الأبحاث

دراسة عبد السلام شعيب 01/01/2016

قضايا العمل والضمان

المؤلف
عبد السلام شعيب
تاريخ النشر
01/01/2016
المصدر
الجامعة اللبنانية

قضايا العمل والضمان

الدكتور عبد السلام شعيب

يهدف هذا البحث، انطلاقاًً من غاية الندوة، القاء الضوء على واقع القانون الاجتماعي اللبناني (قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي) (1) وما يتضمنه هذا القانون من شروط ومنافع اجتماعية.

كما يسعى ، ومن ناحية أخرى، لطرح الحلول الملائمة لتطوير هذا القانون وجعله اكثر مرونة من اجل استقطاب الاستثمارات على اختلافها لتنمية الحركة الاقتصادية وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.

اولا: واقع القانون الاجتماعي اللبناني والشروط والمنافع الاجتماعية التي تضمنها.

يستمد قانون العمل اللبناني قواعده من مصادر متعددة، بعضها يصدر عن الدولة كالتشريع والانظمة والاتفاقيات الدولية المصادق عليها.

والبعض الآخر اصله المهنة كعقود العمل الجماعية والانظمة الداخلية والاعراف.

وبالرغم من وفرة النصوص الآمرة في قانون العمل والتي تشكل ما يعرف بالنظام العام الاجتماعي، فان ارادة الفرقاء الفردية والجماعية ما زالت تقوم بدور كبير بانشأ علاقات العمل الفردية وتنظيم شروط العمل الجماعية، لاسيما من خلال عقود العمل الجماعية التي تجعل شروط العمل تختلف بين مهنة وأخرى بما يتوافق مع واقع كل مهنة وتطورها الاقتصادي والاجتماعي.

وإذا كان قانون الموجبات والعقود لعام 1932 وقانون العمل لعام 1946 قد نظما علاقة عمل الاجير الفردية بصاحب العمل، فان قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم لعام 1964 قد فوض النقابات واصحاب العمل تنظيم شروط العمل الجماعية في المؤسسة او المهنة او على الصعيد الوطني.

وهكذا فان علاقة العمل الفردية بين الاجير وصاحب العمل ابتداء من التعاقد على العمل (اي الاستخدام) مروراًً بتنظيم شروط العمل ووصولاًً الى انهاء الرابطة التعاقدية تخضع من جهة لارادة الفرقاء المتبادلة، ومن ناحية ثانية لقواعد قانونية الزامية.

أ - في حرية التعاقد على العمل (الاستخدام) وحرية انهاء هذه العلاقة.

بالرغم من تطور النظرية الجماعية لعلاقات العمل ووفرة النصوص الالزامية فان عقد العمل يبقى ذا اهمية كبيرة إذ انه يشكل الوسيلة الطبيعية لاكتساب صفة الاجير.

والقانون اللبناني يخضع لمبدأ عام هو حرية العمل وقد نص على ذلك عنوان الفصل الرابع من الباب الثاني من الكتاب الثاني لقانون العقوبات وبصورة غير مباشرة المادة 343 عقوبات. (2)

ان هذا المبدأ ينطبق على مبدأ حرية التعاقد في القانون المدني وهو المنصوص عنه في المادة 166 من قانون الموجبات والعقود، ويعني ان صاحب العمل حر في استخدام من يشأ وان الاجير حر بالاستخدام لدى من يشاء.

إلا ان حرية التعاقد ليست مطلقة إذ أنه ترد عليها بعض القيود التشريعية لاعتبارات وطنية وانسانية وقد ترد عليها ايضاًُ بعض القيود التعاقدية .

فقد وضع قانون العمل ولاعتبار وطني قيدا على عمل الاجانب، شأن جميع القوانين المقارنة واشار الى ذلك بصورة عرضيه ومقتضبه إذ نصت الفقرة الثالثة من المادة 59 من قانون العمل لعام 1946 على انه يتمتع الاجراء الاجانب عند صرفهم من الخدمة بالحقوق التي يتمتع بها اللبنانيون شرط المعاملة بالمثل، ويترتب عليهم الحصول من وزارة العمل على اجازة العمل.

ثم جاء قانون دخول وخروج وعمل واقامة الاجانب في لبنان تاريخ 10/7/1962 مؤكداًً على هذا المبدأ إذ نصت المادة 25 منه على انه يحظر على الاجنبي غير الفنان ان يتعاطى عملاًً او مهنة في لبنان ما لم يكن مرخصاًً له بذلك من وزارة العمل وفقاًً للقوانين والانظمة النافذة. وتولى بعدها المرسوم رقم 17561 الصادر في 18 ايلول سنة 1964 والمعدل في العام 1984 تفصيل كيفية اعمال هذا المبدأ. وقد فرق هذا المرسوم بين الاجنبي الذي يريد الدخول الى لبنان بقصد العمل وبين الاجنبي الموجود فعلاًً في لبنان. فبالنسبة للاول يجب الحصول على موافقة مسبقة بالعمل قبل الدخول الى لبنان تكتمل باجازة العمل بعد هذا الدخول.وبالنسبة الى الثاني يجب الحصول مباشرة على اجازة عمل.

وقد بينت المادة الثامنة من المرسوم المذكور الاحوال التي يمكن فيها منح اجازة العمل مباشرة أو بعد موافقة مسبقة.

فبعد ان اشارت هذه المادة الى مراعاة مبدأ تفضيل اللبناني، نصت على انه يمكن منح الاجنبي اجازة عمل او تجديدها، سواء اكان من المقيمين على الاراضي اللبنانية او من الراغبين في الدخول اليها بموجب موافقة مسبقة للعمل إذا توافرت فيه احد الشروط التالية:

1 - ان يكون اختصاصياًً او خبيراًً لا يمكن تأمين عمله بواسطة لبناني، ويمكن للدائرة المختصة ان تطلب الى صاحب العلاقة نشر اعلان على نفقته في ثلاث صحف يومية تعينها هي، وذلك على ثلاث مرات على الاقل، ويجب ان يذكر في هذه الاعلانات نوع العمل والمؤهلات المطلوبة، والايعاز الى اصحاب العلاقة بمراجعة دائرة مراقبة عمل الاجانب في وزارة العمل بهذا العمل، وعلى هذه الاخيرة اثبات ذلك في ملف الاجنبي.

2 - ان يكون مقيماًً في لبنان قبل اول سنة 1954 ويعمل في احدى المؤسسات بدون انقطاع مدة تسعة أشهر على الاقل من السنة.

3 - ان يكون متأهلاًً من لبنانية، وعليه ان يثبت زواجه هذا بموجب افادة تعطى له من المديرية العامة للاحوال الشخصية وان يكون قد مضى على زواجه مدة سنة واحدة على الاقل.

4 - ان يكون مولوداًً من ام لبنانية او من اصل لبناني.

5 - ان يكون من مديري الشركات الاجنبية او رؤساء المحاسبة او معاوني المدير، وفروع هذه الشركات في لبنان او التي تعمل في الشرق الاوسط.

6 - ان يكون من ممثلي الشركات الاجنبية بموجب مستند يثبت ذلك وان لا يمارس اي عمل مع الجمهور مباشرة.

كذلك اجاز المرسوم رقم 17561 منح اجازة العمل لاصحاب الاعمال او الحرف او المهن او الصناعات على ان يتوافر فيه الشرطان التاليان.

ان يكون من المقيمين على الاراضي اللبنانية قبل اول سنة 1954 وان يكون قد باشر عمله قبل اول كانون الثاني سنة 1960.

وإذا كان من الذين قدموا لبنان بعد اول كانون الثاني سنة 1960 او من الذين يريدون القدوم اليه بموافقة مسبقة، على ان لا يقل راسماله عن مبلغ تحدده وزارة العمل، وان يستخدم على الاقل ثلاث لبنانين.

اما القيود القائمة على اعتبارات انسانية فتقضي بتقييد حرية التعاقد على العمل عن طريق فرض حد ادنى لسن العامل ومنع استخدام النساء في بعض الاعمال. فبعض الاعمال لا تلائم طبيعة النساء ولا تتناسب مع قدرتهن البدنية وبعضها لا يناسبهن من الناحية الصحية او الاخلاقية ولذلك يتدخل المشترع عادة لتحريم اشتغالهن.

ويترتب على مخالفة قيود وتشغيل النساء ما ينتج عن مخالفة قيود تشغيل الاولاد والاحداث من عقوبات جزائية ومن جزاء مدني هو بطلان عقد العمل.

اما فيما يتعلق بانهاء عقد الاستخدام فهو يختلف بين العقد المحدد المدة، والعقد غير المحدد المدة، ففي عقد العمل المحدد المدة على صاحب العمل ان يحترم مدة العقد وفي حال الفسخ المبتسر فانه يطالب بالتعويض وفقاًً لمبادىء المسؤولية التعاقدية وهذا التعويض تقدره محكمة العمل.

اما فيما يتعلق بالعقد غير المحدد المدة فان حرية فسخ العقد من قبل طرفيه ما زالت قائمة حتى بعد تعديل المادة 50 معدله من قانون العمل بموجب قانون 6/2/1975. إذ ان المشترع اللبناني متأثراًً بتوصية منظمة العمل الدولية رقم 119/1963 اخضع انهاء علاقة العمل لمبدأين اساسين اولهما مبدأ حرية التعاقد والثاني عدم جواز الاساءة او التجاوز في استعمال الحق كما اقرته المادتان 124و248 من قانون الموجبات والعقود. وبالتالي اصبح انهاء العقد مقبولاًً إذا استند الى سبب مقبول ومرتبط باهلية العامل او بتصرفه او بحسن ادارة المؤسسة والعمل داخلها.

كما ان القانون اللبناني نص على تعويض نقدي وليس عيني عن الصرف التعسفي إذ اعتبر انه إذا كان الفسخ صادراًً من قبل صاحب العمل يقدر التعويض على اساس نوع عمل العامل وسنه، ومدة خدمته ووضعه العائلي والصحي ومقدار الضرر ومدى الاساءة في استعمال الحق على ان لا ينقص التعويض الذي حكم به عن بدل اجرة شهرين وان لا يزيد عن بدل اجرة اثني عشر شهراًً، وذلك بالاضافة لما قد يستحقه العامل من تعويضات قانونية نتيجة فصله من الخدمة.

وقد عدد القانون اللبناني اوجه الصرف التعسفي في الحالات التالية:

لسبب غير مقبول او لا يرتبط باهلية العامل او تصرفه داخل المؤسسة او بحسن ادارة المؤسسة والعمل فيها.

لانتساب العامل او عدم انتسابه لنقابة مهنية معينة او لقيامه بنشاط نقابي مشروع في حدود القوانين والانظمة المرعية الاجراء او اتفاق عمل جماعي او خاص.

تقدمه للانتخابات او لانتخابه عضوا في مكتب نقابه او لمهمة ممثل العمال في المؤسسة طيلة مدة قيامه بهذه المهمة.

تقديمه بحسن نية شكوى الى الدوائر المختصة تتعلق بتطبيق احكام هذا القانون والنصوص الصادرة بمقتضاه كما واقامته دعوى على صاحب العمل تبعاًً لذلك.

ممارسة حرياته الشخصية او العامة ضمن نطاق القوانين المرعية الاجراء.

هذا وقد أوجد القانون اللبناني حماية خاصة لاعضاء مكتب النقابة ، فنص على انه في حال الصرف يستفيد هؤلاء من مبلغ اضافي يتراوح بين ضعفي وثلاثة اضعاف البدل المنصوص عنه بالنسبة للاجراء العاديين المصروفين تعسفاًً.

كما ان المشترع اللبناني اجاز لصاحب العمل انهاء بعض او كل عقود العمل الجارية في المؤسسة إذا اقتضت قوة قاهرة او ظروف اقتصادية او فنية هذا الانهاء، كتقليص حجم المؤسسة او استبدال انتاج بآخر، او التوقف نهائياًً عن العمل شرط ان يبلغ صاحب العمل وزارة العمل رغبته في انهاء تلك العقود قبل شهر من تنفيذه، وعليه ان يتشاور مع الوزارة لوضع برنامج نهائي لذلك الانهاء تراعى معه اقدمية العمال في المؤسسة واختصاصهم واعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي واخيراًً الوسائل اللازمة لاعادة استخدامهم. ويتمتع العمال المصروفون من الخدمة تطبيقاًً لما ورد اعلاه ولمدة سنة تبدأ من تاريخ تركهم العمل يحق اولويه، وافضلية، في العودة الى العمل في المؤسسة التي صرفوا منها إذ عاد فيها الى طبيعته وامكن استخدامهم في الاعمال المستحدثة فيها.

ب - في شروط العمل الالزامية والمنافع والضمانات التي نص عليها القانون الاجتماعي.

اجاز قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم لعام 1964 للنقابات واصحاب العمل الاتفاق على تنظيم شروط العمل والضمانات الاجتماعية انما اشترط في المادة الثانية منه ان لا تخالف بنود هذا الاتفاق الانتظام العام .

ويعني الانتظام العام الاجتماعي نصوص الحد الادنى لشروط العمل والضمانات الاجتماعية التي نص عليها القانون الاجتماعي.

إذ ان القانون الاجتماعي قد وضع الحد الادنى لشروط العمل والضمانات الاجتماعية واجاز للفرقاء مخالفتها افرادياًً او جماعياًً لمصلحة الاجراء فقط.

فما هي شروط العمل والمنافع والضمانات الاجتماعية التي كرسها القانون الاجتماعي والتي تشكل الحد الادنى ؟

سنشير الى ذلك باختصار كلي ومن خلال العناوين والمبادىء الاساسية لان البحث لا يتسع الى التفصيل، وسنقتصر البحث على مدة العمل، والاجازات، والاجر، والضمانات الاجتماعية.

حدد قانون العمل لعام 1946 في المادة 31 منه الحد الاعلى للعمل في الاسبوع بـ 48 ساعة. وهذا التحديد يشمل بشكل عام كافة الاجراء رجالاًً ونساء باستثناء الاولاد والاحداث العاملين في مختلف القطاعات. وقد صادق لبنان على الاتفاقية الدولية رقم 1 لسنة 1919 الخاصة بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات يومياًً، و48 اسبوعياًً في المؤسسات الصناعية وذلك بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 70 تاريخ 25/6/1977. كما صادق بذات المرسوم الاشتراعي على الاتفاقية الدولية رقم 30 سنة 1930 الخاصة بتنظيم ساعات العمل في التجارة والمكاتب والتي تضع حداًً اقصى لساعات العمل هو 8 ساعات يوميا او 48 ساعة اسبوعياًً.

انما استثناء للقاعدة العامة المنصوص عليها في المادة 31 من قانون العمل اجاز قانون العمل لوزير العمل بموجب المادة 32 ان يزيد ساعات العمل الاسبوعية في بعض المؤسسات كاشغال المطاعم والمقاهي او بالعكس ان يخفض في بعض القطاعات والاعمال الخطرة والمضرة بالصحة العامة.

بالاضافة الى الاستثناء العام هنالك استثناء موقت بتشغيل الاجراء ساعات عمل اضافية اكثر من عدد الساعات القانوني وفي الاحوال الاضطرارية، ولكن قانون العمل فرض بعض القيود لتجاوز الحد الاقصى القانوني. فالقيد الاول يقضي بان لا تزيد ساعات العمل الفعلية في الحالات الاضطرارية على 12 ساعة في اليوم الواحد. اما القيد الثاني فيتعلق بالاجر الاضافي عن ساعات العمل الزائدة عن الحد الاقصى فيكون اجر الساعات الاضافية 50% زيادة عن أجر الساعات العادية. اما القيد الثالث فهو اخطار وزارة العمل. وهناك قيد خاص بالاولاد والاحداث إذ ان المادة 23 من قانون العمل تمنع تشغيلهم اكثر من سبع ساعات مما يعني عدم جواز تشغيلهم ساعات اضافية تزيد عن الحد المقرر شأنهم.

بالاضافة الى تدخل المشترع في تحديد ساعات عمل الاجراء عن طريق وضع حد اقصى لعدد ساعات عملهم الاسبوعية فقد اوجب قانون العمل بمقتضى المادة 34 منه ان يتخلل عمل الاجراء في منتصف النهار ساعة على الاقل للراحة والطعام.

كما ان قانون العمل قد حدد نوع الاجازات ومددها لتلازمها مع موضوع تحديد ساعات العمل.

فقد أقر قانون العمل مبدأ الراحة الاسبوعية بما لا يقل عن 36 ساعة بدون انقطاع ولم يحدد يوماًً معيناًً من الاسبوع بل ترك لصاحب العمل أن يختار يوم هذه الراحة.

يضاف الى الراحة الاسبوعية الاجازة السنوية التي تعتبر تكملة طبيعية للراحة اليومية والاجازة الاسبوعية وقد حددتها المادة 39 من قانون العمل بخمسة عشر يوماًً.

كما ان قانون العمل فرض لدواع صحية اجازة مرضية للاجير واجازة للاجيرة في حالة الولادة.

إذ نص في المادة 40 معدلة على مدة الاجازة المرضية وهي الاجازة غير المتأتية عن الامراض المهنية او طوارىء العمل. ومدة الاجازة المرضية وفقاًً للمادة 40 معدلة تختلف حسب سنوات الخدمة وهي كالآتـــــــي:

شهر للاجير الذي امضى في الخدمة من ثلاثة اشهر حتى سنتين.

شهران للاجير الذي امضى في الخدمة من سنتين الى اربع سنوات.

ثلاث أشهر، للاجير الذي امضى في الخدمة من اربع سنوات الى ست سنوات.

اربعة أشهر، للاجير الذي امضى من ست سنوات الى عشر سنوات.

خمسة أشهر، للاجير الذي امضى من عشر سنوات وما فوق.

وتخفض هذه المدة الى ثلثها للاجراء العاملين لدى اصحاب المهن الحرة وصناعات المشغل والاشخاص المنصوص عنهم في المادة 10 من قانون العمل.

وتناولت المادتان 28و29 من قانون العمل اجازة الامومة، فحددت المادة 28 عمل مدة الاجازة بـ 40 يوماًً ويحق للمرأة الحق الانقطاع عن العمل قبل الوضع وبعده. واوجبت المادة 29 على رب العمل ان يدفع للاجيرة العاملة اجرها طيلة مدة الاجازة.

اما فيما يتعلق باجازات الاعياد فقد ترك قانون العمل لصاحب العمل الحرية بشأن التعطيل في ايام الاعياد انما عاد وتدخل فيما بعد ونص على وجوب التعطيل الزامياًً في عيدين هما عيد اول ايار وعيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني.

الى جانب مدة العمل والاجازات، اشتمل قانون العمل على احكام الزامية تتعلق بالاجر، إذ يتمتع صاحب العمل في قانون العمل بتحديد مقدار الاجر بالاتفاق مع العامل، ولا يتدخل القانون إلا لوضع حد ادنى للاجر. وتدخل قانون العمل يكون عند ابرام عقد العمل لتحديد حد ادنى للاجور او اثناء التنفيذ لتصحيحه وجعله متناسباًًمع حاجات الاجير وعائلته بسبب غلاء المعيشة.

وقد نصت المادة 45 من قانون العمل على انه يقوم بتحديد الحد الادنى للاجور لجان تشرف عليها وزارة العمل واصحاب العمل والاجراء وهذه المهمة منوطه حاليا بلجنة مؤشر الغلاء.

كما نصت المادة 46 على انه يعاد النظر في الحد الادنى للاجر كلما دعت الظروف الاقتصادية وبغية تمكين السلطات العامة من تتبع تقلبات الاسعار ومستوى المعيشة. ويبلغ الحد الادنى للاجور حاليا كما تحدد بالمرسوم رقم 1733 تاريخ 8 تموز سنة 1996 مبلغ ثلاثماية الف ليرة لبنانية اي ما يعادل مايتي دولار اميركي. ويشمل الحد الادنى للاجور جميع العمال ما عدا الذين استثنوا من احكامه بموجب المادة السابعة كالعمال الزراعيين والخدم في بيوت الافراد.

ولاجل تحديد مقدار الاجر الخاضع للزيادة القانونية يجب الاعتداد بكافة عناصر الاجر سواء اكان بشكل مقطوع او على اساس وحدة زمنية وان كان نقديا او عينيا.

كما ان القانون رقم 36/67 الصادر بتاريخ 16/5/1967 قضى في المادة الاولى منه، بان الحد الادنى القانوني يطبق على جميع الاجراء دون تفريق بين الذكور والاناث. وفي الاتجاه ذاته وافق لبنان على اتفاقية العمل الدولية رقم 100 بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 70 تاريخ 25/4/1977 والمتعلقة بتساوى اجور النساء والرجال لدى القيام بعمل متساو.

وكرست المواد 47و48و49 من قانون العمل بعض وسائل حماية الاجر. فالاجور يجب ان تدفع بالعملة الرسمية وفي ايام العمل والشغل. كما اعتبرت المادة 48 من قانون العمل رواتب الاجراء عن السنة الاخيرة من الديون الممتازة وتصنف بعد دين الخزينة والمصارفات القضائية والتأمينات الجبرية.

والى جانب قانون العمل لسنة 1946 فقد صدر قانون الضمان الاجتماعي لاحقاًً بتاريخ 26/9/1963، والذي هو امتداد لقانون العمل رغم الاختلاف في التقنية والتطبيق والغاية.

وقد افاد قانون الضمان الاجتماعي، الاجراء الذين يخضعون لقانون العمل وغيرهم من الاجراء الذين لا يخضعون اصلاًً لهذا القانون كالاجراء الزراعيين الدائمين من ضمانات اجتماعية عددتها المادة السابعة من هذا القانون على الشكل التالي:

أ - ضمان المرض والامومة.

ب - ضمان طواريء العمل والامراض المهنية.

ج - نظام التعويضات العائلية.

د - نظام تعويض نهاية الخدمة.

الا ان هذه الفروع لم تطبق بكاملها حتى الآن ويغطي الضمان حالياًً فقط المخاطر التالية.

- المرض بتقديم العناية الطبية الوقائية والعلاجية للمضمون ولافراد عائلته.

- الامومة بتقديم العناية قبل وفي اثناء وبعد الولادة.

- الوفاة بتقديم مساعدة مقطوعة للمضمون لقاء نفقات الدفن في حال وفاة احد افراد عائلته او لاصحاب الحق في حال وفاة المضمون وتعويض خاص عند وفاة المضمون الذي لم تبلغ خدماته ست سنوات.

- الاعباء العائلية بتقديم تعويضات شهرية للمضمون عن زوجته واولاده وقد حدد هذا التعويض بصورة متتالية وكان التعديل الاخير بموجب المرسوم رقم 1348 تاريخ 13/6/1991 حيث حددت قيمة التعويضات العائلية عن الزوجة 20% من الحد الادنى الرسمي للاجور وعن الاولاد 11% من الحد الادنى الرسمي عن كل ولد ولغاية خمسة اولاد فقط.

- نهاية خدمة يدفع تعويض للمضمون عند انتهاء خدمته يحدد بالنسبة لعدد سنوات الخدمة وللاجر الاخير واحياناًً بالنسبة للاشتراكات المدفوعة او المتوجبة على الاجور.

- يدفع مبلغ، مع تعويض نهاية الخدمة، يساوي الفرق بين التعويض الفعلي المستحق للمضمون عن خدماته والتعويض الذي يستحق عن خدمة عشرين سنة وذلك بالنسبة لمن لم تبلغ خدماتهم العشرين سنة.

وتتكون موارد صناديق الضمان الاجتماعي، بصورة رئيسية من الاشتراكات المبنية على الاجور وهي تصيب اصحاب العمل والاجراء. كما تسهم الدولة في تغطية نفقات التقديمات في صندوق ضمان المرض والامومة.

ويجب ان تمكن واردات الاشتراكات من تغطية التقديمات ونفقات الادارة ومن تكوين مال الاحتياط.

ان اشتراكات كل من نظام تعويض نهاية الخدمة، ونظام التقديمات العائلية والتعليمية، ونظام طوارىء العمل والامراض المهنية هي كلها على عاتق ارباب العمل بينما تقع اشتراكات ضمان المرض والامومة على عاتق المضمونين وارباب عملهم، وتأخذ الدولة على عاتقها خمسة وعشرين بالمئة (25%) من قيمة التقديمات المتعلقة بهذا الفرع، غير ان الاشتراكات المتعلقة بالمتدربين والاشخاص الذين لا يقبضون اجوراًً كلها على عاتق ارباب العمل.

وتبنى الاشتراكات على اساس الاجر إذ ان الكسب الذي يتخذ اساساًً لحساب الاشتراكات يشتمل على مجموع الدخل الناتج عن العمل بما فيه جميع العناصر واللواحق ولاسيما تعويض الساعات الاضافية المدفوعة بصورة معتادة، والمبالغ المدفوعة عادة من اشخاص ثالثين الاكراميات، وكذلك المنافع المقدمة عينا الى العامل.(المادة 68 من قانون الضمان الاجتماعي).

اما حصيلة الاشتراكات فتكون من تطبيق معدل يعبر عنه بنسبة مئوية، على الكسب الخاضع للاشتراك، وهذه المعدلات تختلف باختلاف الفروع والنشاطات ضمن الفرع الواحد وفقاًً للترتيب التالي:

الفرع رب العمل المضمون السقف المجموع

تعويض نهاية الخدمة 8.5% من الكسب المضمون دون سقف 8.5

التقديمات العائلية 15% من الكسب المضمون ثلاثة اضعاف

والتعليمية الاحد الادنى

للاجور 15%

ضمان المرض والامومة 12% من الكسب 3% ثلاثة اضعاف

الحد الادنى

للاجور 15%

المجموع العام 35.5% 3 38.5%

ويخفض الاشتراك بالنسبة للمؤسسات الحرفية عن تعويض نهاية الخدمة الى 8% ويخفض هذا المعدل الى 10% من الحد الادنى الرسمي للاجور في المؤسسات الحرفية والى 3% من هذا الحد عن المضمون المتدرب.(4)

وتجدر الاشارة اخيراًً الى انه:

يخضع الاجير الاجنبي المشار اليه اعلاه بشكل مطلق الى جميع فروع الضمان باستثناء تعويض نهاية الخدمة. إلا انه لا يستفيد من تقديمات هذه الفروع إلا اذا كان حائزاًً على اجازة عمل ، وان تكون الدولة التي ينتمي اليها تقر للبنانين مبدأ المساواة في المعاملة مع رعاياها فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي.

وهذا يعني انه يترتب على ارباب العمل تسديد الاشتراكات عن اجرائهم الاجانب بالنسبة لكافة فروع الضمان باستثناء نظام نهاية الخدمة، وذلك سواء استفاد الاجراء الاجانب من تقديمات الضمان ام لم يستفيدوا من هذه التقديمات.

اما بالنسبة لنظام نهاية الخدمة، فان ارباب عمل الاجير الاجنبي لا يخضعون للموجبات المتعلقة بهذا الفرع إلا إذا كان يحق للاجير الاستفادة من تقديمات هذا الفرع.

ويشترط لافادة الاجير الاجنبي من تقديمات نظام نهاية الخدمة، تحقق شرطي اجازة العمل، والمعاملة بالمثل في وضعه.(5)

ثانياًً: الحلول المقترحة لجعل القانون الاحتماعي اكثر مرونه لاستقطاب الاستثمارات على اختلافها.

تتنافس معظم دول العالم في هذه الاونه على استقطاب الاستثمارات الدولية، وتنصح المؤسسات المالية والنقدية الدولية البلدان النامية بالاقدام على التخصيص وذلك بهدف تفعيل النشاط الاقتصادي، والتخلص من العجز المتنامي في الموازنة العامة، وتوفير امكانيات سداد الديون الى هذه المؤسسات الدولية وتنشيط الادارة للتخلص من البيروقراطية غير المنتجة وغيرها من المهام الاقتصادية والاجتماعية والادارية التي يجب انجازها من أجل التنمية الشاملة.

وبسبب عدم توافر رؤوس الاموال الوطنية غالب الاحيان، وعدم مجيء رؤوس الاموال الاجنبية تقوم هذه الدول بتقديم الحوافز المختلفة لاستقطاب المستثمرين وتشجيعهم للاستثمار في الـ B.O.T وذلك عبر اعفاءات وتسهيلات قانونية، كالاعفاءات الضريبية خلال فترة الاستثمار، والاعفاءات الجمركية على البضائع المستوردة والمستخدمة في مشروع الـ B.O.T.

وفي هذا السياق يطرح التساؤل عن نوعية وامكانية الاعفاءات والتسهيلات التي يمكن ان تقدمها الدولة على صعيد القانون الاجتماعي ؟

ان طبيعة الاعفاءات والتسهيلات على صعيد القوانين المالية تختلف بانعكاساتها عن طبيعة الاعفاءات والتسهيلات على صعيد القانون الاجتماعي. إذ ان هنالك فئة كبيرة في المجتمع ستتأثر بهذا الاعفاء وقد تحرم نتيجة ذلك من منافع اجتماعية تضمنها القانون الاجتماعي واصبحت حقوقاًً مكتسبة لها.

وخلال العقد الاخير ثار التساؤل وما زال وطنيا ودوليا عن مدى امكانية تطوير قانون العمل وجعله اكثر مرونه مع التطور الاقتصادي والازمات التي ترافقه احيانا، وانفتاح دول العالم بعضها على بعض، وتزايد الحرية التجارية عالمياًً وانتقال رؤوس الاموال بسهولة اكثر.

ويبدو ان فريقاًً من الدول وخاصة النامية لجأت الى اسلوب الاعفاء والتسهيلات التشريعية لتشجيع دخول الاستثمارات الاجنبية ولتوظيفها في التنمية الاقتصادية.

بينما لجأ فريق آخر من الدول وخاصة الصناعية منها الى تطوير قانون العمل بصورة عامة وجعله اكثر مرونة من خلال الحد من القواعد ذات الاصل التشريعي واحلال مكانها القواعد ذات الاصل الاتفاقي بحيث يتولى فرقاء الانتاج نقابات واصحاب عمل حق تنظيم شروط العمل والضمانات الاجتماعية في المؤسسات بشكل الزامي والسماح لهم بامكانية مخالفة بعض نصوص قانون العمل الالزامية بشكل استثنائي وفي بعض الميادين وضمن شروط محددة.

والسؤال الذي يطرح اين يقف القانون الاجتماعي اللبناني من هذين الاتجاهين ؟

سنسعرض الاتجاهات المختلفة حول الاعفاءات والتسهيلات في بعض القوانين المقارنة ومن ثم في قانون العمل اللبناني.

أ - الاتجاهات المختلفة حول الاعفاءات والتسهيلات في القانون الاجتماعي المقارن.

يمثل الاتجاه الاول بعض قوانين الدول النامية ذات الاقتصاد الموجه والتي اعتمدت اسلوب تشريع الاعفاء المحدود ومن ثم الكامل. وان تجربة الدولة المصرية يمكن ان تعتمد كمثال على ذلك.

فقد بدأت الدولة المصرية ومنذ العام 1953 بتشجيع استثمار المال الاجنبي في مشروعات التنمية الاقتصادية وذلك من خلال القانون رقم 1565/1953.

وقد تبعه القانون رقم 51 لسنة 1966 بانشأ المناطق الحرة واعفائها من تطبيق بعض شروط العمل.

ومن ثم القانون رقم 65/1971 في شأن استثمار المال العربي في المناطق الحرة.

وفي اعقاب حرب تشرين لعام 1973 انتهجت جمهورية مصر العربية سياسة الانفتاح الاقتصادي التي تستهدف تحرير الاقتصاد المصري من القيود المفروضة عليه في التعامل الاقتصادي مع الخارج بقصد التغلب على ما يعانيه من مصاعب.

ورغبة في تشجيع رؤوس الاموال العربية والاجنبية على الاستثمار والتوظيف في البلاد وتنظيم هذه العملية تنفيذاًً لهذه السياسة، صدر القانون رقم 42/1974 المعدل بالقانون 32/77 في شأن نظام استثمار المال العربي والاجنبي والمناطق الحرة. وورد في المذكرة الايضاحية لهذا القانون بيان ما يقوم عليه من اهداف وهي:

- ضمان تحقيق مصلحة مشتركة للاقتصاد القومي والمستثمر العربي والاجنبي.

- افساح المجال لمشاركة راس المال الوطني العام والخاص مع رؤوس الاموال العربية والاجنبية.

- تهيئة المناخ المناسب لتسهيل انتقال رؤوس الاموال العربية.

- تهيئة المناخ المناسب لقيام مركز مالي ونقدي في جمهورية مصر العربية يتمشى واحتياجات المنطقة العربية لهذا النوع من النشاط ، ويساعد على توفير فرص توظيف الاموال العربية في المنطقة العربية ذاتها.

- تقديم ضمانات كافية ضد المخاطر غير التجارية، وحوافز مناسبة لتشجيع الاستثمار.

- تخطي المعوقات الادارية والاجرائية التي تؤثر على نمو حجم الاستثمار.

- منح الاولوية للمشروعات التي تساعد على زيادة موارد البلاد من العملات الاجنبية ، وكذلك المشروعات التي تجلب معها تكنولجيه متقدمة.

وقد تضمن هذا القانون العديد من المزايا والاعفاءات من الالتزامات المفروضة بموجب تشريعات العمل المصرية من بينها :

- اعتبار الشركات المنتفعة بهذا القانون من شركات القطاع الخاص ايا كانت الطبيعة القانونية للاموال الوطنية للمساهمة فيها، ولا تسرى عليها التشريعات واللوائح والتنظيمات الخاصة بالقطاع العام او العاملين فيه (م 9).

- عدم خضوع هذه المشروعات لنظام وقواعد انتخاب ممثلي العمال في مجالس ادارة وحدات القطاع العام والشركات المساهمة والجمعيات والمؤسسات الخاصة، تاركاًً لنظام الشركة بيان طريقة اشتراك العاملين في ادارة المشروع (م10).

- استثناء الشركات المنتفعة بهذا القانون من نظام توزيع الارباح المقرر بالبند (5) من المادة 14من القانون رقم 26 لسنة 1954 الخاصة بالشركات، على ان يتم توزيع نسبة من الارباح الصافية لهذه الشركات على الموظفين والعمال طبقاًً للقواعد التي يقترحها مجلس ادارة الشركة وتعتمدها الجمعية العمومية (م12).

وقد نصت المادة 55 من القانون 43/74 على ما يلـــــــي:

" تضع اللائحة التنفيذية للمناطق الحرة الحد الادنى للقواعد المنظمة للعاملين في المشروعات المرخص بها في المناطق الحرة وعلى الاخص.

1 - نسبة العاملين المتمتعين بالجنسية المصرية.

- تحديد الحد الادنى للاجور بما لا يقل عن مستوى الحد الادنى للاجور المطبق خارج المنطقة الحرة في الجمهورية.

- ساعات العمل اليومية والراحة الاسبوعية بشرط ألا تزيد عن 42 ساعة في الاسبوع.

- ساعات العمل الاضافية والاجور المستحقة عنها.

- الخدمات الاجتماعية والطبية التي تؤديها المنشآت للعاملين بها والاحتياطات اللازمة لحمايتهم اثناء العمل.

- مدة الاجازات بانواعها المختلفة والاجور التي تمنح عنها.

- الاسس العامة لتأديب العاملين وفصلهم وتعويضهم.

واضافة المادة 56 ما يلي:

" تسري على العاملين بالمشروعات التي تمارس نشاطها بالمناطق الحرة المتمتعين بجنسية جمهورية مصر العربية احكام قوانين التأمينات الاجتماعية ما لم يكفل لهم المشروع نظام تأمينات افضل توافق عليها الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية".

وهذا القانون اي قانون الاستثمار، هو افضل للعاملين في المناطق الحرة من قانون العمل المصري فمثلاًً بالنسبة لساعات العمل الحد الاقصى لساعات العمل في الاسبوع 42 ساعة (المادة 505 من قانون الاستثمار) وليس 48 كما تنص على ذلك المادة 133 من قانون العمل. ولكن قانون العمل قد يفضله في بعض الاحكام ومثال ذلك بالنسبة لمدة الاجازة المرضية فهي وفقاًً لقانون العمل 180 يوماًً (المادة 505) في حين ان مدة هذه الاجازة وفقاًً لقانون الاستثمار هي 120 يوماًً (المادة 106 من اللائحة التنفيذية للقانون. (6)

وقد ادى اعفاء المشروعات المنتفعة بقانون استثمار المال العربي والاجنبي من الاحكام المذكورة المتعلقة بالقوانين العمالية الى استغلال ذلك لاثارة الطبقة العاملة ضد سياسة الانفتاح الاقتصادي باعتبار انها ستؤدي الى الغاء المكاسب العمالية بالنسبة لجميع المشروعات مستقبلاًً، كما خلق جواًً من التذمر لدى المسؤولين عن مشروعات القطاع العام واصحاب الاعمال في القطاع الخاص إذ اعتبروا هذه الاعفاءات نوعاًً من التمييز المجحف بمشروعاتها الوطنية لحساب المشروعات الوافدة المنافسة لها. (7)

اما الاتجاه الثاني فكانت تمثله قوانين الدول المتقدمة صناعياًً ذات الاقتصاد الحر إذ إعتمدت المرونه في نطاق قانون العمل من خلال الحد من القواعد التشريعية بشأن علاقات العمل وتفويض النقابات واصحاب العمل تنظيم شروط العمل بشكل الزامي في المؤسسات في مجالات محددة ولو استتبع ذلك الخروج عن التنظيم التشريعي لتلك العلاقات والتي تتصل احكامه بالنظام العام الاجتماعي.

وتجلى هذا التطور في قانون العمل الفرنسي من خلال الاصلاح الاخير لعام 1982، الذي أوجد الى جانب مفهوم النظام العام الاجتماعي، مفهوم النظام العام الفرعي او الاحتياطي Order public subsidiaire.

فالتنظيم الجديد لعام 1982 هو استثناء حقيقي للمبدأ، ولما يعرف بالنظام العام الاجتماعي وهذا الاستثناء محصور في مجالي مدة العمل والاجور وضمن شروط وحدود معينه.

والتطور المنجز في القانون الفرنسي بواسطة الامر التشريعي رقم 41/82 تاريخ 16 كانون الثاني سنة 1984 بشأن مدة العمل والفرص المدفوعة يلحظ ما يلي:

" يمكن ان تخالف بعقد عمل جماعي، او اتفاق جماعي موسع، " او اتفاق جماعي في المؤسسة او الفروع كل ما يتعلق بتوزيع " العمل وكيفية استعادة اوقات العمل الضائعة في حال الرغبة " في استعادتها ".

فالمخالفة يمكن ان تأتي من عقد عمل جماعي موسع وتتدخل الدولة بواسطة قرار يصدر عن وزير العمل بالتوسيع، كذلك يمكن ان يحصل ذلك من الشركاء الاجتماعيين انفسهم على مستوى المؤسسة او الفرع ولكن القانون الجديد ابقى على حق النقض للنقابات المعنيه بالاجراء شرط ان تحظى هذه النقابة باكثر من 50% من الاجراء المسجلين والمعينين.

كما وان المشترع الفرنسي في القانون 957-82 تاريخ 13 تشرين الثاني سنة 1982 اراد تسهيل تبني بنود الاجور المتضمنة في عقود عمل جماعية وملاءمتها مع اجور مبرمه على مستوى اعلى. (8)

ويعبر القانون الفرنسي الحالي عن الرغبة في ملاءمة قانون العمل مع الازمة الاقتصادية الناجمة عن البطالة وجعله يتجه باصلاحات قد تكرس قواعد أقل فائدة من الحقوق المكتسبة.

وإذا كان عقد العمل الجماعي اعتبر دائماًً في فرنسا اداة لتحسين شروط العمل بزيادة المنافع والمكاسب للاجراء، إلا انه اليوم أصبح اداة للعطاء مقابل العطاء Donnant - Donnant.

ويخضع لما يعرف بالولايات المتحدة بالتنازلات التساومية Bergaining concession

ب - موقف القانون الاجتماعي اللبناني وامكانية تطويره وجعله اكثر مرونه لتسهيل الاستثمار.

عرف القانون الاجتماعي اللبناني بعض المحاولات المحدودة لمعالجة هذا الموضوع وذلك من خلال التشريع الجزئي. انما لم يستفد من وجود قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم لتطويره وجعله اكثر مرونة بما يتوافق مع المتغيرات الاقتصادية وحاجة لبنان للرساميل الاجنبية للمساهمة في اعادة الاعمار بعد الحرب وللتنمية الشاملة.

ففي لبنان اعفيت بعض المؤسسات قبل الاحداث من تطبيق شروط العمل على غرار ما جرى في مصر. (9) وذلك لتحفيزها للاستثمار في لبنان.

فبتاريخ 24/8/1972 وضع موضع التنفيذ القانون المعجل الرامي الى اعفاء شركة اعادة التامين العربية ( شركة عربية دولية) من موجبات قانونية ومالية وقد نص البند الثاني من المادة الاولى من هذا القانون على أنه لا تسري على العاملين في الشركة القوانين والقرارات المنظمة لشؤون الموظف والمرتبات والمكافآت والمعاشات في المؤسسة العامة والشركات ولا تخضع لرقابة ديوان المحاسبة. واعطيت هذه الشركة حق تنظيم شروط العمل لديها بموجب نظام خاص.

وهذا النص مطابق لنص الاعفاء الذي استفاد من بنك مصر الافريقي في مصر خلال عام 1965 نظراًً لتشابه الظروف. (10)

إلا ان هذه المحاولة منفردة،

غير انه وبعد انتهاء الاحداث واعلان الحكومة اللبنانية عن خطة اعادة الاعمار، وانشائها المناطق الحرة ورغبتها في تشجيع الاستثمارات الدولية وضعت مشروع قانون بمنح اعفاءات ضريبية واستبدال بعض الموجبات المتعلقة بالضمان الاجتماعي للمستثمرين والعاملين في المناطق الحرة. وقد عرض هذا المشروع على مجلس الوزراء بتاريخ 22/5/1996 وما زال قيد الدرس لدى وزارتي المال والعمل.(11)

وقد تضمن مشروع القانون ما يلي:

المادة الاولى: يضاف الى المادة 9 - اولاًً -1- أ - من القانون الصادر بالمرسوم رقم 13955 تاريخ 26/9/1963 ( قانون الضمان الاجتماعي) المعدلة بموجب القانون رقم 16/75 تاريخ 11/4/1975 النص الآتـــــــــي:

" يستثنى من هذه الاحكام الاجراء المبينين اعلاه الذين يعملون " في المؤسسات الصناعية والتجارية المنشأة في المناطق الحرة على " الاراضـي اللبنانيـة كافـة، كمـا يعفـى اصحاب العمـل الذين " يستخدمــون هــؤلاء الاجــراء في تلـك المناطـق من موجـب " التصريح والتسجيل ودفع الاشتراكات ".

" يتوجــب علــى اصحــاب العمـل المعنيين لكـي يستفيدوا "من الاعفاءات المبينة اعـلاه، ان يؤمنوا لاجرائهم تقديمات "مماثلــة او تفــوق تلــك الـتي يوفرهـا الصنــدوق الوطــني "للضمان الاجتماعي للمنتسبين الى مجمل فروعه".

" تبقى حقوق وتعويضات الاجراء عن الفترة التي تسبق "انتقالهم للعمل في المؤسسات المقامة من المناطق الحرة محفوظــة " بالكامل ويمكنهم الاستفادة منها وفقاًً للاصول ".

" في حال عودة العاملين في المؤسسات المقامة في المناطق الحرة "الى العمل خارجها تعود فتسري عليها احكام قانون الضمان "الاجتماعي.

" تتولى الاجهزة المختصة في وزارة العمل التثبت من تقيد "اصحاب العمل بهذه الموجبات.

" ثانيا: يسهم اصحاب العمل المعنين باحكام البند اولا من "هذه المادة بنسبة 2% من مجموع الرواتب والاجور "وملحقاتها التي يدفعونها سنوياًً للعاملين لديها. وتخصص "المساهمة المذكورة لفرع ضمان المرضى والامومة في "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتحول بنهاية كل ثلاثة "أشهر الى صندوق الفرع المذكور.

"المادة الثانية: يضاف الى المادة 5 من قانون ضريبة الدخل "(المرسوم الاشتراعي رقم 144 تاريخ 12/6/1959 "وتعديلاته ) البند الآتـــــــي:

" 9 - المؤسسات الصناعية او التجاريـة القائمة او التي تقــوم في المناطـق الـحرة في مختلف الاراضي اللبنانية والمنشأة والتـي "تنشأ حسب الاصـول المفروضـة لانشاء هــذه المناطـق شـرط "التقيد بالآتي:

أ - ان لا تقل قيمة الاصول الثابتة الموظفة في المؤسسة الصناعية او رأسمالها عن خمسماية مليون ليرة لبنانية، وان لا يقل رأسمال المؤسسة التجارية عن ثلاثة مليون ليرة لبنانية.

ب - ان تستخدم المؤسسة الصناعية ما لا يقل عن 25 مستخدماًً وعاملاًً، وان تستخدم المؤسسة التجارية ما لا يقل عن 15 مستحدماًً وعاملاًً شرط ان لا تقل نسبة اللبنانين من مجمل المستخدمين والعمال في هذه المؤسسات عن 75% منهم.

وقد عرض مشروع القانون المذكور اعلاه على ادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فابدت بتاريخ 12/1/1996 بعض الملاحظات عليه واهمها ان مشروع النص المقترح.

أ - اخرج فئة من الاجراء من دائرة الحماية من المخاطر .

ب - اوكل الحماية الى اصحاب العمل المعنيين بالمشروع.

ج - اوجب على فئة اصحاب العمل تنفيذ الحماية... دون ان يخضع عدم التنفيذ لأية عقوبة مناسبة قد تردع المخالف .

هـ - لم يحدد اسلوب او طريقة لصيانة حقوق الاجراء في حال نكول صاحب العمل عن التنفيذ.

كما اضافت ادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ان نشوء انظمة الضمان في العالم ، اخذ بالاعتبار عدم قدرة كل صاحب عمل بمفرده، على حماية العاملين لديه من المخاطر... وعدم قدرته في مطلق الاحوال على تحمل الاعباء التي تنتج عن تطوير نظام الحماية من حيث العمق والامتداد.. وبعد ان تبين لمعظم بلدان العالم ايضاًً، بصفة عامة ان النظام التعاوني محدود الفاعليه ولا يقدم تأمينات شاملة لانه يتركب على اساس القطاعات الاقتصادية، وان دوره يجب ان يقتصر على تقديمات اضافية تتجاوز النطاق العام.

وعلى هذا الاساس جعلت الحماية من المخاطر على اساس التضامن الاجتماعي، ليكون نظام الحماية قابلاًً للتطبيق من جهة وقابلاًً للتطوير من جهة ثانية في مواجهة نمو المجتمع وتنامي الحاجات واختلافها. ولا تسرى تبعاًً لذلك انه يمكن لصاحب العمل بصفة عامة ان يغطى منفرداًً التقديمات التي ينص عليها نظام الضمان الاجتماعي ان اشتراع هذا الاستثناء سيؤدي بالضرورة الى :

- وجود فئتين غير متكافئتين على صعيد الحماية من المخاطر احداها تتمتع بحماية نظام ضامن قابل للتطور ومصونة حقوقها في ظل القانون بوجه النظام الضامن كما بوجه اصحاب العمل، والثانية لا تتمتع بذات الحماية من الناحيتين الفعلية والقانونية، وهي وضعية تخل بمبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين في ذات الحالة القانونية.

- تشكل سابقة قد تتيح لفئات أخرى من اصحاب العمل المطالبة باستثنائهم من الخضوع للضمان.. وهكذا وعوض ان يكون نظام الضمان قابلاًً للامتداد ليشمل كافة المواطنين يصبح عرضة لمطالب من نوع آخر، بوجود السابقة موضوع البحث.

وقد قدم الضمان الاجتماعي المقترحات التاليـــــــة:

1 - في الخيار الذي تتبناه المديرة العامة للضمان الاجتماعي.

لا يبدو من المألوف في نظام الضمان الاجتماعي الالزامي استثناء فئة من الخضوع للموجبات واخرى للحقوق، إلا إذا كان محميا بنظام خاص للضمان كما بعض الانظمة الفرنسية الخاصة.

يرى الصندوق ان مشروع النص المقترح يتعارض مع طبيعة النظام وغايات المشترع... وتتمنى العدول عن الاتجاه الظاهر فيه والمبينة مخاطره اعلاه،

ان البحث عن خيار آخر بنظرنا، يتمحور حول غايتين، اولاهما المحافظة على مكسب النظام الحالي، والثانية في التحفيز لاستخدام المشتمرين عبر تخفيض عبء المساهمة في الضمان الاجتماعي. ونرى ان المحافظة على المكاسب تقضي بعدم الاستثناء فئة من الخضوع النظام، بينما يكون قسم منها مشمولاًً بها حتى تاريخ اقرار التشريع، وبالتالي عدا خلو اوضاع اجتماعية وانسانية معقدة لهذه الفئة كلياًً او جزئياًً .

كما انه ليس من العدالة ان يعفى صاحب العمل في المنطقة الحرة من عبء الاشتراكات كلياًً بينما يكون غيره في الجوار متحملاًً لهذا العبءْ بصورة كاملة وغير قادر على المزاحمة او المنافسة في اسعار السلع والخدمات. وبالتالي نرى انه يمكن للدولة ان تتحمل جزءأ من عبء الاشتراك المفروضة لحساب جميع الفروع او لبعضها دون اي تعديل في سائر الاحكام المتعلقة بتنفيذ القانون.

هذا التباين في الرأي بين الحكومة اللبنانية ، وادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي انضم اليها فيما بعد الاتحاد العمالي العام معارضاًً، يلخص التوجه المبدأي لدى الدولة اللبنانية نحو تطوير القانون الاجتماعي وجعله اكثر مرونه والمحاذير التي قد تنتج عن ذلك إذا لم تراع مصالح فرقاء الانتاج وارادتهم.

فتوجه الدولة نحو المرونة لا بد منه ويجب ان يستمر شرط ان يتم ضمن اعتبارين اساسيين،

الاول: وضع قانون عام يشكل اطاراًً توجيهياًً لتطوير علاقات العمل وجعلها اكثر مرونة في مشاريع الاستثمار والتنمية الاقتصادية وغيرها.

والثاني ان ياتي التطبيق من خلال ارادة فرقاء الانتاج وتفويض هؤلاء مسؤولية تبني الشروط الملائمة لمؤسساتهم بواسطة عقود العمل الجماعية.

فالقانون الاطار يجب ان يحدد شروط العمل الدنيا ويجب ان يتم ذلك باشراف الدولة وبموافقة فرقاء الانتاج اي النقابات واصحاب العمل ومن خلال اتفاق وطني يمكن ان يتم في المجلس الوطني للعمل ، او المجلس الاقتصادي والاجتماعي او من خلال لجنة ثلاثية.

ويجب ان يتضمن القانون ، الاطار الحدود الدنيا لشروط العمل في مشاريع الاستثمار، كنسبة العاملين اللبنانين في المشروع والحد الادنى للاجور، وساعات العمل اليومية، الراحة الاسبوعية، ساعات العمل الاضافية والاجور المستحقة عنها، الخدمات الاجتماعية والطبية والضمانات الاجتماعية ومدة الاجازات وغيرها...

بالاضافة الى هذا القانون الاطار يجب تعديل قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم لعام 1964 والمستمد مضمونه من القانون الفرنسي، ليجاري هذا القانون الاخير في تطوره فيصبح لزاماًً على النقابات واصحاب العمل التفاوض الجماعي في المؤسسات لابرام عقود عمل جماعية.

ولا يمكن الاعتراض على هذا الاقتراح بالقول انه سيؤدي في حال تحقيقه الى تمايز في شروط العمل بين الاجراء، إذ ان هذا الواقع موجود حالياًً، وهنالك تمايز في شروط العمل بين القطاعات المهنية على اختلافها. فالقطاعات المهنية المزدهرة تقدم منافع لاجرائها تزيد بكثير عن المنافع التي تقدمها القطاعات المهنية الراكدة أو المتعثرة. والاطلاع على عقود العمل الجماعية المبرمة في القطاعات التجارية والصناعية وغيرها يظهر ذلك بجلاء.

ان اطلاق يد فرقاء الانتاج من نقابات واصحاب عمل في تحديد شروط العمل هو الضمان الوحيد لعدالة هذه الشروط وملاءمتها كما وانه لا بد للدولة من ان تلجأ الى تقنية توسيع عقود العمل الجماعية التي لم تستعملها حتى اليوم رغم مرور اكثر من ثلاثين سنة على صدور القانون لتشمل القطاعات المهنية برمتها وليس المؤسسات فقط.

ونخلص الى القول ان الاعفاء التشريعي في ميدان القانون الاجتماعي لا يكفي لتسهيل الاستثمار وله محاذير عديدة انما يجب ان تضع الدولة الاطار المرن لشروط العمل بالاتفاق مع فرقاء الانتاج وتترك لارادة هؤلاء تنظيم هذه الشروط حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة في كل قطاع بروح من التضامن وفي اطار الديمقراطية الاجتماعية.

انما هذه المحاولة يجب ان لا تكون سبباًً لتوقف البحث في التسهيلات والاعفاءات التي يمكن ان تعطى للمستثمرين وفي جميع المجالات.

ان قانون العقود الجماعية والوساطة والتحكيم لعام 1962 لم تستنفذ غايته في لبنان، وما زال وسيلة مفيدة في هذه المرحلة من الاعمار في لبنان.

ان هذا القانون المستمد في جوهره من القانون الفرنسي يمكن ان يستفيد من التطور الذي اصاب القانون الاخير لناحية احداث وبصورة استثنائية النظام العام الاحتياطي. ويعنى ذلك تعديل قانون عقود العمل الجماعية والوساطة والتحكيم الحالي بحيث يسمح استثنائياًً ولمدة من الزمن للفرقاء في نطاق دوام العمل ، والاجور، والضمانات الاجتماعية، طيلة فترة الاستثمار الاكتفاء بانظمة عمل خاصة تتوافق مع طبيعة المشروع وغايته، شرط ، طبعاًً، ان يترك للمنظمات المهنية تنظيم شروط العمل في كل قطاع بما يتوافق مع مصلحة المهنة والاجراء في آن معاًً.