الأحكام

09/04/1963

شورى حكم رقم : 70 /1963

المحكمة
شورى
الرقم
70/1963
التاريخ
09/04/1963
الرئيس
جان باز
الأعضاء
عويدات، عبود
المصدر
الجامعة اللبنانية

- إمكانية الطعن بقرار المفوض السامي الفرنسي الذي قضى بتعطيل مطبوعة سياسية عن الصدور

-

وحيث ان القرار المطعون فيه يستند الى قرار المفوض السامي رقم 53-ل.ر. تاريخ 21 نيسان سنة 1938 القاضي بتقرير عدم صلاحية المحاكم اللبنانية والسورية من اي درجة كانت ان تنظر في الدعاوى من اصلية وطارئة ضد الدولة الفرنسية واعتبار كل ما قدم منها كانه لم يكن وبالحظر على الكتاب والمأمورين تبليغها وحيث ان الدولة ادلت بملاحظاتها على التقرير بان صك الانتداب صيغ بغموض وابهام لا يتركان اي مجال لتحليل ما ورد فيه على وجه الحصر او للقول بان ما لم ينص عليه يقوم به المفوض السامي لحساب الدولة المحلية وان الفارق كبير بين الانتداب والحمايةلان الانتداب صك اولي بينما الحماية اتفاق بين دولتين وان الاجتهاد الفرنسي اعتبر بان اعمال المفوض السامي في الدول المنتدب عليها ترتبط جميعها بدون تفريق بصك الانتداب ويشمل ذلك الاعمال المحلية والاعمال التي يقوم بها بوصفه هيئة دولية وانه اذا كان مجلس الشورى الفرنسي لا يعتبر المفوض السامي هيئة فرنسية فذلك لا يعني ان مجلس الشورى اللبناني مرغم على اعتباره هيئة لبنانية وان المفوض السامي كان منوطا به تنفيذ صك الانتداب تحت رقابة جمعية الامم وان هذه الرقابة شاملة تخضع لها اعمال المنتدب كافة مما يضفي على اعمال المنتدب الصفة الدولية وحيث ان البحث ينحصر في ما اذا كانت المراجعة الحاضرة موجهة ضد الدولة الفرنسية او ان لنتائجها اي تأثير على مصلحة الدولة الفرنسية لتكون مشمولة بالقرار التشريعي 53 آنف الذكر وحيث ان المفوض السامي كان بمقتضى مرسوم رئيس الجمهورية الفرنسية تاريخ 23 تشرين ثاني سنة 1920 ممثل فرنسا في سوريا ولبنان ومن صلاحياته المحددة بالمادة 2 من المرسوم المذكور تأمين تنفيذ صك الانتداب الذي كانت جمعية الامم قد وضعته على سوريا ولبنان بتاريخ 24 تموز سنة 1922 وحيث يتبين من الاسباب الموجبة الواردة في مقدمة صك الانتداب ان غاية الانتداب كانت "اسداء النصح والمساعدة للبلدين وارشاد اهلها في ادارة بلادهم طبقا لاحكام المادة 22 (الفقرة الرابعة) من عهد جمعية الامم وحيث انه تحقيقا لهذه الغاية اولى صك الانتداب الدولة المنتدبة صلاحية وضع النظام الاساسي بالاتفاق مع السلطات الوطنية والدفاع عن البلدان المنتدب عليها والاشراف على الشؤون الخارجية ووضع النظم القضائية الضامنة لحقوق الاجانب والمواطنين للاحوال الشخصية والدينية وضمانة حرية الضمير والشعائر الدينية والمساواة وحفظ حقوق الطوائف واستقلال الاوقاف وحيث انه فيما عدا هذه الامور فان الفقرة الاخيرة من المادة الاولى تعلن تأييد الدولة المنتدبة الاستقلال الاداري المحلي في البلدين بكل ما تسمح به الاحوال وحيث ان المادة 15 تضع على عاتق البلدين بعد وضع النظام الاساسي موضع التنفيذ جميع النفقات التي انفقتها الدولة المنتدبة على تنظيم الادارة وانماء الموارد المحلية والقيام بالاشغال العامة التي لها صفة دائمة والتي يبقى نفعها للبلاد ونصت على وضع اتفاق بين الدولة المنتدبة والبلدين بهذا الشأن يبلغ الى جمعية الامم كما نصت المادة 19 على ان جمعية الامم ستصرف نفوذها في سبيل محافظة سوريا ولبنان على القيام بالعهود المالية ومنها المرتبات او معاشات التقاعد القانونية التي كانت ادارة لبنان وسوريا متعهدة بها في مدة الانتداب وحيث ان كل ما يخرج عن الشؤون المنوطة بالدولة المنتدبة في صك الانتداب يعتبر من الشؤون المحلية التي قضت الفقرة الاخيرة من المادة الاولى على الدولة المنتدبة بتأييد الاستقلال الاداري المحلي بشأنها في كل ما تسمح به الاحوال وحيث ان صك الانتداب مع الغموض والابهام اللذين يحيطان باحكامه قد فرق صراحة بين الاعمال التي تدخل في رسالة ومهام الدولة المنتدبة والاعمال التي تعود الى الحكومات المحلية وحيث انه عندما يباشر المفوض السامي اعمالا تعود في الاصل الى الحكومات المحلية فانه يتولاها باسم ولحساب هذه الحكومات ويعتبر في هذه الحالة من حيث النتائج التي تترتب عليها سلطة محلية وتقع مسؤوليتها على الحكومات المحلية وليس على الحكومة الفرنسية وحيث انه اذا كانت اعمال المفوض السامي تخضع جميعها لرقابة عصبة الامم بما فيها الاعمال ذات الصفة المحلية التي يباشرها باسم ولحساب الحكومة المحلية فان هذه الرقابة ليس من شأنها ملاشاة طرق المراجعة القضائية التي تبقى قائمة الى جانب الرقابة السياسية والدولية المنوطة بعصبة الامم بصفتها الوصية على الدول المنتدب عليها اذ ليس في صك الوصاية ما يمنع على اصحاب الحقوق من الافراد التظلم لدى القضاء من اعمال تمس بحقوقهم الخاصة سواء اكانت الحكومة المحلية مصدرها ام المفوض السامي بصفته عاملا باسمها ولحسابها وان الرقابة التي تخضع لها اعمال السلطة المنتدبة ليست رقابة فردية تجعل من عصبة الامم محكمة يتقاضى لديها افراد الدولة المنتدب عليها ضد الدولة المنتدبة وانما هي رقابة ذات طابع عام تشمل الادارة بمجملها لا بدقائقها وتؤدي مناقشتها الى التوجيه بطريق التوصية وحيث ان المفوض السامي عندما يباشر امورا تعود الى الحكومات المحلية كان يحرص على اثبات الوضع في القرارات التي تتخذها ويشير الى انه يقوم بها باسم ولحساب الحكومة المحلية من ذلك القرار رقم 4 تاريخ 10 كانون الثاني سنة 1925 الخاص بالمحافظة على الامن الداخلي قد قضى بما يأتي:"مادة 2-يحق للمفوض السامي ان يستعمل السلطة العائدة الى كل دولة في حفظ النظام والامن العام اذا اختل هذا الامن في دولة ما او اقتضت سلامة البلاد ان يستعمل تلك السلطة فيكون المفوض السامي عندئذ عاملا بالنيابة عن حكومة الدولة اما مباشرة واما بواسطة مندوبيه واذ ذاك توضع قوات البوليس والجندرمة تحت امرة السلطة العسكرية الفرنسية المباشرة وحيث ان القول بعدم اختصاص القضاء المحلي النظر في تظلم الافراد من الاعمال الفردية التي يتخذها المفوض السامي مساسا بحقوقهم الخاصة لداعي الرقابة الدولية من شأنه حرمانهم من حق طبيعي اصيل ملتصق بالطبيعة الانسانية هو حق توفير العدالة للجميع وحق التظلم وهو حق قائم ومتسلط يعلو على كل ما هو مكتوب وغير مكتوب باعتباره اساس كل نظام وسناد كل حكم وعماد رضى الرعية بالحاكمين وحيث ان القرار المطعون فيه القاضي بتعطيل جريدة "الراية" انما اتخذ كما يدل التعليل الوارد فيه للمحافظة على السلم والامن العام فيكون صادرا عن المفوض السامي نيابة عن الحكومة المحلية فضلا عن كون هذا الامر المتعلق بتعطيل جريدة لبنانية هو عمل داخلي محلي صرف لا يتعلق باي بند من بنود صك الانتداب وقد تناوله المفوض السامي بالاستناد الى ما اتخذه لنفسه من صلاحيات في شؤون الامن الداخلي وفقا لقراره رقم 4 آنف الذكر وحيث ان الامر يختلف عندما يتخذ المفوض السامي تدابير تتعلق بمهام السلطة المنتدبة وتخرج عن الشؤون المحلية والخاصة اذ ان هذه الاعمال تعتبر من نوع الاعمال الدولية التي تخرج عن تقدير القضاء Actes de gouvernement وعلى العكس من ذلك فانه عندما يتخذ تدابير ادارية تتعلق بالشؤون المحلية ويعود امرها في الاصل الى الحكم المحلي فانه عملا بالقرار 4 وبالاجتهاد الفرنسي يعتبر سلطة ادارية تخضع اعماله الادارية الى رقابة القضاء كاعمال اي موظف فرنسي يتمرس بصلاحيات ادارية يعود امرها الى الحكم المحلي وحيث ان القول بعكس هذا الوضع يجعل العمل بلا مرجع قضائي ويكرس نتائجه الى ما لا نهاية له اذ بوسع الحكومة ان تتنصل منه مع ما يترتب من استمرار وقف الجريدة ويعتبر في النتيجة الغاء لها وهذا ما يتعارض مع المبادىء القانونية العامة والحقوق الطبيعية للانسان المشار اليها وحيث ان الدولة الفرنسية ليست فريقا في هذه الاعمال الادارية المحلية ولا تأثير لهذه الاعمال على اي مصلحة من مصالحها من قريب او من بعيد وفي هذه الحالة فان قرار المفوض السامي رقم 53 تاريخ 21 نيسان سنة 1938 لا يسري على المراجعة الحاضرة ويكون القرار المطعون فيه الذي قضى بتطبيقه عليها مستوجبا الابطال.