دراسة د. سيبيل سمير جلول 01/10/2016
العقارات بالتخصيص في القانون اللبناني
- المؤلف
- د. سيبيل سمير جلول
- تاريخ النشر
- 01/10/2016
- المصدر
- الجامعة اللبنانية
العقارات بالتخصيص في القانون اللبناني
بقلم الدكتورة سيبيل جلول
مقدمة
قانون الملكية العقارية او القرار3339 /1930 ، هو القانون الذي ينظم احكام العقارات وتصنيفها وانواعها والحقوق العينية الواردة عليها.
اما عن العقارات فقد تناولها المشرع العقاري بعناية واهتمام من خلال نصوص ومواد قانون الملكية العقارية. فأفرد لها بعض المواد التي مهد من خلالها بحثه بالتفصيل في الحقوق العينية العقارية .
طالعنا اذا في اولى مواده بتعريف للعقارات مقسما اياها تقسيما ثلاثيا، مستمدا من تصنيفه اياها الى طبيعة الشيء وليس الى قيمتها كما كلن الوضع قديما، حيث كانت اهمية الشيء مستمدة من قيمته، وطالما ان العقارات هي ذات قيمة مهمة ، فالعقارات كانت اهم من المنقولات.
غير انه مع الثورة الصناعية، وظهور الصناعات الكبرى، واليوم مع ثورة التكنولوجيا وتفوق المنقولات في القيمة على العقارات، كبرامج الكمبيوتر وغيرها؛ لم تعد قيمة الشيء هي المعيار لتمييز اهميته. ومن الطبيعي ان يكون معيار تميز العقارات هو من طبيعتها الثابتة، وهذا ما يمنحها القوة، ويجعل تركيز المشرع عليها منطقي ومبرر.
ان المشرع اراد ان يوضح تقسيم العقارات من خلال وضع تعريف مستمد من الطبيعة الجامدة والثابتة للعقارات لا سيما العقارات بطبيعتها. وهنا اعطانا ثلاثة انواع تحت عنوان "في تعريف العقارات"، فكانت العقارات بطبيعتها والعقارات بالتخصيص والعقارات غير المادية. حيث استفاض المشرع في تفصيل تعريف للعقارات بطبيعتها، مكرسا المادة 2 منه لهذه الغاية، وقد اجاد في عرض كافة الاشكال والاحتمالات التي يمكن ان تتخذها العقارات بطبيعتها. غير انه في المادة الثالثة وعند تعريفه العقارات بالتخصيص اوقعنا في بعض التناقضات التي اقتضى توضيحها، لا بل ايجاد حلول منطقية وعملية لها تتلاءم والغاية الاساسية من العقارات بالتخصيص، ومن جعل المنقول تابع للعقار، لا بل عقارا عند توافر بعض الشروط المحددة في المادة الثالثة ملكية.
هل اجاد المشرع في تعريف العقارات بالتخصيص؟ وهل وفق في تعدادها وتحديد مجالات الاستثمار التي تحول المنقول الى عقار؟
ان المشرع وان كان في تعريفه الحديث للعقارات اخذ بطبيعة الشيء وليس بقيمته، غير انه فضل العقار على المنقول عندما اعتبر هذا الاخير تابع للعقار ويلحقه ويلقى ذات مصيره، متأثرا بذلك بالنظرة القديمة الى العقارات والملكية العقارية.
مما لا شك فيه، ان المشرع وفق في تقسيم العقارات وتعريفها، غير انه من المطلوب بعض الوضوح في مسألة العقارات بالتخصيص، لا سيما وان المادة الثالثة اثارت الجدل الفقهي وما زالت تثيره. واذا راجعنا الاجتهاد اللبناني حول هذا الموضوع، نجد بانه ما زال يفتقر الى قضايا عملية توضح مضمون المادة 3 لا سيما في مجال الاستثمار المدني، مما فتح الباب واسعا امام تنوع آراء الفقهاء، وهذا يخلق نوعا من الخلاف على مستوى المفهوم من ناحية، كما يخلق نقص الاجتهاد خلافا على مستوى التطبيق العملي من ناحية اخرى.
اولا- تعريف العقارات بالتخصيص
ان العقارات بالتخصيص او "عقارات بغايتها" [i] وفقا لما جاء في المادة الثالثة من قانون الملكية العقارية " هي اشياء قد تعتبر بذاتها منقولات، انما هي من متممات عقار بطبيعته".
من خلال هذا التعريف نستنتج انه للبحث في مفهوم العقارات بالتخصيص لا بد اولا من تحديد ماهية العقارات بطبيعتها ثم البحث في المنقولات بطبيعتها الذاتية التي تشكل عنصرا رئيسيا من عناصر العقارات بالتخصيص.
أ-العقارات بطبيعتها
ان العقارات بطبيعتها حددتها المادة الثانية من قانون الملكية العقارية. هي اولا الاشياء المادية التي يكون لها بالنظر الى جوهرها موقع ثابت غير متنقل.مثلا: الاراضي والمناجم والنباتات.
هي ثانيا كل ما جمع من مواد البناء فشد بعضه الى بعض بصورة ثابتة، سواء اكان ذلك على ظاهر الارض او في باطنها، مثلا : بيوت السكن، المخازن، المصانع، العنابر، الجسور، الآبار، السدود، الانفاق، الخ......
هي ثالثا جميع الاجهزة والقطع اللاصقة بالبناء والمعدة لاتمامه، كالشرفات والمزاريب وقساطل جر المياه، التمديدات الكهربائية، الصحية، الابواب، الشبابيك، الاقفال الخ........
ان الملفت في هذه المادة هو كيفية تناول المشرع لبعض المنقولات، وتحويلها الى عقارات عندما تلتصق بالعقار، وذلك على اساس انها معدة لاتمام العقار، والمقصود "باتمام العقار" انها لازمة وضرورية له بحيث انه يكون العقار ناقص اذا كانت هذه الاخيرة مفقودة كالتمديدات الكهربائية والصحية المندمجة في البناء والمتصلة به اتصالا وثيقا، مما يفقد العقار من غايته واهميته اذا فقدت او كانت غير موجودة فيه.
انطلق اذا المشرع لتعريف العقارات بطبيعتها من المثل النموذجي للعقارات، كالاراضي والابنية، مضيفا اليها من ضمن الامثلة التي عددها المنشآت الصناعية والفنية كالجسور والسدود والخزانات. يقابلها الانشاءات الخفيفة، هذه الاخيرة لا تعتبر عقارات، مثلا الخيم واكشاك الحمام. [ii]
وتاكيدا على اهمية العقار بالنسبة للمشرع، اعتبر النباتات من الاعشاب الى الاشجار الضخمة والمثمرة، عقارات بطبيعتها؛ توازي في مدى الارتياط او الاتصال المناجم والمقالع.
اما القانون المدني الفرنسي، فلم يذكر سوى "الابنية" في المادة 518 منه، غير ان هذا المصطلح يشمل كل جسر، سد، الخ......، في حين ذكرت المادة 519 طواحين الهواء او المياه الراكزة في البناء والتي تعتبر جزءا لا يتجزأ من البناء.
من الامثلة ايضا على العقارات بطبيعتها كل القطع المكملة للعقار واللاصقة به والتي لولا وجودها البناء يكون غير مكتمل ودون فائدة، كتمديدات الغاز والكهرباء والمياه، المحول الكهربائي، المصاعد[iii]. غير انه بالنسبة للمصاعد يوجد رأي مخالف[iv]
اعتبر داللوز[v] ان الديكورات الخشبية تمثل عقارا بطبيعته طالما انها تشكل كلا مرئيا ومندمجا اندماجا كليا بالبناء، والتي يشكل نزعها ضررا بكامل البناء[vi].
اما المفاتيح فقد اعتبرها قسم من الفقه[vii] عقارات بطبيعتها، في حين اعتبرها قسم آخر [viii] عقارات بالتخصيص ونحن نميل الى الرأي الثاني. اما حديثا فقد اعتبرها الاجتهاد منقولات وذلك عندما رفض ربطها بالملكية العقارية المسجلة في السجل العقاري، حيث جاء في قرار لمحكمة التمييز ان مفاتيح الاماكن التي تحفظ فيها ساعات الكهرباء والمولد وخزانات المياه وهي تخل ضمن المنافع الاساسية، يجب ان يتم تسليمها الى الشاغل وليس الى المالك المسجل في السجل العقاري.
ان المحكمة ربطت حيازة المفاتيح بفكرة الاشغال وليس بفكرة الملكية وذلك اذا على اساس المنفعة او خدمة العقار، وليس على اساس ملكيته.[ix]
نستنتج اذا ان المادة الثانية هي مادة طويلة نسبيا، مقسمة الى ثلاث فقرات، تدرج فيها المشرع بشرحه لمفهوم العقارات بطبيعتها من المظهر الطبيعي والبسيط للعقارات الا وهو الارض التي تعكس بصورة واضحة وجلية مدى الثبات وعدم القابلية للتحرك، وبداعي التفسير اضاف عدة امثلة، لافتا الى عدم امكانية حصر هذا المفهوم بتعريف محدد. والدلالة على ذلك، استمراره في التفسير في الفقرة الثانية مستشهدا ايضا ببعض الامثلة، كل ذلك لتوضيح المقصود بعبارة ابنية؛ حتى يصل اخيرا الى اعتبار بعض المنقولات "كالاجهزة والقطع"، عقارات طالما انها لاصقة بها، على اعتبار ان الفرع يتبع الاصل.
ان هذا التوسيع المقصود في المادة 2 ملكية، مرده الى ان المشرع العقاري وبهدف التشديد على اهمية العقارات، استفاض في تفسيرها لدرجة انه يمكن القول انه اوقعنا في بعض التناقضات لا سيما في المادة 3 منه المتصلة بالعقارات بالتخصيص.
ان البحث في العقارات بطبيعتها ضروري، لا سيما وانه يشكل عنصرا اساسيا من عناصر العقار بالتخصيص، بحيث انه لا يمكن ان نبحث في العقارات بالتخصيص دون التطرق الى العقارات بطبيعتها؛ اذ لا عقار بالتخصيص دون عقار بطبيعته؛ يجب اذا وجود عقار بطبيعته اولا حتى نتمكن من القول بوجود عقار بالتخصيص.
ب-منقولات بطبيعتها
ان العنصر الثاني المكون لمفهوم العقارات بالتخصيص هو المنقول بطبيعته، حيث كانت الكلمة الاولى التي استعملها المشرع لتعريف العقارات بالتخصيص، "العقارات بتخصيصها هي اشياء قد تعتبر بذاتها منقولات، ...".
في المقابل، لم يعرف المشرع المنقولات، فيتم عادة الرجوع الى تعريف مجلة الاحكام العدلية للمنقول والتي اعتبرت ان المنقول هو الشيء الذي يمكن نقله من مكان الى آخر دون تلف او هدم فيشمل النقود والعروض والمكيلات والموزونات. م128 مجلة.
وهنا لا بد من الاشارة، الى الفقرة الاضافية التي نجدها في بعض الطبعات وهي منقولة عن مراجع فقهية[x] ، الا وهي عبارة "والبنا والشجر ان لم يكونا تبعا للارض"، التي قد تكون اضيفت الى المادة 128 مجلة من باب التفسير ليس الا.
ان العقار بالتخصيص هو في الاصل منقول بطبيعته، والمنقول هو كل ما يمكن نقله او تحريكه دون تلف او هدم، بحيث انه بطبيعته الذاتية يقبل النقل[xi] او التنقل[xii] من مكان الى آخر، دون ان يحدث هذا النقل اي ضرر او مساس في ذاتية الشيء، او دون ان يؤثر في كيانه.
من هنا اعتبر المشرع في المادة 3 ملكية ان العقارات بالتخصيص هي اولا المنقولات، غير انه ميز بين نوعين من المنقولات: منقولات مخصصة لخدمة العقار، ومنقولات راكزة بصورة دائمة بالعقار.
1-منقولات مخصصة لخدمة العقار، وهنا يقصد بها المنقولات التي تحتفظ بذاتيتها، انما يكون لها وظيفة خدمة العقار.
نحن هنا امام حالة اتصال معنوي بين المنقول والعقار حين لا يوجد صلة مادية او التصاق مادي بينها فهي منقولات غير راكزة بالعقار انما هي معدة لخدمته .
بالتالي فان صفة التخصيص يمكن ان تنتهي اذا لم يعد من فائدة لبقاء المنقولات مخصصة لخدمة العقار. اما اذا تم فصل المنقولات عن العقار بصورة مؤقتة لاصلاحها، فانها لا تفقد صفتها العقارية ووحدتها مع العقار التابعة له.[xiii]
كما يقتضي الاشارة الى ان المقصود بخدمة العقار تسهيل عملية استثماره، فالغاية الاساسية من تخصيص المنقول هي تفعيل عملية استثمار العقار.لا سيما وان المشرع في الفقرات اللاحقة عدد مجالات التخصيص، وهي المجالات التي تحتاج الى منقولات تخدمها وتسهل عملية استثمارها.
مما لا شك فيه ان تخصيص المنقول لخدمة العقار يؤدي الى تفعيل الملكية العقارية، وزيادة قيمة العقار وتحسينه. خاصة وان هذا المنقول سوف يخضع لنفس النظام القانوني الذي يخضع له العقار.
فالمشرع وبهدف تعزيز العقارات والملكية العقارية، جعل المنقول الذي هو بطبيعته غير متحرك ومتنقل، عقارا مما يجعلنا نعتقد ان العقار بنظر المشرع اهم بكثير من المنقول، لا بل يتفوق ويتغلب عليه، على اعتبار ان الفرع يتبع الاصل، فالفرع هو المنقول والاصل هو العقار.
2-منقولات راكزة بصورة دائمة بالعقار: تناولتها الفقرة الثالثة من المادة 3 ملكية، التي جاء فيها "ومن الاشياء المعتبرة ايضا عقارات: الاشياء المنقولة الراكزة بالارض بصورة نهائية".فالاتصال هنا بين المنقول والعقار هو اتصالا ماديا.
في هذه الفقرة يصدمنا المشرع، لا سيما وانها تذكرنا بالمادة 2 فقرة اخيرة " وجميع الاجهزة والقطع ....".
لماذا هذا التكرار؟ وما هو معيار التمييز بين هاتين الحالتين؟
لا بد من الاشارة، الى ان هذه الفقرة مأخوذة عن المادة 525 مدني فرنسي.ومن العودة الى المادة 525 مدني فرنسي نجد بانها حددت عملية اندماج المنقول بالعقار عن طريق استعمال الجفصين او الكلس او الباطون، والتي لا يمكن نزعها عن العقار دون تلف او تدمير او تكسير، او حتى تلف البناء الملصقة به. ما هو اذا الفارق بين ما جاء في المادة 2 فقرة اخيرة وهذه المادة؟
عند مراجعة الامثلة التي اعطاها المشرع الفرنسي، نجد بانه استعرض من ضمن الامثلة كزجاج الشقق والباركيه، اللوحات وغيرها من مواد الديكور، ولكنه ميز التماثيل معتبرا ان هذه الاخيرة لا تكون عقارات بالتخصيص الا اذا كانت موضوعة في اماكن مخصصة لايوائها او لاستيعابها.
في المقابل، اعتبر الاجتهاد الفرنسي ان اكسسوارات المدخنة كالبلاك الحديدي الموضوع على المدخنة والذي لا يمكن نزعه دون اتلاف الحائط يشكل عقارا بالتخصيص. على العكس ان المرآة المعلقة حديثا ودون تثبيت على الحائط ولو بواسطة مسمار لا يمكن ان تعتبر عقارا بالتخصيص.[xiv]
اما ادوات المطبخ لا يمكن ان تعتبر عقارات بالتخصيص وان كانت مثبتة بواسطة مسامير، وان كان يتوجب اجراء بعض الاعمال الطفيفة لترميم الحائط الذي كانت معلقة فيه.[xv]
في نفس الاتجاه، ان الشوفاج (رادياتور كهربائي)، لا يعتبر عقار بالتخصيص وان كان يترك بعد نزعه بعض الآثار الطفيفة على الحائط.[xvi]من ناحية اخرى، اعتبرت عقارات بالتخصيص التدفئة المركزية والتمديدات الصحية لان نية المالك اتجهت الى ذلك.[xvii] وايضا الخيم البلاستيكية اعتبرت عقارات بالتخصيص لاعتبارين اولا التثبيت بالارض[xviii] ثانيا بداعي تخصيصها لخدمة ولاستثمار العقار[xix].
اما ادوات التزيين اعتبرت عقارات بالتخصيص لمجرد ارادة المالك في تخصيصها والمتمثلة بتثبيتها بالعقار بصورة نهائية[xx]. وهنا بعض الحلول التي اعطاها الاجتهاد الفرنسي هي غير مقبولة لا بل غير منطقية كالتمثال الذي اعتبره حينا عقارا بالتخصيص[xxi] وحينا آخر رفض ذلك[xxii]. وكذلك الامر عندما اعتبر ان المزهريات غير المثبتة انما الموضوعة على سبيل التزيين والتي تشكل مع القصر مجموعا تجميليا، هي عقارات بالتخصيص.[xxiii]
برأينا ان المشرع بالغ بعض الشيء في الامثلة التي اعطاها، ولا سيما لناحية اللوحات. ايعقل ان تعتبر اللوحات عقارات بالتخصيص؟ نجد في ذلك بعض المبالغة غير المبررة، والتي يقتضي الاخذ بها ضمن نطاق محدد، الا وهو رغبة المشرع ونيته في السماح للافراد بتخصيص بعض المنقولات لخدمة العقار.
ان هذا التقسيم الذي اعتمده الفقه الفرنسي، اي فكرة المنقولات الثابتة في العقار تستقيم في القانون الفرنسي، ولكنها بالنسبة للقانون اللبناني توازي العقارات بطبيعتها وبالتالي يجب اعتبارها عقارات بطبيعتها وليس عقارات بالتخصيص. فالتمييز هنا هو على الصعيد النظري فقط، والغاية الاساسية من المادة 3 هو امكانية تخصيص المنقول وربطه بالعقار. فاذا اراد شخص تخصيص مال منقول عن طريق تسجيله في السجل العقاري، فليس على امين السجل العقاري رفض اجراء هذا التسجيل.
يضاف الى ذلك، ان المحكمة المدنية لم تقتنع في قرارين صادرين عنها بتطبيق احكام العقار على هذه المنقولات متذرعة في كل مرة بحجة مختلفة متشددة اذا في تطبيق نص المادة 3 ملكية.[xxiv]
ثانيا: شروط العقارات بالتخصيص
جاءت المادة الثالثة واضحة وصريحة لناحية شروط اعتبار المنقول عقار بالتخصيص. محددا هذه الشروط باثنين فقط؛ اولا ان تكون هذه المنقولات والعقار بطبيعته، لمالك واحد. وثانيا ان تكون مخصصة لاستثمار العقار او بوجه اعم لخدمة العقار التي تكون هذه الاشياء من متمماته. ثم استعرض فئتين من الامثلة عن اوجه الاستثمار: الفئة الاولى فئة الاستثمار الزراعي والفئة الثانية هي فئة الاستثمار الصناعي، مضيفا شرط وجود مكان مخصص لايواء هذه المنقولات بالنسبة للاستثمار الصناعي.
غير ان بعض هذه الشروط غفلت عن ذكرها المادة الثالثة ملكية، مما يجعل عدم اثارتها والبحث فيها نقصا لا يمكن التغاضي عنه. في الحقيقة ان الشرط الاول هو منطقي وبديهي، بحيث انه ينبغي ان يكون مالك العقار هو ايضا مالك للمنقول حتى تكون عملية التخصيص ممكنة. اما الشرط الثاني فهو مهم جدا لناحية تحديد المقصود باستثمار العقار او خدمته.
من الملاحظ ان الهدف الاساسي للمشرع في تحويل هذه المنقولات الى عقارات، هي وظيفة هذه المنقولات، بحيث انه طالما ان هذه المنقولات تخدم العقار، يكون بالتالي من الأولى تخصيصها عن طريق ادماجها به.
ما هو اذا مفهوم الاستثمار في نظر المشرع العقاري؟
من الواضح انه ربط فكرة الاستثمار بالامثلة التي استعرضها في الفقرات اللاحقة. بحيث انه ارتأى ان مفهوم "الاستثمار" يقتصر على العملين الزراعي والصناعي فقط دون العمل التجاري، في حين اننا نعلم ان مفهوم الاستثمار هو اشمل واوسع حتى انه قد يصل الى المجال العقاري بحد ذاته، هذا ما يدفعنا الى محاولة تعريف كلمة استثمار.
الاستثمار هو استغلال شيء معين بهدف الاستحصال على فائدة، قد تكون مادية او معنوية، من هذا الشيء. هو ايضا الانتفاع او الافادة من شيء نقوم بانتاجه او خدمة معينة او تحقيق ما، او عمل الاشخاص ونشاطهم. الغاية الاساسية من الاستثمار هي الاستحصال على فائدة او كسب او ربح او منفعة.
ما هي اذا انواع الاستثمار التي اجازها المشرع؟
أ- انواع الاستثمار واشكاله:
1-المجالين الزراعي والصناعي: قبوله بشكل صريح
من اولى اوجه الاستثمار التي اجازها المشرع في المادة 3 ملكية، هي الاستثمارين الزراعي والصناعي. وهذا امر بديهي في تلك الفترة الزمنية، اي فترة صدور قانون الملكية العقارية، حيث كان العمل الزراعي اهم الاعمال على الاطلاق واولها في المجتمعات البشرية، ومهد العمل المدني في المجتمعات القانونية. اما بالنسية للعمل الصناعي، فقد اضاف شرطا اضافيا مرتبط بكون البناء مجهزا لايواء المنقولات المخصصة لاستثمار العقار من الوجهة الصناعية. ومن الامثلة التي يمكن اعطاؤها ما عدده صراحة في المادة 3 وهي التالية:
في المجال الزراعي: الحيوانات، الاسماك، مساميك الكروم...
في المجال الصناعي: الفاكونات الصغيرة، الآلات الصناعية.
من خلال هذه الامثلة نستنتج احتفاظ المنقولات بذاتيتها، انما ادماجها معنويا بالعقار عن طريق تأمين منفعة خاصة بهذا العقار وليس خاصة بمالكه الشخصية.
2-المجالين المدني والتجاري: ترك الامر لتفسير الفقه والاجتهاد
اما عن المجالين المدني والتجاري اعتبر بعض الفقه[xxv] ان المشرع رفض التخصيص في المجال التجاري عندما ذكر في المادة 3 ان اثاث الفنادق والبيوت المفروشة والملاهي "الكازينو" والحمامات ومحلات التجارة لا تعتبر عقارات. وقد ورد هذا التعداد ضمن هلالين؛ ان وضعهما على هذا الشكل يثير الجدل حول امكانية التخصيص في المجال التجاري. فما هو المقصود بذكر هذا التعداد بالذات (اي المتعلق بالعمل التجاري)؟
وما هو المقصود بكلمة عقارات؟ هل يقصد المشرع عقارات بطبيعتها ام عقارات بالتخصيص؟
ان هذه الرؤية غير الواضحة، وغير المحددة في المجال التجاري تستدعي الوقوف عندها.
غير ان هذه الاشكالية لم تعد مطروحة في ظل صدور المرسوم الاشتراعي 11/67 المتعلق بالمؤسسة التجارية التي جاء في المادة 25 منه :"عندما تكون المعدات قد اصبحت عقارات بالتخصيص ...." فالمعدات عندما تتصل بالعقار تنفصل عن المؤسسة التجارية كمنقول وتفقد طبيعتها المنقولة فتتحول الى عقارات بالتخصيص.مثلا:دور السينما (مشروع المشاهد العامة).
فضلا عن ذلك، ان المشرع عدد صراحة في المادة 6 من قانون التجارة "مشروع الصناعة" و "الصناعة التحويلية"، من ضمن الاعمال التجارية. فالعمل الصناعي بشكليه يخضع لقانون التجارة.
بالتالي يجب ان نقبل اليوم امكانية التخصيص في العمل التجاري. فتكون عملية التخصيص في المجالين الصناعي والتجاري اكثر فعالية على صعيد التطبيق العملي، لا سيما وان الفقه الفرنسي قبل به.
اما في المجال المدني، ان نص المادة 3 ملكية لم يكن صريحا في هذا الاطار، مما دفع بالبعض[xxvi] ، الى القول بانه مرفوض، في حين اعتبر البعض الآخر[xxvii] ان الامر يبقى متروكا للاجتهاد، بحيث ان المحكمة تستنسب الافضل، واما تقبل التخصيص في المجال المدني، اما ترفضه.
اما الفقه الفرنسي[xxviii] ، فقد اجاز التخصيص في المجال المدني. مما خلق الخلاف الفقهي حول الموضوع.
في النتيجة لا شيء يمنع التخصيص في المجال المدني؛ يدعم وجهة النظر هذه اعتباران:
اولا: قبوله في الاستغلال الزراعي، لا سيما وان العمل الزراعي هو مهد العمل المدني والشكل الاساسي للنشاط المدني.
ثانيا: عدم وجود منع صريح في نص المادة 3 ملكية.
ب-شروط اغفلها النص بشكل صريح
عدد المشرع العقاري وبصراحة شرط وحدة المالك وشرط تخصيص المنقول لخدمة او لاستثمار العقار. غير انه لم يذكر شرط وجود عقار بطبيعته، بحيث انه لا يوجد عقار بالتخصيص دون وجود عقار بطبيعته. اما الشرط الاهم الذي لم يذكره المشرع الا وهو شرط التسجيل في السجل العقاري.
نظرا لخصوصية النظام العيني في لبنان يقتضي بحث هذه النقطة بالتفصيل لا سيما واذا تمت مقارنتها ونية التخصيص المعمول بها في القانون الفرنسي.
في لبنان، ان نظام انشاء السجل العقاري (القرار 188/26)، فرض في المادتين 10 و11 منه تسجيل كل اتفاق وكل حكم وكل حدث يرمي الى انشاء حق عيني او نقل هذا الحق او اعلانه او تعديله او اسقاطه، التي لا تكون نافذة حتى بين المتعاقدين الا اعتبارا من تاريخ قيدها.
ان السؤال الذي يتبادر الى الذهن في مثل هذه الحالة هو وجوب تسجيل المنقول في السجل العقاري عندما يتحول الى عقار بالتخصيص. فهل يعتبر التسجيل شرطا اساسيا لتحويل المنقول الى عقار؟ مثله في ذلك مثل الدعاوى والحقوق العينية الاصلية والتبعية التي تتناول عقارات؟
بالاحرى هل يمكن اعطاء هذه المنقولات التي تحولت الى عقارات بالتخصيص ارقاما خاصة بها في السجل العقاري، شرط ان يشتريها المالك نفسه مشتري العقار بطبيعته، بهدف تحقيق شرط وحدة المالك؟
اجمع الفقه [xxix] ان على المالك ان يعلن عن ارادته بالتخصيص وذلك يتم بطريقة التسجيل في السجل العقاري.
في المقابل، يمكن ان تزول عن المنقول الصفة العقارية اذا رغب المالك في ذلك، شرط عدم الاضرار بدائنيه.
وفي ذلك يختلف القانون اللبناني عن القانون الفرنسي، حيث يبقى للارادة السيادة والسلطان في تقرير التخصيص او عدمه، وهنا تظهر صعوبة اثبات نية المالك، لان اثبات النوايا مسألة صعبة ودقيقة.
من ناحية ثانية، اعتبر الفقه ذاته المشار اليه اعلاه ان استملاك العقار بطبيعته لا يشمل العقار بالتخصيص ما لم يكن مثبتا به، علما ان الاستملاك يشمل كل ما هو مندمج بالعقار كالتمديدات الكهربائية والصحية والابواب والشبابيك التي تعد عقارات بطبيعتها. كما انه في حال سرقة العقار بالتخصيص نكون امام جريمة السرقة التي لا تطبق سوى على المنقولات دون العقارات.
من خلال هذين المثلين العمليين، نستنتج ان نظرية العقارات بالتخصيص لا تستقيم بالنسبة لكل المنقولات التي عددها المشرع، وبالنسبة ايضا لدرجة اتصال المنقول بالعقار. وذلك طبعا اذا اخذنا بعين الاعتبار عدم تسجيلها في السجل العقاري. بحيث ان العبرة الاساسية لتحويل المنقول الى عقار هي عند تسجيله في السجل العقاري. فنحن فعليا امام حالتين:
1-حالة منقولات راكزة بالعقار ومندمجة فيه، وهذه الاخيرة هي عقارات بطبيعتها. وهذا يتجلى حتما عند البيع، بحيث انه اذا بيع العقار، فان البيع يشمل كل ما هو لاصق به. بالتالي فهو لا يحتاج الى تسجيل منفرد او مستقل على صحيفة العقار بطبيعته، لانه يشكل جزءا لا يتجزأ عنه. حتى ان الفقه الفرنسي اكد على ذلك[xxx]، بالرغم من ان القانون الفرنسي اخذ بالنية في التخصيص الكافية لتحويل المنقول الى عقار. اذ اعتبر هذا الفقه ان المنقولات الراكزة بالعقار والتي تعتبر عقارات بالتخصيص كالتماثيل والزجاج وادوات الاستثمار، تكون حتما مشمولة بالبيع. في حين ان المنقولات الاخرى المخصصة لخدمة العقار كأدوات المطبخ او غيرها، يجب ذكرها او تعدادها صراحة حتى يشملها البيع او العقد.
2-حالة منقولات تخدم العقار وغير متصلة فيه ماديا، انما متصلة به معنويا بداعي الخدمة والغاية، هذه الاخيرة هي التي يمكن بدورها تحويلها الى عقارات عن طريق تخصيصها اي تسجيلها في السجل العقاري صراحة، والا في حال غياب شرط التسجيل، تبقى منقولات وتخضع لقواعد المنقول.
وعلى ذلك يمكن التأكيد على ان اعتماد المشرع اللبناني على نظرية العقارات بالتخصيص نقلا عن القانون الفرنسي يصبح دون جدوى، لا بل غير مفيد [xxxi] نظرا الى وجود نظام تسجيل عيني في لبنان يسمح ببيان العقارات بالتخصيص، وذلك على خلاف الوضع في فرنسا.
في الخلاصة، ان التفصيل الذي اتى عليه المشرع في المادة 3 هو تفصيل دون طائل؛ بحيث انه كان يكفي ان يشرح غاية تخصيص المنقول في خدمة العقار، بغض النظر عن مجال التخصيص، طالما ان هذا المنقول يفيد العقار ويزيد من قيمته. ولكان من المستحسن لو ان المشرع اللبناني اقتصر على تعريف العقارات بالتخصيص بانها المنقولات التي تخدم العقار، ثم عدد على سبيل المثال لا الحصر بعض المجالات محاولا ان يشمل كل المجالات، طالما ان الغاية من المنقول هي خدمة العقار والعودة بالنفع عليه.
هذا مع لفت النظر الى ان غاية التخصيص هي خدمة العقار وليس خدمة الشخص. ففي المجال المدني مثلا، ان المفروشات هي معدة لخدمة الشخص وليس لخدمة العقار؛ اما المكيف فيعتبر لخدمة العقار اكثر منه الخدمة الشخصية لمالكه.
من هنا بامكاننا ان نستخلص عدة معايير لتمييز بين المنقولات من ناحية والعقارات بطبيعتها او بتخصيصها من جهة ثانية.
فتكون معايير التمييز هي التالية:
1-معيار الاتصال المادي، بحيث انه اذا كانت المنقولات راكزة ومتصلة بالبناء فهي اذا عقارات بطبيعتها.
2-معيار الاتصال معنوي، نحن هنا بصدد منقولات تحولت الى عقارات بالتخصيص على اساس الغاية او الاستثمار.يقصد بها معيار خدمة العقار، مما يعني استبعاد كون الغاية هي خدمة الاشخاص لان الهدف هو العقار وليس المالك، وذلك طبعا بنظر المشرع العقاري الذي يسعى دوما ومن خلال النصوص القانونية الى تفعيل دور الملكية العقارية وزيادة قيمة العقارات.
3-حصر النص بالمنقولات وبالتالي استبعاد امكانية تخصيص الخدمات من المجال العقاري طالما انه لم يأت النص على ذلك في اي موقع من المواقع.
[i] مهاب نجا، الملكية العقارية، 1993، الطبعة الاولى، المؤسسة الجامعية للدراسة والنشر، ص.13.
[ii] نقولا اسود،القانون المدني، المدخل والاموال، 1985-1986، ص420
[iii] تمييز مدني، غرفة اولى، قرار رقم 10، تاريخ 22 ك2 1968.
[iv] منفرد مدني في بيروت، حكم رقم 48 تاريخ 14 ك2 1982.
[v] François terre, Philippe Simler, les biens, droit civil, 6eme édition,2002,p36.
[vi] مدني فرنسي، اولى، 19 آذار 1963، jcp 1963 ، II، 1319، تقرير P.Esmein.
[vii] نقولا اسود ،مذكور اعلاه، ص421
[viii] Planiol et Rippert, 2 éme éd. Tome I, les biens. ,n 74 et 88.
[ix] قرارات الغرفة الخامسة، رقم 79، 4/5/2000، كساندر، 2000، ص 781
[x] حيدر+باز
[xi] بفعل قوة خارجية كالكراسي والطاولات
[xii] بفعل طبيعته الذاتية كالحيوانات والسيارات
[xiii] مهاب نجا، مذكور، ص.10
[xiv] Poitiers,23 avr 1968, JCP, 1969, 11,15857.
[xv] LILLE, 7 MARS 1975, GAZ.PAL,1975,2,579, note Raymond. Et civil 3eme, 8 juin 1982, gaz pal,1982,2,pan,351.
[xvi] Civ 3eme, 7 juillet 1981, D, 1983, IR 13, obs.Robert.
[xvii] Civ 1ere, 19 mars 1957, Bull civ I,n.145.
[xviii] Civ 3, 6 janv 1972, D1972,398.
[xix] Civ 3, 23 mai 1984, Bull.civ,III,n 104.
[xx] Paris, 27 mars 1963,D,1964, 27.
[xxi] [xxi] Paris, 27 mars 1963,op.cit.
[xxii] Civ 3eme, 3 juillet 1968, precite.
[xxiii] Poitiers, 23 avr. 1968, precit.
[xxiv] محكمة التمييز، قرار رقم 1، 9 ك2 56، نشرة قضائية، 1956، ص 115 عندما اعتبرت ان المنقولات الموضوعة في العقار اذا كانت لغير مالكه فلا تعتبر عقارات بالتخصيص.
والقرار الثاني الصادر عن محكمة الاستئناف في بيروت التجارية رقم 967، 4 آب 66، نشرة قضائية 66 ص 837، عندما اعتبرت ان الآلات الصناعية لا تعتبر عقارات بالتخصيص اذا قرر المالك بارادته بيعها بمعزل عن العقار.
[xxv] جورج شدراوي، تقسيمات الاموال، 2005، منشورات المؤسسة الحديثة للكتاب، ص168-169
[xxvi]، الاموال والحقوق العينية العقارية الاصلية، بيروت، 2002،ص 45 وما يليها. سامي منصور ومروان كركبي
[xxvii] علي ابراهيم، القانون المدني، الاموال والحقوق العينية العقارية الاصلية،2007
[xxviii]، وجورج شدراوي، مذكور، ص169. الطبعة الاولى ص 41-42
[xxix] علي ابراهيم، مذكور، ص 42. شدراوي، تقسيمات الاموال، ص164 وايضا مهاب نجا، مذكور، ص15
[xxx] Traite de droit civil, les principaux contrats spéciaux, Jérôme Huet, delta, LGDJ, 1996, p.407.
[xxxi] علي ابراهيم، مذكور، ص40
مُستشهد به