الأبحاث

دراسة المحامي الاستاذ حليم مراد 22/01/2018

سرية التحقيق بين النص والتطبيق العملي

المؤلف
المحامي الاستاذ حليم مراد
تاريخ النشر
22/01/2018
المصدر
الجامعة اللبنانية

سرية التحقيق بين النص والتطبيق العملي

بقلم المحامي الاستاذ حليم مراد

دراسة نشرت في مجلة العدل

يقول الكبير الراحل المعلم سعيد عقل: "الشرق بعدو ممروض بالمؤسسة ما صار ممروض بالإنسان، بينما بتلاقي أوروبا طلعت حقوق الإنسان مش حقوق الدولة وحقوق الكنيسة وحقوق الكتاب، لأ حقوق الإنسان، الشرق بعده مش عم يلعب لعبة الإنسان، عم يلعب لعبة المؤسسة."

لأن مجد القانون يتجلى في حسن تطبيقه، كان من الواجب علينا إثارة قضية سرية التحقيق بين النص والتطبيق العملي في محاولة لبناء حائط من الشفافية بين المحقق وأدواته من جهة، وأطراف الدعوى الجزائية من جهة أخرى.

نص قانون أ.م.ج. الجديد في المادة /53/ منه، على قاعدة سرية التحقيق وقد ورد هذا النص في الباب الأول الذي حمل عنوان "تنظيم دوائر التحقيق"، من القسم الثالث المتعلق بقضاة التحقيق ووظائفهم. وكأن بالمشترع قد قصد أن يخلق تمييزاً واضحاً بين القواعد المنظمة لكل من التحقيقين الأولي والإبتدائي، بهذا الصدد.

وقد وصلت إلينا هذه القاعدة بشكلها الحاضر، تبعاً لتغيّر وتبدّل الأنظمة السياسية الحاكمة وتبعاً لتطور علم التحقيقات الجنائية. وهي قاعدة الضد لقاعدة العلنية التي تشكل الخاصية الأساسية من خصائص مرحلة قضاء الحكم. فبعد أن يشتهر شخص ما بارتكابه جرماً معيناً، بإحالته الى قضاء الحكم، لا يعد ثمة هناك من جدوى للإبقاء على سرية التحقيقات. ففي هذه المرحلة تصبح العلنية بحضور جميع الناس للمحاكمات الجارية ضمانة ً للمدعى عليه. فما هي سرية التحقيق وما هي آثار خرق هذه السرية؟ وماذا عن مجال تطبيقها على الأعمال والأشخاص؟

سوف نعالج هذين السؤالين في دراستنا، من خلال مبحثين:

- المبحث الأول: سرية التحقيق وجرم إفشاء الأسرار.

- المبحث الثاني: مدى هذه السرية ومجالات تطبيقها.

المبحث الأول: سرية التحقيق وجرم إفشاء الأسرار

النبذة الأولى: سرية التحقيق

إن تطور أ.م.ج. كانت تواجهه تعقيدات ونكسات بالنظر لارتباط هذه الأصول بالأنظمة والعهود السياسية التي مرت بتقلبات تركت أثرها في التشريع الجزائي (1).

فعلى الرغم من خضوع قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني لعملية تحديث وتعديل في العام 2001، بالقانون رقم 328 الصادر في 2/8/2001، فضلاً عن التعديلات اللاحقة لهذا القانون، ما تزال النظم الأساسية التي عرفها قانون أ.م.ج.، عبر التاريخ من حيث التطبيق، تشرع منطق التوسع والإجتهاد فاتحة ً المجال لاستنساب القضاء، لإقامة التوازن بين حسن سير العدالة والوصول الى الحقيقة من جهة، وبين قرينة البراءة وحقوق الدفاع وشرف وكرامة الإنسان وحقه في الإطلاع والمعرفة والوصول الى المعلومات من جهة أخرى.

مع ما قد ينتج عن ذلك الأمر من خلل ٍ أكيد في المعادلة السابقة، خاصة ً وأن أكثر القضاة تجرداً قد يغلب عليهم الشعور بضرورة كشف الحقيقة ومعرفة الفاعل ولو على حساب الضمانات والحقوق.

يجب النظر الى السلطة الإستنسابية، ليس من جهة كونها أفعال إعتباطية، وإنما كنماذج قيم ومعايير وقوانين، وذلك من أجل إزالة بعض من "عبء الذنب ثقيل" الذي يعانيه المكلفون بالكشف عن الجرائم. فلذلك لا بد من التشديد على الدور العلمي الذي يقوم به المحققون في الجرائم، ومحو ذلك التاريخ الموروث الذي كان يبرر استخدام الخداع الواعي بنسيان أية حقيقة باتت غير ملائمة من أجل بلوغ الهدف في كشف الجرائم ومرتكبيها. إذ أنّ من شأن سلوك هذا الأسلوب طمس المعارف، أو تراكم الأكاذيب حتى تجثم فوق الحقيقة. وكذلك استخدام العنف لانتزاع الإقرارات.

مجمل القول، لقد سقطت أسطورة "الجرائم الكاملة" مع التطور العلمي والتكنولوجي وامتلاك أساليب ومعدات فعالة في التحقيقات الجنائية، وبات من اليسير على العاملين في مجال الكشف على الجرائم تجميع الأدلة والآثار التي تركها المجرم في ساحة الجريمة، مهما اتسع محيطها، ومهما اتصل بها من تعقيدات.

ومع سقوط أسطورة "الجريمة الكاملة"، هَوَتْ السلطة الإستنسابية في الأعمال التحقيقية، بل قل أصبحت مفتوحة على معان ٍ محتملة جديدة في الفهم العلمي والواقعي لفرادة الجرائم وتنوّع القضايا.

وزد على ذلك، من خلال مراقبة التطور التشريعي الكوني على هذا الصعيد....(2) (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – المادة 3-5-10-11- )

(العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية المادة /9/، المادة /10/، الفقرة 3 من المادة /14/الدفاع)

(المادة السابعة من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة)

(المادة الرابعة من "مدوّنة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين" 1979)

وقد أكدت جميعها على حقيقة واحدة، هي أن الإنسان وأكثر تحديداً المدعى عليه أو المشتبه به، قد احتكرا الإهتمام الأكبر من منطلق العناية الكلية بكرامة الإنسان وسمعته وشرفه.

النبذة الثانية: جرائم إفشاء سرية التحقيق

لا بد بداية ً من التذكير بالمادة /579/ من قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بإفشاء الأسرار، على اعتباره النص العام الذي يجرم هذه الأفعال.

والملفت أن هذه المادة واردة في النبذة الرابعة من الفصل الثاني المعنْوَن في الجرائم الواقعة على "الحرية والشرف"، ضمن الباب الثامن الذي يحمل عنوان "الجنايات والجنح التي تقع على الأشخاص"، وقد ورد فيه ما حرفيّته:

"من كان يحكم وضعه، أو وظيفته، أو مهنته، أو فنه، على علم بسرّ وأفشاه دون سبب شرعي، او استعمله لمنفعته الخاصة أو لمنفعة آخر، عوقب بالحبس ستة أشهر على الأكثر وبغرامة لا تتجاوز الأربعماية ألف ليرة لبنانية، إذ كان الفعل من شأنه أن يسبب ضرراً ولو معنوياً".

يتّضح إذاً، أن نص المادة /579/ ع. هو النص العام الذي تقع تحت دائرته، كافة الأفعال المتمثلة بإفشاء أسرار أو استعمال هذه الأسرار لمنفعة خاصة أو لمنفعة الغير. أما الغاية من هذا النص ومجال حمايته ينصبّان مباشرة ً على الإنسان وما يمس بحريّته وشرفه، فضلاً عن تطلبه لشرط خاص للتجريم ألا وهو أن يكون من شأن الأفعال المذكورة أن تسبب ضرراً ولو معنوياً، وهذا ما يعزز قناعتنا بدليل إضافي أن السرية كمبدأ عام، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأسرار التي قد تلحق ضرراً بالشخص، أي أنها شخصية، وليست سرية بالمفهوم المطلق أو بالصورة الموضوعية.

وبالعودة الى قانون أ.م.ج.، الى النصوص التي تعرضت لهذا الموضوع، وبالتحديد الى نص المادة /42/ أ.م.ج. ونص المادة /53/ أ.م.ج. وهي النصوص الخاصة المستوجبة التطبيق بالمفاضلة مع النص العام الوارد أعلاه، ويقتضي تفسيرها بشكل ضيّق دون أدنى توسّع(3)، دون أن ننسى أن التشريع هو كلٌ تتناسق أحكامه وتتكامل دون تعارض فيما بينها.

فقرة أولى: جريمة إفشاء الأسرار في التحقيق الأولي

حددت المادة /42/ أ.م.ج.، فقرتها الثانية، العناصر التي تؤلف جريمة إفشاء السر من قبل الضابط العدلي، بما حرفيّته:

"يلتزم الضابط العدلي في جميع الإجراءات التي يقوم بها بالسرية التامة. إذا ثبت إفشاؤه مضمون ما ضبطه من وثائق أو رسائل أو أي من الأسرار التي يحرص المشتبه فيه على إبقائها مكتومة فيلاحق أمام القاضي المنفرد الجزائي الذي يقع ضمن دائرته الفعل المشكو منه، ويعاقب بالحبس من شهر الى سنة وبالغرامة من مايتي ألف الى مليوني ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين".

ولشرح هذا النص الأخير لا بد لنا من تحليل بنيانه النصي وتبيان ما إذا كان يكوّن وحدة متكاملة أم أنه على العكس من ذلك يشتمل على مظاهر مختلفة من مظاهر التواصل النصي، وذلك قبل الغوص بالتحليل القانوني.

يستوقفنا استخدام المشترع للتنقيط بعد عبارة:

"يلتزم الضابط العدلي في جميع الإجراءات التي يقوم بها بالسرية التامة." (نقطة)

فهل أن هذه الجملة مستقلة عن باقي النص وهل تحمل دلالة قائمة بذاتها كافية لترتيب أي حكم عليها؟

فإذا ما عدنا الى علم التنقيط واستخداماته الذكية، نرى أن وجود النقطة في نهاية الجملة كفيل بالتصريح بأن المعنى قد تم، وبأن الجملة قد استوفت كل مكملاتها، وبالتالي فإنه يبدو أن المشترع أراد إعطاء هذه الجملة معان ٍ مكتملة.

لكن قراءتها في الواقع، بمعزل عن أي فكرة أو مبدأ آخر، من شأنها أن تفسد معناها المكتمل، لعدم الإحالة فيها الى أي مرجع أو مبدأ قانوني معروف أو معلن، ولعدم ترتيب أية نتائج أو قيود أو آثار على مخالفتها.

فلا يبقى أمامنا سوى أن نسأل هل أن المشترع يفترض هنا أن المعنيين(les concernées) – (the concerned ) بهذا الشأن على علم بالنص أو الفكرة أو المعنى المحذوف؟

نجد الإجابة على هذه الأسئلة من خلال التحليل القانوني لمقاطع النص. ومن إجراء مقارنة بين نص المادة /579/ع ونص المادة /42/أ.م.ج. نجد أن المشترع قد أوجد نص المادة /42/أ.م.ج. متأثراً بالنص الأول العام الوارد في قانون العقوبات اللبناني، أي توظيف سرية التحقيق أمام الضابطة العدلية في خدمة شرف وحرية الشخص. ولو أن المادة /42/أ.م.ج. لم تذكر الضرر بشكل صريح، إنما استخدمت عبارة: "أي من الأسرار التي يحرص المشتبه فيه على إبقائها مكتومة"، إذا ً ليس إفشاء أي سرّ يكون جرماً أو يعرض للعقاب، بل يكون شرط العقاب أيضاً هنا هو حصول ضرر، وأن كل ما أضافه هذا النص الخاص هو تشديد للعقوبة في حال ارتكب الجرم من قبل ضابط عدلي.

هذا كله، بالإنفصال عن العبارة الأولى من الفقرة الثانية من المادة/42/أ.م.ج. التي تحدثنا عنها سابقاً، فكيف يمكننا وضع هذه العبارة في إطارها الصحيح، وكيف يمكننا تعيين حدود لها على ضوء المقطع الثاني من الفقرة الثانية من المادة /42/ أ.م.ج.؟

لقد بيّنا من خلال قراءة المقطع الثاني من الفقرة الثانية من المادة /42/أ.م.ج. أن المشترع قد عيّن حدوداً واضحة لجريمة إفشاء السر من قبل الضابط العدلي، وقد جاء هذا التفسير مراعياً لمبدأ تكامل التشريع روحاً ونصاً، على ضوء ما هو وارد في المادة /579/ع. وانطلاقاً من مبدأ التكامل نفسه، نرى أن المبدأ العام الذي أراد المشترع إقراره هو المبدأ التالي:

"يلتزم الضابط العدلي في جميع الإجراءات التي يقوم بها بالسرية التامة."

وهو مبدأ قائم بذاته، ثم استكمل التوضيح راسماً حدود هذا المبدأ بالنظر الى الغاية من وجوده، أي حماية سمعة وشرف وحرية المشتبه بهم أو المدعى عليهم. فكان المقطع الثاني من هذه الفقرة لا مفسداً للمقطع الذي سبقه، إنما مكملاً للمعنى، راسماً حدوداً واضحة ً له.

إذاً، بات في جعبتنا القانونية لغاية مرحلة التحقيق الأولي، عدة أدلة على ارتباط جرائم إفشاء الأسرار بمسألة إلحاق أو عدم إلحاق ضرر بالمدعى عليه أو المشتبه به.

فماذا عن سرية التحقيق في مرحلة التحقيق الإبتدائي؟

فقرة ثانية: سرية التحقيق في مرحلة التحقيق الإبتدائي

جاءت المادة /53/أ.م.ج. حاملة ً بعض الغموض حول سرية التحقيق وقد قدمت نفسها على أنها متميّزة عن المادتين اللتين سبق لنا شرحها، ونصت على ما يلي:

"يبقى التحقيق سرياً ما لم تحل الدعوى على قضاء الحكم باستثناء ما يتعلق بالقرار الظني.

يتعرض كل من يفشي سرية التحقيق للملاحقة أمام القاضي المنفرد الذي يقع ضمن دائرته الفعل المشكو منه ويعاقب بالحبس من شهر الى سنة وبالغرامة من مائة ألف الى مليون ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين."

نسارع هنا الى القول بأن صياغة هذه المادة مشابه للصياغة اللغوية المقطعية الواردة في المادة /42/ع فقرتها الثانية.

ففي هذه المادة أيضاً، رسم المشرع في المقطع الأول المبدأ العام أي سرية التحقيق. واستكمل محدداً عناصر جريمة إفشاء سرية التحقيق الإبتدائي والعقوبة على ذلك في الفقرة الثانية.

من نافلة القول عندما نتحدث عن التحقيق في هذه المادة ولغاية القرار الظني، فإننا نتحدث عن التحقيق الإبتدائي، أي التحقيق الذي يقوم به قاضي التحقيق أو الهيئة الإتهامية في بعض الحالات(4) وهو ما يميّزه عن التحقيق الأولي الذي يقوم به النائب العام ومساعديه من أفراد الضابطة العدلية، وقد سبق لنا أن عالجنا حكم سرية التحقيق الأولي.

لقد شكلت هذه المادة شذوذاً من ناحية الدقة اللغويّة عن المادتين السابقتين /579/ ع و /42/ أ.م.ج.، ما يثير الجدل حول "المحل" الذي يحرص المشرع على إحاطته بالحماية. فإذا كانت المادتين السابقتين واضحتين لناحية حرص المشترع على حرية وشرف وسمعة الشخص، فإن المادة /53/ أ.م.ج. تحتمل الكثير من التأويل وتظهر وكأنها أحدثت تعديلاً جوهرياً على العناصر الجرمية المؤلفة لجرم إفشاء الأسرار. فهي فيما خصّ الشيء موضوع الإفشاء، جاءت عامة غير محددة، وفيما خصّ شرط العقاب أي الضرر، فإنها كذلك لم تتطرق إليه.

إذاً، نحن أمام جريمة إفشاء أسرار، لكن هذه المرة من نوع آخر، أو قل لا تقتصر على الطابع الشخصي إنما تحمل أيضاً طابعاً موضوعياً. فالمشرع، فضلاً عن حرصه على حرية وشرف المدعى عليه أو المشتبه به، يحرص على إحاطة التحقيق الإبتدائي بالسرية والحماية باستثناء القرار الظني.

إن ورود أحكام سرية التحقيق الإبتدائي في نص خاص - واجب التطبيق دون غيره – يلزمنا بالتقيّد بأحكامه دون توسع أو قياس. ولو أن المشرع أراد أن يقتصر النص على طابعه الشخصي مشترطاً وقوع ضرر بالمدعى عليه أو المشتبه به، لكان ذكر ذلك صراحة ً كما فعل في المواد السابقة، على أن لا يغيب عن أذهاننا أن كل غموض أو شك يفسر في صالح المشتبه فيه أو المدعى عليه.

أما أن نعتبر هذا النص غامضاً، فذلك يتعلق بشكل أساسي بغموض مبدأ السرية نفسه في هذه الحالة، فبعد أن حذف الشيء موضوع الإفشاء واستبدل بعبارة "التحقيق" وحذف شرط العقاب المتمثل بالضرر، أصبحنا أمام حظر مطلق في إفشاء كل ما يتعلق بالتحقيق أو يرتبط به، ولم يعد الأمر مقتصراً على إثبات حصول ضرر للمشتبه به أو المدعى عليه، وبات من الواجب الإنتقال الى المبحث الثاني من دراستنا لتحديد مجالات تطبيق مبدأ السرية في التحقيق الإبتدائي.

المبحث الثاني: مدى هذه السرية ومجالات تطبيقها

نلفت بداية ً الى أن مبدأ سرية التحقيق في التحقيقات الأولية، كما أوضحنا في المبحث الأول، يختلف عن مداه في التحقيقات الإبتدائية، ونضيف أن الأشخاص الخاضعين لهذا المبدأ هم الضباط العدليين القائمين بالإجراءات التحقيقية دون سواهم.

أما المادة /53/ أ.م.ج. فقد حددت الأشخاص الخاضعين لهذا المبدأ بـ"كل من يفشي سرية التحقيق".

فما هي المبادئ التي تفرض مثل هذا القول؟ وما هو حكم القانون اللبناني؟

فقرة أولى: المبادئ الموجهة لسرية التحقيق

أحاط الدستور اللبناني، في المادة /8/ منه، الحرية الشخصية بهالة من القداسة. وكذا شرعة حقوق الإنسان في مادتها الثالثة، وقد جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني زاخراً بالضوابط والأحكام والمبادئ التي تصون تلك الحرية الشخصية التي اكتسبت حماه.

وقد أكد قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على مساحة نصوصه على ثابتة رئيسية هي القيام بالإجراءات التحقيقية التي يراها المحققون مناسبة لكشف الحقيقة وحسن سير العدالة، ولكن تحت سقف باقة من المبادئ التي تتمتع بشأن عظيم يوجه عمل المحققين، وليس مجرد الإستلهام بتلك المبادئ استنساباً.

أما عن هذه المبادئ، فإننا لا نبالغ إذا صورناها تشبيهاً بالنسيم الذي ينعش كل شيء يمازجه، حفاظاً على كرامة الإنسان وكرامة العدالة(5).

فماذا عن كرامة الإنسان؟

نعلم جميعاً أن حق الدفاع هو حق مقدس، وأن مختلف الدساتير والإتفاقيات الدولية قد صيغت وفقه وعلى أساس من هديه المقدس، ونجد له الأثر الواضح في مختلف التشريعات الوطنية، وما يعنينا في قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني هو إلقاء الضوء على هذه المبادئ المتناثرة بين نصوصه.

فمبدأ حرية إرادة المدعى عليه أي حريته في الجواب أو عدمه والذي قد يأخذ صوراً متعددة تعبيراً عن رقي هذا المبدأ، له قوته الملزمة تجاه المحقق، فللمدعى عليه الحق بالتزام الصمت وعدم الرد على أي سؤال يطرح عليه، وعلى المحقق هنا احترام إرادة المدعى عليه أو المشتبه فيه، فلا يمكنه إكراهه على الكلام ولا يمكن أن يفسر صمته دليلاً أو قرينة ً ضده. ( المادتين /31/، /77/ أ.م.ج.)

يضاف الى المبدأ السابق مبدأ مكمل آخر منصوص عليه في المادتين السابقتين أيضاً، هو إدلاء المدعى عليه المشتبه فيه بأقواله بإرادة واعية، أي أن واجباًَ يفرض على المحقق التأكد من أن المدعى عليه يدلي بإفادته بوعي وإدراك وليس تحت تأثير من المحيط أو تحت تأثير من الإكراه المادي أو المعنوي، فيتجه نشاط المدعى عليه النفسي في هذه الحالة الى تحقيق غرض مختلف عن الغرض المطلوب ألا وهو الإقرار(6).

والإرادة الواعية تفترض علماً بالغرض المستهدف وبالوسيلة التي يستعان بها لبلوغ هذا الغرض(7).

فكان مبدأ وجوب إطلاع المدعى عليه أو المشتبه فيه على وقائع الدعوى والجريمة المسندة إليه والأدلة أو الشبهات القائمة ضده وإعلامه بحقه بالإستعانة بمحام ٍ، وفي هذه المرحلة بالذات، يتيقن المحقق بأن المدعى عليه قد أحيط علماً بالغرض المستهدف وبالوسيلة التي سيستعان بها لبلوغه، وبأنه يدلي بأقواله بإرادة واعية. (المادة /76/ أ.م.ج.)

وفي مقابل تلك الضمانات والحقوق، واجبات إضافية تطال عمل المحقق بدءًا بقاعدة مشروعية الحصول على الإثبات أو الدليل والإمتناع، على المحقق أن ينصب الأفخاخ للمدعى عليه (المادتين /35/ أ.م.ج. و/61/ أ.م.ج.) الى وجوب حضور المدعى عليه والمدعي الشخصي لكافة إجراءات التحقيق أو بحضور وكيل عنهما أو اثنين من أفراد عائلتهما أو اثنين من الشهود، المادة /33/ أ.م.ج. والمادة /98/ أ.م.ج. وهي أصول واجبة التطبيق تحت طائلة البطلان.

وتطبيقاً لتلك المبادئ، فإننا نرى وجوب تقيد الضابط العدلي نفسه أيضاً – ليس فقط النائب العام وقاضي التحقيق – بها في كل عمل تحقيقي يقوم به وحجتنا في ذلك نص المادة /41/ أ.م.ج. التي اشترطت أن يدلي المشتبه فيه بأقواله بإرادة واعية حرة، وإن الإستثناء الوحيد لديه هو ذلك المتعلق بعدم إمكانية وكيل المشتبه فيه الحضور مع موكله أثناء استجوابه (المادة /49/ أ.م.ج.).

وبما أن تلك المبادئ تشكل في ذاتها معايير علمية دقيقة للأعمال التحقيقية، ويبدو معها القول بالسلطة الإستنسابية لقاضي التحقيق قولاً غير صحيح، وأن المعادلة الوحيدة التي تفرض نفسها في هذا المضمار تتألف من المقدمات العلمية والإستعانة بالتطور العلمي في وسائل وأدوات التحقيق والإستعانة بالخبرة.

أما عن المحقق فيبقى الرقم الصعب في تلك المعادلة، بنزاهته واستقلاليته وتجرده، وتقيّده بالقانون واحترام الحرية الشخصية والإبتعاد عن الحيلة ونصب الأفخاخ.

هم هؤلاء القضاة العادلين الأمناء على حقوق الناس الذين اكتملوا علماً ومعرفة ًـ يتمتعون بسرعة البديهة واتقاد الخيال والذكاء، مطلعون على مختلف العلوم (النفس، الطبيعة، الفلسفة...)(8) يوظفونها في خدمة القانون والحقيقة صوناً لكرامة العدالة.

فقرة ثانية: المطلعون على سرية التحقيق وحجم هذا الإطلاع

تفترض سرية التحقيق أن أشخاصاً معينين سوف يطلعون على مجريات التحقيق، فكان جرم المادة /53/ أصول محاكمات جزائية لمعاقبة كل من يفشي سرية التحقيق.

وقد بات معلوماً أن المحقق وقضاة التحقيق لا يملكون سلطة استنسابية في ما يتعلق بمبدأ سرية التحقيق – وإن كانوا يتمتعون بسلطة أوسع لدى تحديد الأعمال التحقيقية الممكنة(9) – إنما تحكمه معايير علمية ومبادئ مفروضة تحت طائلة البطلان.

فعلى القائمين بالتحقيقات التقيد بتلك المبادئ واحترام الحقوق والضمانات المعطاة للمدعى عليه أو للمشتبه فيه.

وهنا، ننتقل الى الواقع العملي وكيفية تطبيق هذا المبدأ من قبل المحققين، فنجد أن عقبات كثيرة تقوم على الرغم من وضوح النصوص، وأبرز تلك العقبات هي في مدى إمكانية تصوير ملف الدعوى الجزائية، أم مجرد الإكتفاء بأخذ ملاحظات notes، وماهية المستندات والأوراق الممكن الإطلاع عليها.

قدمنا أنه يجب على قضاة التحقيق إطلاع المدعى عليه ووكيله على ملف الدعوى والتحقيقات الجارية، ولتوضيح ذلك يقتضي البحث بمضمون المادتين /76/ و /78/ أصول محاكمات جزائية.

نصت المادة /76/ من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على أنه:

"على قاضي التحقيق، عند مثول المدعى عليه أمامه في المرة الأولى، أن يحيطه علماً بالجريمة المسندة إليه فيلخص له وقائعها ويطلعه على الأدلة المتوافرة لديه أو على الشبهات القائمة ضده، لكي يتمكن من تفنيدها والدفاع عن نفسه.

لا يلزم قاضي التحقيق بأن يعطيه الوصف القانوني للوقائع.

على قاضي التحقيق أن ينبهه الى حقوقه لا سيما حقه في الإستعانة بمحام ٍ واحد أثناء الإستجواب.

إذا غفل قاضي التحقيق إعلام المدعى عليه بالجريمة المسندة إليه، وفاقاً لما سبق بيانه أو تنبيهه الى حقه بالإستعانة بمحام ٍ، أدى ذلك الى بطلان الإستجواب كدليل من أدلة الإثبات".

الواقع المستمر في القضاء اللبناني يعطي المدعى عليه أو وكيله، بعد تقديم طلب إطلاع على الملف أو طلب ذلك على المحضر، الحق بالإطلاع على ملف الدعوى والتحقيقات المجراة، وذلك بأخذ ملاحظات من قبل صاحب العلاقة أو وكيله في قلم دائرة التحقيق وتحت إشراف رئيس القلم. أما طلبات تصوير الملف فهي غالباً ما تواجه بالسلب ورفض الطلب، عملاً بمبدأ سرية التحقيق.

وغني عن البيان، أن مثل هذا الأمر يكون له نتائج تجافي حق المدعى عليه أو المشتبه فيه بالدفاع عن نفسه.

إن قراءة ً جيدة ً للمادة موضوع الدراسة تفيد عن وجود ثلاثة أفعال واجبة على قاضي التحقيق تجاه مثول المدعى عليه أمامه للمرة الأولى وهذه الأفعال هي:

1- يحيطه: أحاط به علماً – في معجم المعاني – أي ألمّ به إلماماً شاملاً، إذاً على قاضي التحقيق وجوباً جعل المدعى عليه على إلمام شامل بالجريمة المسندة إليه، وذلك بأن:

2- يلخص: لخص، يلخص، تلخيصاً، فهو ملخّص، والمفعول ملخّص، لخّص الكلام/ لخّص المقالة، اختصرها وأوجزها.

لخص الشيء: بيّنه وشرحه

لخّص الشيء: أخذ خلاصته

يعني ذلك، على قاضي التحقيق وجوباً أن يختصر ويوجز وقائع الجريمة وأن يشرحها للمدعى عليه بصورة إجمالية حتى تصبح الوقائع واضحة أمامه وقريبة من فهمه. لكن جعل المدعى عليه على إلمام بالجريمة يتوقف على فعل ثالث هو أن:

3- يطلعه: إطلع/ إطلع إلى / إطلع على، يطلع، إطلاعاً، فهو مطلع والمفعول مطلع:

إطلع: طلع ونظر

إطلع الأسرار أو على الأسرار: إكتشفها، تعرفها

إطلع على علوم عصره: تعرّفها بإمعان ودقة.

وبما أن واجب الإطلاع قد فرضه المشترع لزوماً على قاضي التحقيق وفقاً للأمر التالي: "عليه أن يطلعه على الأدلة المتوافرة لديه أو على الشبهات القائمة ضده."

بمعنى آخر، إن هذا الواجب يراد منه ما سبق لنا أن تحدثنا عنه فيما يتعلق بمبدأ الإدلاء بالأقوال بإرادة حرة وواعية، وحتى يتسنى للمدعى عليه أن يفنّد تلك الأدلة (أي أن يرد عليها) ممارسة ً لحقه في الدفاع عن النفس.

إذاً فإن قاضي التحقيق هنا يطلع المدعى عليه على ملف الدعوى ويكشفه له، مشركاً إياه ضمن دائرة سرية التحقيق، وعلى هذا الأخير أن يلتزم بعدم إفشاء السر تحت طائلة اعتباره مرتكباً لجريمة المادة /53/ أصول محاكمات جزائية.

وواضح من قراءة تلك المادة أيضاً، أن الإطلاع يشمل كافة الأدلة المتوافرة دون أي إستثناء، وهي تشمل:

الإعترافات والشهادة والخبرة، الأدلة الخطية (محاضر، أوراق تؤلف جسم الجريمة، أوراق خاصة...)، معلومات القاضي الشخصية، أي المعلومات التي يحصل عليها القاضي سواء بصفته الشخصية أو القضائية، الإنتقال الى مكان الجريمة وإجراء الكشوف الحسية، التحقيقات الإضافية المجراة بواسطة أحد أعضاء محكمة الهيئة الإتهامية، ودخول المنازل وتفتيشها وضبط المواد الجرمية، فضلاً عن القرائن والإفادات المتوافرة.

فلا نجد صعوبة بعد ذلك بالجزم بأن المدعى عليه شريك في سرية التحقيق وعليه واجب قانوني بعدم إفشاء سريته، لكن المادة المشروحة لم تأتِ على ذكر موضوع إعطاء المدعى عليه صورة عن الملف؟

صحيح أن هذه المادة لم تبح صراحة ً أو توجب على قاضي التحقيق تصوير الملف، لكن أبسط القواعد المعرفية حول مشكلة الذاكرة والنسيان، حيث يعتبر النسيان ظاهرة طبيعية تحدث لجميع البشر، كما أن الإنسان العادي لا يفترض به الإلمام بالمسائل القانونية فينتج عن ذلك فيما لو اكتفينا بالسرد الشفهي، ضعف في تثبيت المعلومة في الذهن، فالمدعى عليه وفق معيار الإنسان العادي سوف ترده تلك المعلومات السريعة غير المركزة، وكأنها معلومات متشابهة وهو لن يستطيع وضع حدود أو فوارق بينها، دون أن ننسى حالة القلق التي يمر بها كل من يواجه بارتكابه جريمة أمام القضاء.

وبما أنه كما سبق وقدمنا أن المدعى عليه هو شريك في مبدأ السرية، فإن ذلك يقينا من الإطالة في موضوع النسيان. وبالتالي فإنه وبقوة الأشياء فإن واجب قاضي التحقيق إجابة طلبات تصوير الملف المقدمة من المدعى عليه ونرتأي هنا أن يجاب الطلب مع تذكيره بمبدأ سرية التحقيق ووجوب التقيد بهذا المبدأ مع ذكر المادة /53/ أصول محاكمات جزائية والعقوبة المقررة. (كما يحصل في ورقة التبليغ وذكر مهل الطعن فيها)

وبعد، فإنه من واجب قاضي التحقيق أن ينبّه المدعى عليه الى حقه بالإستعانة بمحام ٍ، وكل ذلك في الجلسة الأولى. حتى إذا ما طلب المدعى عليه مهلة لتقديم دفوع شكلية أو لتفنيد الأدلة دفاعا ً عن نفسه أو لتعيين محام ٍ، فيعطى مهلة لذلك. ونذكر هنا بأن كل ما جرى ذكره آنفاً فرضه القانون تحت طائلة بطلان الإستجواب.

أما المادة /78/ أصول محاكمات جزائية فقد نصت على ما يلي:

"........

إذا اختار محامياً للدفاع عنه فلا يجوز لقاضي التحقيق أن يستجوبه أو أن يستمر في إجراءات التحقيق إلا بعد حضور المحامي وإطلاعه على جميع أعمال التحقيق ما عدا إفادات الشهود..."

يثور الخلاف حول هذه المادة، ويرجع الخلاف الى كون هذه المادة قد فصلت ظاهراً بين المدعى عليه ووكيله فيما يتعلق بحق الإطلاع. وللفصل بهذا الخلاف يتعيّن علينا إثارة نقطتين، الأولى هي السرية المهنية لدى المحامي، أما الثانية فهي الكشف عن غاية المشترع من هذا الفصل والحكمة منها.

أ‌- المحامي والسرية المهنية

إن الهدف من إثارة هذه النقطة كامن في خصوصية العلاقة التي تربط المحامي بموكله، والتي تتمتع بقدر كبير من السرية ولا يمكن أن يترتب أي أثر ناشئ عن خرق هذه السرية. وإذا كان نص المادة /76/ أصول محاكمات جزائية صريحاً لناحية وجوب إطلاع المدعى عليه على كافة الأدلة والشبهات القائمة ضده دون استثناء، أي من ضمنها إفادات الشهود.

أفلا يحق له (أي المدعى عليه) إبلاغ وكيله المحامي بهذه الأدلة في ظل وجود منع صريح وارد في المادة /78/ أصول محاكمات جزائية يمنع على المحامي الإطلاع على إفادات الشهود؟

فهل تأتي هنا سرية إفادات الشهود لتطرح خلافاً مع مبدأ سرية المهنة؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة بسيطة. بالتأكيد فإن سرية التحقيق تكتمل ملامحه وتشتد أوصاله بالتقائه بسرية المهنة، لا بل قد يبدوان على أنهما وجهان لعملة واحدة، هي منع كل من اطلع بحكم وظيفته (أي مهنته) على سر... وفي المقابل أيضاً، يبدو أن من السطحية في مكان، أن يلزم المدعى عليه بعدم إعلام محاميه بالأدلة.

فماذا أراد إذاً المشترع بما ظهر على أنه تناقض فاضح؟ وهل يمكن اعتباره خطأ تشريعي بحاجة الى تعديل؟

ب‌- غاية المشترع والحكمة من هذا النص

هذه المرة، إن ما ورد في في هذه المادة لا يمكن نسبه الى ترجمة حرفية للنص الفرنسي أو خطأ في التعريب. إنما المشترع قد قصدها فعلاً.

إن المبرر الوحيد لوجود مثل هذا التناقض الفاضح بين نص المادة /76/ والمادة /78/ بستخلص منه اتجاه نية المشرع بوضوح لا لبس فيه الى حماية الشهود، ومنع كل ما من شأنه التأثير عليهم للإدلاء بشهادتهم بصدق دون أية ضغوطات مادية أو معنوية.

فانطلاقاً من هذه القناعة، صيغت المادة /78/ أصول محاكمات جزائية. وقد تحدثت عن حضور المحامي (إلا بعد حضور المحامي) اما معنى الإطلاع هنا فقد حمل معنى الحضور، أو قلّ أن المشرع قد انشغل بتعداد أصول واجبة المراعاة لا يمكن متابعة استجواب المدعى عليه قبل إتمامها، وهي :

1- حضور المحامي إجراءات التحقيق

2- واطلاعه على جميع أعمال التحقيق

إذاً، ينبغي على قاضي التحقيق أن يتأكد من تعيين المدعى عليه لمحام ٍ، فيحضر المحامي جميع أعمال التحقيق. والمقصود هنا هو الإطلاع على كافة الأعمال التي سبق أن أتمها قاضي التحقيق والأعمال التحقيقية التي سوف يقوم بها لاحقاً، غير أنه لا يكون له أن يحضر جلسة سماع إفادات الشهود.

وأيضاً بالعودة الى قواعد علم النص، فإننا نجد أن عبارة "واطلاعه على جميع أعمال التحقيق" تقع بين شيئين متلازمين وهي تسمى جملة إعتراضية. وهي هنا كتبت بين القاعدة والإستثناء، فالقاعدة المقررة عدم جواز الإستمرار في إجراءات التحقيق إلا في حضور المحامي، أما الإستثناء فهو إفادات الشهود التي يأخذها قاضي التحقيق دون حضور المحامي.

وما يبرر رأينا، اتفاقه مع المبادئ الكلية لتفسير النصوص القانونية. فإذا كان للمدعى عليه حق الإطلاع على إفادات الشهود، فإنه من حق وكيله أن يطلع عليها أيضاً. وإذا كان ممنوعاً على المحامي حضور جلسات سماع إفادات الشهود، فهو أمر ممنوع أيضاً على المدعى عليه، إلا في حالات يقررها قاضي التحقيق بإجراء مقابلة فيما بينهم. فالرأي يقوم على جعل الوضع المنطقي هو الوضع الغالب.

ختاماً لا بد من التأكيد مجدداً على أن مبدأ سرية التحقيق يبقى حصناً منيعاً، يستحيل اختراقه من قبل الغير الذي ليس من أطراف الدعوى الجزائية، أما من اطلعوا عليها بحكم وظيفتهم كالشهود الذين يعينهم النائب العام لدى انتقاله لتفتيش منزل ما، أو الخبراء مثلاً فإنه يجب أن تحدد مهمتهم بدقة وأن يعين لهم حدود للإطلاع يناسب مهمتهم. وإننا في مثل هذه الحالات إذ نشدد على ضرورة إعلام هؤلاء بوجوب التقيد بمبدأ سرية التحقيق وتذكيرهم بالعقوبات التي يتعرضون لها في حال إفشائهم لهذه السرية - علماً أنه لا يمكن لأحد أن يتذرع بجهله للقانون - نظراً للخصوصية والحساسية التي تميّز سرية التحقيق.

وإن ننسى، لن ننسى الإعلام والصحافة الذي كل ما تطرقنا اليه تذكرنا تلك المقولة المؤثرة:

"عندما يتعدد الوعي بالواقع، فهذا يعني تعدد الواقع نفسه وهكذا يقتل الإعلام غير المنظم أو الإعلام الموجه، الواقع، ويجعل أطياف المجتمع في صراع مستمر لا نهاية له، فالكل له واقعه وعالمه المأسور بداخله."

وأما ما يقتضي معرفته في إطار دراستنا الراهنة، هو أن المشرع اللبناني قد جاء حاسماً بنفس قدر المراعاة لحرية الإعلام والصحافة التي تبقى خاضعة لنص المادة /12/ من قانون المطبوعات رقم /154/ تاريخ 30/6/1977 المعدلة وفقاً للقانون /330/ تاريخ 18/5/1994، والتي حددت الحق بالنشر لوقائع التحقيقات الجنائية والجناحية إبتداءًا من تاريخ تلاوتها في جلسة علنية. وإنه إذ يقتضي التشدد في تطبيق هذه المادة، لما فيه خير القانون وخير المجتمع، خاصة ً وان عمل القانون صامت ولا ينبغي معه إحداث بلبلة أو ضجيج إعلامي يجعل من العمل القانوني شبهة ً ومن القانون شعبوياً أو وجهة نظر، فتعرض الكرامات الإنسانية للتطاول والتداول.

إذاً يمنع على الصحافة والإعلام نشر وقائع التحقيقات الجنائية والجناحية قبل تلاوتها في جلسة علنية. ومن الآثار المباشرة لهذا الأمر هو منع نشر القرار الظني نفسه على الرغم من خروجه عن دائرة سرية التحقيق، وذلك لتضمنه وقائع التحقيقات الجنائية والجنحية. فيمتد القيد على حرية النشر على الرغم من سرية التحقيق، الى حين تلاوة التحقيقات في جلسة علنية.

خلاصة

لقد عرّف مجلس شورى الدولة اللبناني "السلطة الإستنابية" في القرار رقم 417 تاريخ 18/4/1961 بالدعوى رقم 60/500، بأنها:

"هي التي تتيح للإدارة اتخاذ التدبير بحرية مطلقة من كل قيد قانوني، وتنشأ إما عن نص صريح في القانون والأنظمة، وإما عن انتفاء القواعد والأحكام القانونية التي تحدّ من سلطتها التقديرية في ممارسة أعمالها. وأعاد تعريفها بالقرار رقم 819 تاريخ 26/6/1995 بنفس التعريف، وأضاف أن السلطة المقيدة تلزم الإدارة، إزاء وقائع معينة وفي حالة توافر شروط معينة، بالتصرف على نحو ٍ معين دون سواه، وإلا كان تصرفها في هذا الشأن مشوباً بالبطلان."

وبوجود القواعد القانونية الواضحة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، والتي أقل ما يقال فيها أن المشترع اللبناني استطاع ببعد نظره واحترامه للقوانين والإتفاقيات الدولية واحترامه لحقوق الإنسان وكرامته أن يسبق أكثر التشريعات تطوراً وتقدماً في هذا السياق.

ولم يعد من الجائز مطلقاً تشويه الأحكام القانونية التي أتت بها نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، الذي جعل المدعي كما المدعى عليه والمشتبه به ووكلائهم - فضلاً عن آخرين في حالات معينة (كالخبراء مثلاً) - شركاء في سرية التحقيق، يطلعون بالكامل على كافة التحقيقات والأعمال والإجراءات التحقيقية ومن ضمنها إفادات الشهود، بعد تصوير مستنداتها من أجل تفنيد الأدلة والإدلاء بالأقوال بإرادة حرة وواعية.

المراجع

(1): الدكتور عاطف النقيب – أصول محاكمات جزائية – دراسة مقارنة – طبعة جديدة ومنقحة 1993 – دار المنشورات

الحقوقية – الفصل السادس – ص 37

(2): الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية

المادة السابعة من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة

مدوّنة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

(3): الدكتور عاطف النقيب – المرجع السابق ص 21 – المبدأ الذي يحكم تفسير قواعد الشكل – إن المادتين المذكورتين

تصب في خانة قوانين الأساس على الرغم من ورودها في قانون أ.م.ج. الذي يغلب على مواده تصنيف قواعد الشكل.

(4): الدكتور عاطف النقيب – المرجع السابق نفسه – ص 477

(5): العلامة بيار شامبون La dignité de le justice – Pierre Chambon

(6): المادة 234 أصول محاكمات مدنية

(7): Sauer kriminologie 3, S. 22

شرح قانون العقوبات اللبناني – القسم العام – المجلد الأول – الدكتور محمود نجيب حسني – ص 562

(8): الدكتور راستي الحاج – مسيرة الأصول الجزائية من لحظة وقوع الجريمة حتى الحكم النهائي – منشورات زين الحقوقية

(9): المادة /102/ من قانون التنظيم القضائي تاريخ 16/10/1961