دراسة الدكتور وسام غياض 01/01/2014
الدعاوى الناشئة عن الجريمة الجزائية على ضوء قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد
- المؤلف
- الدكتور وسام غياض
- تاريخ النشر
- 01/01/2014
- المصدر
- الجامعة اللبنانية
الدعاوى الناشئة عن الجريمة الجزائية على ضوء قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد
من المسلّم به انه تنشأ عن كل جريمة دعوى جزائية تتمثل في حق المجتمع او الدولة في توقيع العقاب بالجاني. الا ان توقيع العقوبة من قبل قضاء الحكم يتطلب اقامة دعوى بوجه الفاعلين او المساهمين وهذه الدعوى هي ما يعرف بدعوى الحق العام او الدعوى العامة. ولقد عرفتها المادة الخامسة من قانون اصول المحاكمات الجزائية بأنها: "الرامية الى ملاحقة مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها والى تطبيق العقوبات والتدابير في حقهم...".
وقد ينشأ عن الجريمة أيضاً ضرر مادّي أو معنوي يعطي كل متضرّر منها حق المطالبة بتعويض عن طريق دعوى ثانية تعرف بالدعوى المدنية أو دعوى الحق الشخصي ولقد عرفتها المادة الخامسة أيضاً من نفس القانون بنصِّها: "... أما دعوى الحق الشخصي بالتعويض عن الضرر الناتج عن الجرائم فهي حق لكل متضرّر". وعليه فإنّ دراسة الدعاوى الناشئة عن الجريمة تقتضي معالجة الدعوى العامة في بابٍ أوّل ثمّ التطرّف للدعوى المدنية في بابٍ ثاني.
الباب الأول: الدعوى العامة:
الدعوى العامة هي تلك التي تنشأ عن وقوع جريمة معيّنة، فبمجرّد وقوعها يتولد حق للمجتمع في معاقبة مرتكبيها لأنها تمثّل إعتداء على مصالحه الأساسية والجوهرية وذلك عن طريق دعوى تقيمها وتباشرها النيابة العامة التي تمثّل المجتمع وتنوب عنه في هذا الشأن، لذلك نجد أن المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد أناطت الدعوى العامة بقضاة النيابة العامة وهي ترمي الى ملاحقة مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها والى تطبيق العقوبات والتدابير في حقهم.
والدعوى العامة لا تحرَّك فقط عن طريق النيابة العامة بل يمكن تحريكها عن طريق الإدّعاء الشخصي من قبل المتضرّر من هذه الجريمة. وهذه الدعوى قد تنتهي إمّا بالإدانة أو البراءة أو وقف التعقّبات وقد تنتهي أيضًا بأسباب أخرى حدّدتها المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية وهي تعرف بأسباب سقوط دعوى الحق العام.
الفصل الأول: أطراف الدعوى العامة:
تعتبر النيابة العامة طرفًا أصيلاً في الدعوى العامة فهي تمثّل المجتمع في تحريك هذه الدعوى وإستعمالها وهذا لا يعني أنّها تملك هذه الدعوى بل على العكس فهي لا تملك حق التنازل عنها أو المصالحة بشأنها بعد تحريكها ويقتصر دورها على أنها الوسيط بين المجتمع والقضاء المختص فهي تطالب باسم المجتمع توقيع العقوبة على مرتكب الجريمة.
الى جانب النيابة العامة كطرف أصيل يوجد طرف آخر ثانوي وهو المتضرّر أو المدّعى عليه الذي ينضم الى الدّعوى العامة ليطالب بالتعويض عمّا أصابه من ضرر أو يحرّكها مباشرةً لدى المرجع القضائي المختص أعني القاضي المنفرد أو قاضي التحقيق.
والطرف الثاني الأصيل في الدعوى العامة هو المدّعى عليه الذي تتعدّد صوره فإمّا أن يكون فاعلاً أو شريكًا أو متدخّلاً أو محرّضًا أو مخبّئاً.
والمبدأ المعمول به هو قرينة براءة المدّعى عليه حتى ثبوت إدانته وهو يتمتّع بحقوق دفاع متنوّعة تضمن له حريّته في مواجهة مطالب النيابة العامة.
والى جانبه يوجد طرف غير أصيل أيضًا وهو المسؤول بالمال أو الضامن الذي يلتزم بالتضامن مع المدّعى عليه بالردود والنفقات المتوجّبة للدولة.
- الفقرة الأولى: النيابة العامة:
هي عبارة عن جهاز أو هيئة قضائية مهمّتها إقامة الدعوى العامة ومباشرتها أمام القضاء المختص الى أن يصدر حكم مُبرم بالإدانة أو بالبراءة وهي تُقيم الدعوى العامة بصفتها ممثّلة أو وكيلة عن المجتمع وبالتالي فهي لا تملك دعوى الحق العام ولا يحق لها التنازل عنها أو التصالح بشأنها.
فالنيابة العامة تعتبر ممثّلاً للمدّعي في الدعوى العامة ولا يؤثّر ذلك على دور المدّعي المدني الذي يقتصر دوره على تمثيل الإدّعاء في الدعوى المدنية كما سنرى فيما بعد.
- الفقرة الثانية: المدّعى عليه:
يعتبر المدّعى عليه طرف أساسي في الدعوى العامة الى جانب النيابة العامة وقد أوردت المادة الخامسة من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن "... كل شخص تُقام عليه دعوى الحق العام يسمّى مدّعى عليه، ويسمّى ظنينًا إذا ظُنَّ فيه بجنحة ومتّهمًا إذا اتُّهم بجناية".
ومن المبادىء الأساسية المعمول بها في القوانين الجزائية مبدأ شخصية العقوبة فلا يسأل عن الجريمة إلاّ من إرتكبها أو ساهم فيها شخصيًا وهذا ما كرّسته المادة الخامسة المذكورة أعلاه في فقرتها الأولى.
أضف الى ذلك أن قانون العقوبات قد حدّد الأشخاص المسؤولين جزائيًا والذين يمكن ملاحقتهم كمدّعى عليهم وهم فاعل الجريمة والشريك والمحرِّض والمتدخِّل والمجنىء (1).
أما فيما يتعلّق بالمسؤول بالمال والضامن فلا تقام عليهما دعوى الحق العام لأن مسؤولية كل منهما هي مسؤولية مدنية وهما يُدعيان الى المحاكمة عندما تقترن الدعوى العامة بإدّعاء شخصي للمطالبة بالعطل والضرر ولا يقضى عليهما إلاّ بالتعويضات الشخصية (2).
وهذا ما نصت عليه صراحةً المادة 142 من قانون العقوبات، ولكن يبقى سؤالاً يتبادر الى الذهن وهو في معرفة مدى صحة الإدّعاء ضد مجهول، في الواقع، للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من التمييز بين مرحلة التحقيق ومرحلة المحاكمة.
(1) راجع قانون العقوبات من المادة 210 حتى المادة 222 ضمنًا.
(2) د. عفيف شمس الدين: " أصول المحاكمات الجزائية" - الطبعة الأولى - بيروت - 2001 - ص 56 وما يليها.
- في المرحلة الأولى نجد أن المادة 62 من قانون أصول المحاكمات الجزائية أعطت النيابة العامة الإستئنافية حق الإدّعاء أمام قاضي التحقيق ضد مجهول، وهذا الإدّعاء يؤدي الى تحريك دعوى الحق العام ويكون هدف التحقيق الإبتدائي في هذه الحالة هو الكشف عن فاعل الجريمة أو المساهم فيها. ولا شيء يمنع المتضرّر من جريمة جزائية أن يتقدّم بشكواه الى قاضي التحقيق ضد مجهول.
- أما في المرحلة الثانية فلا يجوز أن تُرفع الدعوى العامة ضد مجهول أمام المحكمة، والحكمة من ذلك هي في فسح المجال أمامه لكي يحضر ويدافع عن نفسه ويستمع الى الحكم الصادر ضده وهذا ما أكده القضاء اللبناني (1) إذ اعتبر أن إدّعاء النيابة العامة وكذلك شكوى المتضرّر أمام المحكمة باطلاً إذ انطوى على غموضٍ أو إلتباس حول هوية المدّعى عليه.
الفصل الثاني: تحريك الدعوى العامة واستعمالها:
لا بدّ من الإشارة الى أن تحريك الدعوى العامة (sa mise en mouvement) يختلف عن إستعمالها (son exercice) فالتحريك يعني وضع الدعوى العامة بحوزة السلطات القضائية المختصة، أما الإستعمال فهو يشمل التحريك وكذلك جميع الإجراءات التي تليه حتى صدور الحكم البات.
وبالعودة الى أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني نجد أنه أعطى النيابة العامة حق تحريك الدعوى العامة واستعمالها، أما المتضرّر فهو يملك فقط حق تحريكها دون إستعمالها.
كما أعطى القانون بعض الهيئات العامة (قضائية او غير قضائية) حق تحريك الدعوى العامة في حالاتٍ معينة.
بالمقابل نلاحظ أن المشرّع اللبناني أوجد قيوداً على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة وهذه القيود منها ما يتعلّق بصفة الفاعل ومنها ما يتعلّق أو يرتبط بطبيعة بعض الجرائم أو يتأتّى عن وجود قضايا معترضة.
الفقرة الأولى: الجهات التي يعود لها حق تحريك الدعوى العامة أو إستعمالها:
تعتبر النيابة العامة صاحبة الإختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العامة واستعمالها ولكن المشرّع اللبناني إسوةً بالتشريعات الأجنبية منح جهات أخرى بشكل إستثنائي إمكانية تحريك الدعوى العامة.
البند الأول: مبدأ إختصاص النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة وإستعمالها:
إن قراءة نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني تظهر لنا بوضوح أن صاحب الإختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العامة وإستعمالها هو النيابة العامة (2).
أما فيما يتعلّق بطريقة علم النيابة العامة بالجرائم الواقعة لكي تحرّك على أساسها دعوى الحق العام فإن المادة 25 من قانون أصول المحاكمات الجزائية قد حدّدت الوسائل التي تمكّن النيابة العامة من معرفة الجرائم، عندما نصّت على أنه: " تطّلع النيابة العامة على الجرائم بوسيلة أو أكثر من الوسائل الآتية:
(1) راجع قرار محكمة التمييز رقم 425 تاريخ 16/11/1945 - موسوعة عالية ص 304 - رقم 1142
(2) راجع المادتين 5 و 6 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
أ- التحقيقات التي تجريها بنفسها.
ب- التقارير التي تردها من السلطة الرسمية أو من موظف علم بوقوع جريمة أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض أو مناسبة قيامه بها. وله حق إجراء التحقيق في الإدارات والمؤسسات العامة دون الحق بالإدّعاء.
ج- الإستقصاءات الأولية التي تقوم بها الضابطة العدلية عند تكليفها بتقصّي الجرائم والمحاضر التي تضعها عند علمها بوقوعها.
د- الشكاوى والإخبارات التي تردها مباشرةً أو بواسطة النيابة العامة التمييزية أو مساعديها.
هـ- أي وسيلة مشروعة تتيح لها الحصول على معلومات عن الجريمة ".
تجدر الملاحظة هنا الى أن الإخبار يختلف عن الشكوى، فالأول يصدر عن كل من علم بالجريمة أو سمع بها، أما الثاني فيصدر عن المتضرّر أو وكيله إذا وُجد.
ولقد أحسن المشرع اللبناني في القانون الجديد عندما اشترط أن يكون الإخبار خطيّاً ومذيَّلاً بتوقيع واضعه أو وكيله وذلك في المادة 27 منه لأن التجربة القضائية في لبنان أثبتت ورود إخبارات الى النيابات العامة مذيَّلة بعبارة " المواطن الصالح " ومستهدفة أشخاصاً ظهرت فيما بعد براءتهم (1).
وبالنسبة لسلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة وإستعمالها:
فمن المعروف أن هناك نظامان يرعيان هذه المسألة:
النظام الأول (2) وهو ما يعرف (بمبدأ شرعية الملاحقةle Principe de la légalité des poursuites ( أو النظام القانوني وهنا تلتزم النيابة العامة بإحالة كل ما تعلم به من جرائم الى المراجع القضائية المختصة دون أن يكون لها أي سلطة تقديرية حول مدى جسامة أو خطورة الجريمة.
النظام الثاني (3) وهو ما يعرف (بمبدأ إستنسابية الملاحقة) le Principe de l’opportunité des poursuites أو النظام التقديري وهو النظام الذي يعطي النيابة العامة سلطة تقديرية واسعة في تحريك أو عدم تحريك الدعوى العامة وفق ما تراه يتلاءم مع مصلحة المجتمع الذي تمثّله.
(1) وهذا ما حصل في صيف 1999 عندما ورد الى مكاتب النيابة العامة التمييزية إخباراً مذيّلاً بعبارة " المواطن الصالح " ومستهدفاً المدير العام آنذاك لوزارة الإتصالات الدكتور عبد المنعم يوسف والرئيس السابق لمجلس إدارة " أوجيرو " يوسف النقيب، ولقد أخذت هذه الإخبارات طريقها القضائي بالرغم من العيوب الجوهرية التي إعترتها ما أثار حفيظة رجال القانون في لبنان.
(2) يأخذ به القانون الألماني والإسباني واليوناني وقوانين بعض المقاطعات السويسرية.
(3) يأخذ به القانون الفرنسي والمصري والبلجيكي والياباني.
وبالعودة الى قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني نجد أنه لم يتبنّى أيٌّ من هذين النظامين بصورة صريحة وواضحة لذلك إنقسم الفقهاء في لبنان حول النظام الذي تبنّاه المشرع اللبناني (1).
ونحن نرى أن فحوى نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية تشير الى الأخذ بمبدأ إستنسابية الملاحقة خاصةً وأن المشرع اللبناني أعطى المتضرّر من الجريمة الحق بتحريك الدعوى العامة في جميع الجرائم إذا ما تقاعست النيابة العامة عن القيام بذلك.
أضف الى ذلك أنه من الناحية العملية إن قاضي التحقيق يستأثر بالتحقيق في القضايا الهامة (جنايات وجنح هامة) ولا يبقى في حوزة النيابة العامة سوى المخالفات والجنح غير الهامة لتقرير أمر الحفظ أو عدمه.
البند الثاني: حق المدّعي الشخصي في تحريك الدعوى العامة دون إستعمالها:
أجاز المشرع اللبناني للمتضرّر من جرم جزائي أن يطالب بتعويضه عن هذا الضرر عن طريق دعوى مدنية يرفعها أمام القضاء المدني (المادة 6 أصول محاكمات جزائية) كما أجاز له رفع تلك الدعوى أمام القضاء الجزائي تبعاً للدعوى العامة التي تكون قد رفعت من قبل النيابة العامة.
ولم يتوقف المشرع اللبناني عند هذا الحدّ بل أعطى المتضرّر من جرم جزائي حق تحريك الدعوى العامة مباشرةً أمام القضاء الجزائي المختص إذا ما تقاعست النيابة العامة عن تحريكها (م 7 أ.م.ج) وفقاً لسلطتها التقديرية في هذا الشأن، وهنا يحل المتضرّر محل النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة وينتهي دوره عند هذا الحدّ دون أن يمتدّ الى إستعمال الدعوى العامة الذي يبقى من إختصاص النيابة العامة فيما بعد. وهذا ما يعرف بالإدّعاء المباشر بالحق الشخصي للحصول على حقّه في التعويض عمّا أصابه من ضرر.
ولكن إذا كان بإمكان المتضرر الحلول مكان النيابة العامة لتحريك الدعوى العامة فهل يحق له تحريكها إذا ما إتّخذت النيابة العامة قراراً بحفظ الأوراق؟
إستقرّ الإجتهاد على إعطاء الحق للمدّعي الشخصي أي المتضرّر بتحريك الدعوى العامة عن طريق الإدّعاء بالجرم ذاته وبحق المدّعى عليه نفسه أمام القضاء المختص وذلك بعد صدور قرار الحفظ (2).
وإذا كان المشرع قد أعطى المتضرّر من جريمة ما أن يدّعي مباشرةً إذا ما تقاعست النيابة العامة عن تحريك الدعوى العامة إلاّ أنه وضع قيوداً على هذا الحق فنصّت المادة 72 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه:
"إذا قرّر قاضي التحقيق منع المحاكمة عن الشخص الذي عيّنه الشاكي فللمدّعى عليه أن يطلب أمام القاضي المنفرد الجزائي بدل عطل وضرر بوجه المدّعي الشخصي الذي تجاوز حقه في التقاضي. على أن يقدّم دعواه، تحت طائلة عدم سماعها، في مهلة ثلاثة أشهر من تاريخ إبلاغه قرار منع محاكمته".
كما يمكن إقامة دعوى الحق العام بجريمة الإفتراء المنصوص عليها في قانون العقوبات على المتضرّر أي المدّعي بالحق الشخصي إذا توافرت عناصرها.
(1) GHAYAD Wissam: ‘’ La politique criminelle au Liban ‘’ ; Thèse, Montpellier I – 1999, page 209 et suiv.
(2) محكمة التمييز المدنية – الغرفة الثالثة – قرار رقم 32 تاريخ 10/07/1972 النشرة القضائية 1973 – ص 309.
البند الثالث: حق بعض الهيئات العامة في تحريك الدعوى العامة:
إذا كان المبدأ العام يقضي بإعطاء النيابة العامة وحدها حق تحريك الدعوى العامة وإستعمالها وفقاً لسلطتها التقديرية فإنّ المشرع اللبناني أوجد إستثناءً على هذا المبدأ وهو يقضي بإعطاء بعض الهيئات العامة سلطة تحريك الدعوى العامة بصورة منفردة أو بالإشتراك مع النيابة العامة وهذه الهيئات قد تكون قضائية أو غير قضائية.
أ- حق الهيئات القضائية في تحريك الدعوى العامة:
ويُقصد بذلك إعطاء المحاكم على وجه الإستثناء حق تحريك الدعوى العامة في حالات محددة حصراً في القانون وهذا الحق يشكل إستثناءً على مبدأ فصل سلطات الإدّعاء عن سلطات الحكم. والحكمة من هذا الإستثناء تعود الى إعتبارات عديدة نذكر منها ضرورة التوسّع في التحقيق حين نكتشف وقائع جديدة أو مدّعى عليهم جُدُد أو ضرورة المحافظة على هيبة المحاكم وإحترامها أو تحقيق سرعة الفصل في الدعاوى ومن هذه الحالات:
· فيما يتعلّق بقاضي التحقيق: فإن المادة 158 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنص على أنه: "إذا قرّر قاضي التحقيق الظن في المدّعى عليه بجنحة أو مخالفة فتُحِيل النيابة العامة ملف الدعوى على القاضي المنفرد، في خلال ثلاثة أيام من إيداعها إيّاه، ما لم تستأنف قرار الظن. كما تُحِيل إليه خلال المهلة نفسها قرار الظن الصادر عن الهيئة الإتّهامية. يضع القاضي المنفرد يده على الدعوى بالإستناد الى قرار الظن".
يُستنتج من هذا النص أن إحالة قاضي التحقيق للظنين أمام القاضي المنفرد يعتبر بمثابة رفع للدعوى أمام هذا القاضي دون حاجة الى إدّعاء النيابة العامة أمام القاضي المنفرد. وهذا يشكّل إستثناء على مبدأ فصل قضاء الإدّعاء عن قضاء التحقيق.
· ففي جرائم الجلسات الواقعة أمام القاضي المنفرد الجزائي نجد أن المادة 151 أعطت هذا الأخير حق تحريك الدعوى العامة عند وقوع جنحة أثناء إنعقاد جلسة المحاكمة.
وكذلك نصّت المادة 161 منه على أنّه: "إذا وقعت جنحة أثناء جلسة المحاكمة لدى القاضي المنفرد، فيُنظّم محضراً في الحال يستجوب فيه الفاعل ويستمع الى الشهود، إذا إقتضى الأمر، ويقضي في الجلسة عينها بالعقوبة التي تستوجبها الجنحة. إذا قضى بعقوبة الحبس فله أن يُصدر مذكّرة بتوقيف المحكوم عليه تنفّذ فوراً. يقبل قراره الإستئناف. إذا كان الفعل المرتكب أثناء المحاكمة ذا وصف جنائي فيتّخذ قراراً بتوقيف الفاعل وينظّم تقريراً بما حدث ويحيله الى النيابة العامة مذيّلاً بالإشارة الى توقيف الفاعل".
وهذا أمر طبيعي لأنّه في الجناية لا يحُق للقاضي المنفرد أن ينظر بها بل عليه إحالتها الى النيابة العامة التي تدعي بها أمام قاضي التحقيق.
· أما فيما يتعلّق بجرائم الجلسات الواقعة أمام محكمة الجنايات فإن المادة 246 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تنصّ على أنه: "... إذا أتى (أحد الحاضرين) تصرّفاً يؤلّف جنحة فينظّم (رئيس المحكمة) محضراً بفعله ثمّ تنظر المحكمة فيه فوراً وتجري محاكمته وجاهيّاً وتقضي بإنزال العقوبة به في الحال".
وهنا أيضاً يبدو واضحاً أن محكمة الجنايات هي التي تدّعي أمام نفسها فتحرّك الدعوى العامة دون حاجة لإنتظار إدّعاء النيابة العامة.
ولكن يعاب على القانون الجديد أنه لم يذكر الحالة التي يكون فيها الفعل المشكو منه أمام محكمة الجنايات موصوفاً بالمخالفة أو الجناية. ففي الحالة الأولى يمكن للمحكمة أن تنظر بالمخالفة بإعتبار أن من يستطيع الأكثر يستطيع الأقل
‘’Qui peut le plus, peut le moins’’
ولكن في الحالة الثانية، هل يحق للمحكمة أن تنظر بالجناية دون إدّعاء النيابة العامة؟
نحن نرى بأنه يتوجّب على محكمة الجنايات في هذه الحالة أن تُحِيل الجاني موقوفاً الى النيابة العامة لتدّعي بحقّه أمام المرجع المختص لأنه لا يحق لهذه المحكمة أن تحقق وتفصل في هذه الجناية وذلك لضمان حقوق الدفاع بشكلٍ سليم. ويكون للنيابة العامة أن تنظر في التقرير الوارد من المحكمة وتتّخذ ما تراه ملائماً، فإما أن تحرّك الدعوى العامة أمام قاضي التحقيق وإما أن تصدر بشأنها أمراً بحفظ الأوراق (1).
ب- حق الهيئات غير القضائية في تحريك الدعوى العامة:
يُقصد بالهيئات غير القضائية الإدارات والمؤسسات العامة التي تخضع لقوانين خاصة بها تنصّ أحياناً على سلطة هذه الإدارات والمؤسسات العامة في تحريك الدعوى العامة أو إقامتها بمفردها أو بالإشتراك مع النيابة العامة.
ونلاحظ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية (القديم والجديد) لم يتضمّن نصوصاً تُشير الى الحالات التي يحقّ فيها لهذه الإدارات والمؤسسات العامة تحريك دعوى الحقّ العام، إنّما نجد ذلك في قوانينها الخاصة.
- فإدارة الجمارك تُلاحظ المخالفات الجمركية بنفسها وتفرض الغرامات والجزاءات النقدية بواسطة اللجنة الجمركية (المواد 321 و 323 من قانون الجمارك 1954).
- وتُقام الدعوى العامة بالمخالفات لقانون الغابات أمام المحاكم الصالحة بناءً على طلب موظّفي مصلحة الغابات كل في منطقته ويُحِيل الموظفون المحاضر المنظمة على محكمة الدرجة الأولى إذا كانت من صلاحيّتها ويحقّ لهم حضور المحاكمة لتأييد التهمة وطلب الحكم بالتعويض والعقوبة (المادة 114 من قانون الغابات 1949).
- ولمجلس النواب حقّ إقامة الدعوى العامة في حالات حدّدها الدستور اللبناني، فعند إتّهام رئيس الجمهورية بخرق الدستور أو الخيانة العظمة أو أي جريمة أخرى عادية، وكذلك في حالة إتّهام رئيس مجلس الوزراء، والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو بإخلالهم بالواجبات المترتّبة عليهم (المادّتان 60 و 70 من الدستور). وفي الحالتين يتمّ الإتّهام وتحريك الدعوى العامة من قبل مجلس النواب أمام المجلس الأعلى.
(1) الدكتورة فوزية عبد الساتر "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية": دار النهضة اللبناني - بيروت - 1975 ص 119
الفقرة الثانية: القيود التي ترد على تحريك الدعوى العامة وإستعمالها:
رأينا أن مبدأ إستنسابية الملاحقة يعطي النيابة العامة سلطة تقديرية في تحريك الدعوى العامة فيما يتعلّق بالجرائم التي يتّصل خبرها بعلمها.
وعليه فإن النيابة العامة تعتبر صاحبة الإختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العامة ويشترك معها في حالات معيّنة بعض الهيئات العامة (قضائية أو غير قضائية) وكذلك الأفراد (المتضرّرون) في تحريك الدعوى العامة.
ولكن هذه الحرية المعطاة للنيابة العامة ليست مطلقة فهناك قيوداً تردُّ عليها وهذه القيود على نوعين:
- قيود تتعلّق بصفة فاعل الجريمة (البند الأول).
- وقيود تتعلّق بطبيعة الجرائم المرتكبة (البند الثاني).
البند الأول: القيود المتعلّقة بصفة الفاعل: وهي قيود تمنع الإدّعاء بحق فاعل الجريمة أصلاً أو تولّي سلطة أخرى غير النيابة العامة حق إتّهامه أو تخضع ملاحقته لشروط خاصة.
فحُريّة النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة تتوقف على إذن من سلطة عامة تعبر فيه عن عدم إعتراضها على ملاحقته أو تحريك الدعوى العامة بحق شخص ينتسب إليها.
فهذه الحصانة لا ترتبط بشخص الفاعل بذاته بل بصفته عضواً منتسباً أو منتمياً الى تلك السلطة.
فالإذن هو شرط آخر من شروط تحريك الدعوى العامة في بعض الجرائم وصدوره ممن يملكه يعني من ناحية أولى النزول عن تلك الحماية أو الضمانة المقرّرة لبعض الأفراد بوصفهم أعضاء في هيئة ذات مكانة خاصة، كما يعني من ناحية ثانية رفع العقبة أو القيد الإجرائي في سبيل تحريك الدعوى العامة.
وكما ذكرنا إن قواعد الإذن لا تحمي الفاعل باعتباره فرداً ذا إمتياز خاص في الجماعة ولكن بوصفه عضواً في هيئة لها إستقلالها وكرامتها وهيبتها. فالمساس به بغير حق مساس بهذا الإستقلال وحطّ من هذه الكرامة (1).
أما القيود فيكن ردها الى خمس فئات:
الحصانة السياسية التي يتمتّع بها رئيس الجمهورية والوزراء - الحصانة النيابية - الحصانة التي يتمتّع بها رجال السلك الخارجي الأجنبي (الحصانة الدبلوماسية والحصانة القنصلية) - الحصانة القضائية - الحصانة الإدارية بالنسبة للموظفين - ونضيف الى ذلك الضمانات المعترف بها للمحامين.
أ- الحصانة السياسية: منح الدستور اللبناني (2) رئيس الجمهورية والوزراء حصانة من نوع خاص إصطلح على تسميتها بالحصانة السياسية. وجعل سلطة الإتّهام عند إرتكابهم جرماً عاديّاً أو جريمة خرق الدستور أو الخيانة العظمى منوطة بمجلس النواب وليس النيابة العامة، كما أن محاكمتهم تتمّ أمام المجلس الأعلى (3) وليس المحاكم العادية.
إنّ موافقة أغلبية معينة لمحاكمة رئيس الجمهورية والوزراء يعني في الحقيقة إعطاء إذن بتحريك الدعوى العامة بحقّهم ولكنه إذن من نوع خاص لأنه لا يتعلّق البتّة بالنيابة العامة سلطة الإتّهام العادية وإنّما يتعلّق بتحريك الدعوى العامة من سلطة إتّهام خاصة وأمام محكمة خاصة وفي عدد محدد من الجرائم الخطيرة.
(1) د. جلال ثروت ود. سليمان عبد المنعم: "أصول المحاكمات الجزائية" - طبعة أولى 1996 - ص 142.
(2) راجع المواد 60 و 66 و70 من الدستور اللبناني.
(3) راجع المادة 80 من الدستور اللبناني.
نستخلص من ذلك أن النيابة العامة لا تملك حقّ تحريك الدعوى العامة أو إستعمالها بحقّ رئيس الجمهورية والوزراء.
ولكن الإجتهاد اللبناني الحديث يعتمد الوجهة التي تُجيز للنيابة العامة ملاحقة الوزير إذا ما تقاعس مجلس النواب عن ملاحقته سنداً للمادة 70 من الدستور (1).
ب- الحصانة النيابية: يتمتّع النائب بحصانة مزدوجة إحداهما نهائية شاملة والأخرى مؤقّتة أي أنّ إحداهما موضوعيّة والأخرى إجرائيّة.
وتتمثّل الأولى في تجنيب عضو المجلس النيابي كل مسؤولية عما يبديه من آراء داخل المجلس أو في لجانه وأثناء إنعقادها وذلك حتى يتمكّن من القيام بمهمّته في التعبير عن إدارة المواطنين بحريّة تامة. وقد حرصت معظم الدساتير على تقرير هذا النوع من الحصانة ومن بينها الدستور اللبناني في المادة 39 منه حيث نصّت على أنه: "لا تجوز إقامة دعوى جزائية على أيّ عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يبديها مدّة نيابته".
ويعبّر عن الحصانة الشاملة باللامسؤولية الجزائية Irresponsabilité pénale فهذه الحصانة لا تجيز إقامة الدعوى العامة عن هذه الجرائم بصفة مطلقة حتى بعد زوال صفة النائب طالما أنها وقعت منه أثناء فترة نيابته.
وبالتالي فهي لا تشكّل قيداً على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة بمعنى آخر، إن النائب يسأل جزائياً عن الجرائم التي يرتكبها في غير مجال عمله النيابي وإن ظهر فيها بوصفه نائباً. فإن راجع مثلاً إحدى الدوائر وإستغلّ نفوذه كنائب لإنالة شخص منفعة مقابل هدية أو أي أجر غير واجب لُوحق بجرم "صرف النفوذ" المنصوص عليه في المادة 357 من قانون العقوبات (2).
أما فيما يتعلّق بالحصانة المؤقتة أو الإجرائية فمؤداها تقييد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة بحق أعضاء المجلس النيابي بوجوب الحصول على إذن بذلك من المجلس ذاته وهذا ما كرّسته المادة 40 من الدستور اللبناني بنصّها أنه: "لا يجوز أثناء دور الإنعقاد إتّخاذ إجراءات جزائية نحو أي عضو من أعضاء المجلس والقبض عليه إذا إقترف جرماً إلاّ بإذن المجلس، ما خلا حالة الجرم المشهود.
وهذه الحصانة تنتهي بإجازتها من المجلس النيابي أو بزوال الصفة النيابية أو بإنقضاء دورة الإنعقاد العادية أو الإستثنائية.
وبالرغم من أن نص المادة 40 المشار إليه أعلاه جاء عاماً لا يجيز إتّخاذ إجراءات جزائية نحو عضو المجلس النيابي إلاّ بإذن المجلس، إلاّ أنه يكاد يكون من المتّفق عليه فقهاً أن الإجراءات التي تكون موجهة ضدّ شخص العضو أو حصانة مسكنه، كالأمر بحضوره بموجب مذكّرة دعوة وإستجوابه والقبض عليه أو توقيفه وتفتيشه أو تفتيش مسكنه وضبط المراسلات المرسلة منه أو إليه لأن هذه الإجراءات هي التي تقيِّد من حرية العضو فتعوقه عن أداء وظيفته (3).
(1) محكمة التمييز الجزائية - الغرفة الثالثة - المصنّف السنوي في القضايا الجزائية - 1999 ص 20 وما بعدها.
(2) د. عاطف النقيب "أصول المحاكمات الجزائية" - بيروت 1993 - ص 108.
(3) R. Garraud: “Traité théorique et pratique d’instruction criminelle” - N0 169. P 372 et 373.
ج- الحصانة الممنوحة لرجال السلك الخارجي الأجنبي:
إختلفت الأراء (1) حول الطبيعة القانونية للحصانات المقرّرة لبعض الأشخاص الوطنيّين والأجانب، ولكن الرأي الراجح يعتبر أن هذه الحصانة تشكّل مانعاً إجرائياً يحُول دون إتّخاذ الإجراءات الجزائية ضدّ الشخص المتمتّع بالحصانة بصدد الجريمة المرتكبة منه. فالحصانة تجعل الشخص غير صالح للخضوع للقضاء لعدم توافر الأهليّة الإجرائية لديه للدخول كطرف في أي ّ علاقة إجرائية مع القضاء، الأمر الذي منع توجيه الدعوى القضائية ضدّه. ففي هذه الحالة نكون أمام فئة من الأشخاص يعجز القضاء عن الإمتداد إليهم بسبب ما يتمتّعون به من حصانة. وبالتالي يكون مجال هذه الحصانة هو أصول المحاكمات الجزائية.
د- الحصانة القضائية:
إن خطورة وسمو المهمة التي يؤدّيها القاضي، وهي إقامة العدل بين الناس، تقتضي أن يحاط منصبه بالهيبة والإحترام وأن ينظّم القانون لمخاصمته إجراءات خاصة تكفل عدم التسرّع في إتّهامه وإلاّ أصبح عرضةً للإجراءات التعسُّفيّة والدعاوى الكيدية فتضيع هيبته وتتضرّر تبعاً لذلك المصلحة العامة. ولكن نلاحظ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد بخلاف القانون القديم ألغى القيد الموجود على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة عن جرائم القضاة، وبالتالي أصبحت سلطة النيابة العامة غير مقيّدة بأيّ قيد فلم تعد بحاجة الى إذن من وزير العدل لملاحقة القاضي.
ووفقاً لأحكام القانون الجديد أصبحت النيابة العامة التمييزيّة هي صاحبة الصلاحيّة في تحريك الدعوى العامة تلقائيّاً أو بناءً على شكوى المتضرّر سواء كانت الجريمة خارج الوظيفة أم ناشئة عنها (المواد 345 و 351 أصول جزائية). ولقد تضمّنت المواد (344 حتى 354) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الإجراءات الخاصة بمحاكمة القضاة.
هـ- الحصانات والضمانات المعترف بها للمحامي:
بالعودة الى احكام قانون تنظيم مهنة المحاماة في لبنان (2) نجد أنها تضع قيداً على حرية النيابة العامة في ملاحقة المحامي بجرم جزائي ما لم يكن مشهوداً، وهذا القيد يزول بعد الاستحصال على إذن بالملاحقة من قبل مجلس نقابة المحامين. فالمادة 79 منه تنص على أنه: "باستثناء حالة الجرم المشهود لا يجوز ملاحقة المحامي لفعل نشأ عن ممارسة المهنة أو بمعرضها إلاّ بقرار من مجلس النقابة بإذن الملاحقة، ومجلس النقابة يقدر ما إذا كان الفعل ناشئاً عن المهنة أو بمعرضها. يجب إصدار القرار بالإذن بالملاحقة أو رفضه خلال شهر من تاريخ إبلاغ النقيب وقوع الفعل بكتاب خطي، فإذا إنقضت مهلة الشهر ولم يصدر القرار يعتبر الإذن واقعاً ضمناً. تقبل قرارات مجلس النقابة الطعن أمام محكمة الاستئناف بمهلة 15 يوماً تلي التبليغ". فيفهم من هذا النص على أنه إذا صدر الإذن بالملاحقة أو إذا لم يصدر خلال المهلة السابقة تسترد النيابة العامة حريتها ويجوز لها إقامة الدعوى العامة ضد المحامي.
أما في الحالة التي يصدر فيها القرار بالرفض قبل مضي مهلة الشهر فيضلّ القيد قائماً ولا يجوز للنيابة العامة أن تحرك الدعوى العامة ضد المحامي. وقرارات مجلس النقابة تقبل الطعن أمام محكمة الإستئناف في مهلة 15 يوم تلي تاريخ التبليغ. وهكذا نستنتج أنه إذا حصل خلاف بين النقابة والنيابة العامة، فإن محكمة الإستئناف هي المختصة للبت فيه وليس النائب العام لدى محكمة التمييز وهذا ما كرّسته المادة 13 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد بعد تعديلها بالقانون رقم 359 تاريخ 16/08/2001 بقولها أنه: "... مع مراعاة أحكام المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة وفي جميع الحالات التي تقتضي فيها الملاحقة الجزائية ترخيصاً أو موافقة من أي مرجع غير قضائي، وفي حال الخلاف بين هذا المرجع وبين النيابة العامة الإستئنافية أو النيابة العامة المالية أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، يكون للنائب العام لدى محكمة التمييز خلافاً لأي نص عام أو خاص، أمر البت نهائياً في هذا الموضوع".
(1) د. محمود نجيب حسني: "شرح قانون العقوبات القسم العام" - دار النهضة العربية - 1984 ص 146 وما بعدها.
د. مصطفى العوجي: "النظرية العامة للجريمة" مطبعة نوفل - 1987 ص 376 وما بعدها.
(2) صدر قانون تنظيم مهنة المحاماة في لبنان الرقم 8/70 في 11/03/1970 وعُدّل بالقانون رقم 18/78 تاريخ 8/12/1978 وعُدّل أخيراً بالقانون رقم 42/1991.
وتجدر الاشارة الى أن حصانة المحامي لا تشمل الجرم المشهود أو الجرم الغير ناشىء عن المهنة أو بمعرضها وبالتالي ففي هذه الحالات يمكن للنيابة العامة ملاحقة المحامي بدون حاجة الى إذن النقابة إذ يستوي عندها بالأفراد العاديين (1).
البند الثاني: القيود المرتبطة بطبيعة الجريمة:
من المعلوم أن إقامة الدعوى العامة هي مبدئيّاً من حق النيابة العامة. فهي الأمينة على الدعوى الجزائية ولذلك يكون لها بحسب الأصل حرية تحريك هذه الدعوى متى علمت بالجريمة عن أي طريق ودون توقف على تقديم شكوى من المتضرّر أو إخبار من أحد الأفراد. بيد أنه قد يحدث أحياناً أن تتوقف النيابة العامة عن إقامة هذه الدعوى حتى يردها شكوى أو إدّعاء من المتضرّر أو طلب بالملاحقة أو صدور إجازة من جهة معينة. فهذه الحالات التي تعتبر قيوداً على إقامة الدعوى العامة قد شرعت لإعتبارات خاصة تتعلق بطبيعة الجرم أو بمحل إرتكابه أو بالحقوق التي أضرّ بها أو بصلة الجاني بالمجني عليه أو لإعتبارات تتعلق بمصلحة بعض إدارات الدولة. ففي كل هذه الأحوال لا تملك النيابة العامة كقاعدة عامة المبادرة بتحريك الدعوى العامة لأن القانون أخضع كل نوع من هذه القيود لأحكام مختلفة، الأمر الذي يستدعي التمييز بينها بشكل دقيق.
1- الجرائم التي توجب إدعاء شخصيّاً للملاحقة:
هناك إختلاف بين الشكوى والإدعاء بالحق الشخصي، فالشكوى ترفع من المجني عليه بغضّ النظر عن الضرر، بينما الإدعاء الشخصي يرفع من المتضرّر من الجريمة سواء أكان مجني عليه أو أيّ شخص آخر (2). والادعاء الشخصي يتضمن معنى الشكوى بينما الشكوى لا تتضمن الادعاء الشخصي، واذا كانت الشكوى تزيل من أمام النيابة العامة العائق لتحريك الدعوى العامة، فإن الادعاء الشخصي يحرّكها بصورة مباشرة (3).
ففي جريمة الزنا لا تجوز ملاحقة فعل الزنا الاّ بشكوى الزوج وإتخاذه صفة المدّعي الشخصي (المادة 489/ الفقرة الأولى عقوبات). والعلة من ذلك ترك الأمر للمجني عليه في جريمة الزنا حفاظاً على كيان الأسرة وسمعتها، ونتيجة للعلاقات الخاصة بين الأزواج، مما يستدعي عدم ملاحقة الجريمة الاّ عن طريق الشكوى وإتخاذ صفة الادعاء الشخصي.
2- الجرائم التي يتوقف فيها رفع الدعوى على تقديم شكوى من التضرر:
إن الأحوال التي تقيد حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة بوجوب تقديم شكوى من المجني عليه خاصة بجرائم معينة أوردها المشرع اللبناني في قانون العقوبات على سبيل الحصر ولكنه ذكرها في مواد متفرقة منه ومن هذه الجرائم:
- جرائم تحقير دولة أجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني علانية. أو تحقير رئيسها (4) أو وزرائها أو ممثلها السياسي في لبنان أو توجيه القدح والذم اليه علناً. لا تلاحق هذه الجرائم الاّ بناءً على شكوى الفريق المتضرر (المادة 292 عقوبات).
- جريمة إستيفاء الحق بالذات (429 - 430 - 431 عقوبات).
- جريمة الإيذاء غير المقصود اذا كانت مدة التعطيل دون العشرة أيام (المادة 565 عقوبات).
(1) DALLOZ; Encyclopédie pénale; V. Avocat; p.42; “ L’Avocat qui commet un délit qui ne constitue pas un délit d’audience et qui n’a aucun rapport avec la profession d’avocat sera jugé comme simple citoyen”.
(2) GHAYAD Wissam: “Le consentement de la victime en droit libanais” - Mémoire du DEA - Montpellier I - 1995/1996 - page 30.
(3) د. علي محمد جعفر: "مبادىء المحاكمات الجزائية" - بيروت 1994 ص 64.
(4) عدلت جزئياً هذه المادة بموجب المادة 23 من قانون المطبوعات التي تنصّ على أنه: "إذا تعرّضت إحدى المطبوعات بما يعتبر مسّاً أو قدحاً برئيس دولة أجنبية تحركت دعوى الحق العام بدون شكوى المتضرر".
3- الجرائم التي تتوقف فيها الملاحقة على طلب الادارة المختصة:
يتوقف رفع الدعوى العامة في بعض الجرائم على طلب بالملاحقة وهذا ما نصّت عليه بعض القوانين الخاصة التي تهدف من وجوب تقديم الطلب الى المحافظة على بعض المصالح العامة.
والطلب لا يختلف في شيء عن الشكوى الاّ في أن صاحبه هو هيئة عامة تتقدم به إما بصفتها مجنيّاً عليها وإما بوصفها أمينة على مصالح الدولة في جانب من نشاطها وهو أيضاً تعبير عن إرادة لأن صاحبه يريد به أن يرفع القيود الإجرائية من امام النيابة العامة ويحررها من ذلك القيد الذي يغلُّها في تحريك الدعوى العمومية (1).
وعليه فإذا كان حق المجني عليه في الشكوى حقّاً شخصياً بحتاً يسقط بوفاته ولا ينتقل الى ورثته من بعده، فإن الحق في تقديم الطلب ليس حقاً شخصياً لمن يباشره وإنما هو حق متعلّق بوظيفته فلا يسقط بوفاته.
وفي الواقع إن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يتضمّن بيان الجرائم التي يتوقف فيها تحريك الدعوى العامة على طلب الادارة المختصة ولكن نجد ذلك في بعض القوانين الخاصة منها:
- ما جاء في المرسوم الاشتراعي تاريخ 13/05/1944 المتعلق بالمخالفات الناتجة عن ارسال حيوانات داخل الطرود البريدية. فلا تلاحق هذه المخالفات الاّ إذا طلبت الادارة المختصة ذلك.
- ما جاء بالمادّة 24 من المرسوم رقم 1252 الصادر في أول شباط 1948 المتعلق برسم الإسمنت من أنه تجري ملاحقة مخالفي هذا المرسوم بناء على طلب إدارة المالية والنيابة العامة.
والجدير ذكره أن المادة 20 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد ذكرت حالتين يشترط فيهما تقديم طلب لمباشرة الملاحقة وذلك بنصها أنه: "لا تجري الملاحقة في الجرائم المصرفية الناجمة عن مخالفة قانون النقد و التسليف الا بناء" على طلب خطي من حاكم مصرف لبنان .لاتجري الملاحقة في المخالفات المتعلقة بالرسوم الجمركية الا بناء" على طلب خطي من مدير عام الجمارك ....".
الفقرة الثالثة: التدخل في الدعاوى الجزائيةIntervention en matière pénale :
المبدأ ان المحكمة الجزائية تعمل على انزال العقاب بالجاني الذي اخل بامن المجتمع ، و لقد راينا سابقاً بان طرفي الدعوى العامة من حيث المبدأ هما : النيابة العامة و المدعى عليه و هذا ما يطرح التساؤل التالي: هل ان محور الدعوى الجزائية يقتصر على هذين الطرفين ؟ بمعنى آخر هل يمكن ان يتدخل اي طرف آخر في الدعوى الجزائية ؟
للإجابة على هذا التساؤل لا بد من التذكير بان قانون اصول المحاكمات المدنية قد نص على نوعين من التدخل و ذلك في المواد 37 و 38 منه:
النوع الاول وهو التدخل الاختياري و يقوم عندما يتدخل شخص ثالث غير المدعي و المدعى عليه من تلقاء نفسه في المحاكمة إما لاثبات حقوقه او حمايتها تجاه المتداعين او احدهم و اما لتأييد طلبات احد منهم اذا كان نجاحها من مصلحته.
النوع الثاني وهو التدخل الاجباري و يقوم عندما يطلب احد الخصوم حضور الشخص الثالث للإشتراك في سماع الحكم او عندما تطلب المحكمة إدخال الشخص الثالث في كافة مراحل الدعوى.
(1) وهذه أيضاً هي القاعدة في القانون اللبناني باستثناء جرم الزنا حيث يؤدي التنازل عن الشكوى الى إسقاط الدعوى العامة.
ان الرأي الراجح فقهاً (1) هو ان التدخل لا يقبل في الدعوى المقامة امام المحاكم الجزائية الا اذا نص القانون على ذلك بصورة صريحة او بصورة ضمنية لا تحتمل التأويل و العلة من ذلك انه ليس من المصلحة العامة ادخال اشخاص في الدعوى الجزائية لا تربطهم بها روابط تساهم في الوصول إلى الحقيقة. لذا يقال بأن التدخل لا يجوز إلاّ إستثناءً أمام القضاء الجزائي ولقد حدّد القانون هذه الحالات الإستثنائية وهي:
1- أعطي المتضرّر من جريمة جزائية حقّ التدخل أمام القضاء الجزائي للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به وذلك عن طريق الإدّعاء مدنياً تبعاً للدعوى العامة أمام القاضي الجزائي. تجدر الإشارة إلى أنّ المشرّع اللبناني أجاز في المادة السابعة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد مسألة التدخل عن طريق الدعوى المدنية المقامة تبعاً للدعوى العامة أمام محكمة الجنايات (2).
2- يمكن إستخلاص الحالة الثانية من نص المادة 972 فقرة أولى من قانون الموجبات والعقود التي تنص على ما يلي: "إنّ الضامن الذي دفع تعويض الضمان يحلّ حتماً محلّ المضمون في جميع الحقوق والدعاوى المترتبة له على الأشخاص الآخرين الذين أوقعوا بفعلهم الضرر الذي أدّى إلى إيجاب التبعة على الضامن".
إنّ هذه المادة أجازت الحلول صراحةً أمام القضاء المدني ولكن هل يجوز إكمال ذلك المبدأ أمام القضاء الجزائي؟
إنقسم الفقه والإجتهاد حول هذه المسألة، فهناك رأي (3)، يقول بوجوب قبول هذه الحلول بمعنى أنه يحق للضامن أن يحلّ محل المضمون في دعواه المدنية المقامة أمام المحكمة الجزائية الناظرة في الدعوى العامة إذا كان قد دفع إليه قيمة التأمين وطبعاً يفترض هنا أنّ المدعى عليه لوحق جزائياً وأقيمت عليه الدعوى المدنية تبعاً للدعوى العامة.
نحن نشاطر هذا الرأي خاصة وأنّ قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يعالج هذه المسألة بنص واضح وصريح. بمعنى آخر إنّ المشرّع اللبناني ترك فراغاً تشريعياً في هذا المجال بحيث أنه يتوجب على القاضي الجزائي أن يرجع إلى القانون العام لمعالجة موضوع الحلول أعني بذلك قانون أصول المحاكمات المدنية سيّما وأنّ المادة السادسة منه تنصّ على أنّه " تتبع القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية إذا وجد نقص في القوانين والقواعد الإجرائية الأخرى".
بناء على ما تقدم يحق للضامن الادعاء على فاعل الجريمة بعد حلوله محل المضمون الذي دفع له بدل عطله وضرره وذلك انطلاقاً من كونه دائن للمتضرر، حل محله للمطالبة بهذه الحقوق التي دفعها لمعاقده وكل ذلك سنداً للمادة 37 أم م إذ له مصلحة شخصية ومشروعة لحماية واثبات هذه الحقوق بوجه فاعل الجريمة (4). الا ان هناك رأي معاكس تماماً يستبعد التدخل في ميدان الدعوى العامة وهو يستند الى المبدأ القائل أن الدعوى المدنية تتطلب مصلحة شخصية بغية قيامها أمام القضاء الجزائي وبالتالي إن كل من ليس له مصلحة شخصية لا يمكنه الادعاء بالضرر أمام المحكمة الجزائية.
(1) د. عاطف النقيب :"اصول المحاكمات الجزائية "- المرجع السابق - ص 168 و ما يليها ... انظر ايضا" د. فيلومين نصر :"اصول المحاكمات الجزائية" - دراسة مقارنة - مكتبة صادر -2002 - ص 154 و ما يليها ....
(2) المادة 7 أم ج: ".... وله أن ينضم إلى الدعوى العامة أمام محكمة الجنايات".
(3) R. Garraud: “traité d’instruction criminelle et de procédure pénale” - Paris 1932 - tome I - page 300, n 134.
(4) أنظر في هذا المعنى: "أصول المحاكمات الجزائية بين النص والاجتهاد والفقه" - دراسة مقارنة للمحامي الياس أبو عيد - الجزء الأول - 2002 - ص 111 - 112 - 113.
وهذا الرأي اعتمدته محكمة التمييز الجزائية الفرنسية (1) معتبرة أن شركة التأمين لا يسعها رفع الدعوى على فاعل الجريمة أمام المحكمة الجزائية مطالبة بالتعويض بدلاً من المتضرر الذي أوفت اليه بدل عطله وضرره وحلّت محلّه.
وأكدت المحكمة أنه إذا كان الحل مقبولاً أمام القضاء المدني فلا محل له أمام القضاء الجزائي لأن شركة التأمين لم تصب بضرر شخصي ومباشر من جراء الجريمة إذ أن حقها في المطالبة بقيمة المبلغ الذي دفعته للمضمون مبني على رابطة تعاقدية بينها وبين هذا الأخير أي لا علاقة مباشرة لها بالجرم بحدّ ذاته.
ويخلص هذا الرأي الى القول بأنه من الأفضل لشركة الضمان أن تدعي امام القضاء المدني باعتباره مرجعها الطبيعي والأساسي. تجدر الاشارة الى أن الاجتهاد اللبناني لم يكن موحداً حول هذه النقطة مما فتح المجال أمام اجتهادات متناقضة (2).
لكن المشرّع اللبناني أشار الى ضامن المدّعى عليه وذلك في المادة 209 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد والتي نصّت على ما يلي:
"للمسؤول بالمال أو الضامن أن يستأنف الحكم الذي ألزمه، بالتضامن مع المدعى عليه المقضى بإدانته، بالتعويض على المدعي الشخصي....". ويفهم من ذلك أنه بالإمكان إدخال الضامن أمام القضاء الجزائي للإشتراك في سماع الحكم وهذا يشكل ضمانة للمتضرر من جريمة جزائية إذ يكون للقضاء الجزائي صلاحية البت في نفس الدعوى وإلزام الضامن بالقيام بالتزاماته دون حاجة لسلوك الطريق المدني الذي يكون في كل الأحوال ملزماً بإحترام الحكم الجزائي.
3- يستنتج من أحكام المادة 142 من قانون العقوبات أنه يجوز للمتضرر أن يُدْخل في الدعوى المدنية المسؤول بالمال إلى جانب المدعى عليه ليحكم عليهما بالتعويض تضامناً. كما يجوز للنيابة العامة إدخال المسؤول بالمال أيضاً للحكم عليه بالنفقات المتوجبة للدولة. وبالتالي إذا كان إدخال المسؤول بالمال جائز قسرياً أمام المرجع الجزائي فلا يوجد نص يشير إلى جواز أو منع التدخل الإختياري.
إلاّ أنّ الرأي الراجع فقهاً(3) يشير إلى جواز ذلك بهدف الإفساح في المجال أمام المسؤول بالمال ليدافع عن نفسه عن طريق نفي التهمة عن المدعى عليه أو للإنتقاص من مسؤوليته المدنية خاصة وأن المحكمة المدنية عليها الرضوخ لما تتوصل إليه المحكمة الجزائية. أضف إلى ذلك أنّه من حسن سير العدالة أن يعطي المسؤول بالمال حق التدخل ليمنع أي إهمال أو تواطؤ قد يحصل من قبل المدعى عليه المسؤولية الجزائية والتبعة المدنية.
(1) Cass.Crin. 15/11/1956 - semaine juridique 1957.
(2) القاضي المنفرد الجزائي في بيروت- قرار تاريخ 04/09/1969- مجلة العدل 1970 ص. 398- محكمة جنايات جبل لبنان- قرار رقم 3- تاريخ 08/01/1987- مجلة العدل 1987 عدد 2 ص. 219
(3) راجع حول أصحاب هذا الرأي: د. عاطف النقيب مرجع سبق ذكره: ص. 172 وما يليها.... د. فيلومين نصر مرجع سابق ص. 160 وما يليها.....
الفصل الثالث: سقوط الدعوى العامة
عندما تقع جريمة ما، فإنّها تؤدي إلى تعريض أمن المجتمع واستقراره للخطر، فيتولد عنها حق للمجتمع في توقيع العقاب على الجاني أو المجرم، ووسيلة المجتمع لبلوغ هذا الهدف هو الدعوى العامة التي تقيمها النيابة العامة أمام القضاء المختص. والإنقضاء الطبيعي للدعوى العامة يكون بصدور حكم مبرم في موضوعها بالإدانة أو البراءة.
ولكن قد توجد أسباب تنقضي أو تسقط معها الدعوى العامة قبل صدور الحكم المبرم وهذه الأسباب متعددة وتعتبر عقبات إجرائية تعترض تحريك الدعوى العامة أو استمرارها.
هناك حالات تؤدي إلى سقوط الدعوى العامة قد وردت في قانون أصول المحاكمات الجزائية (فقرة أولى).
وهناك حالات وردت في قوانين متفرقة (فقرة ثانية).
الفقرة الأولى: حالات سقوط الدعوى العامة المحددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية:
نصت المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: "تسقط دعوى الحق العام لسبب من الأسباب الآتية:
أ- بوفاة المدعى عليه.
ب- بالعفو العام.
ج- بمرور الزمن مدة عشر سنوات في الجناية وثلاث سنوات في الجنحة وسنة في المخالفة.
د- بسقوط دعوى الحق الشخصي في الحالات المنصوص عليها في القانون..."
تجدر الاشارة الى أن هذه الأسباب تتعلق بالنظام العام أي يجوز التمسك بها من قبل كل خصم في الدعوى ويتوجب على المحكمة أن تثيرها عفواً ويجوز الدفع بها في أية مرحلة من مراحل المحاكمة ولو لأول مرة امام محكمة التمييز.
البند الأول: وفاة المدعى عليه:
تفترض القوانين الجزائية مبدأين هامين هما: مبدأ شخصية المسؤولية ومبدأ شخصية العقوبة، وبما أن الدعوى العامة تنشأ عن المسؤولية الجزائية وتستهدف توقيع العقوبة بالجاني فمن هنا ينتج مبدأ شخصية الدعوى العامة. فبوفاة المدعى عليه المسؤول عن الجريمة يستحيل تنفيذ العقوبة كما يستحيل إتخاذ الاجراءات المحددة قانوناً. فيترتّب على ذلك إنتفاء علة الدعوى العامة واستحالة السير بها.
وقد رأت محكمة التمييز الجزائية (1) في اجتهادٍ لها أنه ليكون هنالك اسقاط للدعوى العامة لا بدّ من أن تكون هذه الدعوى قد أقيمت وتحركت بحق مدعى عليه معيّن.
وهذا ما يؤكد ضرورة كون المدعي عليه حياً حتى تقام الدعوى ضدّه لأنه لا يمكن مباشرة الدعوى ضد ميت.
(1) محكمة التمييز الجزائية - الغرفة السادسة - رقم 26 تاريخ 13/02/1996 - د. عفيف شمس الدين - المصنف في الاجتهاد الجزائي - ص 70
والقاعدة العامة هي ان الدعوى العامة تسقط بالوفاة أيّاً كانت المرحلة التي بلغتها.
فإذا حصلت الوفاة قبل رفع الدعوى، امتنع رفعها أو تحريكها، اما إذا حصلت بعد رفع الدعوى فلا يمكن الاستمرار في السير بها، وإذا صدر حكم غير بات ثمّ حصلت الوفاة فلا يمكن للورثة الطعن بهذا الحكم، أما اذا حصل طعن بالحكم قبل الوفاة يمتنع عن المحكمة اتخاذ أي إجراء (1).
اما إذا حصلت الوفاة بعد صدور الحكم البات فلا تعتبر الوفاة سبباً لسقوط الدعوى العامة التي تكون قد سقطت بصدور الحكم البات ولكن تكون الوفاة سبباً لسقوط العقوبة.
وفي الحالة التي تحصل فيها الوفاة وتكون الدعوى قيد النظر أمام القضاء الجزائي( قاضي منفرد أو محكمة جنايات) فعلى المحكمة أن تقرر إسقاط الدعوى العامة ولكن هل يحق لها متابعة النظر في دعوى الحق الشخصي؟
كانت المادة 436 من القانون القديم تعطي المتضرر حق إقامة دعوى التعويضات الشخصية على ورثة المتوفي أمام القضاء المدني. ولكن المادة العاشرة من القانون الجديد أعطت المحكمة الجزائية حق النظر في دعوى الحق الشخصي وذلك بنصها على أن:" تتابع المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى، في حال سقوط الدعوى العامة بسبب من الأسباب الأولى المذكورة، النظر في دعوى الحق الشخصي وعليها أن تقضي بمصادرة الأشياء المضبوطة إذا كانت ممنوعة قانوناً ".
يبقى أن نشير إلى أنّ النفقات القضائية والغرامات تحصل من تركة المتوفي إذا ترك أموالاً ولا يسأل الورثة عن هذه النفقات والغرامات في أموالهم الخاصة (2). وهذا ما كرسته المادة 419 من القانون الجديد بنصها على أنه: "عند وفاة المحكوم عليه أو فراره أو فقدانه الأهلية تحصل النفقات القضائية والغرامة بمعرفة وزارة المال كما تحصل الأموال الأميرية".
البند الثاني: العفو العام: Amnistie
وصفت محكمة التمييز اللبنانية (3) العفو العام بقولها أنه:" من أهم مميزات ومفاعيل العفو العام أنّ أحكامه تتعلق بالنظام العام ويجب تطبيقها عفواً، وأنه يوقف متابعة دعوى الحق العام ويسقطها، كما أنه يمنع تنفيذ العقوبة المحكوم بها مسدلاً على الأفعال التي شملها ستار النسيان، ماحياً ذكرها ونتائجها معبراً بمفعول رجعي كأنّها لم تكن ولم تحدث كأفعال جرمية، وبالإختصار إنّ العفو العام يمحو الجريمة ويوقف ملاحقتها إلاّ عندما يكون في القضية إدعاء شخصي فتبقى الدعوى جارية وعلى المحكمة الواضعة يدها عليها متابعة النظر فيها لجهة الحق الشخصي دون أن يكون للعفو العام تأثيراً عليها لا من حيث ثبوت الجريمة أصلاً ولا من حيث مسؤولية المدعى عليه".
(1) د. محمود نجيب حسني: "شرح قانون الاجراءات الجنائية" - المرجع السابق ص 191
(2) د. عفيف شمس الدين: " أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق- ص 67.
(3) قرار محكمة التمييز- الغرفة الجزائية الرابعة- رقم 9- تاريخ 12/05/1967- مجلة العدل- عدد 4- 1969- ص. 560.
يضاف إلى ذلك أن العفو العام يصدر بموجب قانون عن السلطة التشريعية (المادة 53 من الدستور اللبناني) بينما العفو الخاص”Grâce” فإنه يتقرر بموجب مرسوم يصدره رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام المادة 399 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. ولا يقتصر الفرق بين العفو العام والعفو الخاص على طريقة صدوره، فإذا كان العفو العام موضوعي يتعلق بجريمة معينة أو بفئة من الجرائم فإن العفو الخاص يعتبر شخصي يستفيد منه أشخاص معينين بالذات ولا عبرة لنوع الجرائم المرتكبة.
ولا بدّ من الاشارة هنا الى أنه أذا كان يترتب على العفو العام سقوط الدعوى العامة فإن الدعوى المدنية أو دعوى الحق الشخصي لا تتأثر به وهذا ما كرسته المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي نصت على أنه: "تتابع المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى، في حال سقوط الدعوى العامة لسبب من الأسباب الأولى المذكورة، النظر في دعوى الحق الشخصي. وعليها أن تقضي بمصادرة الأشياء المضبوطة إذا كانت ممنوعة قانوناً".
ومن البديهي القول أنه إذا كانت الدعوى العامة لم تتحرك بعد وصدر قانون العفو العام فإنه يترتب عليه سقوط هذه الدعوى وبالتالي يبقى للمتضرر الحق برفع دعواه أمام القضاء المدني وليس القضاء الجزائي لأنه يشترط لرفع الدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي وجود دعوى عامة أمام هذا الأخير (1).
ويجوز للدولة أن تقرر في قانون العفو العام إنقضاء الدعوى المدنية تبعاً لإنقضاء الدعوى العامة بالعفو العام إذا ما رأت أن تسدل الستار نهائياً على الجريمة وآثارها، وفي هذه الحالة يتعيّن على الدولة أن تقوم من جانبها بالتعويض على المتضرر من الجريمة.
يبقى أن تشير الى قول العلامة Pradel (2) بأن: "العفو العام لا يشكل سبباً لإنقضاء الدعوى العامة الاّ إذا كان فعلياً، غير مشروط وصادر قبل صدور الحكم. أما إذا صدر العفو بعد الحكم فيكون بالتالي سبباً لإنقضاء العقوبة".
البند الثالث: مرور الزمن: Préscrition
يعتبر مرور الزمن أو التقادم نظام قانوني بحدّ ذاته، فالشخص الذي يقف موقف سلبي تجاه حقه ولا يمارسه خلال فترة معينة، يقرر القانون عدم قبول لجوئه الى القضاء لحمايته، أي أن حقه قد سقط بمرور المدة المحدودة لإستعماله ضمنها. وبالتالي يمكننا القول أيضاً أنه إذا إمتنعت النيابة العامة عن تحريك الدعوى العامة أو متابعتها خلال فترة زمنية محدودة فإن هذه الدعوى تنقضي أو تسقط بمضي المدة المقررة لها (3).
(1) د. وسام غياض: "محاضرات في أصول المحكمات الجزائية" – 2001/2002.
(2) ‘’L’amnistie n’est cependant une cause d’extinction que si elle est réelle, inconditionnelle et survenant avant jugement… Si enfin l’amnistie intervient après jugement, elle est seulement une cause d’extinction des peines ‘’: Jean Pradel : ‘’Droit pénal et procédure pénale’’ ; Tome II - 7ème éditions cujas – Paris – 1993 – P 185.
(3) د. وسام غياض: "محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية" – المرجع السابق – 2001/2002.
وهنا تبقى الجريمة التي مرّ عليها الزمن بدون عقاب لأنه لم تباشر بحق مرتكبها الملاحقة أو لم تتابع هذه الملاحقة بعد مباشرتها. وهكذا يبدو لنا مرور الزمن كوسيلة للتخلص من آثار الجريمة على أساس نسيانها وعدم الفائدة من المعاقبة عليها بعد مرور فترة معينة. ويختلف مرور الزمن على الدعوى العامة عن مرور الزمن على العقوبة ذلك أنه يقصد بهذا الأخير مضي مدة زمنية معينة في القانون بعد صدور الحكم المبرم بالعقوبة دون أن ينفذ خلالها، فيسقط باكتمال هذه المدة حق المجتمع في تنفيذ العقوبة. وقد نظّم قانون العقوبات اللبناني مرور الزمن على العقوبة في المواد 162 وما يليها منه.
بينما يقصد بمرور الزمن على الدعوى العامة موضوع دراستنا هو انقضاء مدة معينة من الزمن محدودة في القانون من تاريخ وقوع الجريمة أو من تاريخ آخر إجراء من إجراءات الدعوى العامة بحيث يسقط باكتمال هذه المدة الحق في تحريك الدعوى العامة وقد عالج هذا النوع من مرور الزمن قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة العاشرة منه التي لم تنص على مدة مرور زمن واحدة بالنسبة لجميع الجرائم بل نصت على أن مدة مرور الزمن على الدعوى العامة تنقضي بمضي عشر سنوات في الجناية وثلاث سنوات في الجنحة وسنة واحدة في المخالفة من تاريخ وقوعها.
ويجب الرجوع الى وصف الفعل المعاقب عليه لتعيين مدة مرور الزمن، وقد نصت المادة 179 من قانون العقوبات على "إن الجريمة جناية أو جنحة أو مخالفة حسبما يعاقب بعقوبة جنائية أو جنحية أو تكديرية. يعتبر في الوصف القانوني الحدّ الأعلى للعقوبة الأشد المنصوص عليها قانوناً". يفهم من هذا النص أن العبرة لوصف الفعل الجرمي تكمن في العقوبة المعينة للجريمة بعد إقترانها بسبب التشديد وليس قبل ذلك.
ففي حالة الجنحة التي تقترن بسبب مشدّد فإن الدعوى العامة عليها تنقضي بمرور عشر سنوات وليس ثلاث سنوات لأن الجنحة أصبحت جناية بفعل الظرف المشدّد (1).
وعند وجود الأسباب المخففة أو الأعذار المخففة (2) الذي يؤدي الى تخفيض العقوبة فإن الوصف القانوني لا يتغيّر وبالتالي لا تخفض مدّة مرور الزمن على الدعوى العامة. وهذا ما كرسته المادة 180 من قانون العقوبات بنصها على أنه: "لا يتغير الوصف القانوني إذا أبدلت من العقوبة المنصوص عليها عقوبة أخف عند الأخذ بالأسباب المخففة أو الأعذار المخففة".
وكذلك محكمة التمييز الجزائية التي إعتبرت أنه حتى ولو تم تخفيف العقوبة بسبب القِصَر فإن الوصف القانوني للجرم يبقى جنائياً ولو حكم بعقوبة جنحية (3).
(1) راجع المادة 257 من قانون العقوبات.
(2) الأسباب المخففة هي جوازية وتخضع لسلطة المحكمة التقديرية المطلقة بينما الأعذار المخففة هي وجوبية ولا تخضع لسلطة المحكمة التقديرية مثل عذر صغر السنّ والعته.
(3) محكمة التمييز – الغرفة السادسة – رقم 168 تاريخ 08/10/1996 – المصنف السنوي في القضايا الجزائية – د. عفيف شمس الدين – سنة 1996 – ص 77.
ويقتضي التذكير بأن مرور الزمن يتعلق بالنظام العام لأنه يستند إلى اعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة ويترتب على ذلك أنه لا يمكن للمدعى عليه التنازل عن هذا المبدأ وأنه يجب على القاضي إثارته عفواً وبالتالي يمكن الدفع به في كل مرحلة من مراحل المحكمة ولو لأول مرة أمام محكمة التمييز(1). يبقى أن نشير إلى أن المشرع اللبناني كان قد تبنى مبدأ التضامن بين الدعوى العامة والدعوى المدنية في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم (المواد 438-439 و 440) وعليه كان مرور الزمن على الدعوى العامة ينتج أثره أيضاً على الدعوى المدنية. إلاً أن المشرع عدل عن هذا المبدأ في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد إذ نصت المادة العاشرة منه على أن مرور الزمن على دعوى الحق الشخصي يخضع للقانون المدني.
البند الرابع: إسقاط المتضرر لحقوقه الشخصية:
نصت المادة العاشرة في فقرتها الرابعة من قانون أصول المحاكمات الجزائية على ان الدعوى العامة تسقط بسقوط دعوى الحق الشخصي في الحالات المنصوص عنها في القانون. ولقد حدد المشرع اللبناني الحالات التي يؤدي فيها اسقاط الحق الشخصي الى سقوط الدعوى العامة وذلك في قانون العقوبات حيث نصت المادة 133 منه على ما يلي: "يسقط الحق العام، تبعاً لاسقاط الحق الشخصي، اذا حصل هذا الاسقاط قبل الحكم المبرم في الدعوى واذا كان صريحاً وغير معلق على شرط، وصادراً عن جميع المدعين الشخصيين في حال تعددهم في الجرائم التالية:
1- في القباحات الواقعة على الأفراد أو على أموالهم.
2- في جرائم القدح والذم الواقعة على الأفراد غير موظفي الادارات والمؤسسات العامة والبلديات والجيش والهيئات المنظمة وقضاة الحكم بسبب وظائفهم أو صفاتهم وعلى النواب والوزراء وعلى رئيس الدولة في كل الأحوال.
3- في جرائم الضرب والجرح والايذاء الواقعة على الأفراد اذا لم يفضِ الفعل الى تعطيل أو أفضى الى تعطيل عن العمل لا يتجاوز عشرة أيام.
4- في جميع الجنح الحاصلة بين الزوجين قبل اقتراقهما قانوناً او الحاصلة بين الاصول والفروع او بين الأب والأم والولد المتبنى.
5- في الجنح المنصوص عليها في الواد: 674، 650، 651، 658، 670، 671، 673.
وفي الجرائم المبينة في الفقرة السابقة، وعند تعدّد المدعى عليهم يؤدي اسقاط الحق الشخصي عن احدهم الى اسقاط الحق العام عن جميع المدعى عليهم في الجرم نفسه. أما في سائر الجرائم فالمدعي الشخصي أن يحصر اسقاطه لحقوقه الشخصية بواحد او اكثر من المدعى عليهم دون ان يؤثر هذا الاسقاط على دعوى الحق العام وانما تترتب النتائج القانونية المنصوص عليها في المادة 32 من قانون الموجبات والعقود. وهكذا يبدو لنا من قراءة هذا النص ان المشرع اللبناني قد وضع قاعدة عامة للاسقاط كما نص على استثناءات لها. فالقاعدة تقضي بأن الاسقاط الشخصي للمتضرر يؤدي الى اسقاط الحق العام في جرائم محددة على سبيل الحصر (2) اذا حصل قبل الحكم المبرم في الدعوى واذا كان صريحاً وغير معلق على شرط وان يكون صادراً عن جميع المدعين الشخصيين في حال تعددهم.
أما الإستثناء لهذه القاعدة فهو يتعلق بالجرائم التالية:
- إذا وقع الجرم (قدح وذم) على موظفي الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات والجيش والهيئات المنظمة وعلى قضاة الحكم بسبب وظائفهم أو صفاتهم، وعلى النواب والوزراء وعلى رئيس الدولة في كل الأحوال.
- اذا افضى جرم الضرب والجرح والايذاء (الواقع على الأشخاص) الى تعطيل عن العمل يتجاوز العشرة ايام .
- اذا وقعت الجنح الحاصلة بين الزوجين بعد افتراقهما قانوناً.
(1) أنظر بالتفصيل: Jean Pradel:” droit penal et procédure pénale”, op.cit page 184 et suiv.
وقرار محكمة التمييز- الغرفة الخامسة رقم 296 تاريخ 28/11/1972 - مجموعة الإجتهادات د. سمير عالية- الجزء الثالث. رقم 647- ص. 259.
(2) قرار محكمة التمييز رقم 70 تاريخ 13/02/1957 - موسوعة د. عالية - ص 310 رقم 1164.
بعد ان رأينا وشرحنا حالات السقوط الواردة في قانون اصول المحاكمات الجزائية، يبقى لنا ان نستعرض لحالات السقوط المحددة في قوانين متفرقة والتي ستكون عنوان الفقرة الثانية من هذا الفصل.
الفقرة الثانية: حالات سقوط الدعوى العامة المحددة في قوانين متفرقة: هذه الحالات ايضاً يؤدي فيها اسقاط الحق الشخصي الى سقوط الدعوى العامة ولكن ما يميزها عن غيرها انها لم يرِدْ بشأنها نص في قانون اصول المحاكمات الجزائية وانما وردت في نصوصاً متفرقة (1) وهي ثلاث حالات: حالة الحكم المبرم والمصالحة والغاء نص قانوني.
البند الأول: الحكم المبرم:
ويُعرف بقوة القضية المقضية: "”Autorité de la chose jugée: وانقضاء الدعوى العامة بها يعني زوالها وعدم جواز بعثها مرة اخرى امام القضاء. فان قام اطراف الدعوى بطرحها من جديد امام القضاء اعتُبرت باطلة ولا اساس لها في القانون، ويتعين على القضاء في هذه الحالة ردّها دون البحث في الموضوع لانه لا يلاحق الفعل الواحد الا مرة واحدة سنداً للمادة 182 من قانون العقوبات. ويتعلق الحكم المبرم بالنظام العام اي انّ للمحكمة ان تثيره من تلقاء نفسها وللنيابة العامة ان تتمسك به وللمدعى عليه ان يثيره في اية مرحلة من مراحل المحاكمة. وقد اعتبرت محكمة استئناف الجنح في جبل لبنان: "ان الدعوى العامة تنقضي بصورة نهائية بصدور حكم مبرم (2)". وعلى الرغم من ان المشرع اللبناني لم ينص صراحة على حالة الحكم المبرم ضمن اسباب انقضاء الدعوى العامة المحددة في المادة العاشرة من قانون اصول المحاكمات الجزائية الا ان المادة 276 منه نصت على انه: "اذا قضت المحكمة ببراءة المتهم او بكف التعقبات في حقه فتحكم باطلاق صراحه فوراً ان لم يكن موقوفاً لداعٍ آخر. لا يجوز بعدها ملاحقته بالفعل ذاته وان اعطي وصفاً آخر". وبالتالي يمكن ان تمتد هذه المادة لتشمل الاحكام الجزائية المبرمة التي تصدر عن المحاكم الجزائية الأخرى (3).
البند الثاني: المصالحة:
- وهي تعني الاتفاق مع الطرف الآخر في النزاع والتنازل عن الحق والمصالحة التي نعنيها هنا هي تلك التي تجريها الادارات العامة مع المخالفين. فهناك بعض القوانين الخاصة أعطت لإدارات عامة معينة حق فرض الغرامات والمصالحة عليها وفقاً لشروط حددتها ويترتب على هذه المصالحة انقضاء الدعوى العامة الناشئة عن هذه المخالفة(4). فالمشرع اللبناني مثلاً يعطي الادارة بموجب القرار رقم 2775 الصادر بتاريخ 28 ايلول 1929 والمتعلق بمراقبة الصيد الساحلي الحق بأن تتفق حُبّياً مع المخالفين في جميع المخالفات المنصوص عليها في هذا القرار وتكون نتيجة المصالحة إلغاء دعوى الحق العام، واذا حصلت بعد الحكم فلا يمكن ان تجري الاّ على العقوبات والتعويضات المالية.
(1) د. وسام غياض: "محاضرات في اصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق - 2001/2002
(2) محكمة اسئناف الجنح في جبل لبنان - قرار صادر بتاريخ 17/12/1991 - مجلة العدل. ص 443
(3) قرار محكمة التمييز - رقم 20 بتاريخ 07/04/1996 - موسوعة د. عالية - ص 528 - رقم 1992
(4) أنظر بالتفصيل: GHAYAD Wissam: ‘’la politique criminelle du Liban’’ – op. Cit – page 356 et suiv.
- كما ان المرسوم رقم 1937 تاريخ 16/11/1991 الذي حدد مهام وصلاحيات النيابة العامة المالية تعرض لموضوع المصالحة في المادة الثامنة منه التي نصت على انه: "في الحالات التي يحق فيها للادارة المختصة المصالحة مع الملاحق جزائياً، فإن الدعوى العامة تسقط اذا جرت المصالحة قبل صدور الحكم، ويتوقف تنفيذ العقوبة اذا جرت بعده، ما لم يرد نص قانوني على خلاف ذلك". ففي جميع هذه الحالات تؤدي المصالحة الى انقضاء الدعوى العامة اذا حصلت او تمت قبل الحكم.
- ولقد ادخل المشرع اللبناني مسألة المصالحة التي تجريها الادارة مع المدعى عليه في نصوص قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد فنصت المادة 20 منه على انه: "في الحالات التي يحق فيها للادارة المختصة المصالحة مع المدعى عليه تسقط دعوى الحق العام اذا جرت المصالحة قبل صدور الحكم ويتوقف تنفيذ العقوبة اذا جرت المصالحة بعده، ما لم يرد نص قانوني مخالف".
وهكذا نلاحظ ان المشرع اللبناني عَدَلَ عن سياسته القديمة بعدم ذكر المصالحة او النص عليها في قانون اصول المحاكمات الجزائية القديم. وهكذا اصبح بالإمكان القول ان المصالحة تشكل حالة انقضاء للدعوى العامة من الحالات المنصوص عليها في قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد كما ورد شرحه أعلاه.
البند الثالث: إلغاء النص القانوني:
من المبادىء الأساسية التي يقوم عليها قانون العقوبات اللبناني مبدأ لا جريمة ولا عقوبة بدون نص او ما يعرف بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات: .‘’Principe de légalité des délits et des peines’’ فإذا صدر قانون قضى بإلغاء النص القانوني الجزائي الذي عرف جريمة معينة ووضع لها عقوبة فإن هذا الفعل يُصبح مجرّداً من صفته الجرمية وبالتالي لا يمكن ملاحقة القائم به بناء على المسؤولية الجزائية. وعليه يمتنع على النيابة العامة ان تقيم الدعوى العامة على هذا الأساس. أما اذا كانت الدعوى العامة قد بوشرت فيتوجب على القاضي الناظر بالنزاع ان يقرر اسقاطها. واذا صدر فيها حكم قضى بعقوبة معينة فإنه يكون مفعوله نافذ. والمشرع اللبناني لم يذكر حالة "الغاء النص القانوني" ضمن الحالات التي تؤدي الى اسقاط الدعوى العامة والواردة في المادة العاشرة من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد، ولكن نلاحظ ان المادة الثانية من قانون العقوبات اللبناني قد تبنّت هذه الحالة فنصّت على أنه: "لا يقع جرم بعقوبة أو بتدبير احترازي او اصلاحي اذا ألغاه قانون جديد. ولا يبقى للأحكام الجزائية التي قضي بها أي مفعول...".
ومن المسلّم به قانوناً وفقهاً واجتهاداً ان الغاء النص القانوني الذي يؤدي الى اسقاط الدعوى العامة لا يحرم المتضرر من مطالبة التعويض امام القضاء المدني وحده أما اذا كانت الدعوى العامة قد رفعت قبل الغاء النص القانوني فتبقى المحاكم الجزائية مختصة للنظر بالدعوى المدنية، وهذا ما كرّسته المادة العاشرة من قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد. وأخيراً فإن الغاء النص القانوني هو احد الأسباب التي جاءت لمصلحة المدعى عليه والتي تؤدي الى اسقاط الدعوى العامة ولكن في الوقت ذاته لم يحرم المشرع اللبناني المتضرر من المطالبة بحقه الشخصي فهو حَرِصَ على المحافظة على حقوق الطرفين.
الباب الثاني: الدعوى المدنية
يتولد عن وقوع الجريمة نشوء حق للمجتمع في معاقبة مرتكبيها لأنها تؤدي الى الاخلال بأمنه واسقراره وتشكل اعتداءً على مصالحه، ويتم ذلك عن طريق المطالبة بهذا الحق من قبل النيابة العامة التي تمثل المجتمع في هذا الصدد وهذا الحق بالملاحقة وانزال العقوبة يسمى الحق العام والدعوى بشأنه تسمى الدعوى العامة. وقد ينشأ عن الجريمة أيضاً ضرراً بالأفراد مما يبرر للمتضرر المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر الناتج عن الجريمة وحتى يستوفي المتضرر حقه لا بدّ من اللجوء الى القضاء، والدعوى التي يتقدّم بها المتضرر للحصول على تعويض عما أصابه من ضرر تسمى بالدعوى المدنية أو دعوى الحق الشخصي. واذا كانت كل من الدعوى العامة والدعوى المدنية يتولدان من نفس الجرم الاّ ان هناك فروقات بينهما لجهة السبب والموضوع والأطراف. فإذا كان السبب الدعوى العامة هو وقوع جريمة معينة فإن سبب الدعوى المدنية هو الضرر الناتج عن هذه الجريمة.
وكذلك اذا كان أطراف النزاع في الدعوى العامة يقتصر على النيابة العامة والمدعى عليهم فإن الخصوم في الدعوى المدنية هم المتضرر والمدعى عليه والمسؤول بالمال. ويعتبر القضاء المدني هو صاحب الاختصاص الأصيل للنظر بالدعوى المدنية ولكن المشرع اللبناني أجاز للمتضرر من جريمة جزائية بصورة إستثنائية أن يرفع دعواه المدنية أمام القضاء الجزائي تبعاً للدعوى العامة اذ أنهما تتولدان عن ذات الجرم مما يجعل من المناسب تحويل الاختصاص بالفصل فيها لمحكمة واحدة تجنباً لتضارب الأحكام. واذا كانت الدعوى المدنية تابعة للدعوى العامة لجهة المصدر الواحد وهو الجريمة، فهل هذا يعني أنها تسقط بسقوط الدعوى العامة؟ أم هل أن لها أسباب سقوط خاصة مستقلة عن أسباب سقوط الدعوى العامة؟
الفصل الأول: عناصر الدعوى المدنية:
ترتكز الدعوى المدنية كأي دعوى أخرى على سبب يتمثّل في الضرر الناتج عن الجريمة، وعلى موضوع يتعلق بالتعويض للمتضرر عما أصابه من ضرر، وعلى أطراف النزاع أعني المدعي بالحق الشخصي والمدعى عليه والمسؤول بالمال.
الفقرة الأولى: السبب:
وهو الضرر الناتج عن الجريمة وليس الجريمة بحدّ ذاتها لأنه طالما أن الدعوى المدنية هي التي يرفعها من أصابه ضرر من جرم جزائي طالباً التعويض عليه، إما مباشرة أو بالإنضمام الى الدعوى العامة فيكون من الواضح أن سبب الدعوى المدنية هو الضرر الناشىء عن الجرم وليس الجرم ذاته. ولكن ما هو المقصود بالجرم؟ وهل مجرّد وجود الأفعال الضارّة التي لا تشكل بحدّ ذاتها جرماً والتي سببت ضرراً تجيز اقامة الدعوى المدنية امام المرجع الجزائي؟
للاجابة على هذا السؤال لا بدّ من التمييز بين الدعوى المدنية العادية والدعوى المدنية التابعة. فالأولى لا تحتاج الى وقوع جريمة لإقامتها بل يكتفي بأن يكون الضرر قد نتج عن واقعة غير مشروعة وبالتالي لا ضرورة لكون هذه الواقعة ذات وصف جرمي. أما الثانية فهي التي تنشأ عند وقوع جريمة جزائية تعتبر مصدراً للضرر الذي هو سبب هذه الدعوى. والمحكمة الجزائية هي التي تتحقق من مدى توافر عناصر الجريمة الجزائية ومن ثمّ تنظر بالدعوى المدنية التابعة للدعوى العامة. فإذا ما وجدت أن عناصر الجريمة الجزائية غير متوفرة فلا يكون لها الحق بالنظر في الدعوى المدنية لأن حقها بالنظر فيها يكون بصورة تبعية للدعوى العامة عند توفر وقائع ينطبق عليها وصف الجريمة وفقاً لقانون العقوبات.
بمعنى آخر يشترط لإقامة الدعوى المدنية بالتبعية للدعوى العامة إرتكاب واقعة يصدق عليها وصف الجريمة طبقاً لقانون العقوبات أو القوانين المكملة له أياً كانت طبيعتها سواء كانت جناية أم جنحة أم مخالفة، وأيّاً كان نوعها سواء أكانت ضدّ الأشخاص أم ضدّ الأموال أم ضدّ المصلحة العامة (1).
واذا كانت القاعدة العامة (2) تقتضي بأن يكون الضرر ناتجاً عن جريمة جزائية لكي يعطي القضاء الجزائي صلاحية النظر بالدعوى المدنية التابعة للدعوى العام الاّ ان هناك استثناءات على هذه القاعدة وردت على سبيل الحصر في نصوص متفرقة من قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، وهي تعطي القضاء الجزائي صلاحية النظر في الدعوى المدنية التابعة عندما يُعلن براءة المتهم أو الظنين (المواد 132 و 143 ع و 278 أ.م.ج) وعندما يقرر منع المحاكمة عن المدعى عليه (المادة 72 أ.م.ج) وإن كان الضرر ناتج عن مجرد عمل غير مشروع أي وإن كان لا يعتبر جريمة جزائية.
(1) د. علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – المرجع السابق – ص 386
(2) ‘’L’action civile étant l’action en réparation du dommage causé directement par l’infraction, il en résulte qu’un tribunal répressif n’est pas compétent si le dommage puise sa source ailleurs que dans l’infraction’’ – cité par P. Bouzat et J. PINATEL : ‘’ procédure pénale’’, p. 986.
والضرر كسبب للدعوى المدنية التابعة للدعوى العامة يمكن أن يكون مادياً أو معنوياً. والضرر المادي Préjudice matériel هو الذي يقع على جسم الانسان أو ثروته بجميع عناصرها أي ذمته المالية.
أما الضرر المعنوي Préjudice moral فهو الذي لا يصيب الذمة المالية بل يمسّ حقوق ومصالح غير مالية وهذا النوع من الضرر يمسّ الناحية الشعورية للشخص بكافة جوانبها.
والمشرع اللبناني أعطى الحق لكل متضرر بالمطالبة بتعويض عن الضرر الذي يلحق به من جراء الجرم وسواء أكان ضرره مادياً او معنوياً، فنصت المادة 138 الفقرة الأولى من قانون العقوبات على أن: "كل جريمة تلحق ضرراً مادياً أو معنوياً تلزم الفاعل بالتعويض".
كما نصت المادة الخامسة من قانون اصول المحاكمات الجزائية على "أن دعوى الحق الشخصي بالتعويض عن الضرر الناتج من الجرائم حق لكل متضرر".
واذا كان قانون اصول المحاكمات الجزائية لم يحدد الشروط الواجب توفرها في الضرر كسبب للدعوى المدنية الناتجة عن الجريمة الجزائية الاّ أن قانون الموجبات والعقود نصَّ على هذه الشروط بشكلٍ وافٍ كما أنه يمكن إستخلاصها من المبادىء القانونية العامة وعليه يشترط أن يكون الضرر:
- شخصياً: فالمشرع اللبناني لم ينص على وجوب اتصاف الضرر بالصفة الشخصية كي يصلح أساساً للدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي، الاّ أن المبادىء العامة التي ترعى الدعوى المدنية تفرض أن يكون المدعي ذا صفة ومصلحة في تقديمها (1)، وعلى ذلك فقد إعتبرت محكمة الاستئناف (2) في جبل لبنان على أنه: "لا يحق لشركة كهرباء لبنان أن تحل محل الموظف المصدوم في الدعوى المدنية المقامة أمام القضاء الجزائي لأنها لا تعتبر متضررة مباشرة من الجرم فترد دعواها لهذه الناحية مع حفظ حقها بمراجعة المحكمة المدنية ذات الإختصاص".
- أن يكون حالاًّ ومحققاً: فالأصل أأن الضرر الحال هو الذي يتخذ أساساً لدعوى التعويض، وبصورة إستثنائية الضرر المستقبلي فيما إذا كان أكيداً وقوعه وكان بإمكان القاضي تحديد قيمته بالإستناد إلى الوسائل المتوفرة لديه (المادة 134 فقرة 4 واجبات وعقود).
- أن يكون الضرر مباشراً: وهذا هو الأصل لكنّ المادة 134 من قانون الموجبات والعقود أضافت على أنه: يمكن للقاضي أن ينظر إلى الأضرار غير المباشرة بعين الإعتبار شرط ان تكون متصلة إتصالاً واضحاً بالجرم أو شبه الجرم. مما يترتب على القاضي وجوب التحقيق من العلة السببية بين الجرم والضرر غير المباشر. بيد أن الرأي السائد في الإجتهاد الفرنسي هو أنه لا يمكن الأخذ بالضرر غير المباشر (3).
- ويشترط أيضاً أن لا يكون الضرر مبنيّاً على سبب غير مشروع أو مخالف للنظام العام أو الآداب العامة فلا يحق مثلاً للمستفيد من الشيك الذي قبله مع علمه بأنه لا رصيد له أن يطالب بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من جريمة إصدار شيك بدون مؤونة، ولأنه يعتبر مساهماً في هذه الجريمة (4).
(1) د. مصطفى العوجي: "القانون المدني (المسؤولية المدنية)" – مؤسسة بحسون – بيروت – 1996 – ص 752
(2) إستئناف جبل لبنان – رقم 10/88 تاريخ 25/02/مجلة العدل – 1989.
(3) GHAYAD Wissam:” la politique criminelle au Liban”- op. cit- page 321 et suiv.
(4) د. عاطف النقيب:" أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق- ص. 122.
وتجدر الاشارة بالذكر الى أنه لتوافر سبب الدعوى المدنية يشترط وجود علاقة سببية مباشرة بين الجريمة والضرر حتى تقبل دعوى التعويض عنه أمام القضاء الجزائي تبعاً للدعوى العامة.
الفقرة الثانية: الموضوع:
رأينا أنه يحق للمتضرر من جريمة جزائية أن يتقدم بدعوى مدنية إما مباشرة وإما بصورة تبعية للدعوى العامة أمام القضاء الجزائي، فما هو الهدف من هذه الدعوى وما هو موضوعها؟
نصت المادة 129 من قانون العقوبات اللبناني على أن: "الالتزامات المدنية التي يمكن للقاضي الجزائي القضاء بها هي: 1- الردّ، 2- العطل والضرر، 3- المصادرة، 4- نشر الحكم، 5- النفقات".
وهكذا يتضح لنا من هذا النص أن موضوع الدعوى المدنية ينحصر في خمسة أنواع من الالزامات والتي ستكون مواضيع البنود الخمسة التالية:
البند الأول: الردّ:
هو عبارة عن اعادة الحال الى ما كانت عليه قبل وقوع الجريمة، وهذا ما نصّ عليه المشرع اللبناني في المادة 130 من قانون العقوبات.
وبالتالي فهو يشمل كل ما من شأنه انهاء الوضع الواقعي غير المشروع الذي نشأ عن الجريمة واعادة الحال الى وضعها المشروع قبل وقوع الجريمة (1).
ومن يمعن النظر بأحكام المادة 130 من قانون العقوبات يتضح له أن الردّ يخضع لأحكام القانون المدني المتعلقة بإعادة ما كان في حيازة الغير وهذه الإعادة يجب أن تتمّ عيناً كلما كان ذلك ممكناً.
والردّ جائز في كل مرحلة من مراحل الدعوى أي أمام النيابة العامة وقضاء التحقيق بدرجتيه وأمام المحاكم الجزائية.
فالنيابة العامة قد تقرر ردّ الأشياء المضبوطة الى مالكيها الأصليين اذا تأكدت من ملكيّتهم لها.
وقاضي التحقيق وفقاً لأحكام المادة 103 من قانون أصول المحاكمات الجزائية مكلّف برد الأشياء المضبوطة الى أصحابها اذا رأى ان الاحتفاظ بها لا يفيد التحقيق واذا كان الحق خالياً من كل منازعة قضائية.
ويعطى هذا الحق أيضاً للهيئة الاتّهامية التي تحكم بالردّ عندما تقرّر منع المحاكمة وعندما تتأكد من عدم وجود منازعة على ملكية الأشياء المضبوطة. والمادة 130 من قانون العقوبات تلزم المحكمة بالردّ عفواً كلما كان ذلك ممكناً.
أضف الى ذلك أن المادة 201 من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصّت على أنه: "للقاضي المنفرد الجزائي ان يبت في طلبات ردّ الأشياء المضبوطة ولو كان قد فصل في أساس الدعوى وارتفعت بالتالي يده عنها ما لم يكُن حكمه موضوع طعنٍ. يقبل الاستئناف القرار القاضي بردّ الأشياء المضبوطة أو برفضه ردّها".
يبقى أن نقول بأن موجب الردّ لا يتجزّأ وهذا ما تبنّاه المشرع اللبناني في المادة 141 من قانون العقوبات، فعند تعدّد المدينون بموجب غير قابل للتجزئة أمكن إلزام كلٍّ منهم به على أن يكون لمن أدّاه حق الرجوع على سائر المدينين (2).
(1) R. Merle et A. Vitu: “traité de droit criminel” - op.cit. n 113. Page 142
(2) د. عاطف النقيب: "أصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق - ص 224
البند الثاني: العطل والضرر:
أي تعويض المتضرر عن الضرر الذي لحق به والناشىء عن الجريمة الجزائية.
وقد عرفه الدكتور عاطف النقيب (1) بأنه: "الحصول على مبلغ من المال مقابل الضرر الذي أنزل بالمجني عليه جراء الجريمة أو الربح الذي حرم منه بسببها أو قيمة ما كان يجب ردّه اذا تعذّر الردّ لسبب من الأسباب".
والتعويض لا يحكم به الاّ اذا طلبه المدعي الشخصي (المادة 132 عقوبات)، بينما أُجِيز للقاضي أن يحكم عفواً بالنفقات القضائية والردّ.
ويعود تقدير قيمة التعويض بصورة مطلقة الى محكمة الأساس دون أن يخضع ذلك لرقابة محكمة التمييز (2).
ونشير هنا الى ان محكمة الأساس لا تتقيّد بالمقدار الذي حدّده المدّعي الشخصي، بل يعود لها الاستنساب مراعيةً في ذلك ظروف وملابسات القضية، حالة المدّعى عليه وسِنّ المجني عليه واحتياجاته المستقبليّة وهذا ما هو متعارف عليها فقهاً. كما أنه يجب تقدير قيمة الضرر بالنظر الى المعطيات الخاصة وحتى الشخصية منها. التي من شأنها ان تزيد او تنقص قيمة التعويض العائد للضحية (3). والقاعدة ان التعويض يجب ان يكون معادلاً للضرر ولقد قضي بأنه لا يجوز للمحكمة ان تقضي بتعويض اكبر مما يطلبه المتضرر حتى ولو تبيّن لها ان الضرر الذي أصابه يفوق في جسامته مبلغ التعويض الذي طلبه (4).
البند الثالث: المصادرة:
إن المشرع اللبناني عندما نص في المادة 129 من قانون العقوبات على أنواع الإلزامات المدنية التي يمكن للقاضي الجزائي الحكم بها أورد المصادرة.
فما هي المصادرة أو ما هو المقصود بها؟
تقتضي الإجابة على هذا السؤال ضرورة التمييز بين المصادرة كتدبير إحترازي والمصادرة كعقوبة إضافية والمصادرة كتعويض عن عطلٍ وضررٍ ما.
فالمصادرة العينية كتدبير إحترازي جاء النص عليها في المادة 98 من قانون العقوبات على الشكل التالي:" يصادر من الأشياء ما كان صنعه أو اقتناؤه أو بيعه أو استعماله غير مشروع وإن لم يكن ملكاً للمدعى عليه أو المحكوم عليه أو لم تفضِ الملاحقة إلى حكم. إذا لم يكن ما تجب مصادرته قد ضبط مُنح المحكوم عليه أو المدعى عليه مهلة لتقديمه تحت طائلة أداء ضعفي قيمته حسبما يحددها القاضي. يمكن للمحكمة عند الإقتضاء الإستعانة بخبير لتقدير القيمة الواجب أداؤها وتحصل القيمة المقدرة بالطريقة المتبعة في تحصيل الغرامة". ونلاحظ أنه يطلق على هذا النوع من المصادرة بالمصادرة العينية لأن المقصود فيها هو الشيء المضبوط وخطورته لأنه غير مشروع.
(1) د. . عاطف النقيب: "أصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق - ص 225
(2) قرار محكمة التمييز - الغرفة الخامسة - رقم 174 - تاريخ 28/08/1975
(3) Noêl Degean De Labatte: (Appreciation in abstracts et appreciation in concreto) - Thèse Paris 1963 page 270: “le dommage doit être apprécié en fonction de toutes données particulières même personnelles qui augmentent ou diminuent la gravité de l’atteinte subie par la victime ».
(4) قرار محكمة التمييز رقم 156 تاريخ 20/03/1963 - موسوعة د. عالية - ص 326 رقم 1242
وأما المصادرة كعقوبة إضافية وتعرف بالمصادرة الشخصية فهي التي جاء النص عليها في المادة 69 من قانون العقوبات وهي التي ترد على الأشياء وغير الممنوعة ولكن صلتها بالجريمة وإستعمالها فيها يجيز مصادرتها مع الإحتفاظ بحقوق الغير حسني النية، وقد إعتبرت محكمة التمييز الجزائية (1) بأن محكمة الجنايات قد أخطأت عندما قضت بمصادرة سيارة زوجة المتهم والمسجلة على إسمها والتي إستعملها في نقل المخدرات دون علمها بذلك، إذا اعتبرت محكمة التمييز أنه كان يتعين على محكمة الجنايات التفتيش عن نية مالك السيارة أي نية زوجة المتهم فإذا ما تبين أنها كانت حسنة النية فعندئذٍ يتعين حفظ حقها وعدم مصادرة سيارتها طبقاً لأحكام المادة 69 من قانون العقوبات.
البند الرابع: نشر الحكم:
الأصل أن نشر الحكم هو عقوبة إضافية يمكن الحكم بها إلى جانب العقوبة الأصلية وهذا ما تبناه المشرع اللبناني في المادة 68 من قانون العقوبات التي نصت على أن:" لمحكمة الجنايات أن تأمر بنشر أي قرار جنائي في جريدة أو جريدتين تعينهما. كذلك يمكن نشر أي حكم قضى بعقوبة جناحية في جريدة أو جريدتين يعينهما القاضي إذا نص القانون صراحةً على ذلك...".
ولكن لا يقتصر الأمر على ذلك فقد يكون نشر الحكم عبارة عن جزاء مدني أي نوع من الإلزامات المدنية التي يمكن للقاضي الجزائي الحكم بها وفي هذه الحالة يأخذ نشر الحكم حالة حكم التعويض وهذا ما كرسته المادة 135 من قانون العقوبات بنصها على أنه:" يمكن للقاضي إذا طلب المدعي الشخصي وكانت مصلحته توجب ذلك أن يأمر بنشر الحكم برمته أو بنشر خلاصة عنه في جريدة أو عدة جرائد على نفقة المحكوم عليه. ويمكنه إذا طلب الظنين وكانت مصلحته توجب ذلك أن يأمر بنشر حكم البراءة في الشروط نفسها على نفقة المدعي الشخصي إذا تبين أنه تجاوز في دعواه".
ويتساوى في هذه الحالة نشر الحكم مع التعويض والمصادرة فهو قد يكون تعويضاً عن الأضرار الناجمة عن بعض الجرائم وبصفة خاصة الجرائم التي تمس الشرف أو الإعتبار مثل الذمّ أو القدح أو الإفتراء (2).
البند الخامس: النفقات:
وهي عبارة عن مجموع المصاريف الخاصة بدعوى جزائية معينة وتشمل الرسوم وأجور الكشف والخبرة والمعاينة وبدلات الإنتقال. وهي لا تعتبر من قبيل العقوبات بل من أنواع الإلزامات المدنية التي يمكن للقاضي الجزائي أن يقضي بها وفقاً للمادة 129 من قانون العقوبات.
والأصل أن النفقات وفقاً للمادة 136 عقوبات تكون على عاتق الفريق الخاسر الذي يمكن أن يكون المدعي الشخصي أو المدعى عليه أو المسؤول بالمال. إلاّ أن هذه القاعدة لا تطبق بصورة مطلقة فهناك حالات لها أحكامها الخاصة والتي قد تخالف القاعدة المذكورة أو تشكل خروجاً عليها ونذكر منها:
- الحالة التي يرجع فيها الشاكي عن دعواه في خلال يومي عمل من تاريخ شكواه، فلا يلزم بالنفقات اللاحقة لرجوعه (المادة 68 من قانون أصول المحاكمات الجزائية).
- الحالة التي لا يتمكن فيها التحقيق من معرفة فاعل الجريمة التي وقعت فعلاً إذا كان المدعي الشخصي قد ادّعى ضد مجهول فهنا قرر المشرع إعفاء المدعي أو الشاكي من الرسوم والنفقات (المادة 136 عقوبات).
(1) محكمة التمييز الجزائية- الغرفة الرابعة- قرار رقم 31- تاريخ 21/01/1971- مجموعة إجتهادات محكمة التمييز- د. عالية- الجزء الأول- ص. 198 بند 468.
(2) د. علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق- ص.424.
- الحالة التي يحكم فيها بإدانة المدعى عليه ولكن تستأنف النيابة العامة هذا الحكم: فإذا ما أيدته محكمة الإستئناف فلا يلزم المدعى عليه إلاّ بنفقات المحاكمة الأولى أي أمام محكمة الدرجة الأولى. ولكن إذا قضت محكمة الإستئناف ببراءة المدعى عليه أي إذا فسخت الحكم وبرأته فإنه أي المدعى عليه لا يتحمّل أي نفقات (1).
- الحالة التي يحكم فيها ببراءة المدعي عليه وبرفض الدعوى المدنية، فإن المدعي الشخصي يتحمل نفقات الدعوى العامة والمدنية إذا كان هو الذي حرّك الدعوى العامة بإتخاذه صفة الإدعاء الشخصي. أما إذا كانت الدعوى قد حركت عن طريق النيابة العامة فإنه يمكن إعفاؤها من كامل النفقات أو من جزء منها إذا تبين للقاضي أنه كان حسن النية في إدعائه (المادتين: 200 و 280 أصول محاكمات جزائية).
يبقى أن نشير إلى انه لا يحكم بالنفقات على النيابة العامة ولو تبين أنها غير محقة في إقامة الدعوى العامة ولا على الشاكي الذي لم يتخذ صفة المدعي الشخصي أي لم يصبح فريقاً مدنياً في الدعوى (2).
فقرة ثالثة: الخصوم:
يقصد بالخصوم في الدعوى المدنية التابعة للدعوى العامة جهتان:
جهة أولى وهي التي تضرّرت من الجريمة الجزائية وبالتالي نشأ لها حق بالإدّعاء (البند الأول).
وجهة ثانية وهي التي يتم الادعاء عليها وتلتزم بالتعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة (البند الثاني).
البند الأول: من يحق له الادعاء؟
يُستفاد من نص الفقرة الأولى من المادة الخامسة من قانون اصول المحاكمات الجزائية على ان الدعوى المدنية او دعوى الحق الشخصي بالتعويض عن الضرر الناتج عن الجريمة هي حق لكل متضرر. ولكن ما هو المقصود بالمتضرّر؟
ويُستخلص من نص المادة 276 من قانون الموجبات والعقود على انه يحق للدائنين ان يستعملوا بإسم مديونهم جميع الحقوق وأن يُقيموا جميع الدعاوى المختصة به ما خلا الحقوق والدعاوى المتعلقة بشخصه. فما هو المقصود بدائني المتضرّر؟
وأضافت المادة 279 من نفس القانون بأن الموجبات تنتقل بالوفاة او بين الاحياء، فهل يحق للورثة الادّعاء بالحقوق العائدة للمورث؟
(1) د. عاطف النقيب: "أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق- ص. 231.
(2) د. عاطف النقيب: "أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق- ص.232.
أ- المتضرّر: وهو كل شخص طبيعي او معنوي اصابه ضرر شخصي ومباشر من الجريمة. وليس من الضروري ان تكون الجريمة قد وقعت عليه مباشرة بل يكفي ان يكون ضررها قد تعدّى اليه. فإذا ادّت الجريمة مثلاً الى تعطيل المجني عليه تعطيلاً دائماً او أحدثت به عاهة، حقَّ لأهله الذين أُلقِي عليهم عبء اعالته بعد اصابته ان يقيموا الدعوى المدنية بصفتهم الشخصية طلباً للتعويض عمّا نزل بهم من ضرر مادي او معنوي، ودعواهم هذه مستقلة عن الدعوى التي يقيمها المجني عليه نفسه (1). ولكن غالباً ما يكون المتضرر من الجريمة هو المجني عليه كما هو الحال في جرائم الايذاء والضرب المفضي الى عاهة مستديمة.
وتُعتبر الدعوى المدنية ملكاً للمتضرر يتمسك بها او يتنازل عنها. وبالتالي فلا يجوز للنيابة العامة ان تقوم بدور الادعاء فيها ولا يجوز للقضاء ان يرفع هذه الدعوى. والقاعدة ان اسقاط الحق الشخصي من قبل المتضرر لا يقيِّد النيابة العامة التي تبقى حرّة في تحريك الدعوى العامة ومتابعتها الا اذا كان هذا الاسقاط يؤدي الى اسقاط الدعوى العامة وفقاً لما ورد في المادة 133 من قانون العقوبات (2).
ولقد حدّد قانون اصول المحاكمات الجزائية المرجع الجزائي الذي يمكن للمتضرر ان يرفع دعواه المدنية اي دعوى الحق الشخصي امامه فنصّت المادة السابعة منه على ان: "للمتضرر من الجريمة ان يتخذ صفة الادعاء الشخصي امام قاضي التحقيق الأول في الجناية والجنحة او امام القاضي المنفرد في الجنحة والمخالفة. وله ان ينضم الى الدعوى العامة امام محكمة الجنايات".
ب- دائنو المتضرر:
اذا ما تقاعس المتضرر من جريمة ما في اقامة الدعوى المدنية للتعويض عليه عما لحق له من ضرر، فهل يحق لدائنيه الحلول مكانه في اقامتها؟
اجاز المشرع اللبناني لدائني المتضرر استعمال الدعوى العائدة لمدينهم للمطالبة بالعطل والضرر اذا كانت الجريمة واقعة على ماله كالجرائم التي تُنقص ذمة المدين المالية كالسرقة او اتلاف الاموال التي تتألف منها هذه الذمة، وهنا يلحق بالدائن ضرر مباشر يُصيب حق ارتهانه العام على اموال مدينه.
اما اذا كانت الجريمة تتناوله في شخصه او سلامته فينظر الى نوع الضرر: فإذا كان مالياً بحتاً حقّ للدائن اقامة الدعوى المدنية بإسم المدين المتضرر، كالحالة التي يصاب فيها المدين بعاهة دائمة او عجز كلّي يمنعه عن العمل ويشكل نقصاً في الضمانات التي تتيح للدائن استرداد دينه (3).
واذا كان الضرر ادبياً ناشئاً عن المساس في الشرف او السمعة او الاعتبار انحصر بالمتضرر نفسه امر المطالبة بالتعويض عنه، وهذا ما كرّسته المادة 276 من قانون الموجبات والعقود.
ج- الورثة:
يعتبر الحق في التعويض عن الضرر من الحقوق التي تنتقل بالإرث، ولقد نصت المادة 279 من قانون الموجبات والعقود على ان الموجبات تنتقل بالوفاة اي ان الموجبات في ذمة من أوقع الضرر تنتقل الى ورثة المتضرر بعد وفاته. ولكن لمعرفة مدى أحقيّة الورثة للمطالبة بالتعويض عن الحقوق التي انتقلت اليهم من مورثهم يجب تحديد المرحلة التي حصلت فيها وفاة هذا الأخير بمعنى آخر يجب معرفة ما اذا كانت الجريمة قد وقعت قبل الوفاة او بعد الوفاة او كانت سبباً لها.
(1) د. عاطف النقيب: "اصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق - ص 235
(2) د. وسام غياض: "محاضرات في اصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق - ص 135.
(3) أنظر في هذا المعنى: R.Garraud: “traité théorique et pratique d’instruction criminelle et de procédure pénale” - op.cit - n 123.
· فإذا ما وقعت الجريمة قبل وفاة المورث وكان هذا الأخير قد رفع دعواه امام القضاء الجزائي للمطالبة بالتعويض عما اصابه من ضرر، فهنا يحل الورثة محل مورثهم مهما كان الضرر الذي اصاب المورث مادياً او معنوياً.
أما اذا لم يكن هذا الأخير الذي أي المورث قد رفع دعواه المدنية فللورثة حق رفعها اذا كان الضرر مادياً، اما اذا كان الضرر معنوياً فلقد اختلف الفقه الجزائي حول هذه النقطة فمنهم من أجاز ذلك ومنهم من لم يجيزه (1).
· اذا وقعت الجريمة بعد وفاة المورث أي عند التعرّض لهذا الأخير بعد وفاته بالقدح والذم أو التحقير، فقد أجازت المادة 586 من قانون العقوبات لأقرباء المورث حتى الدرجة الرابعة دون سواهم أن يقيموا الدعوى الشخصية أمام القضاء الجزائي لأن من شأن هذه الجريمة ان تلحق بهم ضرراً شخصياً ومباشراً يمسّهم في سمعتهم وشرفهم.
· اذا أدّت الجريمة الى وفاة المورث أي كانت السبب في الوفاة فإنه يحق للورثة والأقارب أن يقيموا الدعوى المدنية امام القضاء الجزائي للتعويض عن الضرر الذي أصابهم من الجريمة التي وقعت على مورثهم أو قريبهم سواء أكان الضرر مادياً أو معنوياً.
البند الثاني: على من يتم الادعاء؟
اذا كانت الدعوى العامة لا تقام الاّ بوجه من ينسب اليه إرتكاب الجريمة سواء أكان فاعلاً أو شريكاً أو متدخلاً أو محرّضاً، فإن الدعوى المدنية التي تهدف الى التعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة تقام بالإضافة الى هؤلاء الأشخاص على المسؤول بالمال والوريث والضامن والهيئات المعنوية.
أ- الفاعل او الشريك او المتدخّل او المحرّض:
يُمكن اقامة الدعوى المدنية تبعاً للدعوى العامة بوجه فاعل الجريمة والشريك والمتدخّل والمحرّض وهذا ما يُستفاد من نص المادة السادسة من قانون اصول المحاكمات الجزائية التي نصّت على انه: "... يجوز اقامة دعوى الحق الشخصي تبعاً لدعوى الحق العام امام المرجع القضائي المقامة لديه هذه الدعوى...".
والمبدأ ان كل عمل ينجم عنه ضرر غير مشروع للغير يُلزم فاعله بالتعويض، فمن يرتكب جريمة ما يسأل جزائياً عنها ويسأل مدنياً ايضاً اذ نتج عنها ضرراً للغير.
ولقد تبنّى المشرع اللبناني في المادة 141 من قانون العقوبات مبدأ تضامن المسؤولين عن الجريمة الواحدة في حال تعدّدهم فنصّت هذة المادة على أنه: "... يتحمل الالزامات المدنية الأخرى بالتضامن جميع الأشخاص الذين حُكم عليهم من اجل جريمة واحدة..."
ب- المسؤول بالمال: أو المسؤول مدنياً، فالأصل ان الشخص لا يُسأل الا من أعماله الصادرة عنه شخصياً ولكن هناك حالات معينة يسأل فيها عن اعمال غيره اذا كانت تربطه بهم روابط معينة وبالتالي يمكن ان ترفع عليه الدعوى المدنية للتعويض عن ضرر سببه هذا الغير.
وهذا ما كرّسه المشرع اللبناني صراحةً في المادة 125 من قانون الموجبات والعقود اذ نصّت على: "ان المرء مسؤول حتماً عن الأضرار التي يُحدثها اشخاص آخرون هو مسؤول عنهم وعددهم محدود ومحصور".
(1) للتوسع في هذا الموضوع أنظر كتاب الدكتور علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون اصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق - ص 440 - 441 وأنظر أيضاً: قرار محكمة التمييز الجزائية رقم 99 - تاريخ 03/07/1959 - النشرة القضائية 1959 - ص 592
ج- الورثة:
وفقاً لأحكام قانون اصول المحاكمات الجزائية القديم كانت دعوى الحق العام تسقط بوفاة المدعى عليه اما دعوى التعويضات الشخصية فيبقى للمتضرر الحق بإقامتها على ورثة المتوفّي لدى المحكمة المدنية. أي كان يحظر على المحكمة الجزائية النظر في الدعوى المدنية بعد وفاة المدعى عليه. الا ان قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد عدل عن هذه الوجهة اذ نصّت المادة العاشرة منه على ان: "تتابع المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى، في حال سقوط الدعوى العامة لسبب من الأسباب الأولى المذكورة (ومنها وفاة المدعى عليه)، النظر في دعوى الحق الشخصي".
وهكذا تبقى المحكمة الجزائية صاحبة الصلاحية للنظر بالدعوى المدنية رغم سقوط الدعوى العامة بوفاة المدعى عليه أي في الحالة التي تحصل فيها الوفاة بعد إقامة الدعوى العامة.
أما في الحالة التي تحصل فيها الوفاة قبل اقامة الدعوى العامة فإنه من الطبيعي القول بأن الاختصاص يكون للمحكمة المدنية وليس الجزائية، بمعنى آخر ترفع الدعوى المدنية بوجه الورثة أمام القضاء المدني. ولكن يبقى أن نشير الى أن الورثة لا يسألون الا في حدود تركتهم بمعنى آخر أن مسؤوليتهم عن التعويض المترتب على مورثهم لا يكون الاّ في حدود التركة التي آلت اليهم. وفي الحالة التي لا يترك المورث مالاً فلا يلتزم الورثة بشيء عملاً بقاعدة: "لا إرث قبل وفاء الدين".
ج- الضامن:
ساوى قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد بين المسؤول بالمال والضامن لجهة الحقوق والواجبات. فبعد أن اختلف الفقه والاجتهاد حول مسألة جواز تقديم الدعوى المدنية بوجه الضامن امام القضاء الجزائي وتبعاً للدعوى العامة المقامة ضد المدعى عليه، جاء قانون اصول المحاكمات الجزائية الجديد ليعتبر الضامن فريقاً اصلياً في الدعوى وبالتالي اجاز رفع دعوى الحق الشخصي بوجهه امام القضاء الجزائي. ونذكر من هذه المواد ما نصت عليه المادة 191 أ.م.ج. بقولها: "بعد اكتمال ما يراه القاضي ضرورياً لتأمين قناعته يستمع الى مطالب المدعي الشخصي او الى مرافعة وكيله ثمّ يستمع الى المدعى عليه او الى مرافعة وكيله ثمّ الى المسؤول بالمال والضامن إن وجد، او لوكيله على ان يبقى الكلام الأخير للمدعى عليه...".
وما نصّت عليه ايضاً المادة 209 أ.م.ج. بقولها: "للمسؤول بالمال او الضامن ان يستانف الحكم الذي ألزمه بالتضامن مع المدعى عليه المضمون بإدانته، بالتعويض عن المدعي الشخصي...". وهكذا نلاحظ ان المشرع اللبناني أقرّ صراحةً للضامن في القانون الجديد بأن يكون طرفاً أصلياً في الدعوى المدنية وبالتالي أصبح بالإمكان مقاضاته امام القضاء الجزائي الى جانب المدعى عليه لمطالبته بالتعويض عن العطل والضرر بالتكافل والتضامن فيما بينهما وهكذا يكون المشرع اللبناني قد حسم الجدل الفقهي والإجتهادي حول هذا الموضوع.
هـ- الأشخاص المعنويون:
ليس مشروطاً ان يكون المدعى عليه في الدعوى المدنية التابعة للدعوى العامة شخصاً طبيعياً، فقد يكون شخصاً معنوياً وهذا ما كرّسه المشرع اللبناني في المادة 210 من قانون العقوبات اذ نصت على: "... ان الهيئات المعنوية مسؤولة جزائياً عن أعمال مديريها وأعضاء ادارتها وممثّليها وعمالها عندما يأتون هذه الأعمال باسم الهيئات المذكورة او بإحدى وسائلها...".
وعليه يشترط لمساءلة الهيئات المعنوية جزائياً:
· أن يكون الفعل غير المشروع صادراً عن المدير أو عضواً في إدارتها أو ممثّلاَ لها أو عاملاً من عمّالها.
· أن يأتوا هذه الأعمال باسم الهيئات المعنوية (1).
(1) القاضي المنفرد الجزائي في كسروان - حكم رقم 43 تاريخ 30/03/1984
الفصل الثاني: الإدعاء مدنياً أمام القضاء الجزائي:
الأصل أن تُقام الدعوى المدنية للتعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة أمام القضاء المدني. فهو المختص بها تطبيقاً للقواعد العامة في تحديد ولايته، وهو يعتبر صاحب الاختصاص الأصيل للنظر في الدعوى المدنية.
ولكن المشرع اللبناني سمح للمدعي المدني بإقامة دعواه المدنية امام القضاء الجزائي، وإختصاص هذا القضاء للنظر في الدعوى المدنية هو استثنائي لوروده على خلاف القواعد العامة.
كما ان اقامة الدعوى المدنية امام القضاء الجزائي يخضع لبعض الاجراءات الخاصة المستمدة من صفتها الاستثنائية باعتبارها تابعة للدعوى العامة. وحق الخيار المعطى للمتضرر بسلوك إما الطريق المدني وإما الطريق الجزائي لا يُعتبر مطلقاّ، وعليه فقد نصت المادة الثامنة من قانون أصول المحاكمات الجزائية على انه: "اذا اقام المتضرر دعواه امام القضاء المدني المختص فلا يجوز له العدول عنها واقامتها امام القضاء الجزائي ما لم تكن النيابة العامة قد حرّكت الدعوى العامة بتاريخ لاحق لادّعائه امام القضاء المدني، شرط ان لا تكون الدعوى المدنية قد فصلت بحكمٍ نهائي...".
وهكذا فإنه يبدو لنا من خلال هذه المادة انه اذا اختار المتضرر الطريق المدني اي صاحب الاختصاص الأصيل فإنه لا يجوز له من حيث المبدأ العدول عنه الى الطريق الجزائي أي صاحب الإختصاص الاستثنائي. ومن البديهي القول انه اذا اختار المتضرر الطريق الجزائي أولاً ان يتركه ويلجأ الى الطريق المدني أي الى صاحب الاختصاص الأصيل. وحق المتضرر في الادعاء مدنياً امام القضاء الجزائي تواجهه قيوداً عديدة: فلا يجوز من حيث المبدأ الادعاء مدنياً امام المحاكم الاستثنائية، كما انه يشترط للادعاء مدنياً امام القضاء الجزائي وجود دعوى عامة بشكل تكون معه الدعوى المدنية تابعة لها.
وحق الخيار يسقط في الحالة التي يسلك فيها المتضرر الطريق المدني دون الطريق الجزائي رغم توفر شروطه.
ولا بدّ من الاشارة الى انه للادعاء مدنياً امام القضاء الجزائي حسنات عديدة نذكر منها:
- سرعة الاجراءات الجزائية اذا ما قورنت بالاجراءات المدنية.
- سلوك الطريق الجزائي أقل كلفة وأوفر في النفقات والمصروفات من الطريق المدني.
- قواعد الاثبات امام القضاء الجزائي أكثر سهولة ويُسراً وأقلّ مشقّة وتعقيداً من قواعد الاثبات امام القضاء المدني.
- ان الاجراءات الجزائية تُجيز التوسل بالحبس الاكراهي La contrainte par corpsلتأمين تنفيذ الالزامات المدنية التي تقضي بها المحاكم الجزائية.
الفقرة الأولى: إجراءات الدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي:
أعطى المشرع اللبناني كل من أصابه ضرر شخصي ومباشر من جريمة ما حق الادعاء مباشرة أمام قاضي التحقيق الأول أو القاضي المنفرد الجزائي اذا ما تقاست النيابة العامة عن اقامة الدعوى العامة عن هذه الجريمة أو في الحالة التي لم تعلم بها. والادعاء المباشر هو المطالبة بالتعويض عن الضرر الناشئ عن الجريمة وهو يؤدي الى تحريك الدعوى العامة (1).
كما أعطى المشرع نفسه للمتضرر الحق بالإنضمام الى الدعوى العامة اذا كانت النيابة العامة هي التي باشرتها.
كما أعطي المتضرر حق التدخل امام قضاء التحقيق او امام المحكمة المختصة قبل اختتام التحقيق.
وعليه فقد نصت المادة السابعة من قانون اصول المحاكمات الجزائية على أنه: "للمتضرر من الجريمة أن يتّخذ صفة الادعاء الشخصي امام قاضي التحقيق الأول في الجناية و الجنحة او امام القاضي المنفرد في الجنحة والمخالفة. وله ان ينضم الى الدعوى العامة امام محكمة الجنايات...".
(1) د. وسام غياض: "محاضرات في اصول المحاكمات الجزائية" - المرجع السابق 2001/2002.
وأضافت المادتان 82 و 155 (1) من نفس القانون على أنه: "لكلّ متضرر من جناية أو جنحة أن يتقدم بشكوى مباشرة إلى قاضي التحقيق الأول التابع له محل وقوع الجريمة أو مقام المدعى عليه أو مكان إلقاء القبض عليه وأن يتخذ صفة الإدعاء الشخصي. تسجل الشكوى في قلم قاضي التحقيق الأول الذي يقرر تكليف مقدمها بدفع سلفة معجلة تتضمن الرسوم والنفقات القضائية على أن لا تزيد عن واحد بالمئة من قيمة الدعوى. وعلاوة على ذلك يكلف الشاكي، إذا كان أجنبياً بأن يقدم كفالة نقدية أو عقارية يعين في قراره مقدارها.
يعفى الشاكي من دفع السلفة إذا كان الفعل المدعى به من نوع الجناية أما إذا كان الفعل من نوع الجنحة يمكن لقاضي التحقيق أن يعفي الشاكي من دفع السلفة إذا كان وضعه المالي لا يمكنه من ذلك. له أيضاً أن يعفي الشاكي الأجنبي من دفع الكفالة للسبب نفسه بقرار معلل.
إن الشكوى التي يتخذ فيها الشاكي صفة الإدعاء الشخصي ويدفع ما يكلف به، ما لم يعفَ منه، تحرك دعوى الحق العام تلقائياً. إذا لم يتوافر فيها أحد هذين الشرطين فتعد بمثابة إخبار وتحال الى النائب العام ليتخذ موقفاً من تحريك الدعوى العامة.
للشاكي أن يرجع عن دعواه، إن فعل ذلك في خلال يومي عمل من تاريخ شكواه، فلا يلزم بالنفقات اللاحقة لرجوعه. لا يؤثر رجوعه على سير الدعوى العامة الاّ في الدعاوى التي يؤدي فيها اسقاط دعوى الحق الشخصي الى اسقاط دعوى الحق العام".
وأضافت الى ذلك المادة 155 من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أنه: "اذا حرك الدعوى العامة ادعاء النيابة العامة فللمتضرر ان يطالب بحقوقه الشخصية تبعاً لها. في مطلق الأحوال يجب ان يتخذ المدعي الشخصي مقاماً مختاراً له ضمن نطاق المدينة او البلدة التي يقع فيها مركز المحكمة وان يبلغ المحكمة خطياً بهذا المقام".
نصت المادة 67 من نفس القانون على أنه: "للمتضرر من الجريمة ان يقدم الى قاضي التحقيق ادعاء شخصياً تابعاً للدعوى العامة التي حركها ادعاء النيابة العامة. عليه ان يتخذ محل اقامة مختاراً في المدينة او البلدة التي يقع فيها مركز قاضي التحقيق، ما لم يكن له في أي منهما محل اقامة حقيقي. إن لم يفعل فلا يجوز له الاعتراض على عدم تبليغه الأوراق الواجب إبلاغه إياها قانوناً". فمن خلال هذه النصوص يبدو لنا جلياً بأنه للادعاء مدنياً امام القضاء الجزائي يشترط القانون القيام ببعض الاجراءات التي تعتبر ضرورية لقبول الدعوى المدنية التابعة للدعوى العامة إن لجهة المرجع الذي يتم الادعاء امامه أو لجهة شكل الادعاء أو تعجيل الرسوم والنفقات أو اتخاذ محل إقامة.
ولكن يبقى السؤال التالي الذي يطرح نفسه: هل يمكن الادعاء مدنياً امام الضابطة العدلية او النيابة العامة؟ بمعنى آخر هل يعتبر صحيحاً اتخاذ صفة الادعاء الشخصي امام الضابط العدلي أو النائب العام؟
في الواقع، للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من العودة الى النصوص القانونية المتعلقة بالإدعاء الشخصي والواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية. فمن خلال هذه النصوص، نجد أنها لم تُعطِ المتضرر الحق بإقامة الدعوى المدنية امام الضابطة العدلية او النيابة العامة والعلة في ذلك تكمن في كون الضابطة العدلية او النيابة العامة لا تملك سلطة الفصل في قبول او عدم قبول الدعوى المدنية. فإذا ما تقدمت الدعوى المدنية امام الضابطة العدلية أو النيابة العامة فإنها لا تحرك الدعوى العامة وكل ما في الأمر أنه يتوجب على الضابطة العدلية أو النيابة العامة أن تحيل الملف الى المرجع القضائي المختصّ مقروناً بالادعاء الشخصي ويعود لهذا الأخير سلطة الفصل في قبول أو عدم قبول الدعوى المدنية.
وقد جرى التعامل في لبنان على أن يتم إتخاذ صفة الإدعاء الشخصي لدى النيابة العامة وهذه الأخيرة تحيله مع الإدعاء العام أمام المرجع القضائي المختص (القاضي المنفرد الجزائي أو قاضي التحقيق الأول) الذي يعود له سلطة الفصل في قبول أو عدم قبول الدعوى المدنية وهذه الأخيرة لا تعتبر قد أقيمت إلاّ منذ إقامة الدعوى العامة وتبعاً لها (2).
(1) المادة 68 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تتحدث عن الإدعاء الشخصي أمام قاضي التحقيق.
(2) د. وسام غيّاض: "محاضرات في أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق 2001/2002.
ولكن يبقى الإدعاء الشخصي محله في الواقع أمام قاضي التحقيق الأول أو القاضي المنفرد الجزائي وفقاً لفحوى النصوص الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية. وللمدعي الشخصي أن يرفع دعواه المدنية بالإنضمام إلى الدعوى العامة أمام محكمة الجنايات (المادة 7 الفقرة الأخيرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية) وأمام المجلس العدلي (المادة 363 الفقرة الأخيرة من قانون أصول المحامكات الجزائية).
ويترتب على قبول المتضرر فريقاً أصلياً في الدعوى أو فريقاً منضماً إلى الدعوى العامة وفي أي مرحلة تكون عليها هذه الدعوى أنه يصبح خصماً للمدعى عليه ويتمتع بجميع حقوق الخصوم (1) ومنها:
- أن له ولوكيله في حضور جميع أعمال التحقيق ما عدا سماع الشهود (المادة 81 أصول المحاكمات الجزائية).
- له الحق بإستئناف القرارات التي حددتها المادة 135 من قانون أصول المحاكمات الجزائية (2).
- له الحق بالطعن في الأحكام عن طريق الإستئناف أو التمييز في الشق الخاص بالتعويضات الشخصية فقط (المادتان 210 و 298 أصول محاكمات جزائية).
ومن المنطقي القول بأنه طالما أن الدعوى المدنية هي تابعة للدعوى العامة فإن الأصول الجزائية هي الواجبة التطبيق وليس الأصول المدنية. يبقى أن نشير إلى أن رجوع المدعي الشخصي عن دعواه المدنية أمام القضاء الجزائي لا يخوله أن يدعي مرة ثانية أمام نفس القضاء فلا يبقى أمامه سوى القضاء المدني. والعلة في ذلك تكمن في أنه بتركه الطريق الجزائي وهو الطريق الإستثنائي كما هو معلوم، يكون في حكم من أسقط حقه في إختيار هذا الطريق وبالتالي لا يجوز له العودة إليه مرة ثانية (3).
الفقرة الثانية: القيود التي ترد على الإدعاء مدنياً أمام القضاء الجزائي:
القاعدة أن القضاء المدني هو صاحب الإختصاص الأصيل للنظر في الدعوى المدنية ولكن المشرع اللبناني أجاز للمتضرر من جريمة ما الإدعاء مدنياً أمام القضاء الجزائي وهذا ما يشكل إستثناءً للقاعدة العامة.
إلاّ أنه وفي الوقت ذاته أوجد المشرع قيوداً على هذا الحق، فلا يجوز مبدئياً الإدعاء مدنياً عن جرم جزائي أمام المحاكم الإستثنائية (البند الأول).
كما لا يجوز إقامة الدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي طالما أنه لا يوجد جرم جزائي، بمعنى آخر طالما أنه لا يوجد دعوى عامة أصلية بحيث تكون الدعوى المدنية تابعة لها (البند الثاني).
§ في الحالة التي يطعن فيها بالشق المدني من الحكم إستئنافاً أو تمييزاً فهنا تنظر محكمة الطعن بالدعوى المدنية بصورة مستقلة عن الدعوى العامة. والطعن في هذه الحالة قد يأتي من المدعي الشخصي أو المدعى عليه أو المسؤؤول بالمال (المواد 222 و 298 و 313 أصول محاكمات جزائية).
§ في الحالة التي يتجاوز فيها المدعي الشخصي حقه بالتقاضي ويطلب المدعى عليه أو المسؤول بالمال التعويض له عن الضرر الذي أصابه من جراء هذا التجاوز ففي هذه الحالة تحكم المحكمة الجزائية بالدعوى المدنية دون وجود الدعوى العامة ودون الإستناد إلى الجريمة.
(1) د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية"- شرح وتحليل- بيروت 2001- ص 89.
(2) تنص المادة 135 أصول محاكمات جزائية على أنه: "... للمدعي الشخصي أن يستأنف القرارات الآتية:
أ- القرار القاضي بقبول دفع أو أكثر من الدفوع المنصوص عليها في المادة 73 من هذا القانون إذا كان مضراً بمصلحته.
ب- القرار القاضي بترك المدعى عليه أو بإخلاء سبيله بحق أو بكفالة.
ت- قرار منع المحاكمة عن المدعى عليه.
ث- القرار القاضي بوصف الفعل المدعى به من نوع المخالفة.
ج- القرار القاضي باسترداد مذكرة توقيف المدعى عليه إذا كان مخالفاً للأصول....".
(3) د. علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق ص 472.
أضف إلى ذلك أنه يُمْنَعْ على المتضرر الذي اختار الطريق المدني أوّلاً من تركه وسلوك الطريق الجزائي إلاّ وفقاً لشروط حددتها المادة الثامنة من قانون أصول المحاكمات الجزائية بشكل دقيق (البند الثالث).
البند الأول: عدم جواز الإدعاء مدنياً أمام المحاكم الإستثنائية:
المبدأ أنه لا يمكن إقامة الدعوى المدنية إلاّ أمام المحاكم العادية، سواء أكان ذلك بصورة أصلية أو عن طريق الإنضمام إلى الدعوى العامة. فلا يجوز إقامة الدعوى المدنية أمام المحاكم الإستثنائية كالمحكمة العسكرية مثلاً إذ يستخلص من نص المادة 25 من قانون القضاء العسكري الصادر بتاريخ 13/04/1968 أن المحكمة العسكرية تنظر فقط دعوى الحق العام دون الحق الشخصي وبالتالي لا يبقى أمام المتضرر إلاّ أن ينتظر الحكم الجزائي الصادر عنها ليقيم دعواه الشخصية أمام المحاكم المدنية. وفي الحالة التي يختار فيها المتضرر سلوك الطريق الذي قبل الفصل في الدعوى العامة على يد المحكمة العسكرية فإنه يتوجب على القضاء المدني أن يتوقف عن إصدار الحكم حتى فصل الدعوى العامة نهائياً أمام القضاء العسكري. وإذا كان هذا المبدأ هو المطبق أمام المجلس العدلي كمحكمة إستثنائية إلاّ أن المشرع اللبناني خرج عنه صراحة عندما أجاز للمتضرر بموجب نص المادة 363 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أن ينضم إلى الدعوى العامة أمام المجلس العدلي الذي يعتبر محكمة إستثنائية. وهكذا أصبح بإمكان المتضرر الإنضمام إلى الدعوى العامة أمام المجلس العدلي كمحكمة إستثنائية وإن لم يكن له الحق بالإدعاء مباشرة أمام هذا المجلس.
البند الثاني: عدم إمكانية إقامة الدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي دون وجود الدعوى العامة أمامه:
تعتبر الدعوى المدنية تابعة للدعوى العامة، فلا يمكن رفعها أمام القضاء الجزائي طالما لم تحرك الدعوى العامة بواسطة النيابة العامة أو الإدعاء الشخصي. بمعنى آخر لا وجود للدعوى المدنية بدون وجود للدعوى العامة. بناءً عليه لا يجوز للمحكمة الجزائية النظر بالدعوى المدنية طالما أن الدعوى العامة قد سقطت بأحد أسباب السقوط المحددة في القانون قبل إقامة الدعوى المدنية لأنه في هذه الحالة تعتبر المحكمة المدنية وحدها صالحة للنظر فيها. وكذلك إذا قضت المحكمة الجزائية بعدم اختصاصها للنظر بالدعوى العامة فإنه يتوجب عليها أن تقضي بالوقت نفسه عدم إختصاصها للنظر بالدعوى المدنية أيضاً. وعندما تكون الدعوى العامة معلّقة على شرط الحصول على إذن أو طلب أو تقديم شكوى فإن هذا القيد يمتد أثره إلى الدعوى المدنية بحيث أنه يؤجل النظر فيها حتى زوال هذا القيد. يضاف إلى ذلك كله أنه يجب على المحكمة الجزائية أن تفصل بالدعوى العامة والدعوى المدنية في نفس الوقت بحكم واحد، بمعنى آخر أنه يحظر على المحكمة الجزائية أن تفصل في موضوع الدعوى المدنية قبل أو بعد الفصل في موضوع الدعوى الجزائية بل يجب عليها أن تفصل في موضوعهما في وقت واحد وبحكم واحد (1). ولقد وردت نصوصاً كثيرة في قانون أصول المحاكمات الجزائية تشير إلى ضرورة الفصل في الدعوى العامة والدعوى المدنية بحكم واحد في نفس الوقت نذكر منها على سبيل المثال ما ورد في المادة 194 التي نصت على أنه: "يبت في الدعوى العامة وفي الدعوى المدنية (أي القاضي المنفرد الجزائي) إذا كانت قد أقيمت تبعاً للدعوى العامة أو بموجب شكوى مباشرة، وأن يصدر حكمه علناً ". وهكذا نجد بأن مبدأ تبعية الدعوى المدنية للدعوى العامة هو من المبادىء التي تتعلق بالنظام العام وبالتالي لا يمكن الإتفاق على مخالفته وعلى المحكمة أن تثيره عفواً من تلقاء نفسها ويمكن إثارته في أي مرحلة من مراحل المحاكمة ولو لأوّل مرة أمام محكمة التمييز. ولكن إذا كانت قاعدة التبعية تقضي بضرورة الفصل في الدعويين العامة والمدنية معاً إلاّ أن لهذه القاعدة إستثناءات عدة نذكر منها:
- أن سقوط الدعوى العامة بالوفاة أو العفو العام أو مرور الزمن لا يؤدي إلى سقوط الدعوى المدنية وبالتالي تبقى المحكمة الجزائية الواضعة يدها على الدعوى العامة صالحة للنظر بالدعوى المدنية وهذا ما كرسته صراحة المادة العاشرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية. أما إذا لم يكن القضاء الجزائي واضعاً يده على الدعوى العامة حين صدور العفو العام فلا يكون صالحاً للنظر بالدعوى الشخصية التابعة لها (2). إن الدعوى المدنية تخضع لمرور الزمن المدني بينما الدعوى العامة تخضع لمرور الزمن الجزائي (المادة 10 أصول محاكمات جزائية).
(1) راجع بالتفصيل الدكتور علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية"- المرجع السابق- الجزء الأوّل- ص 474 وما يليها.
(2) قرار محكمة التمييز- رقم 438 تاريخ 24/10/1960- موسوعة د. عالية ص 331 رقم 1270.
البند الثالث: حق الخيار كقيد على حق المتضرر في سلوك الطريق الجزائي:
من القيود التي تَرِدْ على حق المتضرر من الإدعاء مدنياً أمام القضاء الجزائي ما ورد في المادة الثامنة من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تمنع المتضرر الذي اختار المدني أوّلاً من تركه واللجوء إلى الطريق الجزائي إلاّ إذا كانت النيابة العامة قد حركت الدعوى العامة بتاريخ لاحق لإدعائه أمام القضاء المدني وبشرط ألاّ تكون الدعوى المدنية قد فُصِلَتْ بحكم نهائي. فصحيح أن المادة الثامنة أعطت المتضرر حق الخيار بين الطريقين المدني أو الجزائي لكنها أوجدت قيوداً على هذا الحق. فهذا الحق يسقط إذا اختار المتضرر أوّلاً الطريق المدني وكان يعلم أن الطريق الجزائي ممكناً له (أي أن تكون النيابة العامة قد حركت الدعوى العامة أو أن الدعوى العامة قد حركت وفقاً للأصول). ويفسّر اختياره للطريق المدني هنا بأنه تنازل عن حقه في سلوك الطريق الجزائي. كما يشترط لسقوط حق المتضرر في اختيار الطريق الجزائي وحدة الموضوع والسبب والخصوم. ولقد قُضِيَ بأنه يعتبر ساقطاَ حق المتضرر في اختيار الطريق الجزائي إذا كان السبب في الدعويين واحداً وكانت الدعويان تتضمنان ذات الموضوع وقائمتان بين نفس الأشخاص (1). وتجدر الإشارة إلى أن حق الخيار المعطى للمتضرر هو حق شخصي لهذا الأخير وبالتالي فإن سقوط هذا الحق لا يتعلق بالنظام العام فلا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها، بل يجب على المدعى عليه أن يتمسك به. وبالمقابل فإنه يعتبر من الدفوع الجوهرية التي يجب على المحكمة أن تناقشه وترد عليه وإلاّ كان حكمها معيباً ويستحق الطعن (2).
الفقرة الثالثة: مدى ارتباط الدعوى المدنية بالدعوى العامة: رأينا فيما سبق بأنه يتولد عن الجريمة دعويان:
دعوى الحق العام أو الدعوى العامة ودعوى الحق الشخصي أو الدعوى المدنية. وهذا يعني أن للعويين منشأ واحد وهو الجريمة ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل أن لهما نفس المصير؟ كانت القاعدة المعمول بها في ظل قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم المستلهم من قانون التحقيق الجنائي الفرنسي عام 1808 تقضي بأن مرور الزمن على الدعوى العامة يستتبع معه أيضاً إنقضاء الدعوى المدنية بمرور الزمن المذكور بحيث أنه لا يعود بالإمكان إقامة الدعوى المدنية أمام المحكمة المدنية أو أمام المحكمة الجزائية. وهذا ما يعرف بمبدأ التضامن بين الدعويين
( (Unité ou solidarité des deux prescriptions ويمكن تبرير هذا المبدأ في اعتبارات عملية وقانونية عديدة لعل أهمها تجنب التناقض بين الأحكام الجزائية والأحكام المدنية عبر منع القاضي المدني من إعادة البحث في جرم، لم يعد بالإمكان أصلاً ملاحقة ومعاقبة فاعليه جزائياً. إلاّ أن معظم الفقهاء الفرنسيين (3) انتقدوا بشدة مبدأ التضامن بين الدعوى العامة والدعوى المدنية لناحية مرور الزمن معتبرين أنه يؤدي إلى نتائج قانونية وخيمة غير عادلة وغير منطقية إذ أنه يقضي إلى معاملة مرتكب الجريمة معاملة أفضل من المدين فيما يتعلق بالتعويض على المتضرر أو الدائن، إذ يسقط إلتزام مرتكب الجريمة بتعويض الضرر الناشىء عنها بعد مرور مدة أقصر من تلك التي يسقط معها إلتزام صاحب الخطأ المدني البسيط أو المدين العادي (4). وخلص أصحاب هذا الرأي إلى نتيجة مفادها أنه صحيح أن إسقاط الدعوى العامة بمرور الزمن يرتكز على فكرة نسيان المجتمع للصفة الجرمية للفعل، إلاّ أن الدعوى المدنية ترمي إلى التركيز بوجوب التعويض عن الضرر الحاصل وليس بالجريمة الواقعة، والا نصل الى حالة عبثيّة تؤدي الى بقاء الضرر من دون تعويض، وأنه من العيب إبقاء المتضرر دون تعويض أكثر منه ترك الجريمة دون ملاحقة والمجرم دون عقاب.
Jl est moins scandaleux de laisser une infraction impunie qu’une victime sans indemnisation
(1) حكم القاضي المنفرد الجزائي في بيروت- تاريخ 16/07/1969- مجلة العدل 1969 العدد الرابع- رقم 398 ص 575.
(2) تمييز- قرار رقم 10 تاريخ 11/01/1951- موسوعة د. عالية- ص 316-317- رقم 1198.
(3) Havane: “la solidarité entre la prescription de l’action publique et de l’action civile” - in Melanges Patin - 1966 - page 425 et suiv. Jean Pradel : « Droit pénal et procédure pénale » - tome II - 5ème éditions - Cujas - 1989 - page 236. . Stéfani et G. Levasseur : « procédure pénale » - Dalloz - Délta 16ème éditions - 1996 - page 249.
(4) د. علي عبد القادر القهوجي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – المرجع السابق – الجزء الأول – ص 504
وقد كان لأراء الفقهاء المناهضين لمبدأ التضامن بين الدعويين لناحية مرور الزمن الأثر الكبير والرئيسي في توجيه الاجتهاد نحو الحدّ والتلطيف من المبدأ المذكور وفي حمل المشترع على فك الترابط بين الدعوى العامة والدعوى المدنية لناحية مرور الزمن.
خلاصة القول أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد كرّس نظرية مساهمة الضحية في سير الدعوى الجزائية سواء عن طريق الدعوى المباشرة أمام القضاء الجزائي أو عن طريق الإنضمام الى الدعوى العامة أمام محكمة الجنايات، كما أعطى هذا القانون دوراً لكل من المدعى عليه والمسؤول بالمال والضامن عن طريق المصالحة التي تجريها الادارة مع المدعى عليه، أو عن طريق إدخال المسؤول بالمال والضامن كفريق أصلي في الدعوى الجزائية. وطبعاً لقد بدى لنا ذلك جليّاً من خلال الأدوار التي أنيطت بكلٍ منها فرقاء الدعوى الجزائية سواء على مستوى الدعوى العامة أو على مستوى الدعوى المدنية التابعة.
بقلم الدكتور وسام غياض
مدير كلية الحقوق والعلوم السياسية
في الجامعة اللبنانية
مُستشهد به