك من مسائل عقدية تستقل بها ارادة الفرقاء في عقد العمل فتتبع بشأنها طريقة حل التنازع في موضوع العقود فيتبع بصدد كل منها فكرة الاسناد للدولة التي فيها يتم تنفيذ العقد.

ان الرأي الأخير من شأنه ان يؤدي الى تجزئة العقد وافقاده التجانس المطلوب([34])عند تطبيق قانون الإرادة الذي اختاره فرقاء العقد وبين قواعد النّظام العام التي تؤمن الحماية للطرف الضعيف. ولهذا عند التعارض بين قانون الإرادة والقانون الواجب التطبيق بفعل القواعد الإقليميّة يمكن للقاضي الناظر في النزاع ان يختار القانون الافضل لمصلحة الأجير.

البند الثاني: تطبيق القانون الأفضل لمصلحة الأجيرLa loi favorable

ان حرّية الإرادة في اختيار القانون الواجب التطبيق ليس من شأنها ان تؤثر على حق الأجير من ان يستفيد من القواعد الحمائية الآمرة في تشريعه الوطني المنطبقة على مكان تنفيذ العقد اي مكان وجود الأجير او مكان وجود المؤسسةL’Entreprise ([35]).

وفي احدى القرارات الصادرة عن مجلس العمل التحكيمي في جبل لبنان([36])الذي أخذ بتطبيق القانون اللبناني الأفضل لمصلحة الأجير بدلا من قانون مكان ابرام وتنفيذ العقد حيث قضى بأنه وان صح في الدعوى ان المحاكم السعودية صالحة للبت بالنزاع لأنها محكمة محل ابرام وتنفيذ العقد الا ان هذه الصلاحية لا تحجب صلاحية المحاكم اللبنانيّة طالما ان الفريقين لبنانيان ومقيمان في لبنان ولا يعقل ان يطلب من عامل لبناني مقيم في لبنان اقامة دعوى في السعودية بوجه لبناني آخر مقيم في لبنان بتاريخ اقامة هذه الدعوى والا ادى ذلك نظرا لامكانيات المدعي المادية ووضعه الإجتماعي الى استحالة في التنفيذ وتمنع عن احقاق الحق.

وبذات الاتجاه قضت محكمة التمييز الفرنسية بأن الأجير الفرنسي المتعاقد مع شركة أجنبية وان كان يخضع لصلاحية قضاء هذه الدولة و لو كان متعاقدا مع فرع في فرنسا فان ذلك لا يعني تنازله عن صلاحية القضاء الوطني المختص([37]). لأنه يقتضي ان لا تكون من نتائج هذا الإختيار حرّمان الطرف الضعيف في العقد من الحماية التي تؤمنها له النصوص الآمرة في الدولة التي يكون فيها سكنه الاعتيادي وذلك كي لا يستغل الطرف الأقوى في العقد وهو صاحب العمل الطرف الأضعف اي الأجير ليفرض على هذا الأخير من ضمن بنود عقد العمل القانون الذي يناسبه.

لهذا ينبغي ان ينظر للأمر من زاوية مصلحة الأجير باتباع القواعد القانونية والأحكام التي تحميه وتعطيه اوضاعا ومراكز افضل من القانون الوطني حيث تفرض قاعدة الإرادة نفسها بقوة لما تؤمنه للأجراء من عطاءات، عندها وحده القانون الذي اختاره الفرقاء هو الذي سيطبق على النزاع القائم ([38]).

وأخيراً هل من دور للقاضي الناظر في النزاع في تغليب الارادة الضمنية في اختيار القانون الواجب التطبيق وفقا لما اتجهت اليه نية الفرقاء دون اعمال مبدأ الإقليمية؟

البند الثالث: تطبيق القانون ذات الاتصال الواسع بعناصر العقد

اذا لم يختر المتعاقدون صراحة قانونا ما ليطبق عند تنفيذ عقد العمل او انهائه فيبقى بامكان القاضي الناظر في النزاع ان يبحث عن عناصر اتصال اوسع مع عقد العمل تشير الى اتجاه نية الفرقاء الضمنية في اعمال القانون الأكثر انطباقا على علاقتهم([39]). فقضت محكمة التمييز اللبنانيّة([40])بأنه في العقود الدولية يعود لمشيئة الفريقين تحديد القانون الذي يرعى هذه العقود وفي حال تخلفها عن ذلك يعود للمحكمة بالاستناد الى القرائن المتوفرة في النزاع القيام بهذه المهمة.

وبذات الاتجاه قضت محكمة التمييز الفرنسية بأن محكمة الاستئناف لم تخالف قانون البوليس او القانون الذات التطبيق الفوري (قانون العمل) عندما قررت ان القانون السويدي هو الواجب التطبيق وفقا لما اتجهت اليه نية الفريقين([41]). كما تشير المادة الثالثة من إتفاقيّة روما([42])المذكورة على ان العقد يحكمه القانون الذي اختاره اطراف العلاقة وهذا الإختيار يجب ان يكون صريحا او يستنتج بشكل مؤكد من بنود العقد او الظروف المرافقة.

و حديثا قضت محكمة التمييز الفرنسية([43]) بأنه عند غياب القانون الواجب التطبيق من قبل فريقي العقد يعود للقاضي الناظر بالنزاع ان يحدد القانون الواجب التطبيق على علاقة العمل من خلال مجموعة صلات واسعة مع قانون دولة النزاع. ومن العناصر ذات الاتصال المباشر مع القانون الواجب التطبيق والدالة عليه في عقد العمل يؤخذ مثلا بنوع العملة التي تحدد بها الأجر([44]) او وفقا لأي نظام قانوني انتسب الأجير الى الضمان الإجتماعي او نظام البطالة والتقديمات الإجتماعية او مكان ابرام العقد([45]).

خلاصــة

من إنعكاسات العوّلمة على عقد العمل انها ادخلته في اطار العقود التي تخضع لتقنية تنازع القوانين، بعد تدويل علاقات العمل بشكل متزايد بفعل فتح الحدود على بعضها البعض بوجه الاستثمارات والشّركات المتعددة الجنسيّات، وبفعل تنقل الأجير لتنفيذ عمله في بلد غير بلد ابرام العقد. ولما كانت الكثير من النزاعات تنشأ عند تنفيذ عقد العمل او انهائه في ظل أكثر من قانون يحكم العلاقة بين الأجير وصاحب العمل، باتت تقنيات حل تنازع القوانين في اطار القانون الدولي الخاص تشكل مرجعا لحل النزاع رغم خصوصية قانون العمل الاجتماعي والحمائي. كما ان الحديث عن استعادة دور الارادة التعاقدية في اختيار القانون الواجب التطبيق لحل النزاع الناتج عن عقد العمل الدولي ما هو الا انعكاس من الانعكاسات التي فرضتها العولمة رغم ان قانون العمل من القوانين الحتمية التطبيق نظرا لأن الإرادة او الحرية التعاقدية من اهم مظاهر النيوليبرالية والنظام الاقتصادي الحر الذي يعتبر اساسيا لي بلد يريد مواكبة العولمة. انما تبقى هذه الإرادة مقيدة بعدم مخالفة النظام العام الاجتماعي الحامي للأجير بحرمانه تعسفا من القواعد الإلزامية الحمائية التي يؤمنها له قانونه الاقليمي او الوطني. ما يسمح بتدخل القاضي الناظر في النزاع للحرص على تطبيق القانون الأفضل لمصلحة الأجير عند التعارض بين المنافع التي يؤمنها القانون الوطني وقانون الإرادة.

( [1])عبدو غصوب، دروس في القانون الدولي الخاص، المؤسسة الجامعية للدراسات للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2008 ، ص 364 وما يليها .

([2]) Catherine.B et Gabriel.G, Droit européen et international du travail, Montchrestien, Paris, 2002, p133 et s :« Il existe un contrat de travail international dès lors que deux ou plusieurs Etats peuvent se trouver en compte à l’occasion d’une relation de travail salariale donnée ».

([3]( Joël Pauline Perrin, Le contrat de travail, L.G.D.J, 2003, p 100 :

« Un contrat de travail est dit international quand un ou plusieurs éléments de la relation de travail ( lieu d’exécution au regard de la nationalité des parties respectives des parties) peuvent suggérer l’application de plusieurs législations et engendrer un éventuel conflit de droit ».

([4]( A.L.Caen, Evolution du contrat de travail international, Dr.soc, 1978, p 197.

([5]( Rodière, Conflits de loi, Dr.soc, 1986, p 118.

([6]) محكمة التمييز المدنية، قرار رقم 134 تاريخ 12/3/2008، العدل 2008 العدد 4 ص 1698.

([7])Francescakis.Ph, Ency.Dalloz, Rép.Droit nternational ,V, Conflits de lois, n 124.

([8])Philippe Coursier, Le conflit de lois en matière de contrat de travail, L.G.D.J, Paris, 1993, p 208.

([9](Graulish, Règles de conflit et règles d’application immédiate, Mélanges Dabins, Tome II,p 635.

( [10])سامي منصور واسامة العجوز، دروس في القانون الدولي الخاص، بيروت 2005، ص 441.

([11](Cité in J.C.P,1991, II , no 64614.

([12](Article 7 de la convention du Rome: « Les dispositions de la présence convention ne pourrant porter atteindre à l’application des règles de la loi du pays du juge qui régissent impérativement la situation quelle que soit la loi applicable au contrat ».

([13](CF. Batiffol, droit international privé, 3e éd, paris 1959, n 608 : « S’il s’agit d’embauchage par un employeur d’un ouvrier ou d’un employé de nationalité différente de la sienne, la loi du lieu d’exécution du travail, doit en principe être suivie parce que les conditions du contrat de travail sont convives en fonction de l’exécution de ce contrat dans le pays en position ».

([14]( Emile Tyan, précis de droit international privé, 2e éd , Beyrouth,1974, P 277.

( [15]) مجلس العمل التحكيمي في بيروت، قرار رقم 101، تاريخ 18/1/1963، حاتم، الجزء 46 ص 53.

([16]) مجلس العمل التحكيمي في بيروت، قرار رقم 265 ، تاريخ 27/2/1964، قضايا العمل ، الملحق الأوّل 1964 الجزء الثاني ص 122.

([17]) مجلس العمل التحكيمي في بيروت، قرار تاريخ 16/11 1948، ن.ق 1949، ص 275.

([18]) محكمة التمييز المدنية، قرار رقم 64 تاريخ 12/7/2001، باز 2001 ، ص 816.

([19](cass.soc, 9 oct 2001, bull.civ, V, n 303: « A défaut de choix par les parties de la loi applicable, le contrat de travail est régi sauf s’il présente des liens plus étroits avec un autre pays par la loi du pays où le salarié en exécution du contrat accomplit habituellement son travail même s’il est détaché à titre temporaire dans un autre pays » .

([20](cass.soc, 23 janv 1996, bull.civ, V, n 4.

([21](Cass.soc, 28 fev 1986, bull.civ, n3.

([22](Ass. Plen, 10 juill 1992, Dr.soc, 1993, p 67.

([23](Ass. Plen,10 juill 1992, Dr.soc, 1993, P67.

([24])Deperz.J, La loi applicable au contrat de travail international, Dr.Soc 1991, p 21.

( [25])هشام علي صادق و حفيظة الحداد، الوجيز في القانون الدولي الخاص، الكتاب الثاني، 2000، ص 181.

([26](cass.soc, 30 juin 1993, bull.civ, V, n183.

([27](cass.soc, 7 mai 1987 , bull.civ V n 287.

([28])Batifol.H et Lagarde .P, Droit international privé, T II, L.G.D.J, 6e ed, Paris, 1976 n 291.

([29])Pigeoniere.L et Loussouran.Y,Précis de droit international privé, Dalloz, 9e ed, Paris, 1976, no 353, p 444.

( [30]) ادمون نعيم، الموجز في القانون الدولي الخاص وفقا للتشريع والإجتهاد في لبنان، الطبعة الثانية، بيروت 1993 ص 146.

( [31])نقولا اسود، محاضرات في قانون العمل والضمان الإجتماعي، محاضرات في قانون العمل والضمان الإجتماعي، الجامعة اللبنانيّة، 1970، ص 24 و25.

Rouast .Aet Durand.P, Précis de droit du travail, Dalloz, 2e ed, Paris 1961.

([32])cass.soc, 10 mai 2006, Dalloz 2006, IR 1401, note P.Guiomard : « L’ordre public international s’oppose à ce qu’un employeur puisse se prévaloir des règles de conflit de juridiction et de loi pour décliner la compétence des juridictions nationales ».

([33])cass.sos, 10 mai 2006, J.C.P 2006, II, 10121.

([34])Pigeoniere.L,Loussouran.Y, Précis de droit international privé, op.cit, no 353 p661.

([35])Chauvy.Y, Conflit de lois et contrat de travail, Dr.Soc 1993, p 6 :« Cette liberté de choix ne peut avoir pour effet de priver le salarié de la protection que lui confèrment les dispositions impératives de la législation nationale qui serait applicable selon le principe de rattachement à la loi du lieu d’exécution du travail ou à celle du pays ou se trouve l’entreprise qui a embauché le salarié.Ainsi quand le lieu d’exécution du contrat est en France ou quand l’employeur est installé en France le salarié peut se prévaloir de la loi française ».

([36]) م.ع.ت في جبل لبنان، قرار رقم 176 تاريخ 14/7/1998، حاتم جزء 216 ص 104.

([37](Cass.soc, 2 juin 1983, bull.civ, n 301.

([38])Olivier Chenéde, Dominique Jourdan , Contrat de travail, 5e ed, Delmas, Paris,2003, p 133 : « La loi choisie par les parties s’applique sous réserve qu’elle ne soit pas moins favorable que la loi du pays d’accueil.L’appellation du caractère plus favorable d’une loi (loi d’exécution ou loi d’autonomie) dit résulter d’une application globale des dispositions de cette loi ayant le même objet ou se rapportant à la même cause ».

([39](Catherine.B et Gabriel.G, Droit européen et international du travail, op.cit, p 145 :« En l’occurrence , au regard de l’ensemble des circonstances de la cause le juge peut refuser en l’absence d’identification d’une loi d’autonomie l’application de la loi d’exécution dans l’optique de retenir la loi d’un autre état qui présente des lien plus étroits avec le contrat de travail ».

([40])محكمة التمييز اللبنانيّة، قرار رقم 16 تاريخ 22/2/2011، كساندر 2011 العدد الثاني، ص 289.

([41](cass.soc, 29 mai 1991, bull.civ, n 270.

([42](Article 3 de la convention du Rome : « Le contrat est régi par la loi choisie par les parties ce choix doit être exprès ou résulter de façon certaine des dispositions du contrat ou des circonstances de la cause ».

([43](cass.soc, 14 mars 2006, JCP, E 2006, P 2081, Note Del.Sol : « En l’absence d’élection de loi par les parties au contrat de travail il appartient au juge de designer la législation applicable à la résultat de travail en raison de l’existence de liens étroits avec un pays en l’espèce ».

([44](cass.soc, 28 oct 1997, bull.civ, V, n 337, Dr soc 1998, P186, note Moreau.

([45](cass.soc, 31 mars 1978, bull.civ, V, n 259.

مُستشهد به

النصوص التي يستند إليها