دراسة الدكتور وسام غياض 01/01/2014
سلطات الإدعاء والملاحقة على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد
- المؤلف
- الدكتور وسام غياض
- تاريخ النشر
- 01/01/2014
- المصدر
- الجامعة اللبنانية
سلطات الإدعاء والملاحقة على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد
تمهيد:
إعتمد المشرع اللبناني في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد النظام المختلط (Le Régime mixte) الذي يجمع بين النظام الإتهامي والنظام التحقيقي. وهذا النظام يؤمن التوازن بين مصلحة المجتمع ومصلحة الأفراد بحيث أن الملاحقة يتولاها قضاة النيابة العامة من حيث المبدأ دون حرمان المتضرر من حق تحريك الدعوى العامة.
والنيابة العامة لا تقوم بملاحقة مرتكبي الجرائم والإدّعاء عليهم بمفردها، بل يساعدها في القيام بمهامها جهاز يسمى بالضابطة العدلية (La police judiciaire) سنعمد في هذا البحث الى دراسة كل من النيابة العامة في بابٍ أول والضابطة العدلية المساعدة في بابٍ ثاني.
الباب الأول: النيابة العامة: Le ministère public ou le parquet
يعود تاريخ النيابة العامة الى القرن الرابع حيث نشأت في العهد الملكي الفرنسي على أساس أنها قضاء خاص مؤلف من وكلاء ومحامين يمثلون الملك ومصالحه أمام المحاكم، وكان إختصاص النيابة العامة مرتبطاً بنفوذ الملك، فكلما توطّد نفوذه كلما إتسعت دائرة إختصاص وكلائه حتى أمسوا ممثلي السلطات العامة لدى القضاء، وإستمرّ هذا الوضع بالتطور حتى أصبحت النيابة العامة جهازاً قضائياً متكاملاً ينوب عن المجتمع في تعقّب المجرمين وإحالتهم أمام القضاء.
وفي لبنان تعتبر النيابة العامة هيئة قضائية يتولاها قضاة يخضعون لنفس الأنظمة التي يخضع لها القضاة الآخرين، إن لجهة التعيين أو لجهة الترقية والمناقلات بينهم(1). وهي تشترك في حضور جلسات المحاكم الجزائية الممثلة لديها وتعتبر جزءاً من هذه المحاكم ويترتب على تغيّبها بطلان الجلسة لإنعقادها بصورة غير قانونية.
ولقد نصت المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد على أن: "دعوى الحق العام الرامية الى ملاحقة مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها والى تطبيق العقوبات والتدابير في حقهم، منوطة بقضاة النيابة العامة المعينين في هذا القانون ...". وهكذا يظهر دور النيابة العامة الأساسي كسلطة للملاحقة الجزائية عن طريق إقامة الدعوى العامة ومتابعتها حتى تحقيق أهدافها المتمثلة بإدانة المجرم وإنزال العقاب به، فهي تمثّل المجتمع في مباشرة الدعوى العامة وإستعمالها نيابةً عنه.
إن دراسة النيابة العامة كهيئة قضائية تمثل المجتمع في ممارسة دعوى الحق العام يقتضي معرفة الخصائص والصفات التي تتمتع بها هذه الأخيرة (الفصل الأول)، كما يثير مسألة معرفة الأجهزة التي تتألف منها (الفصل الثاني).
1- في لبنان يتم تعيين قضاة النيابة العامة وقضاة الحكم من قبل السلطة التنفيذية بعد إستشارة مجلس القضاء الأعلى، أما في فرنسا فإن قضاة النيابة العامة يعينون بمرسوم من قبل رئيس الجمهورية بناءً على إقتراح وزير العدل دون تدخّل مجلس القضاء الأعلى وذلك منذ سنة 1958.
الفصل الأول: خصائص النيابة العامةCaractéristiques du ministère public :
تعتبر النيابة العامة طرفاً أصليّاً في الدعوى العامة الى جانب المدعى عليه، ولكنها طرفاً يتميز عن غيره من الخصوم العاديين كونها تمثل المجتمع في تحريك وممارسة الدعوى العامة بهدف الكشف عن الحقيقة ومعاقبة الجاني.
ويمكن حصر هذه الخصائص بست صفات أساسية وهي:
1- إستقلالية النيابة العامة.
2- تبعية النيابة العامة التسلسلية.
3- وحدة النيابة العامة أو عدم تجزئتها.
4- عدم مسؤولية أعضاء النيابة العامة.
5- عدم الإرتباط بالمطالعة.
6- مسألة الردّ.
فقرة أولى: إستقلالية النيابة العامة: Indépendance du ministère public
تعتبر النيابة العامة جزءاً من القضاء العدلي وهي تتمتع بالإستقلالية التي منحتها المادة 20 من الدستور اللبناني للسلطة القضائية. ولقد كرست المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد إستقلالية النيابة العامة إتجاه السلطة التنفيذية المتمثلة بوزير العدل الذي لم يعد بوسعه إصدار الأوامر الى النيابة العامة بل يقتصر دوره على الطلب فقط. بمعنى آخر لم يعد لوزير العدل كممثل للسلطة التنفيذية المتمثلة أي سلطات على النيابة العامة في أدائها لوظيفتها التي تتعلق بدعوى الحق العام.
وتتمتع النيابة العامة أيضاً بالإستقلالية إتجاه قضاء الحكم، فمن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التشريع الجزائي هو مبدأ الفصل بين سلطات الإدعاء والملاحقة وسلطات الحكم، وبالتالي لا يملك قضاء الحكم حق توجيه الأمر الى النيابة العامة لإقامة أو تحريك الدعوى العامة، ولا يحق للمحكمة أن تقيّد حرية النيابة العامة في إبداء طلباتها إلاّ بما يقضي به القانون، كما لا يجوز للقضاء أن يوجّه اللوم الى النيابة العامة أو يُعيبها بسبب طريقة سيرها في أداء وظيفتها(1).
وبالمقابل إن القضاء مستقل عن النيابة العامة في أدائه لوظيفته وبالتالي لا يجوز للنيابة العامة أن تتدخل في وظيفة القضاء، إذ أن المحكمة لها الحق المطلق في عدم الأخذ بما إعتقدته النيابة العامة في إقامة الدعوى ضدّ شاهد أو في مطالبها أو مرافعتها إذ القول الفصل في الإتهام يكون للمحكمة(2). كما لا يجوز لقاضي النيابة العامة الذي باشر الإدعاء في قضية معينة أن يحكم أو يشارك في الحكم فيها وإلاّ عُدَّ الحكم باطلاً(3). ولا يجوز أيضاً للنيابة العامة أن تتدخل في صياغة حكم المحكمة(4) ولو كانت فريقاً في الدعوى العامة إلاّ أنها مستقلة عن قضاء الحكم.
1- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – دراسة مقارنة – منشورات الحلبي الحقوقية – الجزء الثاني – 2033 – ص 12.
2- د. عبد الوهاب حومد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الطبعة الثالثة – دمشق – 1957 – ص 170.
3- د. حاتم ماضي: "قانون أصول النحاكمات الجزائية" – على ضوء القانون والفقه والإجتهاد" – المؤسسة الحديثة للكتاب – طرابلس – لبنان – 1994 – ص 105.
4- الأستاذ فايز الإيعالي: "أصول المحاكمات الجزائية على ضوء القانون والفقه والإجتهاد" – المؤسسة الحديثة للكتاب – طرابلس – لبنان – 1994 – ص 164.
ومن البديهي القول بأن النيابة العامة تتمتع بسلطة التقدير والملاءمة في التصرف في الإخبارات والشكاوى التي تتلقاها إذ تتمتع بالإستقلال في مواجهة الأفراد. وبالرغم من عدم وجود نص صريح يعطي النيابة العامة السلطة الإستنسابية في الملاحقة إلاّ أن التجربة القضائية في لبنان أثبتت بأن للنيابة العامة حق التقدير الواقعي والقانوني فلها حق حفظ الأوراق وعدم تحريك الدعوى العامة إذا وجدت أن المصلحة العامة تقتضي ذلك. وقد قضي في لبنان بأن حق إقامة دعوى الحق العام منوط بالنيابة العامة التي لها وحدها ممارسته كما تشاء وتقدر(1).
فقرة ثانية: تبعية النيابة العامة التسلسلية: La subordination hiérarchique du ministère public
يقصد بالتبعية التسلسلية خضوع قضاة النيابة العامة لتعليمات وتوجيهات السلطة الرئاسية وتعرضهم للمساءلة إذا ما خالفوا ذلك. فمن هي السلطة الرئاسية في النيابة العامة؟ هل هو النائب العام التمييزي أم وزير العدل؟
في ظل قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم الصادر عام 1948 وقانون تنظيم القضاء العدلي رقم 150/1983 كان وزير العدل يعتبر رئيساً للنيابات العامة(2). إلاّ أن الأمر إختلف كليّاً مع قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد إذ أصبح النائب العام التمييزي على رأس النيابات العامة. وتطبيقاً لذلك نصت المادة نصت المادة 13 الفقرة الثانية من القانون الجديد على أن: "تشمل سلطة النائب العام لدى محكمة التمييز جميع قضاة النيابة العامة، بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وله أن يوجه الى كل منهم تعليمات خطية أو شفهية في تسيير دعوى الحق العام. إنما يبقى لهم حرية الكلام في جلسات المحاكمة...". ويبدو لنا جلياً بأن ترؤس النيابة العامة على هذا الشكل يجعل من النائب العام التمييزي "الأصيل" في مباشرة إختصاصاتها. بحيث أن جميع قضاة النيابات العامة تدين له بالتبعية. وبذلك تكون أمام معادلة واضحة، تتجسّد بعلاقة رئيس بمرؤوسين(3).
أضف الى ذلك أن المشرع منح النائب العام التمييزي حق توجيه التنبيه الى أحد قضاة النيابة العامة بسبب التقصير في عمله، وحق الإقتراح على هيئة التفتيش القضائي في إحالته أمام المجلس التأديبي (المادة 16 الفقرة الأخيرة من ق أ م ج). وهذا الحق ينبع من كونه رأس النيابات العامة فله حق الإشراف والرقابة على رؤسائها ومعاونيهم عملاً بفكرة الإرتباط التسلسلي. أكثر من ذلك فقد ألزمت المادة 16 في فقرتها الأولى كل من النائب العام الإستئنافي والنائب العام المالي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومدراء الأجهزة الأمنية أن يبلغوا النائب العام لدى محكمة التمييز عن الجرائم الخطرة التي عملوا بها، وأن يتقيّدوا بتوجيهاته الخطية. ولكنها لم تحدد ماهية الجرائم الخطيرة تاركة ذلك لسلطة النائب العام التمييزي التقديرية.
إن قراءة هذه النصوص الواردة أعلاه تطرح التساؤل التالي: هل أنّ حلول النائب العام التمييزي مكان وزير العدل على رأس النيابات العامة يشكل ضمانة كافية لحسن سير العدالة الجزائية؟
إن الجواب على هذا التساؤل يبقى مرهوناً بحسن إختيار النائب العام التمييزي، فهو بالنهاية يعين بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء. ونحن نشاطر الرأي(4) الذي يقول بأنه حبّذا لو أنيطت الصلاحيات الواردة في المادة 16 أ م ج بهيئة قضائية كمجلس القضاء الأعلى مثلاً خوفاً من إساءة إستعمال الحق والتسلط لأن هدف المشرع هو تطبيق القانون بشكل صحيح.
1- قرار محكمة التمييز رقم 95 تاريخ 28/11/67 مجلة العدل – عدد 3 1968 – ص 448.
2- تنص المادة 45 من قانون تنظيم القضاء العدلي على ما يلي: "يخضع قضاة النيابات العامة لإدارة ومراقبة رؤسائهم كما يخضعون لسلطة وزير العدل وتبقى لهم في جلسات المحاكمة حرية الكلام".
3- المحامي الياس أبو عيد – المرجع السابق – الجزء الثاني – ص 19.
4- أنظر بنفس المعنى: المحامي الياس أبو عيد: المرجع السابق – الجزء الثاني – ص 36.
فقرة ثالثة: وحدة النيابة العامة أو عدم تجزئتها: Indivisibilité du ministère public
تعتبر النيابة العامة وحدة متماسكة تمثل المجتمع وتنوب عنه في مباشرة الدعوى العامة وإستعمالها، لذلك فإن كل عمل يصدر عن أحد أعضائها يعتبر كأنه صادراً عن النيابة العامة في مجموعها، وبالتالي يمكن لكل عضو من أعضائها أن ينوب مكان الآخر لأن العبرة هي لصفة القائم بالعمل وليس لشخصه.
وقد قضي بأنه لا أهمية لذكر إسم ممثل النيابة العامة شخصياً في الحكم طالما أن المتهم لا يدعي في طعنه أن النيابة العامة لم تكن ممثلة في الدعوى أثناء محاكمته(1).
وهذا الأمر يختلف عن قضاة الحكم فهؤلاء يتوجب عليهم أن يحضروا بأشخاصهم جميع جلسات المحاكمة ولا يجوز أن يشترك في جلسات المذاكرة والحكم غير القضاة الذين سمعوا المرافعة ويجب ذكر أسماءهم في الحكم وإلاّ كان باطلاً(2).
تجدر الاشارة الى أنه إذا كان الحلول جائزاً لأعضاء النيابة العامة فإن الجواز مقيّد بشرط عدم مخالفة قواعد الإختصاص النوعي والمكاني، فلا يجوز مثلاً للنائب العام الإستئنافي أن يقوم بأعمال تدخّل في إختصاص النائب العام التمييزي، كما لا يجوز لنائب عام إستئنافي في محافظة معينة أن يتدخل في صلاحيات نائب عام إستئنافي لمحافظة أخرى.
يبقى أن نقول بأن مبدأ الوحدة أو عدم التجزئة لا يحول دون إنتقال أحد قضاة النيابة العامة الى وظيفة قاضي فيما لو حقق أحد زملائه في القضية نفسها(3).
فقرة رابعة: عدم مسؤولية أعضاء النيابة العامة: L’irrésponsabilité du ministère public
إن منطق الأمور يقضي بعدم فرض أيّة مسؤولية مدنية أو جزائية على النيابة العامة طالما أنها تقوم بوظيفتها ضمن إطار القوانين والأنظمة المرعية الإجراء. فإذا ما برِّئت مساحة المدعى عليه أو صدر قرار بمنع المحاكمة عنه فلا يمكن لهذا الأخير ملاحقة أعضاء النيابة العامة والمطالبة بالعطل والضرر طالما أنهم يهدفون الى التطبيق الصحيح للقانون وتحقيق مصلحة المجتمع في ملاحقة ومعاقبة مرتكبي الجرائم. والقول بعكس ذلك يؤدي الى تردّد أعضاء النيابة العامة في القيام بواجباتهم خشية محاسبتهم عن أيّ خطأ أو إهمال قد يقعون فيه عن غير قصد.
إلاّ أنه لا بدّ من التذكير بأن مبدأ عدم مسؤولية النيابة العامة ليس مطلقاً، فالنيابة العامة تخضع للنظام القضائي وتسري عليها أحكامه كما تسري على سائر القضاة (قضاء التحقيق وقضاء الحكم)، فالمادة 741 من قانون أصول المحاكمات المدنية تجيز مخاصمة القضاة بسبب الخطأ المهني الجسيم أو الرشوة أو الخداع أو الاستنكاف عن إحقاق الحق.
كما أن المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أعطت النائب العام لدى محكمة التمييز حق توجيه التنبيه الى أحد قضاة النيابة العامة بسبب ما يعزوه إليه من تقصير في عمله أو أن يقترح على هيئة التفتيش القضائي إحالته أمام المجلس التأديبي.
1- محكمة التمييز – الغرفة الخامسة – قرار رقم 169 تاريخ 07/08/75 – مجموعة إجتهادات د. عالية – الجزء الرابع – ص 469.
2- د. عفيف شمس الدين: "المصنف في أصول المحاكمات الجزائية" – بيروت 1996 – ص 408 رقم 14.
3- أنظر بنفس المعنى: الدكتور عاطف النقيب: "أصول المحاكمات الجزائية" – دراسة مقارنة – دار المنشورات الحقوقية – بيروت 1993 – ص 77.
فقرة خامسة: هل ترتبط النيابة العامة بمطالعتها؟
طالما أن النيابة العامة تعتبر خصماً شريفاً في الدعوى العامة وتسعى الى تطبيق القانون بشكل صحيح فلا شيء يمنعها من الرجوع عما طلبته في مطالعتها الخطية خاصة إذا ما ظهرت أدلّة جديدة تدحُض ما تدعيه، فبإمكانها مثلاً أن تطلب البراءة لمتهم إذا ما ظهرت أدلة جديدة تثبت عدم صحة ما إستندت اليه عند طلب الإدانة. وهذا ما كان يعتبر من المبادئ الثابتة في التشريع الجزائي ولكن إن ما يستدعي الملاحظة هو ما ورد في المادة 135 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، فهذه المادة منعت النيابة العامة من إستئناف قرارات قاضي التحقيق القضائية والإدارية والتحقيقية إذا ما صدرت وفقاً لطلبها، وهذا ما يشكل قيداً على حريتها في تصحيح ما تكون قد أخطأت في طلبه وبالتالي يطرح التساؤل حول إمكانية عدول المشرع عن مبدأ عدم إرتباط النيابة العامة بمطالعتها.
نحن نرى بضرورة إفساح المجال أمام النيابة العامة لإستئناف جميع قرارات قاضي التحقيق وإن كانت صادرة وفقاً لطلبها أي تعديل المادة 135 أ م ج ولكن بشرط الاّ يكون ذلك وسيلة للمماطلة في التحقيقات على يد النيابة العامة التي يقتصر دورها الأساسي على إحقاق الحق وتوفير العدالة للجميع.
فقرة سادسة: هل يجوز رد أعضاء النيابة العامة؟
لا يوجد نص في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد يتحدث عن ردّ ممثل النيابة العامة إنما ورد النص على ذلك في المادة 128 من قانون أصول المحاكمات المدنية، فالفقرة الأولى من هذه المادة نصت على أنه: "تطبق أحكام التنحّي والردّ على قضاة النيابة العامة والمحكمين والخبراء".
إن الرأي الراجح لدى جمهور الفقهاء(1) يعتبر أن المقصود في المادة 128 هو ردّ النيابة العامة عندما تكون طرفاً إضافياً يعمل لمصلحة القانون. أما إذا كانت النيابة العامة طرفاً أصليّاً وجوهريّاً في دعوى الحق العام فإنه لا يمكن طلب ردّها لأنه الحكم يبقى له سلطة تقديرية مطلقة.
إن هذا الرأي يجد مصدره في الفقه الفرنسي(2) حيث نقرأ ما يلي:
“Bien que représentant le pouvoir exécutif, mais parce qu’il est partie principale et nécessaire au procès pénal, le Ministère public est irrécusable … Le représentant du Ministère public, qui est partie principale du procès (demandeur) ne peut jamais être l’objet d’une récusation. Un plaideur ne récuse pas son adversaire".
أكثر من ذلك إن قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي قد كرّس مبدأ عدم جواز ردّ النيابة العامة وذلك بنص صريح هو نص المادة 669 الفقرة الثانية، التي نصت على ما يلي:
‘’Les magistrats du Ministère public ne peuvent être récusés’’.
1- + د. مصطفى العوجي: "دروس في أصول المحاكمات الجزائية" – الطبعة الأولى – بيروت – منشورات الحلبي الحقوقية 2002 – ص 88 – 89 / 2002 – ص 471.
+ د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – مكتبة صادر ناشرون.
+ د. علي عبد القادر القهوجي "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – منشورات الحلبي الحقوقية – جزء 1 – بيروت 2002 – ص 108 – 109.
2- G. Stéfani et G Levasseur: ‘’procédure pénale’’ – 9ème éditions – N=104 p 97.
بالمقابل هناك رأي فقهي(1) معاكس تماماً يقول بجواز ردّ أعضاء النيابة العامة في الدعوى العامة كلما وجدت أسباب تؤثر على نزاهتهم وإستقلالهم. فوفقاً لهذا الرأي إن ما يُرَد هو ممثل النيابة العامة وليس النيابة العامة بأجمعها وأنه لا بُدّ من تأثير لرأي النيابة العامة على المحكمة رغم سلطتها التقديرية.
الفصل الثاني: مما تتألف النيابة العامة؟
نصت المادة 11 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد على ما يلي: "يقوم بوظائف النيابة العامة لدى محكمة التمييز نائب عام يعاونه محامون عامون. يتولى مهام النيابة العامة المالية لدى النيابة العامة التمييزية نائب عام يعاونه محامون عامون. يقوم بوظائف النيابة العامة لدى محكمة الإستئناف نائب عام يعاونه محام عام أو أكثر. يقوم بأعمال النيابة العامة لدى المحكمة العسكرية مفوض حكومة يخضع لسلطة النائب العام التمييزي يعاونه محام عام أو أكثر".
يفهم من هذا النص أن النيابة العامة تتكون من عدة أجهزة قضائية يرأسها النائب العام لدى محكمة التمييز وبالتالي لم يعد وزير العدل في قمة هرم تنظيم النيابات العامة كما كان الأمر في السابق(2). أضف الى ذلك أن المادة 14 من القانون الجديد حددت سلطة وزير العدل بالنسبة للنيابة العامة إذا أعطته فقط صلاحية الطلب الى النائب العام التمييزي إجراء التعقبات بشأن الجرائم التي يتصل خبرها بعلمه.
فقرة أولى: النيابة العامة التمييزية:
يرأس النيابة العامة لدى محكمة التمييز نائب عام يعين بمرسوم يتخذ في مجلس لوزراء بناء على إقتراح وزير العدل. يعاونه محامون عامون (المادة 13 فقرة أولى من ق أ م ج). النائب العام التمييزي يعتبر رأس الهرم لدى النيابات العامة ولكن طريقة تعيينه تجعل منه أداة لينة في يد السلطة التنفيذية بإعتبار أن أي مخالفة منه لتعليماتها يرتدّ عليه سلباً عن طريق نقله أو تغييره أو إستبداله(3).
ولقد خصّ المشرع اللبناني في النيابة العامة التمييزية أهمية كبيرة إذ أفْرَد لها الباب الأول من القسم الأول من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد وذلك في المواد 13 حتى 17 منه.
البند الأول: صلاحيات النائب العام التمييزي:
يُفهم من أحكام المادة 12 أ م ج أن النائب العام التمييزي يرأس الدائرة التابعة له ويوزّع الأعمال الداخلة في إختصاصه على المحامين العامين الذين يعاونوه. وبالتالي فإن علاقة النائب العام بمعاونيه هي علاقة رئيس بمرؤوس، وقيادته لمؤسسة النيابة العامة هي قيادة إدارية تقوم على توزيع الأعمال الداخلة في إختصاصه على المحامين العامين الذين يعاونوه(4).
1- + د. حاتم ماضي: المرجع السابق – ص 106.
+ د. عبد الوهاب حومد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الطبعة الثالثة – دمشق 1957 – ص 175.
+ د. علي جعفر: "مبادئ المحاكمات الجزائية" – المؤسسة الجامعية للنشر – بيروت 1994 – ص 39.
2- راجع أحكام قانون القضاء العدلي الصادر بالمرسوم الإشتراعي 150/83.
3- نحن نشاطر الرأي الفقهي الذي يقول بأن تعيين النائب العام التمييزي من قبل السلطة التنفيذية يعتبر تدخلاً في عمل السلطة القضائية وبالتالي خرقاً لمبدأ فصل السلطات المكرّس في الدستور اللبناني.
4- لمزيد من التفصيل أنظر المحامي الياس أبو عيد: المرجع السابق – الجزء الثاني – ص 14 وما يليها.
وينتج عن ذلك أن كل عمل يقوم به المحامي العام خلافاً لتعليمات النائب العام يعتبر باطلاً بإستثناء الأراء والأقوال الشفهية التي يبديها المحامي العام أمام قضاء الحكم عملاً بالمبدأ القائل بأنه: "إذا كان القلم مقيّداً فاللسان حرّ".
‘’Si la plume est serve, la parole est libre’’، ولما كان النائب العام التمييزي يشكل رأس الهرم الإداري للنيابات العامة كما ذكرنا أعلاه فهو يتمتع بسلطة الإشراف والرقابة على معاونيه، لذلك أعطاه المشرع حق توجيه التنبيه الى أيٍّ من قضاة النيابة العامة بسبب ما يعزوه اليه من تقصير في عمله أو أن يقترح على هيئة التفتيش القضائي إحالته أمام المجلس التأديبي (م 16 فقرة أخيرة أ م ج).
كما ينهض من أحكام المادة 13 أ م ج في فقرتها الأخيرة بأن للنائب العام التمييزي حق البت بالخلاف الذي قد يقع بين أي مرجع غير قضائي وبين النيابة العامة الإستئنافية أو المالية أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية (الحالات التي تقتضي فيها الملاحقة الجزائية ترخيصاً أو موافقة من مرجع غير قضائي) بإستثناء حالة الخلاف مع نقابة المحامين حيث أعطيت محكمة الإستئناف صلاحية البت به. وكنا نتمنى لو بقي النص القديم للمادة 13(1) الذي يعطي صلاحية البت في هذا النوع من الخلافات الى محكمة الإستئناف المدنية بإعتبار أنه من غير المقبول إعطاء حق الفصل في هذه الخلافات الى النائب العام التمييزي لأنه فريقاً أصليّاً في دعوى الحق العام وبالتالي إن إعطائه هذه الصلاحية يؤدي الى الجمع بين صفتي الحكم والخصم في آنٍ معاً، الأمر الذي يتنافى مع المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التشريع الجزائي. أكثر من ذلك، إن النائب العام التمييزي يمثل كما رأينا السلطة التنفيذية في الجهاز القضائي لذلك نجزم بالقول بأن هذا التعديل السريع للمادة 13 هو تعديل سياسي بإمتياز.
كما أعطي النائب العام التمييزي صلاحيات قضائية هامة منها ما ورد في المادة 13 الفقرة الثانية حيث أنه أعطي سلطة توجيه تعليمات خطية أو شفهية الى جميع قضاة النيابة العامة وذلك بهدف تسيير دعوى الحق العام.
ومنها أيضاً ما ورد في الفقرة الثانية من المادة 16 إذ أعطي النائب العام التمييزي حق الإطلاع على ملف التحقيق الذي يتولاه أحد قضاة التحقيق وأن يطلب من النائب العام المختص إبداء المطالعة التي تتوافق مع توجيهاته الخطية.
أضف الى ذلك أن الفقرة الثانية من المادة 14 أعطته الحق بإجراء التحقيق مباشرة أو بواسطة معاونيه من قضاة النيابة العامة الملحقين به أو أفراد الضابطة العدلية التابعين له، دون أن يكون له حق الإدّعاء(2).
يبقى أن نشير الى أن المادة 15 أ م ج أخضعت لسلطة ومراقبة النائب العام التمييزي جميع موظّفي الضابطة العدلية المحددين في المادة 38 أ م ج بوصفهم مساعدين للنيابة العامة، فالعلاقة هنا علاقة تبعية بين النائب العام التمييزي ومساعديه، بحيث أنه يحق له أن يوجه الى رؤسائهم ما يراه من ملاحظات بشأن أعمالهم المكلفين بها وله حق الطلب من النائب العام الإستئنافي أو المالي أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الإدّعاء على أي فرد من أفراد الضابطة العدلية يرتكب جرماً جزائيّاً أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها، وذلك دون أن يطلب إذناً بالملاحقة. تجدر الإشارة هنا الى القول بأن إعطاء النائب العام التمييزي هذه السلطة التي تقضي بملاحقة الضابط العدلي أمام القضاء العدلي رغم كل نص مخالف ودون حاجة الى طلب الإذن المسبق من المرجع الوظيفي المختص تشكل ضمانة أساسية من الضمانات التي جاء بها قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
1- تجدر الإشارة هنا الى أن المادة 13 (الفقرة الأخيرة) عُدِّلت بعد أسبوع من إقرار قانون أ م ج ج بمقتضى القانون رقم 359/2001. وعندما سُئِل رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه برّي حول هذه النقطة أجاب بما يلي: "إن قانون أ م ج الجديد هو القانون الأوحد في هذه المنطقة كلها الذي وضع إطاراً للحرية. وإن التعديل الذي حصل مؤخراً خدم الحرية. ولكن القصة قصة سياسية وليست قصة تشريع".
2- بإستثناء حقه بالإدّعاء في الجرائم المحالة الى المجلس العدلي وفي جرائم القضاة سنداً للمادة 17 أ م ج.
بحيث أن حقوق الأفراد وحرياتهم تكون بمأمن عن تعسف وتعدّي أفراد الضابطة العدلية أثناء التحقيقات الأولية(1).
البند الثاني: من يقوم بأعمال النيابة العامة التمييزية؟
لقد حددت المادة 175 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الأعمال التي يتولاّها النائب العام لدى محكمة التمييز عندما نصّت على ما حرفيّته: "يتولى النائب العام لدى محكمة التمييز الأعمال الآتية:
أ- طلب نقض الأحكام والقرارات الجزائية وفقاً للأصول المحددة في هذا القانون.
ب- طلب تعيين المرجع وطلب نقل الدعوى من محكمة الى أخرى.
ت- الإدّعاء بالجرائم المحالة الى المجلس العدلي.
ث- الإدّعاء بالجرائم التي يرتكبها القضاة سواء أكانت ناشئة عن الوظيفة أم خارجة عنها.
ج- تمثيل النيابة العامة لدى محكمة التمييز والمجلس العدلي.
ح- إعداد ملفات إسترداد المجرمين وإحالتها على وزير العدل مشفوعة بتقاريره.
خ- وضع تقرير مفصّل يرفق بملف المحكوم بالإعدام عند إحالته على لجنة العفو الخاص.
د- سائر المهام والصلاحيّات الوارد ذكرها في هذا القانون وفي غيره."
وهكذا سوف نتحدّث عن كل عمل من هذه الأعمال بشيء من التفصيل.
أ- طلب نقض الأحكام والقرارات الجزائية وفقاً للأصول المحددة في هذا القانون:
لقد قضي بأن القرارات أو الأحكام الجزائية القابلة للنقض هي تلك التي تشكل مخالفة للقانون، وهذه القاعدة تتعلق بالنظام العام، فلا تجوز مخالفتها لا من قبل النيابة العامة التمييزية، ولا من قبل أطراف الدعوى الجزائية(2).
ويمكن تلخيص هذه الأحكام والقرارات على الشكل التالي:
- الأحكام الصادرة في قضايا الجنح عن محاكم الإستئناف للأسباب المحددة في المادة 296 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
- الأحكام الصادرة عم محاكم الإستئناف في المخالفات لجهة الوصف المعطى لها إذا اعتبرت أنها ذات وصف جنحي وهذا الحق معطى للنيابة العامة التمييزية دون غيرها سنداً للمادة 303 أ م ج.
- القرارات الصادرة عن الهيئة الإتّهامية.
- الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات.
ب- طلب تعيين المرجع وطلب نقل الدعوى من محكمة الى أخرى:
إن تعيين المرجع مردّه الى تنازع في الإختصاص بين محكمتين تعتبر كل منهما أنها مختصّة (تنازع إيجابي) أو غير مختصّة (تنازع سلبي) للنظر في ذات القضية.
ولقد أعطت المادة 336 أ م ج الحق لكل من النيابة العامة والمدعي الشخصي والمدعى عليه أن يطلب تعيين المرجع بموجب إستدعاء يقدم الى محكمة التمييز التي تطلب من النيابة العامة إيداعها نسخاً عن الأوراق العائدة للدعوى لدى المرجعين القضائيين الواقع بينهما الخلاف.
1- د. وسام غياض: "محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية" – الجامعة اللبنانية – 2001/2002 – ص 115.
2- Cass. Crim. 29/11/82; Bull. Crim. 1982. N= 269.
أما طلب نقل الدعوى، فإنه يتحقق في حالتين: الأولى أن تقتضيه المحافظة على الأمن العام درءاً لأيّ إخلال أمني. والثانية لوجود إرتياب مشروع تثيره وقائع الحال، فتحوم الشبهة حول نزاهة المحكمة أو المحقق(1).
ولقد أعطت المادة 340 من قانون أ م ج النائب العام التمييزي حق طلب نقل الدعوى من محكمة الى أخرى إما عفواً أو بناءً على طلب النائب العام الإستئنافي أو النائب العام المالي أو المدعي الشخصي أو المدعى عليه أو وزير العدل للأسباب التالية:
- إذا تعذر تشكيل هيئة قضائية مختصّة أصلاً للتحقيق أو الحكم في دعوى معيّنة.
- إذا توقّف سير التحقيق أو المحاكمة لأي سبب كان.
- إذا كان ثمّة خطر على السلامة العامة أو على حسن سير العدالة فيما إذا بقيت الدعوى عند مرجعها الأصيل.
- لسبب الارتياب المشروع حول نزاهة القاضي الناظر بالدعوى.
كما أعطته الفقرة الثانية من المادة 340 وحده حق طلب نقل الدعوى لسبب المحافظة على السلامة العامة.
ت- الإدّعاء بالجرائم المحالة الى المجلس العدلي:
أعطي النائب العام التمييزي وحده حق الإدّعاء بهذه الجرائم أمام المجلس العدلي، بمعنى آخر، لا يحق لأيّ نائب عام آخر القيام بذلك فهذه صلاحية إستثنائية تعود للنائب العام التمييزي دون معاونيه.
وبالتالي إن قاعدة وحدة النيابة العامة تجد لها إستثناءات منها ما أعطي للنائب العام التمييزي وحده دون غيره، أضف الى ذلك أن نص المادة 17 فقرة (ت) لم يأتِ على ذكر معاوني النائب العام كما هو الأمر في نصوصٍ أخرى، إذ نجد أن المادة 357 أ م ج في فقرتها الأخيرة قد أجازت تمثيل النيابة العامة أثناء المحاكمة لدى المجلس العدلي بواسطة النائب العام التمييزي أو من ينوب عنه من معاونيه.
خلاصة القول أن المشرع اللبناني حصر حق الإدّعاء بالجرائم المحالة الى المجلس العدلي بالنائب العام التمييزي وحده دون غيره بينما أجاز تمثيل النيابة العامة لدى المجلس العدلي بكل من النائب العام التمييزي أو من ينوب عنه من معاونيه.
ث- الإدّعاء بالجرائم التي يرتكبها القضاة سواء أكانت ناشئة عن الوظيفة أم خارجة عنها:
إنّ ما قيل في الفقرة السابقة لجهة حصر بعض الصلاحيات بالنائب العام التمييزي وحده دون غيره يمكن تطبيقه هنا أيضاً خاصةً وأنه لا يوجد نص يعطي هذه الصلاحية لمعاوني النائب العام. أكثر من ذلك إن حصر هذه الصلاحية بالنائب العام التمييزي يأتي ضمن مفهوم تعزيز سلطته في الرقابة والإشراف على جميع القضاة سنداً للمادة 344 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
ج- تمثيل النيابة العامة لدى محكمة التمييز والمجلس العدلي:
لقد أعطى القانون النائب العام الحق بأن يحضر شخصيّاً أو أن يكلِّف أحد المحامين العامين بتمثيله أمام محكمة التمييز والمجلس العدلي. وهذا الأمر بديهي جدّاً كون النائب العام هو رأس النيابة العامة كما ورد معنا سابقاً.
1- المحامي الياس أبو عيد: المرجع السابق – الجزء الثاني – ص 41.
ح- إعداد ملفات إسترداد المجرمين وإحالتها على وزير العدل مشفوعة بتقاريره:
نصت المادة 35 من قانون العقوبات اللبناني(1) على ما يلي: "يحال طلب الإسترداد على النائب العام التمييزي الذي يتولى التحقيق حول توفر أو عدم توفر الشروط القانونية وفي مدى ثبوت التهمة، ويمكنه أن يصدر مذكرة توقيف بحق الشخص المطلوب إسترداده بعد إستجوابه، ثمّ يحيل الملف الى وزير العدل مشفوعاً بتقريره. يُبت بطلب الإسترداد بمرسوم يُتّخذ بناءً على إقتراح وزير العدل".
وهكذا يبدو لنا بأن طلب الإسترداد يمرّ بمرحلتين:
المرحلة الأولى وهي مرحلة قضائية يتولاّها النائب العام التمييزي الذي يقوم بالتأكّد من توافر الشروط الشكلية والموضوعية(2) في طلب الاسترداد ومطابقتها لأحكام المعاهدة الدولية إن وُجدت أو القانون الداخلي.
والمرحلة الثانية وهي مرحلة سياسية بحيث أن طلب الإسترداد يُبت بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على إقتراح وزير العدل.
إنّ ما ورد أعلاه قد تكرّس بصورة صريحة في نصّ المادة 17 فقرة (ح) من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي أدخلت ضمن الأعمال التي يتولاّها النائب العام التمييزي مسألة إعداد ملفات إسترداد المجرمين وإحالتها الى وزير العدل مشفوعة بتقاريره. ومن البديهي القول بأن طلب الإسترداد يقدم الى وزارة الخارجية التي تحيله بدورها الى وزارة العدل التي تقوم بتسليمه الى النائب العام التمييزي الذي يتولى التحقيق بالجرائم المنسوبة للمطلوب إسترداده وينهي المرحلة القضائية بوضع التقرير الذي يراه مناسباً.
خ- وضع تقرير مفصل يرفق بملف المحكوم بالإعدام عند إحالته على لجنة العفو الخاص:
نصت المادة 393 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه:"عند إنبرام حكم بالإعدام يحيل وزير العدل ملف الدعوى مشفوعاً بتقرير النائب العام التمييزي على مجلس القضاء الأعلى الذي يبدي رأيه في إنفاذ العقوبة أو إبدالها بغيرها في خلال عشرة أيام على الأكثر". وهذا يعني أنه يعود للنائب العام التمييزي حق إبداء الرأي في طلب العفو الخاص عن طريق التقرير المفصل المكلّف إرفاقه بملف المحكوم عليه بالإعدام سنداً للمادة 17 فقرة (خ) أ م ج.
د- سائر المهام والصلاحيات الوارد ذكرها في هذا القانون وفي غيره:
يفهم من ذلك أنه يعود للنائب العام التمييزي أن يقوم بالإضافة إلى الأعمال الوارد ذكرها أعلاه بأعمال موجودة في مواقع متفرقة من قانون أصول المحاكمات الجزائية وفي قوانين أخرى كقانون أصول المحاكمات المدنية.
فالمادة 327 أ.م.ج أوردت أنه للنائب العام التمييزي أن يتقدم عفواً أو بناءً على طلب وزير العدل، بطلب نقض حكم صادر عن محكمة الجنايات أو محكمة الإستئناف نفعاً للقانون، إذا لم يطعن به أحد الفرقاء في الدعوى وانقضت مهلة الطعن مما جعله مبرماً، فهذا مثل ويمكن تكرار الأمثلة.
1- كما عُدِّلت بالمادة 4 من المرسوم الإشتراعي رقم 112/1983 تاريخ 16/09/1983.
2- راجع المواد 15=> 21 من قانون العقوبات اللبناني.
كما أن المادة 707 أ.م.م أجازت للنيابة العامة التمييزية أن تطعن بطريق النقض لمنفعة القانون عفواً أو بناءً على طلب وزير العدل في أي قرار قابل للنقض لم يطلب أحد الخضوم نقضه في المهلة القانونية أو تنازل الخصوم عن طلب نقضه، عندما يكون القرار مبنيّاً على مخالفة القانون أو على خطأ في تطبيقه أو تفسيره، وهذا أيضاً مثل ويمكن تكرار الأمثلة....
فقرة ثانية: النيابة العامة المالية:
تعود فكرة إنشاء نيابة عامة مالية متخصّصة إلى المرسوم الإشتراعي رقم 150/1983 المتعلق بتنظيم القضاء العدلي إذ نصت المادة 31 منه في فقرتها الثانية على أن:" تنشأ لدى النيابة العامة لمحكمة التمييز وتحدد مهامها وصلاحياتها بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير العدل".
وبالفعل فقد صدر المرسوم رقم 1937 تاريخ 16/11/1991 الذي حدّد تشكيل النيابة العامة المالية وصلاحياتها. وفي 25/1/1993 صدر المرسوم رقم 3094 الذي عدّل بعض أحكام المرسوم 1937/1991.
وحديثاً أفرد المشرّع اللبناني باباً خاصاً للنيابة العامة المالية وذلك في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد رقم 328/2001.
فالمادة 18 منه حدّدت كيفية تعيين النائب العام المالي إذ نصت على أنه:" يجري تعيين النائب العام المالي بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على إقتراح وزير العدل. يتمتع النائب العام المالي، في حدود المهام المحددة له في هذا القانون، بالصلاحيات العائدة للنائب العام التمييزي".
كما أنّ المادة 19 من القانون ذاته حدّدت الجرائم التي تدخل ضمن صلاحيات النائب العام المالي فنصّت على أنه:" يتولى النائب العام المالي مهام الملاحقة في الجرائم الآتية:
أ- الجرائم الناشئة عن مخالفة أحكام قوانين الضرائب والرسوم في مختلف المرافق والمؤسسات العامة والبلديات بما فيها الضرائب الأميرية والبلدية والرسوم الجمركية ورسوم المخابرات السلكية واللاسلكية.
ب- الجرائم الناشئة عن مخالفة القوانين المصرفية والمؤسسات المالية والبورصة ولا سيّما المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف.
ت- الجرائم الناشئة عن مخالفة قوانين الشركات المساهمة وجرائم الشركات المتعددة الجنسية.
ث- الجرائم التي تنال من مكانة الدولة المالية أو السندات المصرفية اللبنانية أو الأجنبية المتداولة شرعاً أو عرفاً في لبنان وجرائم تقليد وتزييف وترويج العملة والأسناد العامة والطوابع وأوراق الدمغة.
ج- جرائم إختلاس الأموال العمومية.
ح- جرائم الإفلاس".
أضف إلى ذلك أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد قد أعطى النائب العام المالي حق ممارسة جميع صلاحياته القانونية تحت إشراف النائب العام التمييزي، وذلك وفقاً للأصول والقواعد التي يطبقها النائب العام الإستئنافي.
تجدر الإشارة الى أن صلاحيات النائب العام المالي تشمل جميع الأراضي اللبنانية، وبالتالي يعود له أن يطلب، بواسطة النائب العام التمييزي، من النائب العام الإستئنافي في كل المحافظات تحريك دعوى الحق العام أمام قضاة التحقيق أو الإدّعاء مباشرة أمام المحاكم المختصة (المادة 21 أصول محاكمات جزائية).
وفيما يتعلق بالجرائم المصرفية الناجمة عن مخالفة قانون النقد والتسليف فإن الملاحقة بشأنها لا تتم إلاّ بناءً على طلب خطي من حاكم المصرف المركزي، أما الجرائم المتعلقة بالمخالفات الجمركية فلا تجري الملاحقة بشأنها إلاّ بناءً على طلب خطي من مدير عام الجمارك.
وفي الحالات التي يحق فيها للإدارة المختصة أن تجري مصالحة مع المدعى عليه تسقط دعوى الحق العام إذا جرت المصالحة قبل صدور الحكم. أما إذا جرت المصالحة قبل صدور الحكم فيتوقف تنفيذ العقوبة فقط ما لم يرد نص قانوني مخالف (المادة 20 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
ويمكن للنائب العام المالي أن يستعين بالخبراء الأخصّائيين في الشؤون المصرفية والضريبية والمالية للإستقصاء عن الجرائم المالية لدى المصارف وفي الشركات المساهمة. كما يمكن للمدعي العام التمييزي، تلقائيّاً أو بناءً على طلب النائب العام المالي، أن يطلب بواسطة وزير العدل الى رئاسة مجلس الوزراء تكليف هيئة التفتيش المركزي إجراء أي تحقيق في القضايا المالية المناط به أمر النظر فيها مع مراعاة قوانين السرية المصرفية والمهنية (المادة 22 أصول محاكمات جزائية).
يبقى أن نقول بأنه تتولى النيابة العامة مسك سجل عدلي خاص يتعلّق بجميع الشركات المساهمة وتدوَّن فيه كل الأحكام الجزائية الصادرة في حقّها. وعلى رؤساء الأقلام لدى المحاكم المختصة إبلاغ النيابة العامة المالية عن كل حكم جزائي صدر في حق الشركة بغية تدوينه، في السجل العدلي الخاص بالشركات، في خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره (المادة 23 أصول محاكمات جزائية).
ونحن نرى بأن إستحداث النيابة العامة المالية وفقاً لما بينّاه آنفاً هو من الإجراءات الكفيلة بسد الهدر اللاحق بالأموال العامة في الدولة اللبنانية ومن شأنه تعزيز نمو الإقتصاد القومي إذا ما أتيح لهذا الجهاز العمل بشكل حيادي ومستقل لمكافحة الجرائم المالية المستفحلة في إقتصادنا وداخل مؤسساتنا العامة(1).
فقرة ثالثة: مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية:
لقد عالج قانون القضاء العسكري رقم 24 تاريخ 13/04/1968 مسألة تمثيل النيابة العامة أمام المحاكم العسكرية الدائمة أو المؤقتة. فنصّت المادة 11 من هذا القانون التي تمّ تعديلها بموجب المرسوم رقم 1460/71 على أنه: "يقوم بوظيفة مفوّض الحكومة لدى محكمة التمييز العسكرية المدعي العام التمييزي أو من ينتدبه من معاونيه لهذه الغاية وله جميع الصلاحيات المعطاة لمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. يقوم بوظيفة مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أحد القضاة من الدرجة الحادية عشرة وما فوق يعاونه قاضٍ أو عدة قضاة أو ضبّاط أو عدة ضبّاط من المجازين في الحقوق على أن لا تقلّ رتبته عن رتبة نقيب فما فوق ينتدب العسكريين منهم وزير الدفاع الوطني لهذه الغاية وفقاً لأحكام المادة 14. يكون مركز مفوضية الحكومة لدى المحاكم العسكرية في مراكز هذه المحاكم. يخضع مفوضو الحكومة لدى المحاكم العسكرية ومعاونوهم لسلطة النائب العام لدى محكمة التمييز ومراقبته".
ويمارس مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومعاونوه وظائف النائب العام الإستثنائي، وهم مكلفون بملاحقة جميع الجرائم التي هي من صلاحية القضاء العسكري وفقاً للأصول المبينة في قانون القضاء العسكري رقم 24/68 وفي القوانين العادية.
1- راجع بهذا الشأن قرار محكمة الجنايات في بيروت الصادر بتاريخ 05/04/2004 وقرار محكمة التمييز الجزائية بتاريخ 07/06/2004 (هذه القرارات منشورة في كتابنا بعنوان"المنهجية في علم القانون" – دار المواسم – بيروت 2007 – ص 227 وما يليها.
وفيما يتعلّق بالصلاحيات الممنوحة لمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية فهي كثيرة، لذلك نكتفي هنا بسرد أهمها: + عند وقوع خلاف سلبي أو إيجابي على الصلاحية بين مرجعين قضائيين عسكريين فلمفوض الحكومة أن يطلب من محكمة التمييز العسكرية بهيئتها الجنحية أمر تعيين المرجع الصالح. أما إذا كان الخلاف واقعاً بين محكمة عسكرية ومحكمة عدلية، تعين محكمة التمييز العدلية المرجع الصالح بناءً لطلب النائب العام التمييزي (المادة 26 من قانون القضاء العسكري).
+ يحق لمفوض الحكومة أن يطلب بقرار معلل الى القاضي المنفرد العسكري، رفع يده عن الدعوى ليحيلها الى قاضٍ منفرد آخر أو الى المحكمة العسكرية وذلك فقط في الجنحة التي لا تتعدّى عقوبتها الغرامة أو السجن حتى سنة أو إحدى هاتين العقوبتين (المادة 31 من قانون القضاء العسكري).
+ يحق لمفوض الحكومة أن يحرّك الدعوى العامة، بناءً على شكوى المتضرر في الحالات التي تتوقف فيها إقامة الدعوى العامة على إتّخاذ الشاكي صفة الإدّعاء الشخصي (المادة 35 من قانون القضاء العسكري).
+ في حالة الجرم المشهود يحق لمفوض الحكومة أن يضع يده على الدعوى العامة مباشرةً أيّاً كان الفاعلون أو المعتدى عليهم باستثناء رجال الجيش ويلاحقهم ويحيلهم على القضاء المختص دون الإستحصال على إذن سابق أو لاحق بالملاحقة (المادة 37 من قانون القضاء العسكري).
+ يتلقى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الشكاوى والإخبارات المتعلقة بالجرائم التي هي من صلاحيات القضاء العسكري ما لم تكن متعلقة بجرائم واقعة من أحد أفراد الجيش على أحد رجاله أو بجرائم تتعلق بأحد أفراد الجيش دون أن يكون لأحد المدنيين علاقة بها أو بجرائم تتعلق بأحد أفراد الجيش والتي نصّ عليها في الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون العقوبات العسكري.
في هذه الحالات الأربعة، ترفع الأوراق مباشرة الى قيادة الجيش العليا التي تقرر الملاحقة، فإذا قررتها ترسل الأوراق الى مفوض الحكومة لإجراء المقتضى. وفيما يتعلق بالجرائم التي هي من إختصاص القضاء العسكري والمقترفة من قبل رجال قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام يلاحق مفوض الحكومة رجال هذه القوى بعد إستطلاع رأي المدير العام لقوى الأمن الداخلي أو المدير العام للأمن العام.
إذا لم يوافق أحدهما فيما خصّه يعرض مفوض الحكومة الأمر على النائب العام التمييزي للبت بتقرير الملاحقة أو عدمها (المادة 36 من قانون القضاء العسكري).
+ يشرف مفوض الحكومة على دوائر القضاة المنفردين العسكريين ويفتشها (المادة 38 من قانون القضاء العسكري).
+ يبدي مفوض الحكومة رأيه في طلبات إخلاء السبيل ويستأنف القرارات الصادرة بهذا الخصوص (المادة 72 من قانون القضاء العسكري).
+ يطلب مفوض الحكومة نقض الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية في المواد المتعلقة بالصلاحية أو بإهمال إحدى المعاملات الجوهرية المنصوص على عدم مراعاتها تحت طائلة البطلان أو لحصول خطأ في تطبيق القانون (المادة 75 من قانون القضاء العسكري).
+ لمفوض الحكومة لدى محكمة التمييز، إما عفوياً أو بناءً على أمر وزير الدفاع الوطني، أن يستدعي لمنفعة القانون نقض جميع الأحكام المخالفة للقانون إذا كانت قابلة للنقض ولم يتقدم أحد بطلب نقضها ضمن المهلة القانونية (المادة 76 والمادة 79 من قانون القضاء العسكري).
فقرة رابعة: النيابة العامة الإستئنافية:
لا بُدّ من التذكير بأن مهمة النائب العام (التمييزي أو الإسئنافي) تكمن في إتّخاذ جميع التدابير الإدارية والقضائية لمكافحة الجرائم وبهذا الشأن يتمتع بصلاحيات واسعة في الحقل الجزائي أكثر من الحقل المدني.
وبهذا الإتّجاه نقرأ في الفقه الفرنسي ما يلي:
‘’Le Ministère public a pour fonction principale de rechercher et de poursuivre les autres des délits, c’est-à-dire de jouer le rôle d’accusateur dans le procès pénal…
Il suit l’affaire pénale debout, dirigeant les activités de la police judiciaire à la recherche des infractions, mettant en mouvement et exerçant l’action publique, influant par ses réquisitions écrites et orales, sur la décision des juridictions aux débats desquelles il assiste…’’(1).
وفيما يتعلق بالنيابة العامة الإسئنافية فإننا نلاحظ أن القانون(2) قد أوجب أن يكون في كل محافظة من المحافظات اللبنانية، نائب عام لدى محكمة الإستئناف، يعاونه محامٍ عام أو أكثر(3). وبالتالي يرأس النائب العام الإستئنافي في دائرته ويوزّع الأعمال الداخلية في إختصاصه على المحامين العامين الذين يعاونونه(4).
وتعتبر النيابة العامة الإستئنافية ذات أهمية كبيرة من حيث الأعمال المتعدّدة التي تقوم بها وتمارسها في تحريك ورفع الدعوى العامة، وهي تتولى ذلك سواء أمام قاضي التحقيق أو الهيئة الإتّهامية أو أمام القاضي المنفرد الجزائي أو أمام محكمة الإستئناف أو محكمة الجنايات.
كما وتتمثّل النيابة العامة الإستئنافية أمام جميع المحاكم العادية والإستثنائية وحضورها ضروري لصحة تشكيل المحكمة ويترتب على تخلّفها البطلان. هذا مع لفت الإنتباه الى أن النيابة العامة الإستئنافية لا تمثُل أمام القاضي المنفرد الجزائي.
وفي الواقع لقد ميَّز قانون أصول المحاكمات الجزائية بين نوعين من المهام التي تقوم بها النيابة العامة الإستئنافية: مهام عادية وهي الإجراءات التي تقوم بها خارج نطاق الجريمة المشهودة، ومهام إستثنائية وهي الصلاحيات المنوطة بها والإجراءات المتَّبعة منها في حالة الجريمة المشهودة.
البند الأول: صلاحياتها خارج الجريمة المشهودة:
العودة الى أحكام المادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد نلاحظ أنها حدّدت المهام العامة التي يعود لكل من النائب العام الإستئنافي أو أحد معاونيه أن يقوم بها والتي سنوردها تباعاً بشيء من التفصيل:
1- Michèle – Laure Rassat: ‘’Le Ministère public entre son passé et son avenir’’ – Paris – 1987 – p.2 et suiv.
2- راجع قانون التنظيم القضائي الصادر في 10/05/1950 والمرسوم رقم 7855 تاريخ 16/03/1961 وقانون أصول المحاكمات الجزائية القديم الصادر عام 1948 وقانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الصادر عام 2001.
3- سنداً لأحكام المادة 11/فقرة 3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
4- سنداً للمادة 12 من نفس القانون.
أ- إستقصاء الجرائم التي هي من نوع الجنحة أو الجناية وملاحقة المسهمين في إرتكابها:
لها أن تطلب مباشرةً معاونة القوى الأمنية عند إجراء مهامها. وعليها عند عملها بوقوع جريمة خطرة، أن تخبر فوراً النائب العام لدى محكمة التمييز وأن تنفّذ تعليماته (المادة 24/فقرة أولى من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد). وهذا أمر بديهي بإعتبار أن الضابطة العدلية كما سنرى لاحقاً تعمل تحت إشراف النيابة العامة الإستئنافية في كل محافظة من المحافظات اللبنانية وأنها تعتبر من مساعديها في إستقصاء الجرائم وتعقب مرتكبيها. كما أن النيابة العامة الإستئنافية تخضع لسلطة وإشراف النائب العام التمييزي وبالتالي يتوجّب عليها إعلامه بوقوع الجرائم الخطيرة(1) والتقيّد بتوجيهاته وتعليماته عملاً بمبدأي السلطة التسلسلية والتبعية القانونية الذين يعتبران من خصائص النيابة العامة الجوهرية. والمعلومات التي تستقيها النيابة العامة الإستئنافية من تقارير الضابطة العدلية، والتي يُستَشَفْ منها حصول جريمة جزائية، غير مقيّدة بأيّ شرط شكلي. وقد قُضيَ(2) بهذا المعنى:
‘’Les renseignements fournis, notamment dans un rapport de police, au procureur de la République, faisant présumer l’existence d’une infraction, ne sont astreints à aucune condition de forme’’.
وهكذا فإن التحقيقات التي تجريها الضابطة العدلية، كذلك التقارير والإخبارات التي تنظمها، لها الطابع التمهيدي الرامي الى جمع الأدلة. فتدقق فيها النيابة العامة الإستئنافية، وتقرر في ضوئها، إمّا الملاحقة وإمّا حفظ الأوراق. يبقى أن نقول بأن إستقصاء الجرائم يطال فقط الجنح والجنايات دون المخالفات لأن هذه الأخيرة قد أناط القانون تحريك دعوى الحق العام بشأنها بأشخاص غير النيابة العامة كحاكم مصرف لبنان في المخالفات المصرفية ومدير عام الجمارك في المخالفات الجمركية...
ب- تحريك دعوى الحق العام ومتابعتها:
من المبادئ التي يرتكز عليها موضوع تحريك ومتابعة الدعوى العامة هي كون النيابة العامة تمثّل حق المجتمع في العقاب، أي أن سلاح الملاحقة المعطى للنيابة العامة ذو حدَّين: فهو من جهة يهدف الى ملاحقة المجرم ومن جهة أخرى يعمل على إظهار براءته إذا اقتضى الأمر، وهذا ما يعرف بإلتزام النيابة العامة الموضوعي والمتجرّد.
وبهذا المعنى عبّر الفقيه الفرنسي Jean Patarin عن مبدأ حياديّة النيابة العامة عندما قال:
‘’Le Ministère public devra non seulement rapporter la preuve de l’existence de l’infraction et de la culpalibilité mais il devra réunir encore tous les éléments de preuves favorables à l’innocence du prévenu ou de l’accusé. Cette obligation est d’autant plus compréhensible que le ministère public n’est pas un demandeur ordinaire: il est le représentant de la société, laquelle veille autant à la protection de l’innocent qu’au châtiment du coupable’’(3).
1- يقصد بالجرائم الخطيرة تلك الواقعة على أمن الدولة الداخلي والخارجي – راجع المواد 270 حتى 450 من قانون العقوبات.
2- Cass. Crim. 28 janvier 1992. Gazette de palais – 1992-1-365.
3- Jean Patarin: ‘’La théorie des preuves en droit pénal’’ – In quelques aspets de l’autonomie de droit pénal – 1956 – page 22 – n=10
وهكذا فإنه يتوجب على النيابة العامة بيان كامل الحقيقة بوصفها ممثلة للمجتمع وإن كانت هذه الحقيقة تصب في مصلحة المدعى عليه أو المتهم وبالتالي فالنيابة العامة ليست مدعي عادي إنما تمثّل الإدّعاء برمته الذي يهدف الى إظهار البراءة من جهة ومعاقبة الجاني من جهة أخرى عملاً بقرينة البراءة التي بني عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
ث- تمثيل النيابة العامة لدى محاكم الإستئناف والجنايات وتنفيذ الأحكام الصادرة عنها:
لقد أعطى القانون النيابة العامة صلاحية تمثيل المجتمع أمام محاكم الدرجة الثانية وذلك بهدف تقديم وتوضيح عناصر الدعوى وإقامة الأدلة عليها وبالتالي فللنيابة العامة كسلطة إدّعاء حقوقاً معيّنة في الجلسة كتقديم دفاعها وإبداء ملاحظاتها وبيان أدلّتها.
وبالإضافة الى تمثيل النيابة العامة لدى المحاكم الجزائية، عليها أن تنفّذ الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم ما عدا أحكام القاضي المنفرد الجزائي وأحكام محاكم الأحداث التي تنفّذها المحكمة التي أصدرتها.
وقد قُضِي في فرنسا أنه من واجب النيابة العامة أن تتمثّل لدى المحاكم الجزائية أي محكمة الإستئناف ومحكمة الجنايات أثناء الجلسات كما أثناء جلسة إعلان وتفهيم الحكم. وعلى المحكمة أن تُثبت حضور ممثل النيابة العامة في متن قرارها، تحت طائلة البطلان.
‘’La présence du ministère public s’impose, à peine de nullité, lors du prononcé de la décision’’(1).
كما قُضِي أيضاً بأن حضور ممثل النيابة العامة واجب حتى ولو كانت محكمة الأساس لا تنظر إلاّ في الدعوى المدنية.
« jugé qu’il faut que l’arrêt fasse mention de la « présence » de ministère public aux débats même lorsqu’il y a à se prononcer uniquement sur l’action civile » (2).
يبقى أن نقول بأنه لا يجوز للنيابة العامة أن تمتنع عن تنفيذ الحكم أو أن تعفي المحكوم عليه منه، إذ أن هذا الحكم صدر لمصلحة المجتمع وليس لمصلحة النيابة العامة الخاصة، لذلك إن واجبها في تنفيذ الأحكام الصادرة عن محاكم الإستئناف والجنايات هو واجب إلزامي لأن القانون قد نصّ عليه بصيغة الأمر(3).
ج- إصدار بلاغ بحث وتحرٍّ:
في حال عدم العثور على الشخص المشكو منه أو المشتبه فيه أو جهل محل إقامته، يصدر النائب العام بلاغ بحث وتحر، عند تنفيذ بلاغ البحث والتحري يتوجب الإتصال فوراً بالنيابة العامة التي أصدرته. يسقط بلاغ البحث والتحري حكماً بعد مرور عشرة أيام على تاريخ صدوره إلاّ إذا قرر النائب العام تمديده لمهلة ثلاثين يوماً يسقط بعدها حكماً.
1- Cass.crim. 18 janvier 1995 – Bull. Crim. 1995 – n=27.
2- Cass. Crim. 22 juillet 1987, Bull. Crim-1987, n=299.
3- المحامي الياس أبو عيد:" أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق الجزء الثاني- ص. 111 و 112.
إن من الأمور التي تسترعي الإنتباه في لبنان هي بلاغات البحث والتحري لما لها من صلة وثيقة بحريات الإنسان الأساسية، أعني حريته الشخصية التي كلفها الدستور اللبناني في المادة الثامنة منه، والمشرع اللبناني لم يعرِّف ماهية بلاغ البحث والتحري ولم ينظمه في نصوص خاصة أو عامة، لذلك جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم الصادر بتاريخ 18/9/1948 خالياً من الإشارة لهذا الموضوع، ولكن كنا نجد أن هذا الإجراء يعمل به فقط من الناحية العملية، وذلك بالإستناد إلى تعميم صادر عن النائب العام التمييزي الراحل ميشال طعمة وكان المقصود منه منع شخص معين يحتمل تورطه في جريمة ما من التهرب أو التفلت من العدالة. ولكن لم يكن لهذا الإجراء أو التدبير مفعول ينتهي بإنتهائه حتى أضحى سيفاً مسلّطاً على رؤوس العباد لما فيه من مساسٍ بكرامة الإنسان ومن تعرض لحريته الشخصية.
ولقد لاحظنا من خلال دراستنا لمدى شرعية هذه التدابير أو الإجراءات في الواقع القضائي اللبناني أنها كانت إجراءات سرمدية بحق الأشخاص خاصة وأنها كانت تعمَّم على جميع الأجهزة الأمنية العاملة على الساحة اللبنانية، إلى أن جاء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الصادر بتاريخ 7/8/2001 والذي خصَّ في المادة 24 منه النيابة العامة الإستئنافية بمهمة إصدار بلاغ بحث وتحرٍّ في حال عدم العثور على الشخص المشكو منه أو المشتبه فيه أو في حال جهل محل إقامته.
وهكذا يكون المشرِّع اللبناني قد أحسن ما فعل بهذا التدخل رغم تأخره، ونكون أمام نص قانوني صريح يحدد هذا الإجراء وينظم أحكامه بصورة واضحة لا تحتمل التأويل، وبشكل يصون فيه كرامة الناس وحرياتهم الشخصية(1).
من المفيد التذكير أن إجراءات البحث والتحري عن الجريمة وفاعلها والمساهمين فيها تعتبر من الإجراءات الإستدلالية التي يقصد بها الكشف عن هوية الشخص المشكو منه أو المشتبه به، يقوم بها رجال الضابطة العدلية بناءً على تكليف صادر عن النيابة العامة. وهذه التحريات من شأنها أن تقود إلى كشف الملابسات والظروف المحيطة بالجاني والجريمة، إذ أن الإهمال في إجراء هذه التحريات قد يؤدي إلى جهالة الفاعل والمساهمين، وبالتالي هروبهم من وجه العدالة.
ويجب على رجال الضابطة العدلية القيام بمهمتهم التنفيذية لبلاغ البحث والتحري ضمن القواعد السلوكية، بكل موضوعية، تفادياً للمسّ بالحرية الشخصية للأفراد(2).
ويتعين على النيابة العامة الإستئنافية أن تلفت نظر منفذ بلاغها، لا بل أن تلزمه بإعتماد الموضوعية، التي تلزم نفسها بها، في مجال تنفيذه لمهمته(3).
يبقى أن نضيف بأنه إذا تعذر تنفيذ بلاغ البحث والتحري ضمن مهلة عشرة أيام من تاريخ صدوره، يسقط حكماً ما لم تقرر النيابة العامة تمديده لمدة ثلاثين يوماً. وبعد مرور هذه المهلة يسقط بلاغ البحث والتحري حكماً ولا يمكن تمديده مرة ثانية وهذا ما هو واضح من نص المادة 24 أصول جزائية جديد.
1- د. وسام غياض:" محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق ص 150 وما يليها.
2- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية"- الجزء الثاني- مرجع سابق- ص 112.
3- د. محمود نجيب حسني: "شرح قانون الإجراءات الجنائية"- الطبعة الثانية- القاهرة- 1988- ص 77.
ونحن نميل إلى الرأي الفقهي(1) الذي يعتبر أن مجمل مدة بلاغ البحث والتحري هي ثلاثين يومياً بمعنى أن المدة الأولى(10 أيام) تحتسب من المدة الإجمالية. ولا بدّ من التذكير بأن النص على بلاغ البحث والتحري قد ورد ضمن صلاحيات النائب العام الإستئنافي ولكن عملياً يمكن للنائب العام المالي ولمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية أن يصدرا هكذا بلاغ ولو لم يرد نص صريح وهذا هو الواقع القضائي اللبناني. ومن البديهي القول بأن للنائب العام التمييزي أن يصدر بلاغات بحث وتحرٍّ بإعتباره رأس الهرم الإداري في النيابات العامة.
ح- إسقاط الأحكام الجزائية أو منع أو تعليق تنفيذها وفقاً لأحكام المادة 147 من قانون العقوبات:
هذا يعني أنه يعود للنيابة العامة الإستئنافية حق إسقاط الأحكام الجزائية أو منع أو تعليق تنفيذها سنداً لأحكام المادة 147 من قانون العقوبات في الحالات التالية: وفاة المحكوم عليه- العفو العام- العفو الخاص- وقف التنفيذ- مرور الزمن. ويخرج عن صلاحيته حق إسقاط الأحكام الجزائية في حالة إعادة الإعتبار لأن هذا الأمر يدخل ضمن صلاحية الهيئة الإتهامية وفقاً لأحكام المواد 144 و 145 و 146 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
كما يدخل ضمن صلاحية النيابة العامة الإستئنافية منع أو تعليق تنفيذ العقوبة ولتوضيح ذلك نورد الأمثلة التالية: عند وفاة المحكوم عليه تسقط بحقه العقوبات الأصلية والإضافية والفرعية وبالتالي يمنع تنفيذ أو تحصيل الغرامة الجزائية من تركة المحكوم عليه المتوفي لأن هذه العقوبة هي لصيقة بشخصه. وكذلك الأمر قد يصدر حكم قضائي وينفذ جزئياً، ومن ثم يظهر للمحكمة فيما بعد أن المحكوم عليه قد أصبح حسن السلوك والسيرة، فتقضي عندها بتعليق تنفيذ الجزء المتبقي من العقوبة....
يبقى أن نقول بأن الأسباب التي تسقط الأحكام الجزائية أو تمنع تنفيذها أو تعلقه لا مفعول لها على الإلزامات المدنية التي تبقى خاضعة لأحكام قانون الموجبات والعقود. وهذا ما نصت عليه المادة 148 من قانون العقوبات.
خ- سائر المهام الموكولة إليه في هذا القانون وفي القوانين الأخرى:
للمحامي العام لدى محكمة الإستئناف أن يقوم بمهام النائب العام الإستئنافي المحددة في هذا القانون. يفهم من ذلك أنه بالإضافة إلى إستقصاء الجرائم وتعقبها وملاحقة المسهمين في إرتكابها، فإن النيابة العامة تقوم بجميع المهام المعطاة لها بموجب القوانين المرعية الإجراء كتلقي الإخبارات ممن علم بالجريمة أو سمع بها، وكذلك تلقي الشكاوى من المتضرر من الجريمة أو من وكيله، وأيضاً تلقي التقارير التي ترده من السلطات الرسمية أو من موظف علم بوقوع الجريمة أثناء قيامه بوظيفته أو في معرضها أو بمناسبتها.
لا يدخل ضمن صلاحيات النائب العام الإستئنافي الإدعاء مباشرة أمام القاضي المنفرد الجزائي إذا كانت القضية لا تتطلب توسعاً بالتحقيق، والقيام بالتحقيق الفوري في الجرائم المشهودة وقبل وصول قاضي التحقيق، كما أنه يتولى تعيين الأطباء الشرعيين وندب الخبراء الفنيين عند الحاجة.
أضف إلى ذلك أنه يعود للنيابة العامة الإستئنافية إستئناف قرارات قاضي التحقيق والقاضي المنفرد، وتمييز القرارات الصادرة عن الهيئة الإتهامية ومحكمة الجنايات، وإبداء المطالعات الفرعية والمطالعات الخطية بالأساس والمطالعات الشفهية...
وللنيابة العامة الإستئنافية حق إصدار قرار بحفظ الملف أو الشكوى “Classement sans suite”.
1- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق- ص 116.
وذلك عندما يتبين لها أن الفعل لا يؤلف جرماً جزائياً أو لا دليل عليه، مهما كان نوع الجريمة. لكن هذا القرار لا يعتبر قراراً قضائياً وإنما هو قرار إداري مؤقت بحيث لا يجوز إستئنافه. ويحق للنائب العام الإستئنافي أن يرجع عنه في أي وقت وهذا ما افتت به الهيئة الإتهامية في بيروت منذ عام 2002(1).
تجدر الإشارة إلى أن المحامي العام لدى محكمة الإستئناف الذي يعاون النائب العام الإستئنافي يتمتع بحكم القانون
du plein droit بجميع حقوق ومهام النائب العام الإستئنافي وذلك سنداً لمبدأ عدم تجزئة النيابة العامة أي وحدتها. وهكذا فلا تمييز بين ما يقوم بها النائب العام الإستئنافي شخصياً وما يقوم بها المحامون العامون لهذه الجهة عملاً بالقاعدة الكلية: "لا تمييز حيث لا يميز المشرع" أي:
“Il est défendu de distinguer là où la loi ne distingue pas”
وقد قضي في هذا المجال:
“En raison du principe de l’indivisibilité du ministère public, tout substitut du procureur de la République puisse dans sa seule qualité, en dehors de toute délégation de pouvoirs, le droit d’accomplir tous les actes rentrants dans l’exercice de l’action publique»(2).
البند الثاني: صلاحياتها في الجريمة المشهودة:
لا يمكن الحديث عن صلاحيات ومهام النيابة العامة الإستئنافية في الجريمة المشهودة قبل تعريف هذه الأخيرة أي الجريمة المشهودة وتحديد صورها وحالاتها، وبالعودة الى قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد نلاحظ أنه أفرد فصلاً خاصاً لهذا الموضوع هو الفصل الثاني من الباب الثالث تحت عنوان: "إجراءات النيابة العامة في الجريمة المشهودة"(3). ولقد نصّت المادة 29 منه على أنه:
"تعد الجريمة مشهودة:
أ- الجريمة التي تشاهد عند وقوعها.
ب- الجريمة التي يقبض على فاعلها أثناء أو فور إرتكابها.
ت- الجريمة التي يلاحق فيها المشتبه فيه بناءً على صراخ الناس.
ث- الجريمة التي يتم إكتشافها فور الإنتهاء من إرتكابها في وقت تدلّ آثارها عليها بشكل واضح.
ج- الجريمة التي يضبط فيها شخص أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها على أنه مرتكبها، وذلك في خلال الأربع والعشرين ساعة من وقوعها". وأضافت المادة 30 منه على أنه: "تنزل الجريمة المشهودة تلك التي تقع داخل بيت فيطلب صاحبه أو أحد شاغليه، في مهلة أربع وعشرين ساعة من تاريخ إكتشافها، من النيابة العامة التحقيق فيها سواء أكانت جناية أو جنحة".
1- راجع بهذا الخصوص قرارات الهيئة الإتهامية في بيروت خاصة: القرار رقم 278 تاريخ 7/5/2002 والقرار رقم 244 تاريخ 16/4/2002.
2- Cass. Crim. 3 juillet 1990. Bull. Crim- 1990- n=275.
3- يطلق على الجريمة المشهودة باللغة الفرنسية: ‘’Etat de Flagrance’’ وعلى الجريمة التي تنزل منزلة الجريمة المشهودة: .‘’Flagrance par assimilation’’
وهكذا يحق للنيابة العامة الإستئنافية إتّخاذ إجراءات معينة يمكن تسميتها بالإجراءات الإستثنائية في جميع الحالات المذكورة في الحالتين 29 و 30 المذكورتين أعلاه بحيث أن هذه الإجراءات تنسجم مع طبيعة هذه الجرائم المشهودة، وكيفية إكتشافها.
ونلاحظ بأن المشرع اللبناني إعتمد على معيار التقارب الزمني بين تاريخ وقوع الجريمة وتاريخ إكتشافها لتحديد الحالات التي تعتبر فيها الجريمة مشهودة.
كما أن عبارة "جريمة مشهودة" تشمل الجنايات والجنح على حدٍّ سواء: "les crimes et les délits" لأنه في كل مرة أراد المشرع الحديث عن الجناية دون الجنحة فإنه إستعمل عبارة: جناية مشهودة "Flagrant crime"، كما أنه إستعمل عبارة "Flagrant délit" عندما أراد التكلم عن الجنحة المشهودة دون الجناية المشهودة(1). ولكن هناك حالات كثيرة وردت في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد وخلط فيها المشرع بين المفهومين أي مفهوم الجناية ومفهوم الجنحة.
وفيما يتعلّق بحالات الجريمة المشهودة، فإن المادة 29 السالفة الذكر أشارت الى عنصر "المشاهدة" أي مشاهدة الفعل الجرمي وقت إقترافه أو حال إرتكابه، ولقد إعتبر فقهاء القانون الجنائي(2) أن المقصود بالمشاهدة هو التلبّس أي ما يفيد بأن الجريمة واقعة، وأدلّتها ظاهرة، بادية ومُظنّة، وإحتمال الخطأ فيها طفيف، أو أن التلبس هو عبارة عن تقارب زمني بين وقوع الجريمة وكشفها، وإن الصورة المثلى للجريمة المتلبَّس بها هي الجريمة التي تكشف حال إرتكابها.
بمعنى آخر إن الجريمة المشهودة لا تستوجب مشاهدة الجاني، مرتكب الفعل الجرمي، بل يشترط لتوافرها مشاهدة الفعل الجرمي، وحده، دون مرتكبه، وذلك على إعتبار أن حالة الجرم المشهود هي حالة عينية تلازم الجريمة وليس مرتكبها(3).
تجدر الإشارة الى أن التقارب الزمني المحدد بمدة أربع وعشرين ساعة قد ورد في كل من المادتين 29 و 30 المذكورتين أعلاه ولكن تاريخ أو وقت بدء كل منها يختلف عن الآخر.
ففي المادة 29 أصول جزائية إن مدة الأربع والعشرون ساعة تبدأ من تاريخ وقوع الجريمة أي أنّها مرتبطة بضبط الأشياء أو الأسلحة أو الأوراق التييستدل منها على أن الشخص هو مرتكب الجريمة المشهودة.
أما في المادة 30 أصول جزائية أي الجرائم التي تنزل منزلة الجريمة المشهودة فإن المشرع لم يشترط فيها وقتاً قريباً على ارتكاب الجريمة، بل ربط مدة الأربع والعشرون ساعة بتاريخ إكتشاف الجريمة. بالتالي فلا عبرة لتاريخ وقوعها. وطبعاً لا بد من التذكير بأن هناك شروطاً لا بد من توافرها لتطبيق أحكام المادة 30 أصول جزائية وهي: وقوع جريمة(جناية أو جنحة) داخل بيت، وأن يطلب صاحبه أو أحد شاغليه من النيابة العامة التحقيق فيها في مهلة أربع وعشرين ساعة من تاريخ إكتشافها...
1- د. وسام غياض: "محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 270 وما يليها.
2- د. حسن المرصفاوي: "أصول الإجراءات الجنائية" – القاهرة – 1964 – ص 296. و د. توفيق الشاوي: "فقه الإجراءات الجنائية" – الجزء الأول – 1954 – ص 288.
3- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية"- الجزء الثاني- مرجع سابق ص 142.
ولتوضيح ذلك نورد المثال التالي: إذا وقعت جريمة سرقة ولم يكن صاحب المنزل في بيته، ثم عاد إليه بعد فترة طويلة، فوجد آثاراً لوقوع هذه الجريمة، فإن هذه الأخيرة تبقى مشهودة “En cas de flagrance” لأنها لم تكتشف إلاّ عند مجيء صاحب المنزل إلى منزله...
وقد قضي في فرنسا(1) أنه بمجرد وجود مؤشرات واضحة على حالة جرمية تنبىء بوجود جريمة تنطبق عليها الحالة المشهودة وتعطي النيابة العامة ومعاونيها من الضابطة العدلية حق إستعمال الصلاحيات الإستثنائية...
« L’état de flagrance est caractérisé dès lors qu’il résulte des constatations des juges du fond que les officiers de police judiciaire ont relevé des indices apparents d’un comportement délictueux révèlant l’éxistance d’infraction… »
وهكذا عندما تكون الجريمة المرتكبة من نوع الجريمة المشهودة أو ما ينزل منزلتها، فإن التحقيق الذي تجريه النيابة العامة الإستثنائية أو أحد معاونيها، يخضع لإجراءات خاصة(إجراءات إستثنائية) لأنه يقوم بالأعمال التي هي أصلاً من صلاحية قاضي التحقيق ولأن الجريمة المشهودة تستدعي إجراءات تحقيق يجب أن تتسم بالسرعة وتخطي الشكليات المعتادة بهدف التوصل سريعاً إلى إكتشاف الفاعلين والمسهمين فيها، قبل تواريهم وقبل زوال الآثار المتروكة منهم(2).
وبالعودة إلى أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد نلاحظ أن المشرّع اللبناني قد ميَّز بين صلاحيات النيابة العامة الإستثنائية في حالة الجناية المشهودة وصلاحياتها في حالة الجنحة المشهودة.
أ- صلاحياتها في حالة الجناية المشهودة:
نصت المادة 31 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد على أنه: "إذا وقعت جناية مشهودة، فعلى النائب العام أو المحامي العام أن ينتقل، فور إبلاغه عنها، إلى مكان وقوعها وأن يحيط قاضي التخقيق الأوّل أو قاضي التحقيق المناوب علماً بإنتقاله دون أن يكون ملزماً بإنتظاره ليباشر القيام:
1- بتنظيم محضر يثبت فيه ما شاهده من آثار ويصف مكان وقوعها وما ظهر له من دلائل على الظروف التي حصلت فيها.
2- بضبط الأسلحة وسائر المواد الجرمية المستعملة في إرتكابها وجميع الأشياء التي تساعد على كشف الحقيقة، وباستجواب المشتبه فيه عن الأشياء المضبوطة بعد عرضها عليه.
3- بالإستماع إلى الأشخاص الذين شاهدوا الجريمة أو توافرت لديهم معلومات عنها بعد تحليفهم يمين الشاهد القانونية.
4- تدوَّن كل إفادة في محضر يوقعه النائب العام أو المحامي العام والكاتب والشاهد عند تمنع هذا الأخير عن التوقيع، يشار إلى ذلك في المحضر".
1- Cass. Crim- 6 février 1997- Bull. Crim- 1997. N=49.
2- Merle et vitu: “traité de droit criminel”- éditions Cujas- 1982- tome 2- P.316 n=262.
يُفهم من ذلك أن المادة 31 أصول جزائية قد إقتصرت على الجناية المشهودة “le crime flagrant” فقط، بعكس ما ورد في المادتين السابقتين 29 و 30 إذ تحدّث المشرع عن الجريمة المشهودة دون أن يبين ما إذا كانت جناية مشهودة أو جنحة مشهودة.
وهكذا يتوجب على النائب العام أو المحامي العام الإنتقال إلى مكان وقوع الجناية المشهودة والقيام بالإجراءات المنصوص عليها في المادة السالفة الذكر( تنظيم محضر، إستجواب، تحليف يمين وتدوين إفادات وما إلى ذلك)، ويمكن تسمية هذه الإجراءات بالإجراءات الإستثنائية باعتبار أنها تساهم في الكشف عن المجرم بأسرع وقت ممكن وإكتشاف العناصر الجرمية والمحافظة على آثار الجريمة.
ومن البديهي القول أنه إذا كان النائب العام بعيداً عن مكان وقوع الجريمة(الجناية المشهودة) فيتوجب عندها على الضابطة العدلية أن تنتقل إلى ذلك المكان بأسرع وقت ممكن وتباشر جميع صلاحيات النيابة العامة حتى وصول النائب العام أو المحامي العام.
إن فكرة إلزام النائب العام الإستثنائي أو أحد معاونيه بالإنتقال إلى مكان وقوع الجناية المشهود تقتصر على حالة الجناية المشهودة دون الجنحة المشهودة وبالتالي لا يعتبر النائب العام أو أحد معاونيه ملزماً بالإنتقال إلى مكان وقوع الجنحة المشهودة وفقاً لروح نص المادة 153 أصول جزائية جديد(1)، ولكن لا شيء يمنع النائب العام أو أحد معاونيه من الإنتقال إلى مكان وقوع الجنحة المشهودة إذا ما أراد ذلك.
وفي الواقع يتولى الضباط العدليون مهمة الإنتقال إلى مكان وقوع الجنح المشهودة ويباشرون الإجراءات التحقيقية بإشراف النائب العام أو أحد معاونيه.
بناء على ما تقدم يتوجب على النائب العام أو أحد معاونيه أن ينظم محضراً يثبت فيه ما شاهده من آثار تتعلق بالجناية المشهودة وهذا الإجراء يجب أن يتم فور الإنتقال أو الوصول إلى مسرح الجناية المشهودة ومن المعلوم أنَّ التحقيق السريع يتيح للنائب العام أن يكوِّن "نواة" مضمون المحضر الذي يضعه بمشاهداته لآثار الجناية المشهودة، ولما لمسه من ادلّة وما سمعه من أقوال...
« En matière de flagrance, le transport a pour but essentiel de permettre certaines investigations qui ne pourront être efficaces que si elles sont effectuées avec rapidité. Le souci des enquêteurs doit être de fixer toutes les circonstances de l’infraction dans un état aussi proche que possible de celui de l’instant du crime. La rapidité est, dans ce cas, la meilleure garantie d’efficacité »(2).
ومن ثم على النائب العام أن يقوم بضبط جميع الأشياء التي تساعد على كشف الحقيقة، أي المواد والأدوات المستعملة في ارتكاب الجريمة بالمعنى الواسع ويعود له أن يستجوب أي شخص يشتبه به عن الأشياء المضبوطة بعد عرضها عليه.
1- تنص المادة 153 أصول جزائية جديد على أنه:" إذا قبض على شخص متلبّساً بجنحة مشهودة تستوجب عقوبة الحبس فيتم إحضاره أمام النائب العام الذي يستجوبه ويدعي عليه ويحيله إلى القاضي المنفرد ليحاكم أمامه...".
2- Jurisclasseur de procedure pénale; Article 53 à 73- n=136;
مرجع مذكور في كتاب "أصول المحاكمات الجزائية" الجزء الثاني للمحامي الياس أبو عيد- مرجع سابق- ص 159 و 160.
وهذا الأمر يستوجب أن تكون الأدلّة بحق هذا الشخص خطيرة، متوافقة ومتناسقة
“des indices graves et concordants” بشكل يؤدي إلى سلخ هذا الشخص من خانة الرجل الشريف واعتباره داخلاً في خانة الرجل المظنون فيه أو المشتبه به(1).
ويقول العلامة Roger Merle في هذا الإطار:
L’inculpation marque une étape capitale dans la liaison du contentieux pénal en suscitant une partie défendresse. Elle commande l’application des garanties de la défense, en même temps qu’elle légitime les plus graves atteintes judiciaires à la liberté individuelle. Elle retranche déjà l’inculpé du monde des honnêtes gens sans le placer tout à fait parmi les coupables’’.(2)
وبالتالي فلا بُدّ من توافر مؤشرات حقيقية حتى يستطيع النائب العام أن يستجوب المشتبه فيه وإلاّ يعتبر ذلك تعدّياً فادحاً على الحريات الفردية. ومن مهام النائب العام في الجناية المشهودة الإستماع الى الشهود والى من توافرت لديه معلومات وذلك بعد تحليفهم يمين الشاهد القانونية(3). ونلاحظ بهذا الصدد أن المشرع اللبناني إستعمل عبارة "الإستماع" وليس "الإستجواب" بإعتبار أن الشاهد يُستمع اليه ولا يُستجوب.
فالذي يُستمع اليه كشاهد يعني أن لديه معلومات حول الجريمة بينما من يستوجب حول جريمة معينة يعني أن هناك أدلة توجه ضدّه وبالتالي فهو متهم وليس شاهد. ومن المفيد القول بأن الشهادة التي تتم بدون تحليف اليمين القانونية لا يمكن إعتبارها باطلة وهذا بدليل ما ورد في المادة 31 أصول جزائية جديد، إذ أنّها لم تقرر البطلان في حال عدم حلفان اليمين. ومن مهام النيابة العامة في الجناية المشهودة ما أوردته المادة 32 من قانون أصول المحاكمات الجنائية الجديد التي نصّت على أنه: "للنائب العام أو المحامي العام أن يمنع من وجد في مكان وقوع الجناية من مغادرته. من يخالف قرار المنع يلاحق أمام القاضي المنفرد التابع له محل وقوع الجريمة ويعاقب بغرامة تتراوح بين مايتي ألف ومليوني ليرة. إذا وجد بين الحضور شخص توافرت فيه شبهات قوية فيأمر بالقبض عليه ويستجوبه ويبقيه محتجزاً على ذمّة التحقيق مدّة لا تزيد عن ثماني وأربعين ساعة ما لم يرَ أن التحقيق يحتّم مهلة إضافية فيقرر تمديد إحتجازه مدّة مماثلة. وللمستجوب أن يستعين بمحامٍ لحضور إستجوابه. وله أثناء إحتجازه، أو لوكيله أو لأيّ فردٍ من عائلته أن يطلب عرضه على طبيب لمعاينته فيعيّن النائب العام أو المحامي العام طبيباً فور تقديم الطلب إليه.
على الطبيب أن يجري المعاينة دون حضور أيّ من الضابط العدليين ومعاونيهم وعليه أن يرفع تقريره الى من كلّفه بمهمة المعاينة وأن يسلّم المدعى عليه نسخة عنه في مهلة تتجاوز الأربع والعشرين ساعة. إذا إستطاع المشتبه فيه أن يتوارى عن الأنظار أو لم يكن حاضراً عند بدء التحقيق أصدر النائب العام أو المحامي العام مذكرة بإحضاره. وعندما يحضر أمامه يستجوبه في الحال. لا يُعدْ الإخبار سبباً كافياً لإصدار مذكرة الإحضار في حق من له مقاماً معروفاً. تتوقف الإجراءات المختصة بالجناية المشهودة بعد إنقضاء مهلة ثمانية أيام على البدء بها".
1- المحامي الياس أبو عيد:" أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق- الجزء الأوّل- ص 50 وما يليها.
2- Roger Merle: ‘’l’inculpation in problèmes contemporains de procédure pénale’’ – Editions Sirey – 1964 – p.111.
3- نصت المادة 87 أصول جزائية جديد على مكوّنات هذه اليمين بما يلي: "أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحق، كل الحق، ولا شيء غير الحق".
يفهم من نص المادة 32 أن المشرع قد أناط بالنيابة العامة الإستئنافية بعض الإجراءات في حالة الجناية المشهودة والتي يمكن إختصارها بما يلي:
1+ منع من وُجِدَ في مكان الجناية من مغادرته وذلك بهدف تسهيل كشف الحقيقة والأدلّة عليها بشتّى الطرق كالإستماع الى أقوال الشهود والمشتبه بهم، والتفتيش والإحتجاز وما الى ذلك. وطبعاً يجب أن لا يكون إجراء المنع من مغادرة مكان الجناية لفترة طويلة حتى لا يفسّر ذلك على أنه توقيف جبري من دون وجه حق. ولقد نصّت المادة 32 في فقرتها الأولى على معاقبة من يخالف قرار المنع بغرامة مالية تتراوح بين مايتي ألف ومليوني ليرة لبنانية.
2+ القبض على المشتبه فيه وإستجوابه وإحتجازه، فعلى الرغم من أن هذه الإجراءات تحصل في إطار التحقيق الإبتدائي "Enquête préliminaire" الاّ أن المشرّع اللبناني قد خصّ بها النيابة العامة في تحقيقها الأوّلي الذي تجريه في حالة الجناية المشهودة. ومن البديهي القول أنه لا بُدّ من توفّر قرائن قوية وكافية تفترض القيام بالجناية حتى تقوم النيابة العامة بهذه الإجراءات.
وهكذا فإن القبض على من وجد على مسرح الجناية جائز فقط خلال مدّة الثمانية أيام على البدء بالإجراءات الخاصة بالجناية المشهودة (المادة 32/الفقرة الأخيرة). ويلي إلقاء القبض على المشتبه فيه من الحضور القيام باستجوابه عن طريق مواجهته بالشبهات أو القرائن القوية القائمة ضدّه ومطالبته بالردّ عليها سلباً أو إيجاباً، أي مناقشته في ماديّاتها. وهذه المناقشة يجب أن تكون تفصيلية، وأن ترتبط بعناصر التهمة وأحوالها وظروفها. فالمراد من المناقشة هو إستخلاص حقيقة، قد يكون المشتبه فيه يكتمها(1).
ولا بُدّ من التذكير أنه أثناء الإستجواب يحق للمشتبه فيه أن يلتزم الصمت وألاّ يرد على الأسئلة الموجهة اليه دون أن يتعرّض لأيّ إكراه مادّي أو معنوي من قبل النائب العام أو المحامي العام أو معاونيهم. وبعد إلقاء القبض على المشتبه به وإستجوابه يمكن للنائب العام أو المحامي العام تقرير إحتجازه في مكان معين كمخفر الشرطة أو النظارة التابعة لقصر العدل، أما فيما يتعلّق بمدّة الإحتجاز على ذمّة التحقيق فهي لا تزيد عن ثمانٍ وأربعين ساعة، قابلة للتمديد لمدة مماثلة ولمدة واحدة إذا ما إقتضت ذلك ضرورة التحقيق.
بمعنى آخر إن مدة الإحتجاز المسموح بها إجمالاً هي 96 ساعة، وبالتالي إن أي تجاوز لهذه المدة القصوى يعتبر عملاً غير مشروعاً وبالتالي يستوجب عقاباً وإن لم يرد نص على ذلك وذلك تطبيقاً للمبادئ العامة التي تقضي بإبطال كل مخالفة لمبدأ أساسي وجوهريّ في التشريع. أضف الى ذلك أن الإبقاء على إحتجاز المشتبه فيه أكثر من 96 ساعة، يعتبر تعدّياً على حريّته الشخصية ويشكل جريمة نصَّ عليها قانون العقوبات في المادة 367 منه وهي جريمة حجز حرية الغير بدون مسوّغ شرعي.
3+ إحترام حقوق المقبوض عليه المحتجز كالإستعانة بمحامٍ وعرضه على طبيب للمعاينة وهذا ما يشكّل تكريساً وإحتراماً لحقوق الدفاع المعترف بها للشخص المشتبه به وبالتالي لا يحق للنائب العام إستجواب المشتبه به إذا أصرّ هذا الأخير على الإستعانة بمحامٍ لحضور إستجوابه. ولكن نلاحظ أن المادة 32 أصول جزائية تحدّثت عن حضور المحامي إستجواب المشتبه فيه، فقط لا غير: بحيث إنّها لم تُوضح ما إذا كان يحق له الإختلاء بموكّله قبل إستجوابه، ولمدة معيّنة، منفرداً أو بحضور النائب العام أو المحامي العام أو الضابط العدلي... وهذا يعني أن النص قد جاء ناقصاً في محتواه لجهة حقوق الدفاع وعناصرها(2).
1- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزؤ الثاني – مرجع سابق – ص 171.
2- أنظر بنفس المعنى المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثاني – مرجع سابق – ص 179.
تجدر الإشارة هنا الى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد لم ينص على مسألة إمكانية حضور المحامي الى جانب المشتبه به أثناء التحقيقات الأولية معه لدى الضابطة العدلية وهذا ما خلق تضارباً فقهيّاً حيال هذا الأمر من الناحية العملية، فهناك بعض المخافر التي تقبل بمثل هذا الأمر كما أن هناك البعض الآخر يرفض قطعاً مثل هذا الحضور.
والإستعانة بمحامٍ ليست الضمانة الوحيدة للمحتجز على ذمّة التحقيق بل هناك ضمانة أخرى نصّت عليها المادة 32 أصول جزائية وهي عرضه على طبيب للمعاينة وهذا الحق يمكن أن يُطلب من المشتبه فيه أو من وكيله أو أي فرد من أفراد أسرته وطبعاً ضمن مهلة الإحتجاز (96 ساعة كحدٍّ أقصى). وهذا يعني أنه لا يمكن للنيابة العامة أن تتّخذ مثل هذا الإجراء من تلقاء نفسها ودون طلب، بل على العكس فنحن نرى بأنه يعود لها حق تعيين طبيب لمعاينة المشتبه به في كل مرة يظهر لها جليّاً بأن المشتبه فيه بحاجة الى ذلك أي وفقاً لوضعه الصحّي.
ويمكن الجزم بأن مسألة معاينة المشتبه فيه من قبل طبيب يشكّل نوعاً من الحماية له خاصّةً إذا تعرّض لأيّ أعمال عنف أو تعذيب جسدي، لأن منطق الأمور يقضي بضرورة معاملة المشتبه فيه المحتجز معاملة إنسانية حضارية لا تمسّ بكرامته البشرية Sa dignité humaine. ويتوجّب على الطبيب أن ينظّم تقريراً يستخلص فيه نتيجة المعاينة التي أجراها، ويرفعه الى النيابة العامة كما عليه تسليم نسخة عن هذا التقرير الى المشتبه فيه في مهلة لا تتجاوز الأربع وعشرين ساعة من تاريخ وضعه التقرير الى النائب العام.
4+ تسطير مذكرة إحضار بحق المشتبه فيه المتوارى عن الأنظار وهنا لا بُدَّ من التمييز بين مذكرة الإحضار "Mandat d’amener" والتي تقضي بضرورة إحضار الشخص موضوع المذكرة بالقوة أي جبراً بواسطة قوى الأمن، وبين مذكرة الدعوة "Mandat de comparution" والتي لا يجوز إستعمال القوة لتنفيذها بل هي مجرد دعوة للشخص المعني للحضور أمام النيابة العامة.
ولقد أعطت المادة 32 أصول جزائية النيابة العامة الحق باستجواب المشتبه فيه الذي تمّ إحضاره وهذا كونها أمام جناية مشهودة وبالتالي يستدعي ذلك إعطاءها صلاحيات إستثنائية. ونحن نميل الى القول بأن عبارة "يستجوبه في الحال" تفيد معنى إلزام النيابة العامة باستجواب الشخص الذي تمَّ إحضاره في الحال تحت طائلة بطلان الإستجواب المتأخّر، بمعنى آخر إن إستجواب المشتبه فيه وإحضاره أمام النيابة العامة يدخل ضمن القواعد الجوهرية الواجبة الإحترام وبالتالي إن كل مخالفة لمثل هذه القواعد تؤدي الى البطلان المطلق.
ولقد إعتبرت الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 32 أصول جزائية أنه لكي يعتد بالإخبار كسند لإصدار مذكرة الإحضار يجب أن يعزِّز بأدلّة قويّة من شأنها تقوية الشبهة ضد المشتبه فيه. ومن المتعارف عليه أن الإخبار هو عبارة عن عمل يقدم عليه المخبر وهو يفيد بوقوع جريمة يعاقب عليها القانون وقد عرّفه الفقيه الفرنسي: Garraud بما يلي:
La dénonciation est un acte par lequel on signale à la justice une infraction à la loi" ."pénale(1)
وبالتالي ليس كل إخبار من شأنه أن يؤدي الى إصدار مذكرة إحضار بحق المشتبه فيه خاصة عندما يكون للشخص المشتبه فيه مقاماً معروفاً. ولقد ختم المشرع المادة 32 أصول جزائية بالعبارة التالية: "تتوقف الإجراءات المختصة بالجناية المشهودة بعد إنقضاء مهلة ثمانية أيام على البدء بها". وهذا يعني أن مهلة الثمانية أيام تبدأ من أول إجراء من إجراءات الجناية المشهودة.
1- René Garraud: “Traité théorique et pratique d’instruction criminelle et de procédure pénale’’ - Sirey - Tome II - n=742. P617.
وتتوقف بإنقضاء اليوم الثامن على البدء بها. بمعنى آخر لا تحتسب هذه المهلة من وقت إرتكاب الجريمة أو إكتشافها، إنما العبرة لإحتسابها تكمن في وقت البدء بالإجراءات المتعلقة بالجناية المشهودة. وتعتبر هذه المهلة مرتبطة بالنظام العام أي أن مخالفتها تؤدي الى إسقاط الحق في متابعة هذه افجراءات الإستثنائية. تجدر الإشارة الى أن هناك إجراءات أخرى تتبعها النيابة العامة الإستئنافية في حالة الجريمة المشهودة، وطبعاً هي إجراءات إستثنائية نصّت عليها المواد 33 حتى 37 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. وقلنا جريمة مشهودة وليس جناية مشهودة لأن هذه المواد لم تأت على ذكر عبارة "جناية مشهودة" كما هو حال المواد السابقة لها خاصةً المادّتين 31 و 32 أصول جزائية. ونحن نعتقد بأن المادة 33 التي تحدثت عن الجريمة المشهودة بشكل مطلق يمكن تطبيقها على الجناية والجنحة معاً.
ولتوضيح ذلك نورد النص الحرفي للمادة 33 السالفة الذكر التي نصّت على ما يلي: "للنائب العام أن يدخل الى منزل المشتبه فيه للتفتيش عن المواد التي يقدر أنّها تساعد على إنارة التحقيق. له أن يضبط ما يجده منها وينظم محضراً بما ضبطه واصفاً إيّاه بدقّة وتفصيل وأن يقرّر حفظ المواد المضبوطة بحسب طبيعتها ويجري التفتيش بحضور المشتبه فيه أو المدعى عليه. إن لم يكن حاضراً أو تمنّع عن الحضور أو كان متوارياً عن الأنظار فيجري التفتيش بحضور وكيله أو إثنين من أفراد عائلته الراشدين أو شاهدين يختارهما النائب العام.
- بعد إتمام عملية التفتيش وضبط المواد يعرض النائب العام على المشتبه فيه أو المدعى عليه أو وكيله أو من سبق ذكرهم المواد المضبوطة ويطلب من كل منهم التوقيع على المحضر الذي يثبتها فإن امتنع فيشير إلى ذلك في المحضر.
- إذا وجد النائب العام أثناء التفتيش أشياء ممنوعة فيضبطها وإن لم تكن من المواد الناتجة عن الجريمة أو المستعملة فيها أو المتعلقة بها وينظم محضراً بها على حدى.
- للنائب العام أن يكلف ضابطاً عدليّاً بإجراء التفتيش في منزل المشتبه فيه أو المدعى عليه تحت إشرافه ومراقبته ووفقاً للأصول التي يتبعها النائب العام نفسه.
- لا يجوز الدخول إلى المنازل للتفتيش أو البحث عن الجاني إلاّ بين الساعة الخامسة صباحاً والثامنة ليلاً. ما لم يوافق صاحب المنزل صراحةً على ذلك خارج هذه الفترة. غير أنّ للنائب العام أو للضابط العدلي المكلف أن يجري التفتيش والبحث عن المشتبه فيه في أي وقت في الأماكن العامة أو في المنازل التي اكتسبت هذا الطابع بفعل الممارسة".
فوفقاً لأحكام المادة 33 السالفة الذكر يعود للنيابة العامة أن تقوم بعملية التفتيش “La perquisition” عن المواد التي تقدر أنها تساعد في كشف الجريمة المشهودة. والمقصود بالتفتيش هنا، هو إمّا تفتيش الأشخاص المشتبه بهم أي تفتيش أجسامهم أو ملابسهم أو ما يحملونه من أشياء، وإما تفتيش الأمكنة العامة أو الأمكنة الخاصة كالمنازل السكنية.
يتضح من ذلك أنه نظراً للحرمة المعطاة للمنازل(1) فقد حدد قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 33 منه إجراءات خاصة لتفتيشها سواء من قبل النائب العام أو من قبل الضابطة العدلية المكلّفة بذلك، وبالتالي هناك قيود لا بدَّ من مراعاتها أثناء التفتيش ولو كان الهدف منه القبض على الجاني أو البحث عن الأدلّة في إطار الجريمة المشهودة.
1- تنص المادة 14 من الدستور اللبناني على أنه: "للمنزل حرمة ولا يسوغ لأحد الدخول إليه إلاّ في الأحوال المبينة في القانون".
وتعقيباً على نص المادة 33 أصول جزائية يمكن القول بأنه إنابة “La déléguation” النائب العام للضابط العدلي للقيام بالتفتيش ليست مقتصرة على هذا الإجراء بل يمكن أن تشمل جميع الإجراءات الإستثنائية الممكنة في حالة الجناية المشهودة بما في ذلك إستجواب المشتبه فيه وذلك بصراحة المادة 44 أصول جزائية.
والملفت للنظر أن المادة 33 لم تأتِ على ذكر مسألة تفتيش الأشخاص فهل يعني ذلك أن التفتيش يقتصر على المنازل فقط؟
صحيح أن المشرع لم يعطِ هذه الصلاحية للنائب العام بصورة مباشرة وصريحة في المادة 33 أصول جزائية لكنه أعطاها للضابطة العدلية بصورة صريحة في المادة 47 أصول جزائية أي في حالة الجرائم غير المشهودة وذلك بناءً على تكليف من قبل النيابة العامة. ومن هنا يمكن الجزم بأن من يعطى حق تفتيش الأشخاص في الجريمة غير المشهودة فمن باب أولى أن يكون له هذا الحق في الجرائم المشهودة.
ولا بدَّ من التذكير أن تفتيش الأشخاص يعتبر من الإجراءات التي تشكل إنتهاكاً لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لذلك فمن غير الجائز اللجوء إليه إلاّ في الحالات المحددة حصراً في القوانين المرعية الإجراء.
ونلفت الإنتباه هنا إلى نص المادة 216 من قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي رقم 17/1990 التي تعتبر أن التفتيش "يتناول جسد الشخص والملابس التي يرتديها دون إستثناء، والأشياء التي ينقلها، والمركبة التي ينتقل فيها. ولا يجوز أن يفتش النساء جسديّاً والألبسة التي يرتدينها إلاّ نساءً".
وهكذا فإن مخالفة أحكام هذه المادة يعتبر مخالفة لقاعدة جوهرية مرتبطة بالنظام العام والأداب العامة مصيرها البطلان المطلق وإن لم يشر المشرع إلى ذلك في متن النص المذكور أعلاه.
إضافة إلى ما تم ذكره أعلاه، إذا كانت طبيعة الجريمة تستلزم الإستعانة بخبير أو أكثر لجلاء بعض المسائل التقنية، فيعين النائب العام عفواً خبيراً مختصاً ويحدد له مهمته بدقة، وله أيضاً أن يعين طبيباً شرعياً أو طبيباً مختصاً لمعاينة حالة المجني عليه إذا كانت هذه الحالة تستدعي مثل هذه المعاينة.
على الخبير أو الطبيب المعين وقبل مباشرته لمهمته أن يحلف اليمين بأن يقوم بهذه المهمة طبقاً لما يفرضه الضمير والشرف، وعليه بعد أن ينجز مهمته أن يضع تقريراً يذكر فيه المرجع الذي عيَّنه والمهمة المحددة له والإجراءات التي قام بها والنتيجة التي توصل إليها(1).
وبصورة عامة، يقوم النائب العام بكل إجراء تحقيقي آخر يجده نافعاً ومفيداً لتوفير الأدلّة على الجناية ولكشف فاعليها والمسهمين فيها.
على النائب العام أو المحامي العام أن ينظم محضراً بكل الإجراءات التي قام بها يحدد فيه وقت المباشرة بهذه الإجراءات، ووقت إنتهائها وكل وسيلة استُعملت في تنفيذها. ثم يوقع هذا المحضر مع الكاتب الذي يكون قد إستعان به(2). ولقد اقتصر المشرع فيما يتعلق "بالإجراءات التحقيقية الأخرى" على الجناية المشهودة دون الجنحة المشهودة وذلك من خلال دلالة نص المادة 35 أصول جزائية. ويمكن القول بأن إجراءات التحقيق المعطاة للنيابة العامة في حالة الجناية المشهودة قد تشمل الإستجواب وإلقاء القبض والإحتجاز وندب الخبراء...
1- لطفاً راجع المادة 134 أصول محاكمات جزائية جديد.
2- راجع لطفاً المادة 35 أصول محاكمات جزائية جديد
وما إلى ذلك أي مباشرة التحقيق الإبتدائي تحت ستار التحقيق الأولى بهدف جمع المعلومات المفيدة عن الجناية وكشف الفاعلين والشركاء والمحرضين...
وطبعاً لا بدَّ من تتَّسم هذه الإجراءات بالمشروعية “La loyauté” وأن لاتكون مشوبة بعيوب الإكراه المادي أو المعنوي(1).
وهكذا نكون أنجزنا الحديث عن الإجراءات المتبعة من قبل النيابة العامة في حالة الجناية المشهودة لننتقل إلى دراسة تلك المتعلق بحالة الجنحة المشهودة.
ب- صلاحياتها في حالة الجنحة المشهودة:
إن الإطلاع على نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد يبين لنا بوضوح أن المشرع اللبناني قد ميَّز بين إجراءات التحقيق في الجناية المشهودة وبين الإجراءات المتبعة في التحقيق في الجنحة المشهودة.
وفيما يتعلق بالأولى (إجراءات التحقيق في الجناية المشهودة) نكتفي بما أوردنا أعلاه لهذه الجهة أما بالنسبة للثانية (إجراءات التحقيق في الجنحة المشهودة) فهي موضوع بحثنا الحالي، ونشير هنا إلى أن التعريف الذي أعطاه قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد للجناية المشهودة ينطبق على الجنحة المشهودة أيضاً وطبعاً يقصد بالجنحة المشهودة هنا الجنحة المقصودة وحدها دون الجنح غير المقصودة كالتسبب بالوفاة أو الإيذاء أو ما إلى ذلك...
وهكذا تختلف إجراءات التحقيق في الجنحة المشهودة بإختلاف ما إذا كان قاضي التحقيق هو القائم بالتحقيق أو ما إذا كان الضابط العدلي هو القائم به. بمعنى آخر إن دور النيابة العامة وصلاحياتها في حالة الجنحة المشهودة تختلف بإختلاف الجهة القائمة بالتحقيق، هل هو قاضي التحقيق أم الضابط العدلي؟
ففي الحالة الأولى نلاحظ أن المادة 58 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد قد نصّت على أنه:" إذا وقعت جنحة مشهودة عقوبتها الحبس سنة على الأقل فللنائب العام أن يطلب من قاضي التحقيق أن ينتقل إلى مكان وقوعها لإجراء التحقيق محلّيّاً. على قاضي التحقيق أن يراعي في التحقيق الإجراءات المتبعة في الجناية المشهودة". وبالتالي يفهم من هذه المادة أنه لا يمكن إلزام النائب العام بالإنتقال للتحقيق في الجنحة المشهودة والدليل على ذلك هو عدم وجود نص يشير الى ذلك بصورة صريحة، وكل ما في الأمر أنه يمكن للنائب العام أن يطلب من قاضي التحقيق الإنتقال الى مكان وقوع الجنحة لإجراء التحقيق فيها محليّاً إذا كانت من نوع الجنح المعاقب عليها بالحبس سنة على الأقل.
كما يفهم أيضاً من نص المادة 58 السالفة الذكر أنه إذا قرّر قاضي التحقيق الإنتقال الى موقع الجنحة المشهودة يصبح ملزماً بالتحقيق فيها وفقاً للإجراءات المعمول بها في التحقيق في الجناية المشهودة والتي أوردناها بمزيد من التفصيل في القسم الأول من البند الثاني موضوع الدراسة. أما في الحالة الثانية أي عندما لا ينتقل قاضي التحقيق الى مكان حصول الجنحة المشهودة بل يقوم بذلك الضابط العدلي فهنا تختلف الإجراءات المتبعة بإختلاف الحالة التي تكون عليها الجنحة المرتكبة وهذا ما يستفاد من مقارنة المادتين 46 و 153 أصول جزائية جديد، أي أنه لا بُدّ من التمييز بين أمرين:
1- L’article 5 de la Déclaration universelle des droits de l’homme stipule que : “Nul ne sera soumis à la torture, ni à des peines ou traitements cruels, inhumains ou dégradants”.
· الأمر الأول وهو الجنحة المشهودة التي يكون فاعلها ما يزال مشتبهاً في أنه إرتكبها وعندها يحق للضابط العدلي أن يلقي القبض على المشتبه فيه وأن يحقق في الجنحة تحت إشراف النائب العام الذي له أن يقرر توقيفه وإحالته مباشرةً أمام القاضي المنفرد الجزائي ليحاكم أمامه ويشترط لإستعمال هذه الإجراءات أن تكون الجنحة المشهودة معاقباً عليها بالحبس سنة على الأقل وأن تكون جنحة مقصودة (المادة 46 أصول جزائية جديد).
· الأمر الثاني وهو حالة التلبّس بالجنحة المشهودة وبالتالي يقتضي التمييز هنا بين إفتراضين: الأول هو حالة قيام شخص عادي (مواطن عادي وليس ضابط عدلي) بإلقاء القبض على فاعل الجنحة المشهودة، والثاني حالة قيام الضابط العدلي بهذا الإجراء.
وفيما يتعلّق بالإفتراض الأول نلاحظ بأن المادة 45 أصول جزائية قد أجازت لكل شخص، مهما كانت صفته، أن يقبض على الفاعل المتلبّس بجناية أو بجنحة تستوجب عقوبة الحبس (لم تحدد المادة 45 مدة هذا الحبس)، وأن يُحضره الى أقرب مركز للضابطة العدلية. أما بالنسبة للإفتراض الثاني فلقد نصّت عليه المادة 153 أصول جزائية بقولها "إذا قُبِض على شخص متلبساً بجنحة مشهودة تستوجب عقوبة الحبس فيتم إحضاره أمام النائب العام الذي يستوجبه ويدّعي عليه ويحيله الى القاضي المنفرد ليحاكم أمامه في الحال أو في اليوم التالي، وذلك مع مراعاة المادة 105 من هذا القانون، وللنائب العام أن يصدر في حقّه، قبل إحالته مذكرة توقيف تنفَّذ فوراً..." وهنا يمكن أن يُلقَى القبض على المتلبس سواء من قبل المواطن العادي الذي عليه أن يحضره الى الضابط العدلي أو من قبل هذا الأخير والذي يتوجب عليه إحضاره الى النيابة العامة ليصار الى تطبيق نص المادة 153 السالفة الذكر. ويشترط أن تكون عقوبة الجنحة التي وجد المدعى عليه متلبّساً بها الحبس. لكن القانون لم يحدد مدة هذا الحبس، لأن حالة التلبس التي وجد عليها المدعى عليه تغني عن تحديد مدة الحبس، كما تغني عن إجراء تحقيق أولي معه من قبل الضابط العدلي(1). وهكذا بعد أن أنهينا الباب الأول من هذه الدراسة الذي خصّصناه لدراسة النيابة العامة بمجمل تفاصيلها تنتقل لدراسة مفهوم الضابطة العدلية الذي كرّسنا له الباب الثاني كما سنرى.
الباب الثاني: الضابطة العدلية:
لتعريف مفهوم الضابطة العدلية لا بُدّ من العودة الى أحكام المادة 38 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد التي نصّت على أنه: "يقوم بوظائف الضابطة العدلية، تحت إشراف النائب العام لدى محكمة التمييز، النواب العامون والمحامون العامون. يساعد النيابة العامة، ويعمل تحت إشرافها في إجراء وظائف الضابطة العدلية، كلٍّ في حدود إختصاصه المنصوص عليها في هذا القانون وفي القوانين الخاصة به، الآتي ذكرهم:
1- المحافظون والقائمقامون.
2- مدير عام قوى الأمن الداخلي وضباط قوى الأمن الداخلي والشرطة القضائية والرتباء العاملون في القطاعات الإقليمية ورؤساء مخافر قوى الأمن الداخلي.
3- مدير عام الأمن العام وضباط الأمن العام ورتباء التحقيق في الأمن العام. ومدير عام أمن الدولة، ونائب المدير العام، وضباط أمن الدولة ورتباء التحقيق في أمن الدولة.
4- مختارو القرى.
5- قادة السفن البحرية وقادة الطائرات والمركبات الجوية."
1- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق 126 وما يليها.
إستناداً الى هذا النص يمكن تقسيم أشخاص الضابطة العدلية الى فئتين: الفئة الأولى وهي مؤلفة من قضاة (نواب عامون ومحامون عامون). والفئة الثانية وهي مؤلفة من غير القضاة ولهم الصفة الأمنية والادارية (المحافظون والقائمقامون وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة).
وفي الواقع أن المهمة الأساسية في عمل الضابطة العدلية منوطة بمن لهم الصفة الأمنية بمختلف قطاعاتها لذلك سوف نركز في دراساتنا على هذه الفئة كمساعدة للنيابة العامة. تجدر الإشارة الى أن هناك فئة ثالثة من أشخاص الضابطة العدلية نصّت عليها المادة 39 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بقولها: "لنواطير القرى وموظّفي المراقبة في وزارة الصحة ومراقبي الأحراج وحماية المستهلك وللموظفين المختصّين بالرقابة في الجمارك وإدارة حصر التبغ والتنباك وفي المرافئ وفي المطارات وفي وزارة السياحة وللحراس الليليين أن يضبطوا، كلٍّ في حدود إختصاصه ووفق الأنظمة المنوط به تطبيقها، المخالفات ويثبّتوها في محاضر منظّمة أصولاً ويودعوها القاضي المنفرد المختص".
وهكذا يمكن تعريف الضابطة العدلية بأنها جهاز مؤلف من مجموعة من الموظفين العامين يطلق عليهم تسمية رجال الضابطة العدلية بأنها جهاز مؤلف من مجموعة من الموظفين العامين يطلق عليهم تسمية رجال الضابطة العدلية وهي تختصّ بمباشرة إجراءات الإستدلال، فتجمع المعلومات بشأن الجريمة التي إرتكبت كي تتّخذ سلطات التحقيق، بناءً عليها، القرار بشأن تحريك دعوى الحق العام أو عدم تحريكها. وبديهي القول أن الضابطة العدلية لا تبدأ بممارسة سلطتها إلاّ إذا وقعت الجريمة. وهذا ما يميّزها عن الضابطة الإدارية التي يسبق دورها إرتكاب الجريمة. بمعنى آخر تتدخّل الضابطة العدلية عند وقوع الجريمة بغية جمع الأدلّة وتعقب الفاعلين. أما الضابطة الإدارية فهي التي تتولى أساساً حفظ النظام والحيلولة دون وقوع الجرائم، كما أنها تنفّذ الأحكام وتخضع في أعمالها للسلطة التنفيذية. ظاهريّاً يبدو أن الضابطتين منفصلتان، إنّما في الواقع تجتمع في نفس الأشخاص، فمعظم الموظفين المكلّفين إستقصاء الجرائم، هم أنفسهم الذين يتولُّون كموظفين إداريين إتّخاذ الحيطة لمنع الجرائم(1).
إن دراسة الضابطة العدلية على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية والقوانين المكمّلة له تقتضي من تسليط الضوء على كيفية تنظيم هذه الضابطة (الفصل الأول) والصلاحيّات المنطة بها (الفصل الثاني).
الفصل الأول: تنظيم الضابطة العدلية:
إن دراسة نظام عمل الضابطة العدلية يستوجب منا إعطاء لمحة تاريخية عن هذه الضابطة ومن ثمّ تحديد الأشخاص الذين يعتبر بهم القانون من عدادها.
فقرة أولى: لمحة تاريخية:
إن كلمة "Police" مقتبسة من الكلمة اليونانية "Polotica" التي كانت تعني في العهدين اليوناني والروماني حكم المدينة أو حكم الدولة. ولم تكن مهمات الشرطة في العهود القديمة حماية المصالح العامة بقدر سهرها على حماية النظام السياسي لأن الشرطة كانت الأداة لذلك. وبالفعل كان أفراد الشرطة يكلّفون من قبل الحاكم مراقبة الأسواق والإختلاف مع الناس وفضّ النزاعات بينهم وإنزال العقاب بالمخالفين(2). وفي لبنان، فقد مرّت قوى الأمن الداخلي بعدّة محطات تاريخية الى أن وصلت الى ما هي عليه اليوم. ففي العام 1842 وفي عهد القائمقامتين كان في مركز كل منهما في الشويفات وصربا قطعة شبه دركيّة برئاسة قائد برتبة "بلوكباشي".
1- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 427.
2- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 135 وما يليه.
وفي العام 1861، وهو العام الذي يعتبر تاريخاً لإنشاء قوى الأمن الداخلي بحسب المفهوم الحديث للشرطة، وعند البدء بتنفيذ البروتوكول العائد للسنة ذاتها، ألغي النظام الذي كان سائداً وإستبدل بسلك "الضبطيّة". وبتاريخ 09/06/1861 وعلى أثر إعلان نظام جبل لبنان، أسس المتصرّف داوود باشا الدرك الى جانب الدوائر الإدارية والعدلية وكان هذا الدرك مدعوماً وبحسب نصوص البروتوكول بفرقة من الجيش العثماني كانت تعرف باسم "الدراكون". وفي العام 1915 وبعد أن إحتلّ العثمانيون الجبل اللبناني غيّروا إسم "الضبطيّة" الى إسم "الجندرمة" ووضعوها تحت قيادة ضابط تركي كبير ثمّ جرى تقسيم هذه "الجندرمة" بحسب مناطقها الى "بلوكات – طواقم – مخافر" على غرار وحدات الدرك الفرنسي.
في العام 1920 أعاد المفوض السامي الفرنسي تنظيم الدرك الذي أصبح يضمّ فصائل الجند اللبناني الموجودة في منطقة جبل لبنان القديم، والشرطة السورية من الدرك الموجودة في المناطق التي جرى ضمّها الى لبنان الكبير في أول أيلول 1920 وأبقيت عناصر الشرطة في العاصمة وبعض المدن الكبرى مثل طرابلس وصيدا وزحلة(1).
ثم تابعت الدولة اللبنانية تنظيم الدرك على يد بعثة من ضباط في الدرك الفرنسي حيث أدخلت إصلاحات جديدة أهمها تحديد علاقة الدرك بالسلطتين الإدارية والقضائية، وأخضعت طلبات هاتين السلطتين الى تكاليف تستند الى أصول قانونية وتخلو من صيغة الأمر. وفي العام 1943 وبعد زوال الإنتداب الفرنسي عُيِّن قائد لقوى الأمن الداخلي الذي أبقى الدرك على تشكيله القديم لكنه وحّد قيادته مع قيادة الشرطة تحت إدارة واحدة. وفي العام 1959 أعيد تنظيم قوى الأمن الداخلي، وبموجب المرسوم الإشتراعي رقم 138 تاريخ 12/06/1959 أصبحت أجهزة قوى الأمن الداخلي مؤلفة من الوحدات الأربع التالية: الدرك – شرطة بيروت – الشرطة القضائية ومعهد قوى الأمن الداخلي. وجميع هذه الوحدات تخضع لقيادة واحدة هي المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. وفي العام 1990 أصدر القانون رقم 17 الذي أعاد تنظيم قوى الأمن الداخلي على شكلها الحالي. وهو القانون المعمول في الوقت الحاضر. ولقد عرّفت المادة الأولى منه قوى الأمن الداخلي بأنها قوى عامة مسلّحة تشمل صلاحيّاتها جميع الأراضي اللبنانية والمياه والأجواء الإقليمية التابعة(2).
فقرة ثانية: أشخاص الضابطة العدلية:
لقد ذكرنا أعلاه أن قانون أصول المحاكمات الجزائية قد قسّم الضابطة العدلية الى ثلاث فئات (المادّتان 38 و 39 منه). على الشكل التالي:
- الفئة الأولى وهي النواب العامون والمحامون العامون.
- الفئة الثانية وهي قوى الأمن على إختلاف فئاتها وأنواعها.
- الفئة الثالثة وهي نواطير القرى ومراقبي الأحراج وغيرهم.
لقد عرّفت المادة الأولى من القانون 17/90 قوى الأمن الداخلي بأنها قوى عامة مسلّحة تشمل صلاحيّاتها جميع الأراضي اللبنانية والمياه والأجواء الإقليمية التابعة لها.
1- لمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع لطفاً يراجع:
- د. يوسف شحادة: "الضابطة العدلية وعلاقتها بالقضاء ودورها في سير اطروحة دكتوراه – الجامعة اللبنانية – العدالة الجزائية – الفرع الأول – بيروت 1986.
- النقيب جوزيف نعمة: "تاريخ قوى الأمن الداخلي في لبنان" – بيروت 1961.
- الياس نمور وفادي نمور: " الحريات الشخصية وحقوق الإنسان" – صادر – طبعة أولى...
2- د. حاتم ماضي: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 137 وما يليها.
وأضاف هذا القانون تعداد القوى التي تتألف منها قوى الأمن الداخلي على الشكل التالي:
1- الدرك الإقليمي: ويضم جميع القطاعات العاملة خارج بيروت، بإستثناء تلك التي تبقى مرتبطة كليّاً أو جزئيّاً بإحدى الوحدات الأخرى. إن رأس الهرم في الدرك الإقليمي هو قائد الدرك الذي تتبع له مباشرةً جميع قيادات المناطق والسرايا الإقليمية في المحافظات بإستثناء بيروت، أما قاعدة الهرم في الدرك فهو المخفر الإقليمي الذي يعتبر أصغر خلية في قوى الأمن الداخلي حيث صلاحيته الإقليمية مدينة أو جزء من مدينة.
2- القوى السيارة: وتعتبر الإحتياط العام في قوى الأمن الداخلي، بحيث أنها تقوم بحفظ النظام وتوطيد الأمن في كافة المناطق اللبنانية.
3- شرطة بيروت: تشمل صلاحيّاتها الإقليمية مدينة بيروت وحدها.
4- تشمل صلاحيّاتها جميع الأراضي اللبنانية وتقوم فقط بمهام الضابطة العدلية وتضمّ القطاعات التالية:
+ المباحث الجنائية العامة: وتشمل مكتب مكافحة المخدرات(1)، ومكتب مكافحة القمار، ومكتب حماية الآداب.
+ المباحث الجنائية الخاصة: وتختص بقمع الجرائم المخلّة بأمن الدولة والجرائم المالية وجرائم السرقات الدولية.
+ المباحث العلمية.
+ المباحث الجنائية المركزية: ويرتبط هذا الجهاز مباشرةً بالنائب العام التمييزي.
+ المباحث الجنائية الإقليمية: وهو يتألف من مفارز إقليمية موزّعة في محل منطقة إقليمية.
5- معهد قوى الأمن الداخلي.
6- جهاز أمن السفارات والإدارات والمؤسسات العامة(2).
يضاف الى ذلك جهاز الأمن العام الذي أعطاه قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد نفس الصلاحيّات المعطاة لقوى الأمن الداخلي.
وكذلك الأمر بالنسبة لجهاز أمن الدولة.أما الضابطة العدلية العسكرية(3) فيقوم بوظائفها:
- مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومعاونوه وقضاة التحقيق لدى المحكمة العسكرية.
- الضباط والرتباء الذين يعيّنهم لهذه الغاية وزير الدفاع الوطني بناءً لإقتراح السلطة العسكرية العليا.
- ضباط شرطة الجيش ورتباؤها ورؤساء مخافرها.
- رئيس قلم المحكمة العسكرية الدائمة بتكليف من مفوّض الحكومة.
1- بموجب القانون رقم 673/98 أنشئت في وزارة الداخلية مديرية مركزية لمكافحة جرائم المخدرات بحيث أن المدير وسائر موظفيه وعناصره يعتبرون مساعدين للنائب العام في إجراء وظائف الضابطة العدلية.
2- د. حاتم ماضي: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 140 و 141.
3- راجع حول هذا الموضوع قانون القضاء العسكري.
ولكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن هو التالي: هل تعتبر مخابرات الجيش ضابطة عدلية؟
هناك جدل فقهي حول هذا الموضوع، فبعض الفقهاء لم يأت على ذكر مخابرات الجيش عند الحديث عن الضابطة العدلية على أساس أن المادة 38 أصول جزائية لم تذكرها صراحة عندما عددت الضباط العدليون(1). بمعنى آخر إن تعداد موظفي الضابطة العدلية قد ورد على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال فلا تجوز الإضافة إليهم الاّ إستناداً الى قانون يقرر هذه الإضافة.
بالمقابل هناك قسم آخر من الفقهاء يعتبرون أن مخابرات الجيش هي من عداد الضابطة العدلية ويعززون رأيهم هذا بقرار حديث لقاضي التحقيق الأوّل في جبل لبنان بتاريخ 22/1/2002 يعتبر أنه وفقاً للمادة 19 من قهنون القضاء العسكري، تتألف الضابطة العسكرية من مفوض الحكومة ومعاونيه وقضاة التحقيق لدى المحكمة العسكرية والضباط والرتباء الذين يعينهم لهذه الغاية وزير الدفاع الوطني بناء على اقتراح السلطة العسكرية العليا وضباط الشرطة ورتباؤها ورؤساء مخافرها، فضلاً عن رئيس قلم المحكمة العسكرية ويخضعون لمراقبة المدعي العام التمييزي وفق أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية(2).
وهكذا بعد تعريف الضابطة العدلية من خلال إلقاء لمحة تاريخية حول نشأتها ومن خلال تحديد أشخاصها المذكورين في قانون أصول المحاكمات الجزائية وقوانين أخرى متفرقة تسلط الضوء في الصفحات اللاحقة على صلاحيات الضابطة العدلية في حالة الجريمة المشهودة وخارجها.
الفصل الثاني:صلاحيات الضابطة العدلية:
إنّ دراسة صلاحيات الضابطة العدلية تقتضي منّا معرفة كيفية علم الضابطة العدلية بوقوع الجرائم وكيفية تحرها خلالها.
من المعلوم أن الضابطة العدلية تتحرك بإحدى الطرق التالية:
إما عن طريق التدخل العفوي من قبل أي شخص بواسطة إخبار وإما عن طريق شكوى يتقدم بها أي متضرر من جرم جزائي وإما عن طريق المشاهدة المباشرة لجريمة معينة أو العلم بها. وهناك طريقة أخرى لتحريك الضابطة العدلية هي التكليف أو الإنابة من قبل النيابة العامة أو أي سلطة قضائية أخرى.
وهكذا فلا يوجد أسلوب معين يتم به علم الضابطة العدلية بالجريمة، فأي مصدر مشروع يصلح لتوافر هذا العلم. فإذا علمت الضابطة العدلية بوقوع جريمة بإحدى الطرق أو الوسائل السابقة أو بأية وسيلة أخرى مشروعة، فإن هذا العلم قد يكفي لكي ينشأ لها الإختصاص بمباشرة إجراءات التحقيق الأوّلي مباشرة دون حاجة إلى تكليف من النيابة العامة كما هو الحال في الجريمة المشهودة(فقرة أولى)، بينما يلزم هذا التكليف للقيام بتلك الإجراءات حتى ولو كانت قد علمت بوقوع الجريمة وذلك في الجرائم غير المشهودة(فقرة ثانية).
1- من هؤلاء الفقهاء:
- د. علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – المرجع السابق – ص 20 وما يليها.
- د. حاتم ماضي: "أصول محاكمات جزائية" – مرجع سابق – ص 142.
- د. عفيف شمس الدين: "أصول محاكمات جزائية" – بيروت 2001 – ص 186.
2- د. فيلومين نصر:" أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق- ص 420.
فقرة أولى: إجراءاتها في حالة الجريمة المشهودة:
إستعمل المشرع اللبناني في قانون أصول المحاكمات الجزائية عبارة "الجريمة المشهودة" للدلالة على الجناية المشهودة والجنحة المشهودة في آنٍ معاً. ولكن قبل التطرق لإجراءات الضابطة العدلية في حالة الجريمة المشهودة لا بدّ من توضيح حالات الجرم المشهود، وفي هذا السياق نصّت المادة 29 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد على ما يلي: "تعد الجريمة مشهودة:
أ- الجريمة التي تشاهد عند وقوعها.
ب- الجريمة التي يقبض على فاعلها أثناء أو فور إرتكابها.
ت- الجريمة التي يلاحق فيها المشتبه فيه بناءً على صراخ الناس.
ث- الجريمة التي يتم إكتشافها فور الإنتهاء من إرتكابها في وقت تدل آثارها عليها بشكل واضح.
ج- الجريمة التي يضبط فيها شخص أشياء أو أسلحة أو أوراق يستدل منها على أنه مرتكبها، وذلك في خلال الأربع والعشرين ساعة من وقوعها."
يفهم من هذا النص أن العبرة في وصف الجريمة بالمشهودة هو التقارب الزمني بين لحظة إرتكاب الجريمة ولحظة إكتشافها أو إدارتها، شرط أن لا تتعدّى الأربع وعشرين ساعة. فالجريمة المشهودة هي التي تشاهد فور إرتكابها أو تكتشف بعد فترة 24 ساعة. وينشأ عن هذا الوصف حالة ضرورة تفرض سرعة إتّخاذ الإجراءات اللازمة لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن تلك الجريمة قبل زوال الأدلة أو تشويهها أو العبث فيها وهذا يقتضي إعطاء الجهات المختصة بالتحقيق االأولي وعلى رأسها الظابطة العدلية صلاحيّات إستثنائية قد تنطوي على المساس بالحقوق والحريات الفردية حالة تنزل منزلة الجريمة المشهودة عندما نصّت على أنه: "تنزل منزلة الجريمة المشهودة تلك التي تقع داخل بيت فيطلب صاحبه أو أحد شاغليه، في مهلة أربع وعشرين ساعة من تاريخ إكتشافها، من النيابة العامة التحقيق فيها سواء أكانت جناية أو جنحة". وبالتالي إنّ مهلة الأربع وعشرين ساعة تحسب ليس من تاريخ إرتكابها إنّما من تاريخ إكتشافها بحيث أن صاحب المنزل أو شاغله هو الذي يطلب تدخّل السلطات المختصّة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: هل أنّ حالات الجريمة المشهودة المذكورة أعلاه قد وردت على سبيل الحصر أو على سبيل المثال؟ إن الرأي الراجح فقهاً هو إعتبار حالات الجريمة المشهودة قد وردت على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال والسبب في ذلك يرجع الى أنه يترتّب على توافر إحدى تلك الحالات آثاراً إجرائية تتمثّل في منح النيابة العامة والضابطة العدلية سلطات إضافية إستثنائية تنطوي على المساس بالحريّات والحقوق الفردية، ومن ثمّ وجب حصرها في نطاق ما يقتضيه النص فقط وعدم تجاوزه الى حالات أخرى لم يرد لها ذكر في النص(1).
بناءً على ما تقدم نستنتج أنه إذا كانت الوظيفة الأساسية للضابطة العدلية تكمن في إستقصاء الجرائم مهما كان نوعها وخاصة تلك التي تكون موضوع شكاوى أو إخبارات، غير أنّ قانون أصول المحاكمات الجزائية سمح لها وبصورة حصرية القيام ببعض أعمال التحقيق التي هي أصلاً من صلاحية النائب العام، عندما تكون الجريمة من نوع الجريمة المشهودة( جناية مشهودة أو جنحة مشهودة) أو عندما تتم إستنابة الضابط العدلي للتحقيق.
1- د. محمود محمود مصطفى:" شرح قانون الإجراءات الجنائية"- القاهرة- الطبعة 12-1988-ص 236.
د. محمود نجيب حسني:" شرح قانون الإجراءات الجنائية"- مرجع سابق-ص 534.
د. علي زكي العرابي:" المبادىء الأساسية للإجراءات الجنائية"-القاهرة-1951-الجزء الأوّل-ص244 وما يليها.
البند الأوّل: في حالة الجناية المشهودة:
لم يخصص المشرع اللبناني في قانون أصول المحاكمات الجزائية، فصلاً خاصّاً لإجراءات الضابطة العدلية في الجناية المشهودة وإنّما تحدث عن الجناية المشهودة ضمن الفصل الخاص بإجراءات الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة وبالتالي نرى بإنه في كل مرّة يذكر المشرع اللبناني عبارة "جريمة مشهودة" فهو يقصدالجناية والجنحة معاً وبالعكس في كل مرّة يذكر جناية مشهودة فهو يستبعد الجنحة المشهودة وهكذا دواليك.
لقد خُصّصت المواد 41 حتى 46 أصول جزائية لإجراءات الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة.
ففي الجناية المشهودة يتوجب على الضابط العدلي أن ينتقل فوراً إلى مكان وقوع الجناية المشهودة، بعد أن يطلع النائب العام المختص عليها، وعليه أن يحافظ على الآثار والأدلّة المتروكة وعلى كل ما من شأنه أن يساعده على جلاء الحقيقة (م 41 فقرة أولى).
على الضابط العدلي أن يضبط الأسلحة والمواد المستعملة في الجريمة أو الناتجة عنها وينظم محضراً بها. يحق له أن يستمع إلى كل من شاهد مسرح الجريمة، ولكن دون أن يحلفه يمين الشهادة كما يفعل النائب العام أو المحامي العام، عندما يتولى التحقيق بنفسه. إذا توافرت شبهات قوية على أحد الأشخاص حول إرتكابه الجريمة أو إسهامه فيها، فإنه يجب على الضابط العدلي أن يتحرى عنه وأن يلقي القبض عليه، وله أن يستجوبه دون إكراه، فإن أبى الإدلاء بإفادته لا يجوز أن يكرهه على الكلام(م 41 فقرة أولى).
وفيما يتعلق بتفتيش المنازل من قبل الضابطة العدلية فإن هناك جدلاً فقهيّاً حول هذا الموضوع. فبعض الفقهاء يعتبر أنه لا يجوز للضابطة العدلية تفتيش المنازل إلاّ في حالة الجناية المشهودة أو عندما يطلبهم صاحب المنزل. أمّا بالنسبة للجنحة المشهودة فلا يحق لهم ذلك ما لم يوافق صاحب المنزل على التفتيش بصورة صريحة(1).
أما البعض الآخر فيعتبر أن المادة 41 التي تمنح هذا الحق لرجال الضابطة العدلية لا تيمز بين جناية وجنحة مشهودة، فعبارة جرم مشهود تشمل الإثنين معاً(2).
نحن نميل إلى الرأي الأوّل القائل بعدم جواز التفتيش في أي منزل إلاّ ضمن الشروط المحددة قانوناً والدليل على ذلك أنَّ المادة 43 فقرة 2 نصت على هذا الإتجاه بقولها:" كل تفتيش تجريه الضابطة العدلية في أحد المنازل، خلافاً للأصول التي حدّدها القانون للنائب العام في الجناية المشهودة، يكون باطلاً. يتعرض الضابط العدلي الذي يدخل المنزل، خلافاً لهذه الأصول ويجري التفتيش فيه، للملاحقة بالجنحة المنصوص عليها في المادة 370 من قانون العقوبات. غير أنّ الإبطال في هذا الشأن يقتصر على المعاملة الباطلة ولا يتعداه إلى سائر إجراءات التحقيق".
وأمام هذا الإختلاف الفقهي حول إجراء خطير مثل التفتيش نتمنى أن يتدخل المشرع اللبناني ويحسم هذا الجدل بشكل دقيق كما هو الحال في فرنسا التي أعطت الحق للضابطة العدلية بالتفتيش بشكل صريح في حال الجناية المشهودة والجنحة المشهودة المعاقب عليها بالحبس بغية الحفاظ على الأدلّة ومنع إختفائها بأقصى سرعة ممكنة(3).
1- مخايل لحود:" شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية"- دار المنشورات الحقوقية- 1994- ص 297 وما يليها.
2- د. علي عبد القادر القهوجي:" شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق- ص 150.
3- Cass. Crim. 27/8/1987- Dalloz- 1988. P.179.
ومن ضمن إجراءات الضابطة العدلية في الجناية المشهودة أنه إذا وجد الضابط العدلي أن ضرورات التحقيق تستوجب إحتجاز المشتبه فيه مدة أطول(1)، فعليه أن يستحصل من النائب العام على قرار معلل بتمديد المهلة إلى أربعة أيام بعد أن يكون هذا الأخير قد اطلع على الملف وتثبت من مبررات التمديد( م 42 فقرة أولى).
ويحق للمشتبه فيه أو لوكيله أو لأي فرد من أفراد عائلته أن يطلب خلال المهلة الممدّدة( أي مهلة الأربعة أيام فقط دون المهلة الأساسية)، تعيين طبيب لمعاينته، على أن يسرع في تقديم تقريره بمهلة 24 ساعة على الأكثر وهي دون أدنى شك ضمانة للوقوف تؤمن عدم تعرضه للتعذيب أو على الأقل التمكن من إثبات ذلك قبل زوال الآثار(2).
ويكون النائب العام في هذه الحالة ملزماً بتعيين الطبيب فور تقديم الطلب، وتتم المعاينة دون حضور الضابط العدلي. وفي مطلق الأحوال تحسم مدة الإحتجاز من العقوبة التي قد يحكم بها. وهذا الإجراء يعتبر إنجازاً مهمّاً في التشريع اللبناني لأن قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم لم يكن يأخذ سوى بالتوفيق فلم يكن يحسم من العقوبة النهائية.
وأضافت المادة 43 أصول جزائية أنه:" إذا رأى الضابط العدلي أن ثمة أوراقاً أو أشياء تفيد التحقيق موجودة لدى شخص لم تتوافر شبهات قوية ضده فيكون للنائب العام أو لقاضي التحقيق، دون الضابط العدلي، أن يجري التفتيش في منزل هذا الشخص ما لم يوافق هذا الأخير دون إكراه على أن يقوم الضابط العدلي بالتفتيش".
وهذا يعني أنه يتوجب غلى الضابط العدلي في هذه الحالة أن يشرح لصاحب المنزل الوضع ويبيّن له حقه بالرفض وأن تكون موافقته واعية، وإلاّ كان التفتيش باطلاً دون سواه(3). ويلاحق الضابط العدلي بجرم التعدي على الحرية المنصوص عليه في المادة 370 عقوبات وهذا ما كرسته المادة 43 في فقرتها الثانية بنصها:" كل تفتيش تجريه الضابطة العدلية في أحد المنازل، خلافاً للأصول التي حددها القانون للنائب العام في الجناية المشهودة، يكون باطلاً. يتعرض الضابط العدلي الذي يدخل المنزل، خلافاً لهذه الأصول ويجري التفتيش فيه، للملاحقة بالجنحة المنصوص عليها في المادة 370 من قانون العقوبات. غير أنّ الإبطال في هذا الشأن يقتصر على المعاملة الباطلة ولا يتعداه إلى سائر إجراءات التحقيق".
إذا حضر النائب العام أو قاضي التحقيق إلى مسرح الجريمة فعندها يتوجب على الضابط العدلي أن يتوقف عن متابعة إجراءاته ما لم يكلفه أحدهما خطّيّاً بمتابعتها. ويمكن أن يشمل هذا التكليف إستجواب المشتبه فيه( المادة 44 فقرة أولى).
كما أنه لا يحق للضابط العدلي، بعد انتهاء الجريمة المشهودة، أن يجري أي تحقيق إضافي وإنما عليه أن يحيل المحاضر التي نظمها إلى النائب العام فور إنتهاء هذه الحالة مع المواد التي ضبطها أثناء التفتيش( المادة 44 فقرة 2) أي بعد إنقضاء فترة ثمانية أيام على مباشرة إجراءات الجريمة المشهودة.
وضمن اطار اجراءات الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة نصّت المادة 45 أصول جزائية على أنه: "لكلّ شخصٍ، في حالة الجريمة المشهودة جناية كانت أم جنحة تستوجب عقوبة الحبس، أن يقبض على الفاعل المتلبّس بها ويحضره الى أقرب مركزٍ للضابطة العدلية".
1- لم تذكر المادة 42 أ.م.ج المدة الأساسية التي يحق للضابط العدلي أن يحتجز المشتبه فيه خلالها ولكن المنطق يقضي بأن تكون نفس المدة الممنوحة للنائب العام أي 48 ساعة.
2- إن الحق بتعيين طبيب في الجرم المشهود يمارس بعد تمديد التوقيف أي بعد إنقضاء 48 ساعة على التوقيف وليس منذ بداية التوقيف كما هو الحال في الجرم غير المشهود الذي سنراه لاحقاً.
3- د. وسام غياض:" محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق- ص115.
وهذا النص يُضيف الى عداد الضابطة العدلية الأشخاص العاديين الذين ليس لديهم هذه الصفة في الحالات العادية، وطبعاً بهدف تعزيز دور العامة في حسن سير العدالة الجزائية، ولكن يُعاب على هذا النص أنه ذكر الجنحة التي تستوجب عقوبة الحبس. وهذا أمراً ليس سهلاً على عامة الناس، فكيف يستطيع هؤلاء معرفة نوع الجريمة ووضعها وعقوبتها؟ وبالتالي كان من الأفضل إستعمال عبارة جنحة فقط، كما يُؤخذُ على نص المادة 45 أنه ذكر عبارة "التلبس" وهذا يعني حالة من حالات الجريمة المشهودة وليس كلّها لأن حالة التلبّس تفترض مرور فترة محددة على الجرم المشهود. وكان يُفضل استعمال عبارة الجرم المشهود منعاً وتجنَباً لأي تفسيرات اجتهادية او فقهيّة متناقضة...
البند الثاني: في حالة الجنحة المشهودة:
تصدّت المادة 46 أًصول جزائية الى الشروط الواجب توافرها لإجازة القبض على المشتبه فيه في الجنحة المشهودة، فاعتبرت أنه يتعيّن أن يكون الحدّ الأدنى لعقوبة الحبس فيها سنة على الأقل. وهذا يعني أنه لا يحق لرجال الضابطة العدلية إلقاء القبض على المشتبه فيه إذا كانت عقوبة الجنحة المشهودة الغرامة فقط أو إذا كانت العقوبة أقل من سنة حبس. بمعنى آخر يتعيّن على الضابط العدلي أن يتحقق من مقدار عقوبة الجنحة المشهودة، قبل إقدامه على فعل القبض.وهذا أمر برأينا بغاية الصعوبة والتعقيد. فمن غير الممكن للضابط العدلي أن يتحقق من مقدار العقوبة، بحدّها الأدنى المطلوب، خاصةً أن تحديد عقوبة الجنحة مرتبط بالعقوبة التي يقرّرها القانون، وليس بتلك التي قد يحكم بها القاضي فيما بعد. ومن المنطقي القول أنّ الضابط العدلي في حالة الجنحة المشهودة لا يقوم بعملية القبض إلاّ تحت إشراف النائب العام أو أحد معاونيه. بمعنى آخر يتوجب على الضابط العدلي أن يتصل فوراً بالنائب العام أو أحد معاونيه ليستصدر أمراً حول إمكانية أو عدم إمكانية إلقاء القبض على المشتبه فيه، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو تحديد مدة إلقاء القبض؟
فالمادة 46 السالفة الذكر لم تحدد هذه المدة، لذلك يمكن العودة إلى إجراءات النيابة العامة في الجريمة المشهودة الواردة في المادة 29 التي حددت الإحتجاز لصالح النيابة العامة لمدة 24 ساعة، والمادة 32 التي حددت مدة الإحتجاز في الجناية المشهودة ب 48 ساعة قابلة للتمديد لمهلة مماثلة.
بناءً على ما تقدم نلاحظ أنّ مدة الإحتجاز والقبض في الجنحة المشهودة لا يجوز أن تتعدى الأربع وعشرين ساعة(1) لأن الجناية المشهودة وحدها خُصّت بمدة إحتجاز 48 ساعة قابلة للتمديد.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ المشرّع أعطى الضابط العدلي صلاحية التحقيق في الجنحة المشهودة وقد ينطوي هذا الإجراء على إستجواب المشتبه فيه وهذا يشكّل إستثناءً على القاعدة التي تعطي التحقيق والإستجواب إلى سلطة تحقيق وليس سلطة ملاحقة أو إستقصاء. ولكن طالما أنّنا أمام جريمة مشهودة من نوع الجنحة المشهودة فمن المعقول القول بإعطاء الضابط العدلي صلاحيات إستثنائية تقتضيها طبيعة الجريمة المشهودة وتنتهي بإنتهاء حالة الجرم المشهود. ومن البديهي القول أن المقصود بالإحتجاز هنا من قبل الضابط العدلي في الجنحة المقصودة هو الإحتجاز لمدة قصيرة تمهيداً لإتخاذ القرار المناسب بشأن الجنحة المشهودة أي إما إطلاق سراح المشتبه فيه بعد إنقضاء الأربع وعشرين ساعة وإما إحالته للمحاكمة بعد إدعاء النيابة العامة بحقه.
وهكذا بعد دراسة إجراءات الضابطة العدلية في الجناية المشهودة وفي الجنحة المشهودة ننتقل لدراسة إجراءات الضابطة العدلية في حالة الإستنابة القضائية.
1- المحامي الياس أبو عيد:" أصول المحاكمات الجزائية"- الجزء الثاني- ص 391.
البند الثالث: في حالة الإستنابة القضائية:
الإستنابة القضائية هي التكليف الذي بموجبه يكلِّف المرجع القضائي الناظر بالدعوى العامة لمرجع آخر (قاضٍ أو ضابط عدلي) للقيام بعمل من أعمال التحقيق هو أصلاً من إختصاصه وليس بإمكانه إتمامه أو أنه لا يرغب القيام به شخصيّاً.
« La commission rogatoire ou délégation est la mission qu’une autorité chargée de fonctions d’instruction donne à une autorité d’exécuter certains actes d’informations qu’elle ne peut pas accomplir elle-même»(1).
المبدأ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية سمح الإستنابة من قاضٍ إلى قاضٍ آخر فقط دون السماح بالإستنابة من قاضٍ إلى ضابطٍ عدلي. وهذا الأمر يستنتج بوضوح من المواد 84 و 94 و 104 أصول جزائية، لا بل ذهبت المادة 84 إلى أبعد من ذلك عندما منعت على قاضي التحقيق أن يستنيب ضابطاً عدليّاً لإستجواب المدعى عليه في غير حالة الجرم المشهود.
يفهم مما تقدم أن الإستنابة القضائية من قاضٍ( نائب عام أو قاضي تحقيق) لضابط عدلي هي إستثناء للقاعدة العامة وهي محصورة في حالة الجرم المشهود وهذا ما أكدته المادة 44 أصول جزائية بقولها:" إذا حضر النائب العام أو قاضي التحقيق فيتوقف الضابط العدلي عن متابعة إجراءاته ما لم يكلفه أحدهما خطّيّاً بمتابعتها. يمكن أن يشمل التكليف إستجواب المشتبه فيه. لا يحق للضابط العدلي، بعد إنتهاء حالة الجريمة المشهودة، أن يجري أي تحقيق إضافي وإنما عليه أن يحيل المحاضر التي نظمها إلى النائب العام فور إنتهاء هذه الحالة مع المواد التي ضبطها أثناء التفتيش". بناء عليه إذا سُطرت إستنابة قضائية من قاض( نائب عام أو قاضي تحقيق) إلى ضابط عدلي للقيام بإستجواب مشتبه فيه خارج حالة الجرم المشهود كانت هذه الإستنابة باطلة والإستجواب يعتبر باطلاً أيضاً لأنَّ ما بني على فاسد فهو فاسد.
وهكذا نلاحظ أن الإستجواب يكون جائزاً من قبل الضابطة العدلية في حال تكليفها بهذا الإجراء بصورة خطية من قبل النائب العام أو قاضي التحقيق وهو حكم جديد لم تشرّعه النصوص السابقة على قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. يبقى أن نشير أنه يشترط في الإستنابة القضائية أن تكون صادرة عن صاحب الحق الأصيل بالتحقيق أو التفتيش موضوع الإستنابة، وأن يكون الضابط العدلي مختص مكانيّاً ونوعيّاً ووظيفيّاً، وأن تكون الإستنابة محددة بدقّة وليس عامة، وأن تكون طبعاً مكتوبة ومؤرّخة بشكل دقيق. إن إجراءات الضابطة العدلية لا تقتصر على حالة الجريمة المشهودة التي فصّلناها أعلاه إنما هناك إجراءات عادية تقوم بها الضابطة العدلية خارج حالة الجرم المشهود ستكون موضوع الفقرة الثانية من هذا الفصل.
فقرة ثانية: إجراءاتها خارج حالة الجريمة المشهودة:
يقصد بإجراءات الضابطة العدلية خارج الجريمة المشهودة التحقيقات الأولية التي تجريها الضابطة العدلية مبدئيّاً بناءً لتكليف من النيابة العامة وهذا ما يعرف بالتحقيق الأوليEnquête préliminaire في الظروف العادية(2).
1- Merle et vitu: «traité de droit criminel - procédure pénale»- cujas- 4eme éditions 1989- page 426.
2- بينما التحقيق الأولي في الجريمة المشهودة يحصل في ظروف إستثنائية ويعطي الضابطة العدلية صلاحيات إستثنائية من حيث المبدأ تعتبر محظرّة في خارج الجريمة المشهودة.
إن هذه الإجراءات هي إجراءات ضبطيّة Procédure policière يتولاها رجال الضابطة العدلية الذين حدّدتهم المادة 38 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.ويمكن إختصار هذه الإجراءات بثلاثة مراحل أساسية هي:
· إستماع الشهود المشتبه بهم.
· التفتيش.
· التوقيف.
إنّ التحقيق الأولي خارج الجريمة المشهودة لم يكن ملحوظاً في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم. ولكن درج التعامل في ظلّ القانون القديم على السماح لرجال الضابطة العدلية القيام بتحقيقات أولية بعد إنتهاء الجريمة المشهودة بسبب الضرورات العملية التي تقتضي ذلك ولكن شرط حصولها تحت رقابة النيابة العامة. الواقع أن كثرة الشكاوى التي ترد الى النائب العام تفرض عليه الإستعانة برجال الضابطة العدلية لإجراء تحقيق، كما أنه ليس من الممكن عمليّاً إحالتها جميعاً الى قاضي التحقيق. فكان لا بُدّ من العهدة الى رجال الضابطة العدلية بتحقيقات أولية يسترشد بها النائب العام.
لا شكّ بأنه، أمام تكاثر الدعاوى والشكاوى وإستحالة تكليف القضاة بالتحقيقات الأوليّة، لا بُدّ من تدخّل الضابطة العدلية. وقد أيّدت هذه النظرة دراسات وتقارير قانونية كثيرة أجمعت على بيان الفوائد الجمّة الكامنة وراء تكليف الضابطة العدلية بالتحقيقات الأوليّة سواء لجهة السرعة وإن لجهة الفعالية من حيث ضبط آثار الجريمة وكشف فاعليها وإلقاء القبض عليهم. إلاّ أن غياب النصوص المنظمة والضابطة، خاصة خارج إطار الجرم المشهود، كانت تجعل من التحقيقات الأوليّة حرّة من أيّة قواعد قانونية صريحة وواضحة، فأصبحت نظاماً عرفيّاً غير مستقر وعرضة للتغيرات تشديداً أو تهاوناً وفق شخصية المسؤولين من نيابة وضبّاط(1)، الى أن صدر قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الذي قام على أساس قرنية البراءة وركّز في نصوصه على حماية الحريات خاصةً في مرحلة التحقيق الأولي.
وبالفعل لقد قنّن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد مسألة التحقيق الأولي خارج الجريمة المشهودة وذلك بتكريسه المواد 47 حتى 50 منه التي وضعت الإجراءات المسموح القيام بها خلال مرحلة التحقيق الأولي من قبل الضابطة العدلية وحدودها (البند الأول) والتي حدّدت حقوق الموقوفين لدى الضابطة العدلية خلال هذه المرحلة (البند الثاني).
البند الأوّل: حدود هذه الإجراءات:
نصّت المادة 14 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد على أنه: "لوزير العدل أن يطلب الى النائب العام التمييزي إجراء التعقبات بشأن الجرائم التي يتصل خبرها بعمله. ولهذا الأخير عند الإقتضاء الحق بإجراء التحقيق مباشرة أو بواسطة معاونيه من قضاة النيابة العامة الملحقين به أو أفراد الضابطة العدلية التابعين له دون أن يكون له حق الإدّعاء".
ونصّت المادة 47 أصول جزائية المهام التي يقوم بها مساعدو النيابة العامة من ضبّاط الشرطة والدرك، بناءً لتكليف من النيابة العامة، ومنها إستقصاء الجرائم غير المشهودة وجمع المعلومات والقيام بالتحرّيات والإستماع للشهود والتفتيش والإحتجاز وغيرها... وطبعاً ذلك يتم تحت إشراف ومراقبة النائب العام.
1- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 445 و 446.
إن الإجراءات التي يحق للضابطة العدلية القيام بها هي إجراءات مقنّنة في نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد وبالتالي هي إجراءات محدودة بقيود قانونية واضحة وذلك على الشكل التالي:
· إستقصاء الجرائم وجمع المعلومات عنها، والقيام بالتحرّيات لكشف الفاعلين: المقصود بالإستقصاء هو البحث والتنقيب وجمع المعلومات عن الجرائم وعن مرتكبيها. وإستقصاء الجرائم يقع ضمن مرحلة الإستدلال عنها، وهي مرحلة إعداد بالنسبة الى مرحلة التحقيق الإبتدائي كما سنرى لاحقاّ. ومن البديهي القول أن مرحلة الإستدلال منفصلة عن مرحلة التحقيق وإنْ كانت خاضعة فيما بعد لرقابة قاضي التحقيق. وذلك على إعتبار أن هذا الأخير سوف يقدّر ملاءمتها للسير بالدعوى العامة(1). فالإستقصاء إذن لا يجوز أن يكون سنداً لقاضي الأساس في حكمه، خلافاً لما نشاهده في الكثير من الأحكام التي تعتمده كدليل ثابت. والحقيقة هي أنّ إجراءات الإستقصاء وجمع المعلومات والتحرّيات تصلح أساساً للتحقيق الإبتدائي. وبالتالي يتوجب عل على عناصر الضابطة العدلية أن يفتّشوا عن المعلومات والأدلّة وأن يقوموا بالإستقصاء بطرق مشروعة إذ أن المشروعية في الحصول على الأدلّة الجرميّة، المفروضة على القاضي، يجب أن تُفرض أيضاً، ومن باب أولى، على أشخاص الضابطة العدلية(2).
· جمع الأدلّة على الفاعلين والمساهمين في إرتكاب الجريمة: المبدأ أنّ جمع الأدلّة هو من إختصاص قضاء التحقيق وقضاء الحكم وليس الضابطة العدلية عملاً بالمبادئ التي ترعى نظرية الإثبات الجزائي، إلاّ أن المشرع اللبناني خرج عن هذا المبدأ عندما أضاف الى وظائف الضابطة العدلية في نطاق الجريمة غير المشهودة مهمة "جمع الأدلّة" لأن ما ينتج عن إجراءات التحقيق الأولي لا يعدّد كونه مجرّد معلومات تحتاج الى التقييم والتمحيص لتصبح دليلاً قانونيّاً كافياً. ونحن نرى بوجوب تعديل المادة 47 أصول جزائية لجهة إقصاء مهمة جمع الأدلّة عن مهام الضابطة العدلية في الجريمة غير المشهودة لإنتفاء الضمانات الكافية التي تتطلّبها نشأة الدليل، ولضمان عدم تجاوز أفراد الضابطة العدلية إختصاصاتها والتعدّي على صلاحيّات قضاء التحقيق وقضاء الحكم.
· الإنتقال والمعاينة وضبط المواد الجرميّة وإجراء الكشوفات الحسيّة: طالما أن المادة 47 أصول جزائية أعطت الضابطة العدلية حق جمع المعلومات والقيام بالتحرّيات اللازمة لتبيان الحقيقة وجلائها، لذلك فإنه من الطبيعي أن يقتضي القيام بذلك إنتقال هؤلاء الى مكان وقوع الجريمة من أجل معاينة وضبط ما يتبيّن من مواد جرميّة، ووصف مكان وقوع الجريمة وبيان مشاهداتهم وكل ما من شأنه أن يساهم في كشف الحقيقة. وطبعاً إنّ هذه الإجراءات لا تتمّ إلاّ عن طريق معاينة المكان أو الأمكنة ماديّاً، ورفع الآثار المادية والبصمات عن الأشياء الموجودة، وأخذ الصور الفوتوغرافية وغيرها...
· إجراء دراسات علمية وتقنية: قد تتطلّب بعض الجرائم غير المشهودة الخبرة العلمية والتقنية، لذلك أجاز المشرع اللبناني للضابطة العدلية الإستعانة بالخبراء الفنيّين، والأطبّاء الشرعيّين لتحليل الأشياء والمواد الناجمة عن الجريمة، واللجوء الى المختبرات المختصّة لإجراء التحاليل الكيمائية وتحليل المنسوجات، وفحص آثار الأقدام وإطارات المركبات...
· الإستماع الى الشهود، دون تحليفهم اليمين: أجازت المادة 47 أصول جزائية للضابط العدلي أن يستمع الى إفادات الشهود من أجل جمع المعلومات حول الجريمة وكيفية حصولها، ولكن دون تحليفهم اليمين القانونية. وتعتبر هذه الشهادة إجراءً من إجراءات التحقيق الأولي، وليس من إجراءات التحقيق الإبتدائي.
1- Merle et vétu: “procédure pénale” – op. cit. page 244.
2- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – الجزء الثاني – ص 402.
تجدر الإشارة الى أنه من نتيجة عدم خضوع الشاهد لأداء قسم اليمين أمام الضابطة العدلية أنه إذا كذب في شهادته، فلا يسأل عن جريمة شهادة الزور، وكذلك على إعتبار أن تحقيق هذه الجريمة يستوجب حلف اليمين قبل أدائها، الرّكن المفقود في شهادة الزور. وصحيح أن المشرع لم يفرض حلف اليمين لأداء الشهادة أمام الضابط العدلية، إلاّ أنّ الشهادة التي تؤدى تحت قسم اليمين لا تعتبر باطلة. ويفهم من أحكام المادة 47 أصول جزائية أن أداء الشهادة ليس إلزامياً، وبالتالي إذا رفض من لديه معلومات عن الجريمة الحضور أمام الضابط العدلي للإدلاء بمعلوماته، فلا يحق للضابطة العدلية إكراههم على الإدلاء بإفاداتهم تحت طائلة بطلان هذه الإفادات.
وهذا ما نقرأه على لسان العلامة R. Garraud بقوله:
"Aucune contrainte ne peut être exercée contre les témoins pour les obliger à comparaitre ou à déposer.(1)"
· الإستماع الى أقوال المشكو منهم أو المشتبه فيهم: لا يقصد بالإستماع الى أقوال المشكو منهم "الإستجواب"، بل توجيه أسئلة عن المعلومات التي يملكها الضابط العدلي أو التي حصل عليها من أقوال الشهود أو تقارير الخبراء، وتبقى هذه الأسئلة ضمن إطار الإستفسار ولا تتعدّاها الى مرحلة الإستجواب لأن هذا الأخير يعتبر إجراءً من إجراءات التحقيق وفقاً لمنطوق المادة 47 أصول جزائية. تجدر الإشارة الى أنه من حق المشتبه فيه أو المشكو منه الاّ يرد على أسئلة الضابط العدلي، وبالتالي إن إجبار المشتبه فيه أو المشكو منه على الكلام تحت ضغط الإكراه المادي أو المعنوي من شأنه أن يؤدي الى إعتبار إفادته باطلة بطلاناً مطلقاً(2). وعند الإمتناع عن الردّ وإلتزام الصمت، يتوجب على الضابط العدلي أن يشير الى ذلك في المحضر الذي يحرّره(3).
· تفتيش المنازل أو الأشخاص بإذن مسبق من النيابة العامة: المبدأ أن التفتيش هو إجراء من إجراءات التحقيق الإبتدائي الداخل في إختصاص قاضي التحقيق، الاّ أن المشرع اللبناني أجاز طرحة في المادة 47 أصول جزائية للضابطة العدلية القيام بالتفتيش، وهذا يشكل إستثناءً للقاعدة بحيث أنه أجاز تفتيش المنازل والأشخاص من قبل الضابطة العدلية مع علمه بما يشكّله من إفتئات على حرية الناس وحرمة منازلهم.
ولكن هذه الإجازة للضابطة العدلية بالتفتيش لا يمكن أن تتم الاّ بعد الحصول على إذن مسبق من النيابة العامة في هذا الخصوص. وهكذا إذا أذَنَت النيابة العامة بتفتيش منزل أو شخص مشتبه فيه، يتعيّن على الضابط العدلي أن يراعي الأصول التي حدّدها القانون للنائب العام في الجريمة المشهودة وفقاً لمنطوق المادة 33 أصول جزائية. بمعنى آخر يتعيّن على الضابط العدلي أن يدخل منزل المشتبه فيه للتفتيش بين الساعة الخامسة صباحاً والثامنة مساءً، ما لم يوافق صاحب المنزل صراحةً على التفتيش خارج هذه الفترة. كما يتوجّب عليه أن يجري التفتيش بحضور المشتبه فيه. فإن لم يكن حاضراً، أو إمتنع عن الحضور، أو كان متوارياً عن الأنظار، يجري التفتيش بحضور وكيله أو إثنين من أفراد عائلته الراشدين أو شاهدين يختارهما النائب العام.
1- René Garraud: “Instruction criminelle et procédure pénale“ Paris 1932 – Tome II – page 629 – N=750.
2- قرار محكمة التمييز الجزائية رقم 23 تاريخ 23/02/1996 – المصنّف السنوي للقاضي عفيف شمس الدين 1999 – ص89.
3- للتوسع حول هذا يراجع: Pierre Bouzat: “La loyauté dans la recherche des preuves” – Paris – éditions Sirey 1964. P 162.
يبقى أن نقول أنه لا يحق للضابطة العدلية القيام تلقائياً بمعاملة التفتيش للمنازل وإن كان الجرم مشهوداً. وقد بيّنت المادة 43 أصول جزائية ذلك عندما فرضت على الضابط العدلي عند شكِّه بوجود أشياء في منزل تحوم حوله شبهات قوية إبلاغ النائب العام بذلك أو قاضي التحقيق، ويكون لأيٍّ منهما القيام بالتفتيش دون الضابط العدلي ما لم يوافق صاحب المنزل دون إكراه على قيام هذا الأخير بذلك.
· إحتجاز المشتبه فيه أو الإبقاء تحت الحراسة "Gade à vue": منعت المادة 47 أصول جزائية رجال الضابطة العدلية إحتجاز المشتبه فيهم في نظاراتهم الاّ بقرار من النيابة العامة، وضمن مدّة لا تزيد عن 48 ساعة قابلة للتمديد لمدة مماثلة بعد موافقة النيابة العامة(1). وهذا يعني أن الإحتجاز التلقائي في الجريمة غير المشهودة هو أمر غير جائز وهذا الأمر بخلاف ما هو عليه في الجريمة المشهودة إذ رأينا أن المادة 41 أصول جزائية أعطت الضابطة العدلية حق إلقاء القبض على من تتوفر بحقه شبهات قوة وذلك لمدة 48 ساعة قابلة للتمديد بقرار معلّل من النائب العام.
ولكن الحكمة من وراء منع الإحتجاز التلقائي في خطورة هذا الإجراء لما يسببه من سلب وتقييد لحرية المشتبه فيه، من هنا كان الحظر على الضابط العدلي بالإحتجاز دون الحصول على موافقة مسبقة من النيابة العامة. وهكذا بعد أن بيّنّا الإجراءات المعطاة للضابطة العدلية خارج إطار الجريمة المشهودة وحدودها على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية، يبقى أن نبيّن حقوق الموقوفين (المشتبه فيهم) أمام الضابطة العدلية في حالة الجريمة غير المشهودة.
البند الثاني: حقوق الموقوفين لدى الضابطة العدلية:
أعطى قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد المشتبه فيه أو المشكو منه المحتجز لدى الضابطة العدلية مجموعة من الضمانات تتمثّل بالحقوق التالية:
· الإتصال فوراً بأحد الأشخاص وفق إختياره لإعلامه بمكان وجوده وحالته(2)، وطبعاً المقصود هنا بالإتصال الهاتفي لإبلاغ الأشخاص المذكورين في متن المادة 47 أصول جزائية بما حصل، ووضعهم في الظروف التي أدّت الى الإحتجاز وأسباب هذا الإحتجاز. في الواقع إنّ الهدف من هذا الإتصال هو طمأنة معارف المحتجز وأخذ المشورة وطلب المعاونة إذا أمكن. ويتوجب على الضابط العدلي أن يؤمِّن هذا الإتصال من دون تردّد، لأنه حق من الحقوق المشروعة التي أعطاها القانون للمحتجزين أمام الضابطة العدلية.
· مقابلة محام يعينه بتصريح يدوّن على المحضر دون الحاجة الى وكالة منظمة وفقاً للأصول. نلاحظ هنا أن المادة 47 أصول جزائية تحدّثت عن إمكانية الإتصال بمحام ومقابلته ولم تتحدّث عن إمكانية الإستعانة بمحامٍ كمدافع عن المشتبه فيه أثناء مرحلة التحقيق الأولي لدى الضابطة العدلية في الجريمة غير المشهودة.
1- هذا الأمر بخلاف ما هو معمول به في فرنسا إذ أن المادة 77 أصول جزائية فرنسي أعطت الضابط العدلي حق حجز المشتبه به بمجرّد أن تحوم حوله الشبهات القوية ودون الرجوع الى النيابة العامة.
2- يقابل هذا الحق نص المادة 63 فقرة (2) أصول جزائية فرنسي:
“Toute personne placée en garde à vue peut, à sa demande, fais prévenir sans délai, par téléphone, une personne avec laquelle elle vit habituellement ou l’un de ses parents en ligne directe, l’un de ses frères et sœurs ou son employeur de la mesure dont elle est l’objet”.
ولعلّ أن المشرع اللبناني إعتبر أن المشتبه فيه ليس لديه الوقت الكافي للإستعانة بمحامٍ خلال إجراءات التحقيق الأولي وانه في كل الأحوال أُعطي هذا الحق أثناء التحقيق الإبتدائي أمام قاضي التحقيق. نحن نعتبر أن هذه الحجج هي حجج غير مقنعة وخجولة، لأنه أثناء مرحلة التحقيق الأولي، نكون أمام ضابط عدلي لا يفقه أصول التحقيق وبالتالي من شأن ذلك أي التحقيق بدون علمٍ أن يجعله يتصرف بدون رقيب أو حسيب وقد يتعسف في استعمال الحقوق المعطاة له أو يلجأ لإستعمال وسائل غير مشروعة لحمل المشتبه فيه على الإعتراف.
بناءً على ما تقدم نستطيع القول بأنه أثناء مرحلة التحقيق الأولي يقتصر دور المحامي على الإتصال الهاتفي والمقابلة الشخصية، ولا يطال دوره حضور إجراءات هذا التحقيق أو سماع أقوال المشتبه فيه.
يبقى أن نشير إلى أن المادة 47 أصول جزائية لم تنص على مسألة حضور المحامي للتحقيق الأوّلي ولكنها في نفس الوقت لم تمنع هذا الإجراء. بمعنى آخر يبقى الأمر متروكاً إلى الضابط العدلي في تقدير ما إذا كان يستجيب إلى هذا الطلب أو يرفضه(1).
· الإستعانة بمترجم محلّف إذا لم يكن يحسن اللغة العربية: والهدف من ذلك هو مساعدة المحتجز أو المشتبه فيه في فهم ما ينسبه إليه من شبهات وما يوجَّه إليه من أسئلة، لتمكينه من الإجابة عليها. ولقد جاءت المادة 47 شاملة لكل من لا يحسن اللغة العربية وبالتالي فهي تشمل المواطنين اللبنانيين والأجانب وتمتد بنظرنا لتشمل الأبكم والأصم أي ذوي الحاجات الخاصة. وحبذا لو حذا المشرع اللبناني حذو المشرّع الفرنسي بنصه بصورة صريحة عن هذا الحق لكل من الأبكم والأصم(2). نشير هنا أنه لا يتوجب على المترجم المحلَّف أن يحلف اليمين عند قيامه بعملية الترجمة.
· طلب تعيين طبيب لمعاينته: يقدم هذا الطلب مباشرة أو بواسطة وكيله أو أحد أفراد عائلته إلى النائب العام وليس إلى الضابط العدلي. وبمجرّد تقديم طلب المعاينة الطبية، يتوجب على النائب العام تعيين طبيب لإجراء المعاينة بصورة فورية. على الطبيب أن يجري المعاينة والتأكد من الحالة الصحية للمشتبه فيه ( وجود إعتداء أو تعرض...) دون حضور أي من الضباط العدليين، لأن المعاينة هي محض طبية وبالتالي لا مبرّر لحضور أي شخص آخر مع الطبيب أثناء قيامه بتنفيذ مهمته.
وبعد ذلك يتعين على الطبيب أن يرفع تقريره إلى النائب العام في مدة لا تتجاوز الأربع وعشرين ساعة. وعند ورود التقرير إلى قلم النيابة العامة، يتوجب عليها فور إستلامه إبلاغ نسخة عنه إلى طالب المعاينة الطبية وفي حال قررت النيابة العامة تمديد فترة الإحتجاز. فلا شيء يمنع من تقديم طلب معاينة جديدة خلال فترة الإحتجاز الجديدة، وهذا ما كرّسته المادة 47 السالفة الذكر.
يبقى أن نشير إلى أنه يتوجب على الضابطة العدلية، إبلاغ المشتبه فيه، فور إحتجازه، بحقوقه القانونية التي شرحناها أعلاه، وتدوين هذا الأمر في المحضر.
وإذا خالف الضابط العدلي الأصول المتعلقة بإحتجاز المدعى عليه أو المشتبه فيه، والتي شرحناها أعلاه بالتفصيل، فإنه يتعرض للملاحقة بجريمة حجز الحرية الشخصية المنصوص عليها في المادة 367 عقوبات، بالإضافة إلى العقوبات المسلكية....
1- الياس أبو عيد:" أصول المحاكمات الجزائية"- مرجع سابق- الجزء الثاني- ص 440.
2- راجع المادة 73 فقرة 4- أصول محاكمات جزائية فرنسي.
الخاتمة:
نستنتج مما تقدم أن النيابة العامة كسلطة إدعاء في لبنان لا تقوم بوظيفتها دون الإستعانة بالضابطة العدلية التي عددت عناصرها مواد قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد مُستثنيةً قضاة التحقيق من عدادها على خلاف قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم. كما أن القانون الجديد قد عزز من موقع النيابة العامة التمييزية كرأس الهرم في سلطات الإدعاء والملاحقة وحيال إستقلاليتها في مواجهة وزير الوصاية أي وزير العدل.
كما بيّن القانون الجديد صلاحيات النيابة العامة والضابطة العدلية في حالتي الجريمة المشهودة والجريمة غير المشهودة مع تقنين نصوص جديدة تتعلق بالتحقيق الأوّلي الذي تمارسه الضابطة العدلية خارج نطاق الجرم المشهود وقد كرّس القانون الجديد الذي بُنيَ على قرينة البراءة مجموعة من الحقوق المحفوظة للمشتبه بهم والموقوفين والمدعى عليهم أمام كل من سلطتي الإدعاء والملاحقة عنيت بذلك النيابة العامة والضابطة العدلية.
بقلم الدكتور وسام غياض
مدير كلية الحقوق والعلوم السياسية
في الجامعة اللبنانية
مجلة الحياة النيابية
سنة 2014 / عدد 91
مُستشهد به