قرار Decision No. 1 07/01/2025
القانون رقم 327/2024 الصادر في 4/12/2024 والرامي الى تعديل الـمادة 2 من الـمرسوم الاشتراعي رقم 150/1983 وتعديلاته (قانون القضاء العدلي) الـمنشور في ملحق العدد 49 من الجريدة الرسمية تاريخ 5/12/2024 .
- Type
- قرار · Decision
- Number
- 1
- Date
- 07/01/2025
- Official Gazette
- Issue 3, 16/01/2025, p. 137-145
- Status
- In force
- Cite as
- قرار رقم 1 تاريخ 07/01/2025
- Source
- Lebanese University
الـمراجعات:
ــ رقم 10/و تاريخ الورود 9/12/2024
ــ رقم 11/و تاريخ الورود 12/12/2024
ــ رقم 12/و تاريخ الورود 17/12/2024
ــ رقم 13/و تاريخ الورود 18/12/2024
موضوع الـمراجعات:
إن الـمجـلـس الدسـتوري الـملتـئم فـي مقره بـتـاريـخ 7/1/2025، برئاسة رئيسه القاضي طنوس مشلب وحضور الأعضاء القضاة عوني رمضان، أكرم بعاصيري، ألبرت سرحان، رياض أبو غيدا، فوزات فرحات، ميشال طرزي، الياس مشرقاني وميراي نجم.
وبغياب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة لوجوده في الـمستشفى.
بعد الاطلاع على ملف الـمراجعة وعلى التقرير،
وبعد التدقيق والـمذاكرة،
تبين أن النواب: حليمة القعقور ــ شربل مسعد ــ سينـتيا زرازير ــ الياس جرادي ــ عماد الحوت ــ نبيل بدر ــ أديب عبد الـمسيح ــ مارك ضو ــ فؤاد مخزومي ــ ميشال الدويهي وبلال الحشيمي،
قدموا استدعاء بتاريخ 9/12/2024، سجل في قلـم الـمجلـس بـرقـم 10//و/2024، طعـنـا بالقانون رقم 327/2024 الصادر في 4/12/2024، الـمنشور في مـلـحـق الـعـدد 49 مـن الجـريـدة الـرسـمـيـة تـاريــخ 5/12/2024، طالبين قبول الاستدعاء شكلا وتعليق مفعول القانون الـمطعون فيه وقبوله أساسا وإصدار القرار النهائي بإبطاله.
وعرضوا أنه في تاريخ 8/10/2024، تقدّم النائب علي حسن خليل باقتراح قانون معجّل مكرر يرمي الى تعديل الـمادة /2/ من الـمرسوم الاشتراعي رقم 150 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته (قانون القضاء العدلي). وقد اقتصر اقتراح القانون آنذاك على فقرة وحيدة تنص على أن تضاف الى الـمادة الـمذكورة الـمتعلقة بتأليف مجلس القضاء الأعلى الفقرة التالية: «عند انتهاء الولاية، وباستثناء حالة بلوغ السن القانونية، يستمر الأعضاء الذين انتهت ولايتهم في ممارسة أعمالهم الى حين تعيين بدلاء عنهم وحلفهم اليمين الـمنصوص عنها في الـمادة /3/ من هذا الـمرسوم الاشتراعي».
وفي الجلسة الـمحددة لـمناقشة الاقتراح فوجئوا بأن ما يناقش بات مغايرا، ثم أثار عدد من النواب مسألة عدم حضور النائب العام التمييزي بالتكليف جلسات مجلس القضاء، وشدد بعضهم على ضرورة حضوره، وصرح النائب علي حسن خليل أنه يبقى من الضروري حل معضلة النائب العام الـمالي.
وفي ظل الغموض حوال موضوع النقاش طرح رئيس مجلس النواب الـموضوع على التصويت، دون ان يفهم جيدا على ما يجري التصويت. وتبين من الصفحة 18 من محضر جلسة الـمناقشة ان النائب علي حسن خليل قد تلا الاقتراح الـمعروض على التصويت الذي تضمن الفقرتين الاوليين من القانون الـمطعون فيه، بالإضافة الى عبارة وردت بشكل غريب في آخر الاقتراح وهي «والتمديدة لـمدة ستة أشهر للقضاة الذين يبلغون سن التقاعد» دون أي شرح آخر،. ما يدل على إضافة الفقرة الثالثة بعد الجلسة، وأنه لـم يتم التصويت عليها، كما لـم يتم التصويت بالـمناداة، وفق ما ورد في الـمحضر، وأنه عند التصويت برفع الايدي صدّق الإقتراح دون ان يتم إحصاء الايادي التي رفعت، رغم مطالبة بعض النواب بمعرفة النتيجة الدقيقة، وبإعادة التصويت بالقيام والقعود أو بالـمناداة بالأسماء.
وبعد الجلسة فوجئوا بأن مضمون النسخة النهائية، التي سربت للإعلام، مختلفة تماما عن مضمون الاقتراح الأساسي، إذ جاء فيها «يمدد للقضاة الذين يبلغون سن التقاعد بين 15/3/2025 و15/3/2026، الذين يتطلب تعيينهم في مراكزهم مرسوما يتخذ في مجلس الوزراء، لـمدة ستة أشهر من تاريخ تقاعدهم» ثم فوجئوا ثانية بتعديل صيغة القانون الـمرسلة لـمجلس الوزراء لإصداره باستبدال 15/3/2026 ب 15/5/2026 . وأدلوا في الشكل بأن مراجعتهم واردة ضمن الـمهلة القانونية ومستوفية لجميع الشروط الشكلية، وفي الأساس بوجوب إبطال القانون الـمطعون فيه للأسباب التالية:
1 ــ مخالفة أصول التشريع الدستورية، لا سيما الـمادة /36/ من الدستور،
2 ــ مخالفة أصول التشريع الدستورية، لا سيما الـمادة /34/ معطوفة على الـمادة /18/ من الدستور،
3 ــ انتهاك مبدأ وجوب استشارة مجلس القضاء الأعلى، وتاليا مخالفة الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور والـمادة /20/ منه،
4 ــ مخالفة مبدأ فصل السلطات الـمكرّس في الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور من خلال تعدي السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة التنفيذية في الفقرة الأولى من القانون الـمطعون فيه،
5 ــ مخالفة مبادئ الـمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الـمواطنين دون تمايز أو تفضيل والـمساواة أمام القانون والـمساواة في تولي الـمناصب العامة الـمكرسة في الفقرة «ج» من مقدمة الدستور والـمادتين /7/ و/12/ من الدستور، ومبدأ عدم التمييز الـمكرس في الـمادتين /2/ من الإعلان العالـمي لحقوق الإنسان و/2/ من العهد الدولي للحقوق الـمدنية والسياسية الـمعطوفتين على الفقرة «ب» من مقدمة الدستور،
6 ــ ألـمسّ باستقلالية القضاء ومبدأ فصل السلطات الـمكرس في الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور والـمادة /20/ منه،
7 ــ مخالفة الفقرة الثالثة من القانون الـمطعون فيه مبدأ فقه القانون ووضوحه.
وكرّروا في خاتمة استدعائهم طلباتهم بقبول الاستدعاء شكلا وتعليق مفعول القانون الـمطعون فيه، ومن ثم إبطاله بعد التأكد من صحة الوقائع الـمسندة اليها ادلاءاتهم بطلب التسجيل الصوتي للـمناقشات من الـمجلس النيابي والاستماع إليه.
وتبين أنه بتاريخ 11/12/2024، أرسل كتاب لجانب رئاسة مجلس النواب لإيداع الـمجلس الدستوري نسخة عن محضر مناقشات القانون ونسخة عن التسجيل الصوتي وان النسختين قد وردتا في 12/12/2024 وأودعتا الـملف.
وتبين أنه بتاريخ 12/12/2024 قدّم النواب: جبران جرجي باسيل، سيزار ريمون أبي خليل، سليم جورج عون، أسعد درغام، جورج نعيم عطا الله، نقولا صحناوي، شربل مارون، سامر أسعد الثوم، ندس البستاني، وجيمي جبور مراجعة. طعن بالقانون إياه سـجـلـت فـي قـلـم الـمجـلـس بـتـاريـخ ورودهـا بـرقـم /11/و/2024، طلبوا فيها بدورهم قبول الـمراجعة شكلا وتعليق مفعول القانون وقبولها أساسا وإبطاله وأدلوا بالأسباب القانونية التالية:
1 ــ مخالفة الأصول الشكلية الجوهرية الـمتمثلة بآلية التصويت على القوانين الـمفروضة بموجب الـمادة /36/ من الدستور.
2 ــ مخالفة أحكام الـمادة /18/ من الدستور لعدم بيان كيفية التصويت على القانون معطوفة على الـمادة /34/ منه.
3 ــ مخالفة مبدأ فصل السلطات الـمنصوص عنه في الفقرة /هـ/ من مقدمة الدستور وذلك بالتعدي على صلاحيات السلطتين التنفيذية والقضائية.
4 ــ مخالفة مبدأ عدم رجعية القوانين بإحياء تعيين قضاة انتهت ولايتهم في 14/10/2024 دون توفير مبررات لهذه الـمخالفة.
5 ــ مخالفة مبدأ عدم جواز العودة عن ضمانة مكرسة قانونا.
6 ــ مخالفة مبدأ شمولية التشريع وتجرده وعدم جواز التشريع على قياس الأشخاص.
7 ــ مخالفة مبدأ الـمساواة.
وتبين أنه بتاريخ 16/12/2024، صدر قرار عن الهيئة العامة برقم 8/2024 بقبول الـمراجعة رقم /11/ شكلا وبضمها الى الـمراجعة رقم /10/، والسير بهما معا، كما صدر قرار برقم /9/ بوقف مفعول القانون الـمطعون فيه لحين البت بالـمراجعتين.
وتبين أنه بتاريخ 17/12/2024 قدّم النواب: جورج عدوان، غسان حاصباني، ملحم الرياشي، فادي كرم، زياد حواط، غادة أيوب، الياس اسطفان، سعيد الأسمر، الياس الخوري، رازي الحاج، ستريدا جعجع، بيار بو عاصي، كميل شمعون، جورج عقيص، أنطوان حبشي، غياث يزبك، جهاد بقرادوني، نزيه متى وشوقي الدكاش مراجعة طعن ثالثة بالقانون السابق ذكره، سجلت قي قلـم الـمجلس برقم 12/و وبتاريخ ورودها، عرضوا فيها الوقائع كما هي واردة في الـمراجعة رقم 10 وطلبوا قبول الـمراجعة شكلا ووقف مفعول القانون، وقبولها اساسا وإصدار القرار بإبطاله والا بإبطاله جزئيا، بإبطال الفقرتين الثانية والثالثة منه، وادلوا بالأسباب القانونية التالية:
1 ــ مخالفة القانون أحكام الـمادة /36/ من الدستور.
2 ــ مخالفة القانون أحكام الـمادة /20/ من الدستور، ومبدأ استقلالية القضاء.
3 ــ مخالفة القانون أحكام الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات.
4 ــ مخالفة القانون مبدأ الشمولية والتجرد، وثبوت التشريع لـمصلحة أشخاص محددين، والانحراف التشريعي.
5 ــ وفي كل الأحوال، إبطال جزئي للقانون الـمطعون فيه، وذلك بإبطال الفقرتين الثانية والثالثة منه، لعلّة عدم إرفاق النص القانوني بأسباب موجبة.
وتبين أنه بتاريخ 18/12/2024 قدّم النواب: بولا يعقوبيان، ابراهيم منيمنة، ياسين ياسين، غسان سكاف، إيهاب مطر، ميشال ضاهر، فريد البستاني، ملحم خلف، نجاة عون صليبا وفراس حمدان، مراجعة طعن رابعة بالقانون السابق ذكره سجلت في قلـم الـمجلس برقم 13/و/2024 بتاريخ ورودها، طلبوا فيها بدورهم قبولها شكلا ووقف مفعول القانون وقبولها أساسا وإصدار القرار بإبطاله وأدلوا بالأسباب القانونية التالية:
1 ــ مخالفة القانون الـمطعون فيه لأحكام الـمادة 36 من الدستور
2 ــ مخالفة القانون الـمطعون للصيغة الجوهرية الـمتمثلة بوجوب استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى بشأنه والتي اعتبرها الـمجلس الدستوري مكرسة للضمانة الـمنصوص عليها في الـمادة 20 من الدستور ولـمبدأ استقلال السلطات الدستورية وتعاونها الـمنصوص عليه في الفقرة (هـ) من مقدمة الدستور.
3 ــ مخالفة القانون الـمطعون فيه لأحكام الـمادتين 18 و51 من الدستور بإصداره ونشره خلافا لصيغته التي أقرّها مجلس النواب لا سيما لجهة البند (ثالثا) من مادته الوحيدة الذي لـم يقرّه مجلس النواب.
4 ــ مخالفة القانون الـمطعون فيه أحكام الـمادة 20 من الدستور ومبدأ استقلال القضاء ذي القيمة الدستورية بخرقه وانتهاكه وإضعافه الضمانات الـمفروضة في هذا الـمجال خصوصا لناحية تشكيل وعمل مجلس القضاء الأعلى.
5 ــ مخالفة القانون الـمطعون فيه مبدأ الـمساواة الـمنصوص عليه في البند (ج) من مقدمة الدستور وفي الـمادة 7 منه.
6 ــ خروج القانون الـمطعون فيه عن قواعد التشريع ومبادئه الـمعتمدة فقها واجتهادا ما يجعله تشريعا زائفا مشوبا بالإنحراف والخطأ التشريعي الفاضح وفقا لاجتهاد الـمجلس الدستوري.
7 ــ مخالفة البندين (أولا) و(ثالثا) من الـمادة الوحيدة للقانون الـمطعون فيه لـمبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها الـمنصوص عليه دستوريا وخصوصا بين السلطتين الإشتراعية والإجرائية.
وتبين أن بتاريخ 23/12/2024، تقرر قبول كل من الـمراجعتين 12 و13/و/2014 شكلا وضمهما الى الـمراجعة الحاضرة أي الـمراجعة رقم
10/و/2024 والسير بها معا
بناء عليه
أولا: في الشكل:
حيث إن مراجعة الطعن الأولى رقم 10/و/2024 وردت ضمن الـمهلة القانونية موقعة من العدد الـمطلوب من النواب ومستوفية لباقي شروطها الشكلية فيقتضي قبولها شكلا علـما أن الـمراجعات الـمضمومة اليها أي رقم 11 و12 و13/و/2024 قد قبلت شكلا في قرارات الضم.
ثانيا: في الأساس:
حيث ان الأسباب التي استندت اليها الـمراجعات تندرج ضمن فئـتين، الأولى تتعلق بمخالفة أصول التشريع والثانية بمخالفة مضمون القانون الـمطعون فيه للدستور، ويقتضي التطرق الى هذه الأسباب تباعا:
1 ـ في الأسباب الـمتعلقة بمخالفة أصول التشريع الدستورية:
أ ــ في مخالفة الـمواد 18 و34 و36 و51 من الدستور
حيث إن جميع الطاعنين يدلون بأن القانون الـمطعون فيه قد أُقر خلافا لأصول التشريع الـمحددة في الدستور لاسيما الـمادة 18 و34 و36 و51 منه،
حيث إن رقابة الـمجلس الدستوري، على أي نص تشريعي يطعن به لديه، لا تقتصر على النظر في مدى انطباق مضمون ذلك النص على الدستور انما تتعداه الى النظر في عيوب عدم الدستورية التي قد تشوب أصول التشريع الـمنصوص عنها في الدستور أو في القواعد العامة الواردة في مقدمته أو في متـنه وهو ما يعرف بالرقابة الخارجية على القوانين،
وحيث إن الـمادة 36 من الدستور تـنصّ صراحة على كيفية التصويت في مجلس النواب، وذلك وفقا لـما يلي:
«تعطى الآراء بالتصويت الشفوي أو بطريقة القيام والجلوس إلا في الحالة التي يراد فيها الانتخاب فتعطى الآراء بطريقة الاقتراع السري. أما فيما يختص بالقوانين عموما أو بالاقتراع على مسألة الثقة فإن الآراء تعطى دائما بالـمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال.»،
وحيث إن الغاية من نص الـمادة 36 هي التصويت على مسألة الثقة وعلى القوانين بشفافية تامة صونا لـمبدأ علنية الجلسات النيابية الـمنصوص عليه في الـمادة 35 من الدستور، ما يسمح بالتثبت من تكوين الأكثرية الدستورية الـمطلوبة لإقرار القوانين ويؤدي الى اطلاع الناخبين على ما يقوم به النواب فردا فردا،
وحيث إن القاعدة التي نصّت عليها الـمادة 36 هي صيغة شكلية جوهرية لا تقبل الاستثناء لورود تعبير دائما في النص الدستوري الواردة فيه، وتشكل شرطا ضروريا للـمراقبة والـمحاسبة في الأنظمة الديمقراطية البرلـمانية، وقد اعتمدها النظام الداخلي لـمجلس النواب في الـمادتين 78 و85 منه،
وحيث إن إهمال هذه القاعدة الجوهرية في التصويت أو مخالفتها يؤدي الى اعتبار التصويت باطلا وينسحب هذا البطلان على القانون الذي يصبح مستوجب الابطال في حال الطعن به أصولا (قرار الـمجلس الدستوري رقم 20/2019 تاريخ 3/6/2019)،
وحيث إن القوانين تقرّ من خلال التصويت بغالبية أصوات النواب وفق ما نصّت عليه الـمادة 34 من الدستور، فلا ينشر قانون ما لـم يقرّه مجلس النواب، وفقا لأحكام الـمادة 18 من الدستور،
وحيث إن الدستور نصّ على الأكثرية الواجب توافرها للنصاب القانوني في جلسات مجلس النواب ولاتخاذ القرار في كل من الأمور الـمطروحة عليه، ومنها القوانين العادية والقوانين الدستورية، ما يعني أن للعدد دورا حاسما في اتخاذ القرار ووضع القوانين، وهو أمر طبيعي في الأنظمة الديمقراطية وإن أحكام الـمادة 36 من الدستور تقع في هذا السياق، وهي مرتبطة جذريا بطبيعة النظام الديمقراطي البرلـماني الذي نص عليه الدستور،
وحيث إن الـمادة 51 من الدستور تنص على ما يلي:
«يُصدر رئيس الجمهورية القوانين وفق الـمهل الـمُحدَّدة في الدستور بعد أن يكون وافق عليها الـمجلس، ويطلب نشرها، وليس له أن يُدخل تعديلا عليها أو أن يعفي أحدا من التقيد بأحكامها»،
وحيث إنه يُستفاد من أحكام الـمادة 51 أنها تحظر إصدار القانون ونشره خلافا لصيغته الحرفية التي أقرّها مجلس النواب سواء من خلال الزيادة على تلك الصيغة أو الإنقاص منها أو تعديلها بأي شكل من الأشكال،
وحيث بالعودة الى محضر جلسة مناقشة القانون في الهيئة العامة لـمجلس النواب ومقارنته بالتسجيل الصوتي للجلسة، الواردين من الـمجلس الـمذكور، يتبين أن اقتراح القانون الذي تمت تلاوته من قبل النائب علي حسن خليل قبل أن يعرضه رئيس الـمجلس للتصويت، لـم تتم مناقشته بالصيغة التي تُلي فيها من قبل النائب خليل، ولا بصيغته النهائية التي تم نشرها في الجريدة الرسمية، علـما أن هاتين الصيغتين تختلفان أيضا في ما بينهما. وقد تضمّن النص الذي عرض للتصويت الفقرتين الأوليين من القانون الـمطعون فيه بالإضافة الى عبارة وردت في آخر الاقتراح وهي «...والتمديد لـمدة ستة أشهر للقضاة الذين يبلغون سن التقاعد» من دون أي تفصيل بشأن التاريخ الذي يبلغون فيه سنّ التقاعد، وذلك بخلاف نص الفقرة الثالثة من القانون الـمطعون فيه التي نصّت على أن هذا التمديد يفيد فقط القضاة الذين يتطلب تعيينهم في مراكزهم مرسوما يتخذ في الحكومة، والذين يبلغون سن التقاعد في 15 آذار 2025 و15 أيار 2026 .
وحيث إنه، فضلا عن ذلك، لـم يتبين أن هذا الاقتراح نال أكثرية الأصوات إذ أنه حين عرض للتصويت برفع الأيدي، اعترض عدد من النواب على طريقة التصويت وعلى عدد الأيدي الـمرفوعة، فطلبوا من رئيس مجلس النواب إعادة التصويت عن طريق الـمناداة وفقا للـمادة 36 من الدستور والـمادة 88 من النظام الداخلي للـمجلس النيابي، وقد استجاب الرئيس لطلبهم وشرع بالتصويت عن طريق الـمناداة، إلا أنه تبين من التسجيل الصوتي ان الـمناداة اقتصرت على تلاوة الأسماء التالية: «جورج عدوان، ستريدا جعجع، غسان حاصباني، بيار بو عاصي، الياس اسطفان، إيلي الخوري، ملحم الرياشي، سعد الأسمر، نبيل بدر، رازي الحاج، جهاد بقرادوني، نزيه متى، من دون انتظار جوابهم بالـموافقة أو بعدمها، وسط اعتراض عدد من النواب على هذه الطريقة، ثم سُمع صوت رئيس الـمجلس يقول: «صدق» قطعا للفوضى التي رافقت بدء عملية التصويت بالـمناداة: وقد تلا ذلك اعتراضات عديدة وسط ضجيج عارم، وسمعت أصوات تسأل عن مصير القانون وتطالب بنتيجة التصويت بالـمناداة، كما طلب بعض النواب تدوين اعتراضهم في الـمحضر دون إضافة طلبهم، وقد تبين تدوين اعتراض للنائب جميل السيد،
وحيث يتبين أن عدد النواب الذين نودي عليهم لا يتعدّى الاثني عشر نائبا، إلا أنّه لا يتبين أن هؤلاء النواب صوتوا بالـموافقة على القانون، خاصة أنهم جميعا من عداد الطاعنين به بالـمراجعة رقم 13/و/2024،
وحيث إنّ إقرار القانون يكون مخالفا لأصول التشريع الـمنصوص عليها في الـمواد 18 و34 و36 و51 من الدستور، وللـمبادئ والقواعد التي يرتكز عليها النظام الديمقراطي البرلـماني في لبنان، لا سيما تلك الـمنصوص عليها في الفقرة (ج) و( د) من مقدمة الدستور ولـمبدأ وضوح الـمناقشات البرلـمانية ذي القيمة الدستورية النابع من مبدأ السيادة الشعبية الـمنصوص عليه في الفقرتين الـمذكورتين، والذي يعتبر أحد تجليات مبدأ الديمقراطية السائد في لبنان، فيقتضي تبعا لذلك ابطال القانون برمته لهذا السبب.
ب ـ في السبب الـمتعلق بعدم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وتاليا مخالفة الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور والـمادة /20/ منه:
حيث إن الـمادة 20 من الدستور تنص على أن «السلطة القضائية تتولاها الـمحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام يضعه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والـمتقاضين الضمانات اللازمة. إما شروط الضمانة القضائية وحدودها فيعينها القانون. والقضاة مستقلون في اجراء وظيفتهم وتصدر القرارات والأحكام من قبل كل الـمحاكم وتنفذ باسم الشعب اللبناني»،
وحيث إن الـمادة 5 من قانون القضاء العدلي الصادر بالـمرسوم الاشتراعي رقم 150 تاريخ 16/9/1993 وتعديلاته تنص في البند «ز» منها على أن يناط بمجلس القضاء الأعلى صلاحية إبداء الرأي في مشاريع القوانين والأنظمة الـمتعلقة بالقضاء العدلي،
وحيث إن اقتراح القانون لـم يُرسل الى مجلس القضاء الأعلى لإبداء الرأي فيه، كما هو ثابت من محضر الجلسة، والذي يتبين منه أن النائب جورج عدوان شدّد مرتين على وجوب احترام استشارة الـمجلس قبل النظر في أي اقتراح قانون يتعلق بالقضاء العدلي، كما ثبت ذلك أيضا من بيان رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الـمؤرخ في 2/12/2014 الذي تداولته بعض وسائل الاعلام والـمتضمن صراحة أن القانون قد أقر دون استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى، وقد ارفقت صورة عن البيان بالـمرجعة رقم 10/و،
وحيث إن استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى في عملية التشريع، عندما يتعلق النص بتنظيم شؤون القضاء والقضاة، يعتبر تكريسا لـمبدأ استقلالية السلطة القضائية ذي القيمة الدستورية، والذي يمثل أحد انعكاسات مبدأ فصل السلطات، الـمنصوص عليه في الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور،
وحيث إن الاستطلاع الـمشار إليه ليس مجرّد صيغة شكلية نص عليها القانون، بل هو صيغة جوهرية formalité substantielle تكرّس احدى الضمانات القضائية الـمنصوص عليها في الـمادة 20 من الدستور،
يراجع قرار الـمجلس الدستوري رقم 23/2019 تاريخ 12/9/2019، (الـموازنة العامة والـموازنات الـملحقة لعام 2019)، حيث جاء:
«إضافة الى اعتبار الـمادة 89 الـمطعون فيها، باستثناء ما سبق، فارسا من فرسان الـموازنة، فإن هذه الـمادة أغفلت صيغة جوهرية formalité substantielle تكمن في موجب استطلاع رأي كل من مجلس القضاء الأعلى ومكتب مجلس شورى الدولة ومكتب مجلس ديوان الـمحاسبة، في مشاريع القوانين والأنظمة الـمتعلقة بالقضاء...
حيث إن الصيغة الجوهرية الـمذكورة لا تقتصر على مجرد استطلاع رأي الهيئات الـمذكورة في مشاريع القوانين والأنظمة الـمتعلقة بالقضاء، بل هي تكريس للضمانة القضائية الـمكتوبة في الـمادة 20 من الدستور وأيضا لـمبدأ استقلال السلطات الدستورية وتعاونها، الـمنصوص عليه في الفقرة (هو) من مقدمة الدستور»،
وحيث إن إقرار القانون الـمطعون فيه الذي تضمن تعديلات في قانون القضاء العدلي في ما يختص بتأليف وولاية مجلس القضاء الأعلى وتعديل سن التقاعد لبعض القضاة دون استطلاع رأي مجلس القضاء يكون مخالفا للدستور ومستوجب الابطال لهذه الناحية.
ت ـ في السبب الـمتعلق بوجوب إبطال الفقرتين الثانية والثالثة من القانون لعلة عدم إرفاق النص القانوني بأسباب موجبة:
حيث إن الطاعنين في الـمراجعة رقم 12/و يطلبون من باب الاستطراد، إبطال القانون الـمطعون فيه جزئيا، وذلك بإبطال الفقرتين الثانية والثالثة منه، لعلة عدم إرفاق النص القانوني بخصوصهما بأسباب موجبة،
وحيث إن الـمادة 6 من قانون الحق في الوصول الى الـمعلومات رقم 28/2017 نصّت على أنه «تنشر الأسباب الـموجبة مع القوانين والـمراسيم على مختلف أنواعها في الجريدة الرسمية، وذلك بواسطة الجهة الـمناط بها صلاحية النشر أو صلاحية الإصدار»،
وحيث إنه، إذا كانت الأسباب الـموجبة للقانون تكتسي أهمية بالغة في عملية التشريع كونها تـنير النواب عند التصويت عليه، كما تسهّل عملية تفسيره من قبل الـمعنيين بتطبيقه إذ تكشف بطريقة بسيطة وموجزة أسباب اقتراح النص والـمبادئ التي ينطلق منها والأهداف التي يحددها والتعديلات التي يجريها على القانون النافذ، فيشكل ارفاقها بالقانون الذي تم التصويت عليه ونشرها معه في الجريدة الرسمية موجبا قانونيا على الـمشترع التقيد به، غير أن غيابها لا يشكل سببا دستوريا لابطال القانون الـمطعون فيه أذ أنها لا تتمتع بالقيمة القانونية valeur juridique خلافا لاحكام القانون الذي ترافقه؛ والتي تخضع لرقابة الـمجلس،
وحيث إن عدم إرفاق الفقرتين الثانية والثالثة من القانون بأسباب موجبة لا يشكل مخالفة للدستور.
2 ـ في الأسباب الـمتعلقة بمخالفة مضمون النصّ الـمطعون فيه لأحكام الدستور والـمبادئ ذات القيمة الدستورية:
أ ـ في السبب الـمتعلق بمخالفة مبدأ الـمساواة ومبدأ شمولية القانون وتجردّه الـمتفرع عنه:
حيث إن جميع الطاعنين يدلون بمخالفة القانون لـمبدأ الـمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الـمواطنين دون تمايز أو تفضيل والـمساواة أمام القانون والـمساواة في تولي الـمناصب العامة الـمكرسة في الفقرة «ج» من مقدمة الدستور والـمادة /7/ و/12/ منه، ومبدأ عدم التمييز الـمكرس في الـمادتين /2/ من الإعلان العالـمي لحقوق الإنسان و/2 من العهد الدولي للحقوق الـمدنية والسياسية الـمعطوفتين على الفقرة «ب» من مقدمة الدستور، فضلا عن مخالفته مبدأ شمولية القانون وتجرده، الـمتفرع عن مبدأ الـمساواة، كونه تمت صياغته على قياس أشخاص معينين.
وحيث إن البند (أولا) من القانون الـمطعون فيه ينصّ على أنه يضاف الى الـمادة /2/ من الـمرسوم الاشتراعي رقم /150/ تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته (قانون القضاء العدلي) الفقرة الآتية: «باستثناء حالة بلوغ السن القانونية يستمر الأعضاء الذين انتهت ولايتهم بتاريخ 14/10/2024 في ممارسة أعمالهم الى حين تعيين بدلاء عنهم وحلفهم اليمين الـمنصوص عنها في الـمادة 3 من هذا الـمرسوم الإشتراعي»،
وحيث إن البند الـمذكور لا يرسي قاعدة عامة تطبق للـمستقبل تفاديا لأي شغور أو تعطيل قد يهدّد استمرارية عمل مجلس القضاء، كما جاء في الاسباب الـموجبة للقانون الـمطعون فيه، انما تطال حصرا خمسة قضاة انتهت مدّة ولايتهم في مجلس القضاء الأعلى في 14 تشرين الأول 2024، أي قبل حوالي الشهرين من تاريخ نشر القانون الـمطعون فيه،
وحيث إن البند (ثانيا) من القانون الـمطعون فيه ينص على ما يلي:
«تُعدل الفقرة (1) من الـمادة /2/ من الـمرسوم الإشتراعي رقم 150 تاريخ 16/9/1983 وتعديلاته (قانون القضاء العدلي)، لتُصبح على الشكل الآتي:
«يكون النائب العام لدى محكمة التمييز عضوا حُكمياً ونائبا لرئيس مجلس القضاء الأعلى، سواء أكان يشغل هذا الـمنصب بالأصالة أو بالانتداب أو بالتكليف»،
وحيث إن البند (ثانيا) أعطى أحد الأعضاء الحكميين في مجلس القضاء الأعلى، أي النائب العام لدى محكمة التمييز، الحق في البقاء في الـمجلس بكامل صلاحياته ولو كان منتدبا أو مكلفا، في حين لـم يعط ذلك الحق، للعضو الحكمي الآخر اي رئيس هيئة التفتيش القضائي اذا كان منتدبا أو مكلفا على الرغم من كونه والنائب العام التمييزي في وضع قانوني واحد، ويكون بالتالي قد أخضعهما لأنظمة قانونية مختلفة ترعى تلك العضوية من دون أي مبرر تقتضيه الـمصلحة العامة،
وحيث إن البند (ثالثا) من القانون الـمطعون فيه نصّ على تأخير سن تقاعد القضاة الذين يبلغون سن التقاعد في الفترة الـممتدة من 15/3/2025 الى 15/5/2026 والذي يتطلب تعيينهم في مراكزهم مرسوما يتخذ في مجلس الوزراء، لـمدة ستة أشهر من تاريخ تقاعدهم.
وحيث ان هذا البند يؤدي الى إفادة قضاة محدّدين واقصاء آخرين مثال الذين يعينون أيضا في مراكزهم بمراسيم وتنتهي خدمتهم ببلوغهم السن القانونية في الفترة الـممتدة بين تاريخ نفاذ القانون وتاريخ 15/3/2025، أو الذين لا يتطلب تعيينهم في مراكزهم مرسوما يتخذ في مجلس الوزراء، علـما أن هذا التمييز بين القضاة لا يستند الى أي مبرر تقتضيه الـمصلحة العامة أو استمرارية الـمرفق القضائي لا سيما وأنه يمكن تفادي الفراغ عند تقاعد أي من القضاة الـمعنيين بالقانون الـمطعون فيه بحلول القاضي الأعلى درجة في الـمحكمة أو النيابة العامة محلّه في إشغال الـمركز الشاغر الى حين تعيين بديل عنه، هذا فضلا عن إمكانية تكليف أحد القضاة القيام بمهام قضائية في أي من الـمراكز الشاغرة منعا لفراغها،
وحيث إن القانون بالصيغة التي أقر بها يشكل انتهاكا لـمبدأ الـمساواة الـمكرّس في الـمادة 7 من الدستور والفقرة (ج) من مقدمته، ولـمبدأ الـمساواة في تولي الوظائف العامـة الـمكرس فـي الـمادة /12/ من الدستور،
يراجع قرار رقم 2/2012 تاريخ 17/12/2012، حيث جاء:
«بما أن القانون يجب أن يكون واحدا لكل الـمواطنين، أو واحدا لجميع الـمنتمين منهم الى أوضاع قانونية متشابهة ولا يجوز اعتماد قانون مفصل على قياس أشخاص محددين»،
وحيث إن مبدأ الـمساواة بين القضاة الـمتواجدين في الوضعية عينها يشكل عنصرا أساسيا من عناصر استقلالية القضاة والسلطة القضائية، فيقتضي ابطال القانون برمته لهذا السبب أيضا.
ب ـ في السبب الـمتعلق بالـمسّ باستقلالية القضاء ومبدأ فصل السلطات الـمكرّس في الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور والـمادة /20/ منه:
حيث إن جميع الطاعنين يدلون بأن القانون يستوجب الابطال كونه يمسّ بمبدأ استقلالية القضاء الـمكرّس في الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور والـمادة /20/ منه،
وحيث إن البند (أولا) من الـمادة الوحيدة للقانون الـمطعون فيه تجدّد ولاية أحد القضاة الـمنتخبين في مجلس القضاء الأعلى عملا بأحكام الفقرة «ب» من الـمادة /2/ من قانون تنظيم القضاء العدلي،
وحيث إن انتخاب أعضاء الـمجلس من أقرانهم يعتبر بحسب الـمعايير الدولية احدى ضمانات استقلالية مجلس القضاء الأعلى، وهو أحد أوجه الاصلاح القضائي الذي لحظته وثيقة الوفاق الوطني عام 1989، بحيث نصّت الفقرة (ج) من البند الـمتعلق باصلاح الـمحاكم على ما يلي: «تدعيما لاستقلال القضاء: ينتخب عدد معيّن من أعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي»
وحيث إنّ الـمشّرع كان من خلال نصّ الـمادة الـمذكورة قد أرسى حقا مكتسبا للسلطة القضائية بتكوين إدارتها عبر آلية إنتخاب جزئي، الأمر الذي يدخل في عداد الضمانات التي تؤمن استقلالية أكثر فعالية للقضاء، وبالتالي يكون القانون قد حرم القضاة من انتخاب أحد ممثليهم في الـمجلس عبر إعادة إحياء ولاية عضو منتخب منتهية ولايته، عملا بالفقرة الأخيرة من الـمادة /2/ من القانون التي نصت على أن «ولاية القضاة الـمذكورين في الفقرتين (ب) و(ج) هي ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد إلا بعد إنقضاء ولاية كاملة على إنتهاء ولايتهم»،
وحيث إن تدخل الـمشرّع على هذا النحو يشكل إنتقاصا من ضمانات استقلالية أعضاء مجلس القضاء الأعلى الذي يسهر على استقلالية القضاء وحسن سير عمله،
وحيث إن البند (ثانيا) من القانون الـمطعون فيه جعل من النائب العام لدى محكمة التمييز، الذي يشغل هذا الـمنصب بالإنتداب أو بالتكليف، عضوا حكميا ونائبا لرئيس مجلس القضاء الأعلى أسوة بمن يشغل هذا الـمنصب أصالة أي الـمعين بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء وفقا للـمادة 31 من قانون القضاء العدلي،
وحيث إنّ إيلاء عضوية مجلس القضاء الأعلى ونيابة رئاسته حكميا الى النائب العام لدى محكمة التمييز الذي يُعيّن في هذا الـمنصب أصالة بموجب مرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء يُراعى الى حد بعيد قاعدة ثبات تشكيل مجلس القضاء الأعلى وتأمين متطلبات استقلالية أعضائه وتجنيبهم الـمؤثرات الخارجية على اعتبار أن عزله من هذا الـمنصب أو نقله منه ليس بالأمر اليسير كونه يستوجب أغلبية الثلثين في مجلس الوزراء سندا للـمادة 65 بند (5) من الدستور،
وحيث إنّ إيلاء هذه العضوية ونيابة الرئاسة الحكمية الى من يشغل هذا الـمنصب بالإنتداب أو بالتكليف لا يؤمن هذه الضمانات، لأن الإنتداب يحصل بقرار من وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى، سندا للـمقطع الأخير من الـمادة 20 من قانون القضاء العدلي التي تنصّ على أنّ وزير العدل يقرر ما تقتضيه الضرورة من الانتدابات بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى، فيما التكليف يحصل بقرار منفرد من الرئيس الأول لـمحكمة التمييز (وهو نفسه رئيس مجلس القضاء الأعلى) سندا للـمادة عينها معطوفة على الـمادة 28 من قانون القضاء العدلي التي تنصّ على أنه: «يتولى الرئيس الأول في دوائر محكمة التمييز الصلاحيات العائدة الى الرئيس الأول لـمحكمة الاستئناف بمقتضى الـمواد 19 و20 و21 من هذا الـمرسوم الإشتراعي» وبالتالي يمكنه الرجوع هن هذا التكليف أو تعديله بقرار منفرد منه أيضا في أي حين،
وحيث إنّه يتبين أن القانون الـمطعون فيه، باعتباره القاضي الـمنتدب أو الـمكلف نائبا عاما لدى محكمة التمييز عضوا حكميا ونائبا لرئيس مجلس القضاء الأعلى، يكون قد منح وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى من خلال الانتداب، وأعطى الرئيس الأول لـمحكمة التمييز ــ رئيس مجلس القضاء الأعلى من خلال التكليف، صلاحية في تشكيل مجلس القضاء الأعلى وتعديل هذا التشكيل بدون أية ضوابط أو قيود،
وحيث أنه لا يجوز أن يقوم قاضٍ بتعيين أو عزل أتراب له في مجلس واحد، لأن ذلك يتعارض مع قاعدة ثبات تشكيل مجلس القضاء الأعلى واستقلالية أعضائه ويضع أحد أعضاء الـمجلس وهو نائب رئيسه في وضع غير مستقرّ يسمح باستبداله بسهولة بالغة ما ينزع عن عضويته في مجلس القضاء الأعلى صفة الديمومة بمفهومها الذي أراده القانون، وذلك يتناقض مع استقلالية القاضي ويجعله عرضة للـمؤثرات والضغوطات وهو الأمر الذي يخالف بدوره مبدأ استقلالية القضاء ذا القيمة الدستورية،
وحيث وفضلا عن ذلك، فإن القاضي الذي يشغل منصب النائب العام لدى محكمة التمييز انتدابا أو تكليفا، لا يقسم اليمين الـمنصوص عليها في الـمادة 3 من قانون القضاء العدلي أمام رئيس الجمهورية فيكون القانون الـمطعون فيه قد أتاح وتاح ضمّ عضو الى مجلس القضاء بدون أن يقسم اليمين القانونية، ما يُخالف إحدى الضمانات التي ترعى عمل مجلس القضاء الأعلى والـموضوعة في الـمادة 3 من قانون القضاء العدلي،
وحيث إن القانون الـمطعون فيه يكون مخالفا لأحكام الـمادة 20 من الدستور ولـمبدأ استقلالية القضاء ذي القيمة الدستورية ويستوجب الإبطال لهذا لا السبب.
ت ـ في السبب الـمتعلق بمخالفة مبدأ فصل السلطات الـمكرّس في الفقرة «هـ» من مقدمة الدستور من خلال تعدّي السلطة التشريعية على صلاحيات السلطة التنفيذية في الفقرة الأولى من القانون الـمطعون فيه:
حيث إنّ الطاعنين يدلون بأن البند الأول من الـمادة الوحيدة للقانون الـمطعون فيه يخالف الدستور، وتحديدا الـمادة 65 منه، بفقرتيها الثالثة والخامسة والفقرة (هـ) من مقدمته، كونه يشكل تعدياً من السلطة التشريعية على صلاحية السلطة التنفيذية،
وحيث إنّه يتضح من البند الـمذكور انطباقه حصرا على خمسة قضاة هم الذين انتهت مدة ولايتهم في مجلس القضاء الأعلى في 14 تشرين الأول 2024، أي قبل حوالي الشهرين من تاريخ نشر القانون الـمطعون فيه، ما يشكل عمليا تعيينا جديدا لهم من قبل السلطة التشريعية، الى حين تعيين بدلاء عنهم،
وحيث إن هذا التعيين يخالف الأصول الـمحددة في الـمادة الثانية من قانون تنظيم القضاء العدلي التي تنص على أن تعيين بدلاء لأربعة منهم يكون من قبل السلطة التنفيذية بمرسوم تتخذ بناء لاقتراع وزير العدل من قبل أعضاء محاكم التمييز، لاحقا بالـمرسوم إياه دون امكان التجديد لأي منهم إلا بعد انقضاء ولاية كاملة على انتهاء ولايتهم.
وحيث إنّه، إذا كان مجلس النواب يتمتع باختصاص شامل على صعيد التشريع، على ما جاء في الـمادة 16 من الدستور، بحيث لا يقتصر اختصاصه على الـمواضيع الـمحجوزة له صراحة، بل يمكنه ان يشرّع صحيحا في أي موضوع يريده بقانون يصدر عنه، غير أن صلاحيته في التشريع تبقى مشروطة بتوافقها وأحكام الدستور والـمبادئ العامة ذات القيمة الدستورية،
وحيث إنّ الفقرة (3) من الـمادة 65 من الدستور حصرت بمجلس الوزراء أمر تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول استقالتهم، إلا أن أعضاء مجلس القضاء الأعلى والقضاة عموما يتمتعون بوضعية خاصة نصّ عليها الدستور تميزهم عن الـموظفين بالـمفهوم الضيق، كونهم يتولون بحكم وظيفتهم السلطة القضائية عملا بأحكام الـمادة 20 من الدستور، والتي تقضي أن تتوفر لهم وللـمتقاضين عبرهم جميع الضمانات اللازمة لـممارسة عملهم بكل استقلالية،
وحيث إن تدارك التعطيل في عمل مجلس القضاء الأعلى وانعاكاساته السلبية وفق ما ورد في الأسباب الـموجبة للقانون، لا يبرر حجم الضرر الناجم عن تعدي السلطة الـمشترعة على صلاحية محفوظة للسلطة الاجرائية وما نتج عنه من خرق لـمبدأ الفصل بين السلطات الـمكرّس في الفقرة (هـ) من مقدمة الدستور، والذي يشكل ركيزة أساسية في النظام البرلـماني الديمقراطي في لبنان، ولـمبدأ استقلالية القضاء ولـمبدأ الـمساواة،
وحيث ان البند (أولا) من الـمادة الوحيدة للقانون الـمطعون فيه يكون مخالفا للدستور لهذا السبب أيضا.
ث ــ في السبب الـمتعلق بمخالفة البند (ثالثا) من القانون الـمطعون فيه لـمبدأ فقه القانون ووضوحه:
حيث إن الطاعنين في الـمراجعة رقم 10/و/2024 يدلون بأنّ الفقرة الثالثة من القانون الـمطعون فيه تتسم بعدم الوضوح لجهة كيفية الاستفادة من تمديد سن التقاعد وعدد الـمرّات التي يمكن الاستفادة فيه، إذ أنها تقبل تفسيرين مختلفين: الأول، أن القاضي الذي تتوفر فيه شروط الاستفادة منها يمدّد سن تقاعده ستة أشهر لـمرة واحدة، والثاني، أنّه بإمكان القاضي الذي استفاد من تمديد تقاعده أن يستفيد أكثر من مرة، وما يزيد من غموض هذا النص هو خلو الأسباب الـموجبة والـمناقشات النيابية من أية إشارة الى هذه الـمادة أو إلى الغاية من وضعها،
وحيث إنهم يدلون أيضا بأنّه إذا تم الأخذ بالتفسير الثاني، فذلك سوف يؤدي الى حالة لا مساواة وتمييز حتى داخل فئة القضاة الـمستفيدين من هذه الـمادة، بحيث يمكن أن يستفيد أحدهم من تمديد قد يصل الى سنة ونصف لبلوغه سن التقاعد في نيسان 2025 على سبيل الـمثال، فيما لا يستفيد آخر منه إلا لستة أشهر لبلوغه سن التقاعد في نيسان 2026،
وحيث إنّ الغموض الذي يشوب نص البند (ثالثا) من القانون الـمطعون فيه يفسح الـمجال أمام تطبيقه بشكل استنسابي قد يمس بمبدأ الـمساواة بين الـمستفيدين منه، الأمر الذي يتعارض مع مبدأ فقه القانون ووضوحه الـمتفرّع بدوره من مبدأ الـمساواة الـمكرس في الـمادة 7 من الدستور والفقرة (ج) من مقدمته،
وحيث إن البند (ثالثا) يكون مستوجبا الإبطال لهذا السبب أيضا. لهذه الأسباب،
يقرّر بالإجماع:
أولا ـ في الشكل:
قبول مراجعة الطعن رقم 10/و/2024 والـمراجعات ذات الأرقام 11/و و12/و و13/و/2024 الـمضمومة اليها، لورودها ضمن الـمهلة القانونية واستيفائها لسائر الشروط الشكلية.
ثانيا ـ في الأساس:
1 ــ ابـطــال الـقـانــون رقـم 327/2024 تــاريــخ 4/12/2024 كليا لـمخالفته أصول التشريع ومبدأ وضوح الـمناقشات البرلـمانية ذا القيمة الدستورية، والضمانة الدستورية الـمنصوص عليها في الـمادة /20/ من الدستور لجهة عدم استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى ومبدأ استقلالية القضاء، ومبدأ الـمساواة الـمنصوص عليه في الـمادة 7 من الدستور والفقرة (ج) من مقدمته، ومبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ وضوح وفقه النص ذا القيمة الدستورية.
2 ــ إبلاغ هذا القرار من رئيس الجمهورية، رئيس مجلس النواب، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس القضاء الأعلى ونشره في الجريدة الرسمية