دراسة عبد السلام شعيب 01/01/2016
النظام العام وقانون العمل في ضؤ العولمة
- المؤلف
- عبد السلام شعيب
- تاريخ النشر
- 01/01/2016
- المصدر
- الجامعة اللبنانية
محاضرة القيت في 11/4/2007
في بيت المحامي
النظام العام وقانون العمل في ضؤ العولمة[1]
بقلم المحامي الدكتور عبد السلام شعيب
ليس من السهل تحديد المقصود بمفهوم النظام العام، لان هذا المفهوم متطور ونسبي ويتغير بتبدل الزمان والمكان، ويتأثر بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والافكار الفلسفية التي يتعايش معها.
وقد تجنبت القوانين الوضعية تعريف النظام العام تاركه ذلك لحكمة القضاء وهمته.
فقانون الموجبات والعقود اشار الى فكرة النظام العام في العديد من مواده دون ان يعرفه والمادة 166 منه اعتبرت ان قانون العقود يخضع لارادة الفرقاء ولهم ان يرتبوا علاقاتهم القانونية كما يشاؤون شرط ان يراعوا مقتضى النظام العام والاداب العامة والاحكام القانونية التي لها صفة الزامية.
كذلك فعل القانون الفرنسي في المادتين 6 و 1133 منه.
وقد حاول بعض الفقهاء تعريفه فلم يوفقوا فاعتبروا ان هذه المحاولــة هـي كمـا قيل " مغامرة على الرمال المتحركة "[2].
والبعض الآخر تصدى للموضوع فحاول ان يقرب الفكرة من الاذهان انما لم يتفق على رأي او تعريف واحد.
فالعلامة جان كربونيه ربط مفهوم النظام العام بمعيار " المصلحة العامة " وسيادة المجتمع على الفرد. والنظام العام في رأيه يعبرعن النواة الصلبة للمجتمع وعن ارادة الحياة للمجتمع المهدد ببعض المبادرات الفردية من خلال العقود[3].
وعرفه العلامة جيرارد فرجات بانه التضاد antithèse لحرية التعاقد كما هو الاطار لهذه الحرية. [4]
اما العلامة عبد الرزاق السنهوري فقد اقترب في تعريفه من العلامة جان كربونيه حينما عرف النظام العام بانه:
" القواعد القانونيـــة التــي يقصــد بهــا تحقيـق مصلحة عامـة سياسيـة
" او اجتماعية اواقتصادية تتعلق بنظـام المجتمع الاعلى وتعلو على مصلحة الافـراد،
" فيجـب على جميع الافراد مراعـاة هــذه المصلحــة وتحقيقها ولا يجوز لهم ان
" يناهضوها باتفاقيات فيما بينهم، حتى لو حققت هذه الاتفاقات لهم مصالح فرديــة،
" فان المصالح الفرديـة لا تقوم امام المصلحة العامة[5].
وأحصى العلامة فيليب مالوري اثني وعشرين تعريفاً للنظام العام عندما وضع اطروحته حول النظام العام والعقد في العام 1951 واضاف اليها تعريفاً جديداً هو الثالث والعشرين[6] إذ عرف النظام العام بانه حسن عمل المؤسسات الضرورية للجماعة.
Le bon fonctionnement des institutions indispensables pour la collectivité.
والفقه والاجتهاد في لبنان لم يخرجا في تعريفهما للنظام العام عن المفاهيم السابقة. [7]
هذا ويخترق مفهوم النظام العام جميع فروع القانون باختلافها موضوعية كانت ام اجرائية، دولية او وطنية ونجد هذا المفهوم متجسداً في روابط القانون العام، من قواعد دستورية الى الحريات العامة و الانظمة الادارية والمالية والنظام القضائي، والقوانين الجزائية.
ونجده كذلك في بعض روابط القانون الخاص في الروابط المتعلقة بالاحوال الشخصية وبتنظيم العائلة وبحماية الافراد وبنشاط الدولة الاقتصادي.
وتجدر الاشارة الى ان قواعد النظام العام لا تشتمل على الاحكام القانونية الالزامية المكتوبة فقط بل تتجاوزها الى النظام العام غير المكتوب والمفترض Virtuel والمستمد من روح التشريع والمباديء القانونية العامة والاعراف وغيرها[8].
لهذا فان النظام العام هو اكثر اتساعاً من الاحكام القانونية الالزامية. وقد ترك للقاضي امر تقدير قواعد النظام العام والتحري عنها. ويكاد القاضي ان يكون مشرعاً في هذه الدائرة المرنة، بل هو مشرع يتقيد بآداب عصره وما هو سائد في الجماعة ونظم الامة الاساسية ولا يكون له العمل بارائه الخاصة ومعتقداته وفكره[9].
وقد فرق الفقهاء بين النظام العام المطلق او السياسي الذي يسود القانون المدني، والنظام العام الاقتصادي الذي ينقسم بدوره الى توجيهي ويعبر عن تدخل الدولة في الميدان الاقتصادي، والحمائي الذي يعمل على حماية بعض الفئات كالاجراء والمستهلكين والمستأجرين وغيرهم.
ولا بد عند دراسة مفهوم النظام العام وقانون العمل من ان نتعرف على خصوصية واستقلال هذا النظام العام في قانون العمل وما يعرف بالنظام العام الاجتماعي ونرى مدى توافقه او تنازعه مع النظام العام العادي المطلق وأثر التحولات الاقتصادية العالمية وثورة التقنيات والاتصالات عليه.
القسم الاول: خصوصية واستقلالية النظام العام في قانون العمل (النظام العام الاجتماعي)[10].
يرمز النظام العام الاجتماعي الى الدور الذي يقوم به قانون العمل في ارساء قواعد الامان الاجتماعي بتنظيم العلاقة بين الاجراء واصحاب العمل وحل المشاكل العالقة بينهم. فهذا النظام العام جاء مستوحاً من اعتبارات انسانية واجتماعية ضرورية لفئة واسعة من المجتمع. وهو يتألف من القواعد الاساسية التي يحتويها قانون العمل ان لجهة الاستخدام او الاجازات او الاجر وجميع شروط العمل التي لا يستطيع العقد الفردي او الجماعي مخالفتها. وينبع مصمون النظام العام الاجتماعي من المهمة الرئيسية لقانون العمل ألا وهي حماية الاجير.
والنظام العام الاجتماعي وخلافاً للنظام العام العادي او المطلق يمكن من حيث المبدأ الانفكاك عنه باتفاقات خاصة عندما تكون اكثر فائدة للاجراء وبالتالي فان هذا النظام العام ايجابي يعمل باتجاه واحد هو مصلحة الاجير وحمايته.
ويضيق مفهوم النظام العام الاجتماعي في ظل النزعة الفردية او يتسع في ظل النزعة الاجتماعية لدى الدولة. ويتأثر الى حد كبير بمفهوم الدولة اكانت دولة رعاية او دولة حراسة وبالمباديء الاقتصادية السائدة ومدى اخذها بالاقتصاد الموجه او اقتصاد السوق.
ومن اجل توضيح ذلك لا بد من تناول مصادر النظام العام الاجتماعي، ومن ثم مفهوم مصلحة الاجير أي مبدأ الاكثر فائدة Le principe de faveur.
أ- المبحث الاول: مصادر النظام العام الاجتماعي.
كرس قانون العمل في لبنان وفي فرنسا امكانية مخالفة الاحكام الالزامية التي نص عليها هذا القانون انما باتجاه واحد هو مصلحة الاجير وباتفاقيات خاصة تكون اكثر فائدة للاجراء. فكرس بذلك المبدأ المعروف بمبدأ الاكثر فائدة principe de faveur.
لم يأت قانون العمل اللبناني بنص عام يجيز مخالفة الاحكام الالزامية الواردة فيه لمصلحة الاجراء بل اورد القاعدة بشكل مجزء تتناول نصوص محددة.
فالمادة 43 من قانون العمل الواردة في الفصل الثالث المتعلق بمدة العمل والاجازات نصت على ان كل اتفاق مخالف لاحكام هذا الفصل بما يتعلق بمدة العمل والاجازات هو باطل حكما وللاجراء ان يستفيدوا من الاتفاقات والانظمة الاكثر فائدة لهم.
كما ان المادة 59 من ذات القانون بعد ان نصت في فقرتها الاولى على بطلان كل اتفاق مخالف لاحكام الفصل الرابع الخاص بالاجور نصت في فقرتها الثانية على ما يأتي.
" ان النصوص الواردة في اتفاق خاص او في نظام عام للعمال ويراد بها اعطاء هؤلاء " شروطاً اكثر فائدة لهم فيستفيدون منها " .
وكانت الفقرة 3 من المرسوم الاشتراعي رقم 25 ET القديم الخاص بطواري العمل قد اجازت رفع معدل التعويضات المنصوص عليها في هذا المرسوم الاشتراعي باتفاقات خاصة بين رب العمل والاجير.
ويطرح التساؤل هل ان بقية المواد في قانون العمل هي من النظام العام ايضاً.
ان الجواب على هذا التساؤل المطروح يجيب عليه الهدف الحمائي الذي يرمي اليه قانون العمل وبالتالي يمكن تجاوز هذه الصياغه الشكلية الضيقه التي وردت في المادتين 43 و 59 من قانون العمل واعتبار الشرط المخالف لقواعد قانون العمل جائزاً دائماً إذا كان اكثر فائدة للاجير10.
ويجوز دائماً ان تجري المخالفة لمصلحة الاجير سواء تناولت نصاً تشريعياً او مهنياً متى كان من شأن هذا النص تقرير حد ادنى لحماية الاجراء.
واعمال مبدأ الاكثر فائدة يمكن ان يحصل تجاه القواعد ذات الاصل المهني والمتمثلة بصورة رئيسية بعقود العمل الجماعية.
فبالرغم من ان العقد الجماعي يتسم بالطابع الالزامي إلا انه يسمح بالخروج عن احكامه بايراد بنود في عقد العمل الفردي اكثر مراعاة للاجراء.
فغاية العقد الجماعي هي تأمين حد ادنى من الحماية لصالح الاجراء بحيث يمكن للعقد الفردي ان يتجاوزه. وتصبح قواعد العقد الجماعي النظامية والمتعلقة بالنظام العام تكميلية إذا جاءت بنود عقد العمل الفردي اكثر فائدة وتزيد من العطاءات والمخالفة جائزة سواء وردت باتفاق فردي او في نظام داخلي للمؤسسة المماثل بطبيعة للعقد الفرد[11]
وهذا ما اكدته المادة 13 من قانون العقـود الجماعيـة والوساطـة والتحكـيم تاريخ 2/9/1964 التي نصت على انه:
" يسري عقد العمل الجماعي على جميع اجراء المؤسسة الخاضعة له حتى ولو لم
" يكونوا اعضاء في نقابة ما، وكذلك على جميع الاجراء الذين يكونون مرتبطين
" بالمؤسسة بعقود فردية خاصة إذا كانت شروط هذه العقــود الجماعية دون
" شروط العقد الجماعي فائدة للاجراء ".
وقد تكرس هذا المبدأ في المادة 19 من دستور منظمة العمل الدوليــة وفي توجيهات (Directives) المجلس الاوروبي وفي القانون الفرنسي، وفي قرارات مجلس شورى الدولة، ومحكمة التمييز[12].
المبحث الثاني: مفهـوم مصلحـة الاجـير او المبـدأ الاكثـر فائدة للآجـــراء[13]
Principe de faveur Le
يعتبر مبدأ الاكثر فائدة للاجراء روح قانون العمل.
انما ليس من اليسير دائماً تقدير ما قد تتضمنه النصوص المتعددة والمتعارضة من شروط ومدى فائدتها للاجير ولهذا لا بد من اعتماد معايير ثابتة تساعد على اجراء تقييم سليم.
وهذا الوضع يكتسب صعوبة خاصة في قانون العمل لتعدد المصادر التي تنظم شروط العمل والتي تتعارض احياناً مع بعضها البعض، وهذا ما يحدث عادة في حال وجود عقود عمل جماعية على صعيد المؤسسة والفرع المهنى والمستوى الوطني. كذلك الحال بالنسبة للتفاوض على عقود عمل جماعية جديدة بديلة عن العقود القديمة. وتتداخل المكاسب الجديدة مع تقليص بعض العطاءات السابقة. ويصبح التساؤل هل ان القبول هو لمصحلة الاجراء ام لا ؟
فأي تقنية نستعمل في هذا المجال ؟[14]
المقارنة الاجمالية او التحليلية؟
والمقارنة على المستوى القانوني ام الاقتصادي ؟
فعندما يشمل نص واحد على عدة مسائل فاي تقنية يقتضي استخدامها لمقارنته بنص آخر. فهل نلجأ الى تقدير اجمالي للجزم بان نصاًً معيناً هو اكثر مراعاة من غيره لمصلحة الاجير ام تقوم على العكس من ذلك بتحليل كل مسألة على حده ؟
قد يكون لتقنيه التقدير الاجمالي فضيلة مميزه وهي تلافي تجزئة وتقطيع النصوص القانونية والاتفاقية والحيلولة دون المساويء الملازمة للتطبيق الجماعي لتقنين ذي مصادر مختلفة ومؤدى هذه الطريقة ان النص الاكثر مراعاة ينطبق بكامله، لكن التقدير في هذه الحالة يخشى ان يصبح تحكمياً. ذلك ان العقد الجماعي مثلاً قد يتضمن بعض النصوص المراعية لمصحلة الاجراء مقابل التنازل عن بعضها. فالتطبيق الاجمالي في هذه الحالة قد يؤدي الى تجاهل النص لكي نقدر فائدته للاجراء في مجموعهم.
.
ولمعرفة افضلية النصوص يقتضي ان تتم المقارنة على المستوى القانوني وليس الاقتصادي وذلك بتحليل مضمون هذه النصوص كل واحدة بواحدتها دون اعتبار النتائـج البعيــدة التـي يجرها النص المخالف[15].
القسم الثاني: حدود النظام العام الاجتماعي.
Les limites de la dérogabilité « in melius ».
ليس هنالك من مبدأ دون استثناءات .
فالنظام العام الاجتماعي يصطدم بقواعد اخرى اكثر صلابة او جموداً هي قواعد النظام العام المطلق ordre public absolu.
إلا انه وعلى اثر التحولات الاقتصادية التي شهدها القرن الماضي وانفتاح الاسواق على بعضها البعض وتطور التقنيات والاتصالات وظهور الليبرالية الجديدة وانتصار نظام السوق على النظام الاقتصادي الموجه، وفي جو المنافسة الدولية وازمة البطالة ظهر نظام عام جديد احتياطيOrdre public « in Pejus » الى جانب النظام العام الاجتماعي العاديIn melius ليسمح بمخالفات للقانون اقل فائدة من الا حكام الالزامية وقواعد العقد الجماعي[16].
المبحث الاول: النظام العام المطلق.
ان ذاتية وخصوصية قانون العمل لا تعني استقلاله المطلق. إذ ان هذا النظام العام يعمل ضمن اطار نظام قانوني عام يتضمن قواعد لا يمكن مخالفتها.
فالنظام العام المطلق يهدف لحماية المصالح العليا للمجتمع بينما النظام العام الاجتماعي يهدف لحماية فئة من المجتمع هم الاجراء.
وقد تتألف احياناً قواعد النظام العام الاجتماعي مع قواعد النظام العام المطلق وقد تتعارض في حين آخر انما العبرة تبقى لسيادة النظام العام المطلق على النظام العام الاجتماعي.
وهكذا فان القواعد المتعلقة بادارة المرفق القضائي وحرية اللجوء الى القضاء لها طابع النظام العام المطلق فلا يجوز الاتفاق على استبدال اختصاص مجلس العمل التحكيمي بالتحكيم الخاص.
كذلك احترام الحريات والحقوق المدنية ولا يمكن مخالفة مبدأ المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء.
وعلى صعيد الحريات النقابية فلا يجوز الاتفاق على استخدام الاجراء المنضمين الى النقابة ومنع غير المنتسبين اليها Closed-shop وقد كرس هذا الحظر القانون الفرنسي في 27 نيسان سنة 1956.
ويعتبر باطلاً البند في العقد الجماعي الذي يغير صلاحية المأمورين العاميين او يورد قواعد لها عقوبات جزائية.
كما ان هنالك بعض الحدود المستفادة من المباديء الاساسية في قانون العمل ذاته، كحرية العمل والاطار العام للتنظيم المهني.
فلا يمكن الاتفاق على الغاء حق الاستخدام لصاحب العمل او الحد من سلطة صاحب العمل بالاشراف والرقابة وفسخ العقد، فهذه القواعد تتعلق بحرية العمل وحرية التجارة والصناعة وسلطة رب العمل في ادارة المؤسسة في الاقتصاد الحر لا يمكن الاتفاق على الغائها.
انما يمكن الاتفاق في عقد عمل جماعي على تنظيم حق الاضراب دون الغائه ضنا بمصلحة المؤسسة والاجراء.
ويظهر احياناً التعارض بين النظام العام الاجتماعي والنظام العام الاقتصادي التوجيهي، فيتراجع الاول للثاني لان النظام العام الاقتصادي التوجيهي يتعلق بمصلحة المجتمع الاقتصادية بينما النظام االعام الحمائي يتعلق فقط بحماية فئة من المجتمع هم الاجراء.
ويلاحظ ان تقييد الحرية التعاقدية يزداد خلال فترة الاقتصاد الموجه حيث تقوم الدولة بالاشراف على الاقتصاد وشروط العمل ويتضاءل ذلك في ظل الاقتصاد الحر حيث يقل تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لحساب حرية التعاقد ومبادرة القطاع الخاص.
وقد تعرض الاجتهاد في فرنسا لهذا الامر فقررت محكمة النقض ابطال العقد الذي يقرر زيادة على الاجر خلافاً للتشريع القاضي بتجميد الاجور معتبرة انه الى جانب مفهوم النظام العام العادي يوجد نظام عام اقتصادي يهدف لحماية المجتمع واستقراره وخاصة في الازمات الاستثنائية وله الصدارة على اي نظام عام قد يكون لمصلحة اي فئة في هذا المجتمع فالمهم هو بقاء المجتمع اولاً[17].
المبحث الثاني: النظام العام الاحتياطي او الفرعي[18].
L’ordre public subsidiaire
تركت التحولات الاقتصادية التي شهدها العالم منذ اواخر القرن الماضي عبر العولمة وثورة التقنيات والاتصالات وقيام التكتلات الاقتصادية الكبري انعكاسات وآثار عميقة وواسعة ومتسارعة طاولت شتى القاطاعات والنشاطات ولاسيما منها علاقات العمل بين العمال واصحاب العمل.
وما ان بدأت مرجعية النهج الاقتصادي المتمثل باللبيرالية الجديدة تزداد وتترسخ على الصعيد الدولي حتى ثار التساؤل على الصعيد الوطني حول مصير قانون العمل ومدى امكانية استمرار قواعده التدخلية ومفاهيم الحماية الاجتماعية التي يتضمنها امام تزايد البطالة واشتداد المنافسة الدولية بين الشركات الكبرى ولاسيما منها العابرة للقارات فكثرت الطروحات والاقتراحات من فقهاء قانون العمل لاضفاء طابع المرونه على قواعد هذا القانون والتخفيف من حدة احكامه الالزامية وطابع النظام العام الذي يتميز به[19].
واتجهت بعض القوانين المقارنة[20] ولاسيما منها القانون الفرنسي ومنذ العام 1982 الى الاخذ بمفاهيم قانونية جديدة اكثر مرونه رافقت تحرير الاقتصاد الفرنسي من القيود السابقة ان لجهة تداول النقد، او حرية الاسعار، او اعادة تخصيص المؤسسات الكبري من مصارف وشركات تأمين بعد العودة عن تأميمها وتعديل النصوص المتعلقة بالشركات ولاسيما الشركات المساهمة وتداول اسهمها في البورصة حيث بدأ المساهمون يقومون بالدور الابرز لادارة هذه الشركات ولو كانوا من خارج النطاق الوطني وخلافاً على ما كان عليه وضع ادارة هذه الشركات .
وشهد قانون العمل الفرنسي تطوراً من خلال الاصلاحات التي قام بها الوزير Auroux في العام 1982 التي اوجدت الى جانب مفهوم النظام العام الاجتماعي نظاماً عاماً فرعياً احتياطياً مخالفاً يعمل به في حالات تعثر المؤسسات وتعرضها لصعوبات اقتصادية وفنية [21].
فسمح القانون الفرنسي بموجب الامر التشريعي تاريخ 16 كانون الثاني سنة 1982 بشأن مدة العمل والفرص المدفوعة امكانية الاتفاق على توزيع العمل وكيفية استعادة اوقات العمل الضائعه في حال الرغبة في استعادتها.
فالمخالفة يمكن ان تأتي من عقد عمل جماعي موسع إذ تتدخل الدولة بواسطة قرار يصدر عن وزير العمل بالتوسيع، كذلك قد يحصل ذلك من الشركاء الاجتماعيين انفسهم على مستوى المؤسسة او الفرع ولكن القانون الجديد ابقى على حق النقض للنقابات المعنية شرط ان تحظى هذه النقابة باكثر من 50% من الاجراء المسجلين والمعينين.
كما ان المشترع الفرنسي في القانون تاريخ 13 تشرين الثاني سنة 1982 اراد تسهيل ملاءمة بنود الاجور المتضمنة في عقود عمل جماعية مع اجور مبرمة على مستوى اعلى.
وبعد ذلك اخذ القانون الفرنسي يتجه نحو جعل قواعد قانون العمل تتمتع بمرونة اكثر لتواجه ازمة البطالة التي مرت بها فرنسا. انما ما زال القانون الفرنسي يوازن بين حق العمال بديمومة العمل مع الحفاظ على استمرار المؤسسات وتجلى ذلك بوضوح مؤخراً من خلال قانون التحديث الاجتماعي الذي اقره المشترع الفرنسي في 17 كانون الثاني سنة 2002 حيث حرص المشرع الفرنسي على ضمانه الحق بالعمل من خلال النص على اولوية البدائل قبل الصرف في حال وجود اسباب اقتصادية وفنية[22].
وشهد القانون الفرنسي تطوراً جديداً هاماً لتكريس النظام العام الاحتياطي إذ صدر قانون Fillon في 4 آيار سنة 2004 الذي اعطى المؤسسة ) Enterprise ) الحق باربعة عشر امكانية مخالفة جديدة كانت سابقاً مخصصة للاتفاقات الجماعية الموسعه، وهذه المخالفات الاربعة عشرة تطال الاجور، ومدة العمل، والاستخدام المؤقت précaire وقد سمح هذا القانون بان تخالف الاتفاقية الجماعية الادنى في المؤسسة، الاتفاقية الجماعية الاعلى في الموضوع المهني.
وهذا الامر لم يكن مسموحاً به قبلاً.
وختاماً لهذا البحث يبدو واضحاً انه لا يوجد نظام قانوني واحد متطابق لمفهوم النظام العام الاجتماعي في القانون المقارن إذ ان هذا المفهوم يتبدل ويتغير اكثر من النظام العام المطلق ويتأثر الى حد كبير بالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ينظمها والتي يحاول ان يتعامل معها.
ولا شك ان العولمة الاقتصادية بوجها الليبرالي الجديد وترسخ مرجعية نظام السوق واعلاء شأن الحرية التعاقدية من جديد اخذ يبدل من المفهوم السائد للنظام العام الاجتماعي لان التوازن يميل حالياً نحو النهج الاقتصادي المتمثل برأس المال الهادف الى الربح اكثر من النهج الاجتماعي الذي يميل الى حماية العامل وتحقيق العدالة الاجتماعية. ويبدو واضحاً ان هنالك محاولة جدية للعودة الى حرية التعاقد انما من خلال الحوار الاجتماعي والمفاوضات الجماعية عبر عقود العمل الجماعية وما يعرف بالديمقراطية الاجتماعية.
وان استراتيجية منظمة العمل الدولية وبالأحرى مجتمع العمل حالياً تتجه نحو تكريس المباديء الاساسية الاربع للعمل من حرية تنظيم ومفاوضة جماعية وعدم تمييز بين الاشخاص والمهن ومنع العمل الاجباري وحماية الاولاد بالاضافة الى تعزيز الاستخدام وحماية الوظيفة والاستمرار في الحماية الاجتماعية وتشجيع الحوار الاجتماعي والتفاوض الجماعي[23].
ويبقى قانون العمل اللبناني بعيداً عن كل هذه التطورات يعيش على هامش القانون المقارن وتفاعلاته نظراً لما يواجهه لبنان من ازمات سياسية واقتصادية واجتماعية منذ العام 1975 بعد ان كان في تشريع علاقات العمل الجماعية من خلال قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم تاريخ 2/9/1964، سباقاً في هذا المضمار مقارنة مع القوانين العربية حين ذاك. فعسى ان تقوم الدولة الحديثة في لبنان لتعالج هذه التحولات القانونية والاقتصادية برؤية مستقبلية. خدمة للاقتصاد الوطني ولخلق فرص عمل جديدة.
[1] - Revet Thierry: L’ordre public à la fin du XX siècle. Dalloz 1996.
- Ghestin Jacques : Traité civil, la formation du contrat, Paris L.G. DJ. 1993. P. 85 et s.
- Mekki Mustapha : L’intérêt général et le contrat. Paris L.G.D.J. 2004. P.187 et s.
- Meyer Nadège : L’ordre public en droit du travail, L.G.D.J. 2006.
[2] - Pilon, cass. Req. 21/4/.1931,.S 1.377
[3]- Carbonnier J. Droit civil. Les Obligations. Tome 4, 18 éd. Thémis PUF
Carbonnier J. Exorde, in l’ordre public à la fin du XX siècle. Op. Cit. P. 1 et 2.
[4] - Farjat G. : L’ordre public économique. Dijon 1962, n°. 17 et suiv.
5- عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرع القانون المدني. مصادر الالتزام، الجزء الاول دار النهضة العربية طبعة ثانية 1994 صفحة 433.
6 – Malaurie Ph., L’ordre public et le contrat, étude de droit civil comparé. Paris 1953.
7- يراجع زهدي يكن: شرح قانون الموجبات والعقود. الجزء الثالث بيروت صفحة 273.
جورج سيوفي: النظرية العامة للموجبات والعقود. الطبعة الثانية. بيروت 1994.
صفحة 163.
خليل جريج: النظرية العامة للموجبات: الجزء الثاني، صادر 2000 صفحة 300.
عاطف النقيب: نظرية العقد، منشورات عويدات صفحة 282.
مصطفى العوجي: القانوني المدني، الجزء الاول. العقد. مؤسسة بحسون صفحة 284.
Germanos Peter Samir: L’ordre public. Beyrouth. Sader 2002. P.107 et suiv.
[8] Vincent- Legoux : Marie- Caroline. L’ordre public. Etude de droit comparé interne. Paris. PUF. 2001.
[9] مجموعة الاعمال التحضيرية للقانون المدني المصري جزء 2 صفحة 223
[10] Revet Thierry: L’ordre public dans les relations de travail dans « l’ordre public
A la fin du XX siècle ». Op. Cit. P.43.
- Azam Philippe : L’ordre public et le droit du travail. Thèse. Poitiers, 1979.
- Rozes L. Remarques sur l’ordre public eu droit du travail. Droit social 1977.P.311.
[11] Durand P, Vitu A: Traité de droit du travail. Tome III. P. 587.
عصام القيسي – عقود العمل الجماعية. اطروحة دكتورا غير منشورة. كلية الحقوق- الجامعة اللبنانية 1974.
[12] Javillier J.C. Droit du travail. Dalloz 1988. P.43.
[13] Mendonça Schmidt- Martha Halfeld. Pertinence et Devenir du principe Protecteur eu droit du travail. Thèse Panthéon- Assas. Paris II 2004.
[14] Chevillard. « la notion de disposition plus favorable» De soc. 1993. P. 363.
« L’appréciation de la notion de disposition plus favorable » Dr. Soc.2000.P.361 et les réferences citées.
[15] Durand (P) et Joussaud, Traité de droit du travail. Tome II. P.18.
- J. Pelissier. A Supoit. A Jeaumaud. Droit du travail. Précis Dalloz. 23 éd 2006. P. 132.
[16] عبد السلام شعيب: مستقبل قانون العمل في البلاد العربية في ضؤ العولمة. مجلة العدل 2002 صفحة 135.
[17]Req. 9/12/1946. Gaz. Palais 1947.1.
[18] J. E Ray. Mutation économique et droit du travail. Etudes offertes à Gérard Lyon. Caen. Paris. Dalloz 1989, p. 11 et suiv.
[19] دفاعاً عن القيم وتشجيعاً للتغيير. العدالة الاجتماعية في اقتصاد عالمي. الآفاق امام منظمة
العمل الدولية.
تقرير المدير العام – مؤتمر العمل الدولي – الدورة الثانية والثمانون صفحة 10 و11.
- M.Bomnechère: L’ordre public en droit du travail, ou la légitime résistance du droit du travail à la flexibilité. Droit ouvrier 1988. P.171.
- G.Lyon- Cean : La bataille truquée de la flexibilité. Droit social 1985 P.801.
[20] F. Gaudu : L’ordre public en droit du travail. Etudes offertes à Jacques Ghestin, Le contrat au début du XXème siècle. Paris, Cujas, 2001, p. 364
21 ويعبر البعض عن هذا النظام بانه يخالف الا حكام الالزامية لغاية ادارية gestionnaire
Meyer N. L’ordre public en droit du travail. Paris 2006. L.G.D.J. P. 130.
[22] Pelissier J., Supiot A., Jeammand, Droit du travail, Précis Dalloz, 23e éd., p. 965 et suiv.
J. E. Ray : Droit du travail. Droit vivant, 2006/2007, 15e éd., éditions Liaison, p. 625.
Le nouveau droit de la négociation collective (loi no 2004- 391 du 4 mai 2004, Editions Panthéon Assas Colloques, sous la direction de B. Teyssié
- [23] Un travail decent: Rapport du directeur géneral. Dureau interational du travail. Génève 87 session fin 1999.
- Dockes E. La Resistance Des Valeurs Humaines.
In La Mondialisations Du Droit. Litec 2000, P 461.