الأحكام

28/05/1998

تمييز جزائي حكم رقم : 155 /1998

المحكمة
تمييز جزائي
الرقم
155/1998
التاريخ
28/05/1998
الرئيس
احمد المعلم
الأعضاء
نمور، الراهب
المصدر
الجامعة اللبنانية

- مدى قابلية القرارات التمهيدية وقرارات طوارىء المحاكمة الصادرة عن محكمة الجنايات للطعن امام محكمة التمييز

-

حيث يقتضي معرفة ما اذا كان القرار المطعون فيه القاضي برد الدفع بشمول الجرم بالعفو العام هو من القرارات القابلة للتمييز على حدة, وقبل الحكم النهائي, وبعبارة اخرى ما هي طبيعة هذا القرار. وحيث بالاستناد الى احكام المادتين 113 و125 من المرسوم 7855 تاريخ 16/10/1961 , ينبغي التمييز بين نوعين من القرارات: - فهناك اولا القرارات التي المحت اليها المادة 113 . وهذه تعني الاحكام التي تفصل اوجه النزاع كافة la totalite du litige سواء تعلقت بالذنبية la culpabilite او بالمسؤولية المدنية responsabilite civile في وقت واحد, فلا يعود من حق المحكمة العودة اليها, ولا يعود من ضرورة لاصدار قرار آخر من اجل انفاذها. وهذه القرارات لا تثير مبدئيا, اية مشكلة, ما عدا بعض الاستثناءات, وتكون بالتالي قابلة للتمييز, فور صدورها. - وهناك ثانيا: القرارات التي المحت اليها المادة 125 , فسمتها بالقرارات التمهيدية التي لا تفصل اساس النزاع, فمنعت تمييزها الا مع الحكم النهائي ما عدا يتعلق بالصلاحية اذ يجيز طلب تمييزها على حدة وقبل الحكم النهائي وهذه القرارات هي التي تثير بعض الصعوبات في شأن قابلتيها للتمييز, وهي التي ينصب عليها هذا البحث. حيث ان النيابة العامة التمييزية اعتمدت في ما ذهبت اليه على النص المشار اليه الذي اتى على ذكر القرارات التمهيدية ومنع التمييز في شأنها الا مع القرار النهائي, واردفت انه قد تعرض بعض الصعوبات عند التفريق بينها وبين تلك الفاصلة في اساس النزاع وبين غيرها من القرارات, وقالت ان القرار يعتبر فاصلا في اساس القضية اذا فصل احدى الدفوع والاسباب المتعلقة بمرور الزمن او عدم قبول الادعاء او الاستئناف, وكان القاضي بموجبه رفع يده نهائيا عن الدعوى. واذا كان القاضي رد الدفع او السبب واستبقى الدعوى تحت يده ليفصل في اساسها, يكون الشرط الذي وضعه القانون لقابلية القرار للتمييز, وهو ان يكون القرار الصادر فاصلا في اساس الدعوى, غير متوافر. وحيث ان هذه الاقوال تبدو على شيء من عدم الدقة: - فالقرارات التمهيدية, على ما عرفتها المادة 554 من الاصول المدنية هي التي تصدر قبل الفصل في اساس النزاع وتتناول احد تدابير التحقيق والاثبات, كقرار تعيين الخبير, او قرار اجراء تحقيق, او التوسع فيه, او تكليف احد الفرقاء اثبات وقائع معينة الخ... - والقرارات بشان الدفوع التي ترمي الى عدم قبول الطلب دون البحث في موضوعه لانتفاء الحق عملا باحكام المادة 62 من الاصول المدنية بمرور الزمن والعفو العام في القضايا الجزائية. وهذه تندرج تحت التسمية, قرارات طوارىء المحاكمة arrets susineidents . وحيث اذا كان كلا النوعين يندرج تحت تسمية القرارات الصادرة في العفو النهائي لاساس الحق les liesons avant dire droit فان طبيعتهما تختلفان: فالاول لا حجية لها بالنسبة لاصل النزاع, اما الثانية فمن شأنها ان تضع حدا لاجراءات المحاكمة وان ترفع يد المحكمة عن النقطة التي فصلتها. وعلى هذا الاساس فالمسألة المعروضة لا تدور في اطار القرارات التمهيدية, بل في اطار قرارات طوارىء المحاكمة. وحيث, اذا كان بصورة عامة, ان مثل هذه القرارات لا توازي القرارات النهائية في اصل النزاع في حيث قابليتها للتمييز, ما عدا ما استثني منها في شأن الصلاحية, لا سيما عندما ترد الدفع, لان المحكمة لا تكون قد رفعت يدها عن اساس القضية نهائيا, فان ذات الحل يجب ان يعطى لها, كما يعطى في الصلاحية, لان من نتيجتها ان تضع حدا للمنازعة برفعها يد المحكمة عن النقطة المفصولة بصورة نهائية, لا سيما عندما تكون متعلقة بالانتظام العام. فمثلا هذا القرار, قابلا للدفع او رادا له, يكون بمثابة القرار النهائي في الاساس. فحسن سير العدالة وتوزيعها الجيد يتعارض مع وجهة النظر المعاكسة. ويحولان دون مساويء عملية كثيرة تطيل امد المحاكمة من دون فائدة او جدوى, اذ على فرض ان من شأن الدفع ان يؤدي الى اسقاط الملاحقة, فمن غير الفائدة من متابعتها من دون طائل. او ليس من الافضل في مثل هذه الحالة ان تقبل المراجعة التمييزية فيصحح القرار المشكو منه فورا بدلا من رده, وانتظار صدور الحكم بالاساس لاعادة النظر فيه, هذا فضلا عن ان منع هذه المراجعة من شانه ان يجعل القرار بمأمن من كل مراجعة. فكما احتاط النص للصلاحية, فانه يجب ايلاء اسباب عدم القبول ذات الحيطة. وعليه تضحى قرارات طوارىء الملاحقة بمثابة قرارات في الاساس نهائية, ولا تعود بالتالي خاضعة لمنع المراجعة تمييزا. وحيث انسجاما مع هذه المباديء, وتخليا عن الرأي المعاكس فان المادة 553 من الاصول المدنية, نصت على ان الحكم يكون نهائيا عندما يفصل في جهة من جهات اصل النزاع او في دفع او دفاع متعلق به. ويكون نهائيا بالنسبة لما فصل به. ويخرج القضية, اي النقطة المفصولة, من يد المحكمة. وحيث بالاستناد الى ما تقدم, ونظرا لكون نظر هذه المحكمة يتعلق بمسألة سقوط الدعوى العامة بالعفو العام, وهو امر متعلق بالانتظام العام, فان القرار المطعون فيه يكون قابلا للتمييز, وبالتالي فان جميع طلبات التمييز تكون مقبولة شكلا.

- اصول تطبيق احكام قانون العفو العام عن جرائم المخدرات اذا استمر فعل الحيازة الى ما بعد صدور القانون

-

وحيث بالعودة الى وقائع القرار الاتهامي الصادر في 03/02/1997 والتي تبناها القرار المطعون فيه وانطلاقا من فرضية صحتها ان وقائع هذه القضية تتلخص بالاتي ان طالبي التمييز قد اقدموا بالاشتراك والانفراد على حيازة ونقل كمية من المخدرات من مادة الهيرويين بلغت 5135 غراما قائما من لبنان الى فرنسا بقصد الاتجار بها وانه شرع فيها في شهر آب 1995 عن طريق حسن محمود امهز فتم الاتفاق على ثمنها مع عبد الوهاب امهز في شهر ايلول من تلك السنة عندما سلمت الى الياس سلامة فوضبها ونقلها الى منزل انطوان عازار وبقيت فيه حتى 08/01/1996 عندما نقلت الى مطار بيروت وشحنت الى فرنسا فضبطت في باريس في 10/01/1996 فضلا عن عملية سابقة قام بها كل من انطوان والياس وجوزف نصر الله. وحيث انه في سياق المحاكمة امام محكمة جنايات جبل لبنان صدر بالقانون رقم 666 تاريخ 29/12/1997 الذي اصبح ساري المفعول منذ 30/12/1997 وقد منح عفوا عاما عن جميع جرائم المخدرات المرتكبة قبل 31/12/1995 . وحيث ان المسألة المطروحة تدور حول معرفة ما اذا كان قانون العفو العام هذا يشمل الجريمة المقترفة قبل 31/12/1995 وضبطت مادتها الجرمية بعد هذا التاريخ وبالضبط كما في القضية الحاضرة في 10/01/1996 على النحو المفصل اعلاه. حيث ان الحكم المطعون فيه قد ميز بين الجرائم الانية والجرائم المستمرة فقال ان قانون العقوبات اللبناني ولو اشد يطبق على هذه الاخيرة التي ثوبر على تنفيذها تحت سلطان (المادة 7 منه) وفسر الجريمة المستمرة في بعض الجرائم الخاصة بفكرة الحيازة اذا استمرت النتيجة دون الفعل التي لا تنتهي الا بانتهائها وهو التاريخ الواجب اعتماده للقول بتحقق الجرم واعتبر ان الحيازة لا تنتهي الا عندما يوضع حد لها لضبط المخدرات في القضية الحاضرة فيتحقق العنصر المادي وانطلاقا من ذلك رأى انه في القضية الحاضرة استمرت الافعال حتى تاريخ 10/01/1996 فلا تكون بالتالي مشمولة بقانون العفو العام وارتكز على فكرة المشروع الجرمي الواحد الذي ينزع عنها صفة الجرائم المتعاقبة المتتابعة او المستقلة للقول باسهام جميع المتهمين في اقترافها مطبقا قواعد المساهمة الجرمية بالانتهاء الى القول ان قانون العفو العام لا يشمل ايا من المتهمين. حيث ان هذه النتيجة لا تصمد كثيرا امام التعليل الصحيح وهي تفتقر الى الدقة. فقرار الاتهام تكلم عن فعلين نسب اولهما الى جوزف نصر الله وانطوان عازار في مرة سابقة فقد ورد فيه في صدد الكلام عن هذا الاخير حرفيا انه منذ سنتين قبل توقيفه كان طلب الى المدعو وليد قيصر ان يسهل لصديقه الياس سلامة تمرير حقيبة تحوي مخدرات عبر مطار بيروت وذلك لحساب المدعو جوزف نصر الله (تراجع الصفحة 6 منه) والسنتان هاتان تحسبان بما قبل 26/01/1996 وهو تاريخ هذا التوقيف فتكونان بالتالي عائدتين لبداية سنة 1994 واردف هذا القرار الاتهامي في صفحته التاسعة قائلا لقد قام انطوان عازار يومئذ بتسليم الحقيبة الى الياس سلامة التي احضرها وحصل عليها من جوزف نصر الله ولم يذكر شيئا عن العلاقة ما بين هذه العملية والعملية الثانية الحاصلة في اواخر العام 1995 واذا اخذها بالاعتبار في الاتهام فذلك لمجرد حصولها في وقت سابق وكعملية على حدة مستقلة وعندما تكلم القرار المطعون فيه عن المشروع الجرمي الواحد لم يقل الاسباب التي حدت به الى ذلك ولا ما اذا كانت داخلة في العملية اللاحقة ولم يعلل الاسباب التي استند اليها في هذا الشأن ولماذا يجب ان تكون حلقة من حلقتي هذا المشروع الجرمي. وحيث من التدقيق في الاوراق يظهر لهذه المحكمة ان العملية هذه الحاصلة في بداية سنة 1994 لا تمت الى العملية الثانية بصلة ولا تربط بينهما اية رابطة سوى ان انطوان عازار والياس سلامة قد اشتركا بها مع جوزف نصر الله وعلى فرض صحة ذلك فليس ما يمنع ان يكونوا قاموا بهذه العملية في ظروف لا علاقة لها بالظروف التي احاطت بالعملية الثانية. وحيث والحالة ما ذكر ان الحكم المطعون فيه قد ذهل عن القانون في هذا الشأن ويقتضي بالتالي القول ان انطوان عازار وجوزف نصر الله يستفيدان من احكام قانون العفو العام الانف الذكر بصددها وبالتالي اسقاط الدعوى العامة عنهما عملا باحكام المادة 437 من الاصول الجزائية. وحيث بالنسبة للعملية الثانية الحاصلة في اواخر العام 1995 وهي موضوع هذه الدعوى الاساسي وفقا للوقائع المفصلة اعلاه ان المحكمة تبدي الملاحظات التالية: طالما ان القرار المطعون فيه يستند الى احكام المادة 7 في بعض تعليلاته وهي تشترط المثابرة على التنفيذ تحت سلطان القانون الاشد حتى يصبح بالامكان تطبيقه على الجرائم المستمرة فان ذلك يعني ان هذا النص اخذ بالاعتبار تاريخ صدور القانون الاشد من اجل القول بالاستمرارية فلا يطبق عليها الا اذا حصلت بعد تاريخ صدوره فيبرز على الفور السؤال التالي لماذا لا يطبق ذات المبدأ على وجوب حصول هذه الاستمرارية بعد تاريخ صدور قانون العفو العام حتى يفقد المتهم مثل هذه المنحة وان كانت حاصلة قبل تاريخ صدوره بصورة عكسية لماذا لا يستفيد من احكامه فكما ان العقوبة الاشد لا تطبق الا اذا حصلت الاستمرارية بعد تنفيذ القانون الاشد فينبغي انسجاما مع ذلك ان لا يحرم المتهم من منحة العفو العام الا اذا حصلت هذه الاستمرارية بعد تاريخ صدوره ففي هذه الحالة فقط يكون المتهم ممعنا في تحدي القانون ولا يمكن ان ينسب له ذلك اذا لم يكن قانون العفو العام قد صدر بعد. ان القرار الاتهامي عندما تكلم عن الحيازة والنقل فانه يبدو بوضوح انه ربطهما بقصد الاتجار والترويج بمعنى ان هذا الاتجار والترويج هما الغاية من الفعل اي من الحيازة ومن النقل فالحيازة والنقل ليست ظرفين لذاتهما ولا يمكن تصورهما بمعزل عن الاتجار والترويج وهي جميعها تشكل جزءا لا يتجزأ من عملية واحدة فلو لم تكن الغاية تكمن في الاتجار والترويج لما كانت الحيازة والنقل قد حصلتا فهي اذن كل غير قابل للتجزئة وبالتالي فان القرار المطعون فيه عندما لجأ الى التمييز بين هذه الافعال فانه يكون فعل ذلك بشكل مصطنع وتأسيسا على ذلك فانه اذا كان من شأن العفو العام ان يجرد الفعل من الصفة الجرمية فيصبح كانه لم يحصل بحكم نزع الركن القانوني عنه بشكل رجعي اذ يمحو الفعل ذاته الذي شكل الجريمة ويرتب نتائجه على الماضي فيقف حاجزا في وجه الملاحقة انه اذا كان ذلك على ذلك فان تهديم احد احجار اساس هذا البنيان الجرمي من شأنه ان يؤدي حتما الى تهديم كافة ما قام عليه. ان قانون العفو العام لم يأت على ذكر هذه الاستمرارية فان ثمة غموضا يكتنفه وفي هذه الحالة على القاضي ان يفسره وفقا لمبادىء الانصاف عملا باحكام الفقرة الاخيرة من المادة الرابعة من قانون اصول المحاكمات المدنية مراعيا في ذلك مصالح المدعى عليه على ما اكدته المواد 3 و4 و10 من قانون العقوبات. وفي مطلق الاحوال ايضا وعلى ما ورد في الاوراق ان الغرفة الثالثة لدى محكمة التمييز اتخذت قرارا في شأن هذه المسألة فطبقت العفو العام متى كان شرع بجرم المخدرات قبل تاريخ 31/12/1995 وضبطت بعد هذا التاريخ معتبرة اياه واقعا قبله ومن الامور الجيدة ان تكون اتجاهات غرف محكمة التمييز موحدة فيؤمن مبدأ المساواة بين المتهمين في توزيع العدالة وهذا الرأي ينسجم مع راي هذه الغرفة. وحيث والحالة ما ذكر فان القرار المطعون فيه يكون قد ذهل واخطأ في تطبيق القانون ما يؤدي الى ابطاله وبالتالي يقتضي القول ان طالبي التمييز يستفيدون من منحة العفو العام التي قررها القانون رقم 666/97 الصادر في 29/12/1997 ومن ثم اسقاط الدعوى العامة عنهم عملا باحكام المادة 437 من الاصول الجزائية.