الأحكام

17/01/1995

تمييز جزائي حكم رقم : 19 /1995

المحكمة
تمييز جزائي
الرقم
19/1995
التاريخ
17/01/1995
الرئيس
وليد غمرة
الأعضاء
مرتضى، نمور
المصدر
الجامعة اللبنانية

- شروط الدفاع المشروع وارتكاب الجرم بثورة غضب شديد

-

ان خلافات قديمة حصلت بين المغدور بيار برباري وعائلة يوسف الحوراني بسبب اشغالهم للطابق الارضي في البناء الذي يقطنه هو في شارع المغازل في بلدة الحدث فهو على حد ما ورد في اقوال يوسف وولده اكرم كان يتوق الى اخراجهم من مأجورهم بحجة انه يعود لخال والده بعد ان وضع يده عليه فراح يسبب لهم المضايقات التي اقترنت في بعض الاحيان بالشكاوى الامر الذي ادى الى توتر وتشنج في العلاقات بين الطرفين. وانه من هذا القبيل ما حصل يوم الحادث من جراء افراغه لحمولة شاحنة من الشعير المعلف امام محله الملاصق فتطاير الغبار ودخل الى منزل يوسف فاستاءت زوجته مهيبة فتلاسنت معه وتطور الامر الى تشابك بالايدي فضه بعض الجيران وقد تجدد بعد فترة من الوقت عندما حضر زوجها وولدها ابراهيم فاخبرتهم بما جرى فحاولوا التوجه الى مخفر الدرك فتصدى لهم بيار وذويه واقدموا على ضربهم. وانه جرت محاولة في مخفر الدرك لمصالحة الطرفين من دون نتيجة الى ان اعلن مختار البلدة جريس البرباري استعداده لاجرائها فانصرف كل في سبيله وتوجه آل الحوراني الى منزل صهرهم دافيد ابي خليل في المنصورية. وان آل الحوراني عادوا حوالى الساعة الثامنة والنصف مساء الى منزلهم في الحدث في ثلاث سيارات الاولى يقودها اكرم والى جانبه شقيقة ابراهيم والثانية يقودها يوسف والى جانبه زوجته مهيبة والثالثة يقودها الياس والى جانبه احد اصدقائه فوصلت هذه السيارات تباعا وتوقفت هناك وان اكرم بمجرد وصوله شاهد بعض احواض الزهور مقلوبة على الشرفة فحاول اعادتها الى مكانها فلم يفلح فعمد الى رمي بعض اكياس الرمل الموجودة امام محل المرحوم بيار برباري وهو يسب ويشتمژآل البرباري لاستفرادهم والده وشقيقه في بحر النهار ومسدسه على خصره فتجمع بعض منهم لا سيما جورج والد بيار وعمة هذا الاخير للالغاء وسمية برباري والكسي برباري وسواهم لا سيما بعد ان سارعت شقيقته جيهان الى منزل تامر البرباري الذي يبعد حوالي الماية متر فاعلمته بحضور آل الحوراني فحضر الى هناك مع ولده الياس في سيارة هذا الاخير الرينو 5 كما حضر ايضا غسان الكايد سيرا على الاقدام في الوقت الذي كان فيه المرحوم بيار قد انسحب عن الطريق وصعد الى بيته الكائن في الطابق الاول من البناء وان اكرم اذ توجس خيفة من هذا التجمع اطلق طلقين ناريين اثنين فقط في الهواء ارهابا اعتقادا منه انه بذلك يخيفهم فيبتعدون (تراجع كافة البنود المذكورة اعلاه). وان المرحوم بيار سارع على الفور الى اخذ رشاشه الكلاشنكوف المحشو بمشط يتسع لثلاثين طلقة وخرج الى الشرفة المطلة على مكان الحادث (راجع البند 1) فاطلق منه رشقا اولا فاصاب ابراهيم ثم رشقا ثانيا فاصاب والده يوسف اصابات خطيرة فوقعا ارضا فرد اكرم باطلاق طلقين آخرين من مسدسه الحربي باتجاه الشرفة وعلى مسافة قريبة فاصاب باحدهما طرف جانبها وبالآخر المرحوم بيار اصابة قاتلة. وان اكرم سارع على الاثر الى نقل والده وشقيقه الى المستشفى في سيارته وفيما هو ينتظر هناك هاجمه بعض آل البرباري وانتزعوا مسدسه واشبعوه ضربا وقد احيلت قضيته بالنتيجة على القضاء العسكري لكون احد المشتركين الياس عريفا في الجيش اللبناني. وانه تم ضبط الرشاش المستعمل وتبين انه ما يزال محتويا على سبع عشرة قذيفة صالحة بالاضافة الى واحدة في بيت النار كما ضبطت بعض الخراطيش (يراجع البند 5 من باب الوقائع) وضبط ايضا المسدس المستعمل من قبل اكرم وبعض الغلافات الفارغة العائدة له (يراجع ذات البند). وحيث ان الاستاذ عربيد قد طلب اعتبار فعل موكله من نوع الدفاع المشروع عن النفس واعفاءه من المسؤولية وقد تبين الاستاذ عون وكيل المتهم ايضا هذه الاقوال. وحيث ان محكمة الجنايات لم تأخذ بسبب التبرير هذا لان المتهم على حد ما ذكرته هو الذي انشأ الوضع الذي اثار المغدور ودفعه الى ما قام به مستندة في ذلك على كونه تسبب في تجدد النزاع اذ استحضر مسدسه من منزله في بطشاي بعد الظهر وقد باشر برمي اكياس الرمل وهو يوجه الشتائم واشتبك مع كاترين نجلة المغدور فرماها ارضا وباشر باطلاق النار ارهابا. وحيث ان المحكمة اذ تشير الى ان المتهم لم يستحضر مسدسه من منزله في بطشاي بدليل نزوله مباشرة من المنصورية الى بلدة الحدث وبالتالي فان هذا المسدس كان بحوزته والى انه ليس مما يدل على انه اشتبك مع كاترين فرماها ارضا بل ان هذه الاخيرة التي وقعت في وسط الطريق على حد ما ورد في اقوال واهان ويعقوب كولوزيان ان المحكمة وهي تشير الى ذلك لا ترى في الوقائع الاخرى (رمي اكياس الرمل وتوجيه الشتائم واطلاق النار ارهابا) ما يحمل على القول بتوافر شروط الاثارة فهي ليست تنطبق على تلك الجسامة او الخطورة التي من شأنها ان تولد الغضب الشديد الذي يبرر مثل هذا التصرف وبمعنى آخر ان ما قام به اكرم لا يولد تناسبا بين ما يمكن ان يحدثه من غضب لدى المغدور وبين ما اقدم عليه هذا الاخير وهو في الحقيقة وليد الرغبة في الانتقام ليس اكثر بسبب الخلافات السابقة المستحكمة وهو لا يحرم من التذرع بالدفاع المشروع عندما تتوافر الشروط الاخرى. ولكن حيث اذا كان مرتكز الدفاع المشروع كما حددته المادة 183 ع. يقوم على الممارسة غير التعسفية للحق على اعتبار انه في بعض الحالات الملحة لا تكفي وسائل العدالة العادية لتأمين سلامة الاشخاص والاموال فيساهم من يمارسه في الحفاظ على النظام محل السلطة المختصة فلا يكون تصرفه عرضة للانتقاد في نظر القانون لان حياة وسلامة ومصالح المعتدى عليه هي اجدر بالحماية من حياة وسلامة ومصالح المعتدي اذا كان الامر كذلك فانه يبقى ان مثل هذه الممارسة ينبغي ان تكون منظمة حتى لا يترك الحبل على غاربه. ومن ذلك ينبغي ان يكون خط الاعتداء جالبا على النحو الذي ذكرته المادة 184 ع. وذلك يعني انه ينبغي ان يكون مشكلا لخطر محدق لا يمكن تلافيه الا باقتراف الفعل اما اذا كان هذا الفعل يتصف بردة فعل على اعتداء حصل وانتهى كانسحاب المعتدي فلا مجال للقول بالدفاع المشروع بل تصبح العملية عبارة عن عملية انتقامية فينبعث اذا ان تكون ردة الفعل حاصلة في ذات الوقت الذي يكون فيه الاعتداء ما يزال في طور التنفيذ وغير ممكن التغلب على الخطر الناجم عنه. وحيث ان مثل هذا الامر هو متروك لتقدير القاضي. وحيث ان المحكمة بعد التدقيق في الوقائع لا ترى ان هذه المبادىء تنطبق على فعل المتهم فهو اقدم على ما اقدم عليه بعد ان كان والده وشقيقه قد اصيبا فوقعا ارضا وانتهى الامر بمحاولة انسحاب المغدور والدخول الى منزله بدليل ان الاصابة التي مني بها هي من الوراء الى الامام على حد ما ورد في التقرير الطبي ولو كان الامر على خلاف ذلك لكان اصيب من الامام الى الوراء. وحيث والحالة ما ذكر لا مجال لتطبيق المادة 184 ع. ولا مجال للقول بالدفاع المشروع على النفس. ولكن ايضا حيث من المؤكد ان مجرد مشاهدة المتهم لوالده ولشقيقه مطروحين ارضا يستغيثان والدماء تنزف منهما لاصابتهما بمثل هذه الاصابات الخطيرة ان مجرد ذلك اوضعه تحت وطأة غضب شديد ناتج عن هذا العمل غير المحق فاقدم على ما اقدم عليه تحت وطأة هذا الغضب وعلى هذا الاساس هو يستفيد من احكام المادة 252 ع. وحيث بالتالي فان فعل المتهم على الشكل المبسط اعلاه ينطبق على احكام المادة 547 ع. لانه وليد ساعته وقد حصل نتيجة ما اقدم عليه المغدور فهو يقع اذن تحت طائلة احكام المادة 547 ع. معطوفة على المادة 252 منه معطوفتين على المادة 251 ع لتطبيق العقوبة وحيث ان فعله ينطبق على احكام المادة 72 اسلحة لجهة نقل المسدس الحربي الذي ضبط منه بدون ترخيص. وحيث بالنسبة للدعوى الشخصية وعلى ضوء المحاكمة الجارية من محكمة الجنايات والحكم الصادر عنها وعدم التقدم بجهة الادعاء المحكوم لها بطلب نقض فهي قد اصبحت منحصرة بوالدي المرحوم بيار وهما جورج نجيب برباري وجميلة تاجر الكايد وزوجته نجاة عازار وهم الذين وقعوا الوكالة للاستاذ اسعد الحلو بصفتهم الشخصية وكذلك الامر بابنته كاترين وان لم تكن قد تمثلت في المحاكمة بأي شكل من الاشكال على اعتبار ان حكم محكمة الجنايات قد قضي بهذه الدعوى الشخصية على هذا الشكل ولم يتقدم احد بأي طعن في هذا الصدد ولا يسوغ للمحكمة ان تتعدى مصالحه من تلقاء نفسها وطالما ان الفرقاء قد سمحوا به وان اعتراه بعض الاشكال. وحيث ان المحكمة على ضوء وضع المغدور العائلي وما كان عليه من عمر في تاريخ وفاته في هذا الحادث وما احدثت فعلته من آلام لدى الجهة المدعية وما من شأنه ان تجره هذه الوفاة من حرمان واضرار مادية خاصة على الزوجة والابنة ان المحكمة ترى تحديد العطل والضرر اللاحق بها بمبلغ خمسين مليون ليرة يوزع وفقا للحصص الارثية كما ورد في الحكم.