دراسة د.هانيا محمد علي فقيه 03/11/2016
السرية الطبية في النظام القانوني اللبناني
- المؤلف
- د.هانيا محمد علي فقيه
- تاريخ النشر
- 03/11/2016
- المصدر
- الجامعة اللبنانية
السرية الطبية في النظام القانوني اللبناني
د.هانيا محمد علي فقيه
احد اساتذة القانون المدني في الجامعة الإسلامية في لبنان/فرع صور
استاذة في مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية
" داخل المنازل، لن تشاهد عيناي ما يقع بداخلها، وسيكتم لساني الأسرار التي سيتم البوح لي بها...."
أبقراط
المقدمة:
يرتبط السر الطبي ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الحق في الحياة الخاصة[i]، الذي يُعد من الحقوق الأساسية للإنسان، والذي يُعبر في الواقع عن ضرورة إنسانية، بإعتبار ان "الخصوصية منطقة نشاط مقصورة على الفرد وخاصة به، فلكل انسان الحق في ان يترك وشأنه، وفي حياة منعزلة غير معروفة"[ii]، وله الحق في حماية جميع المعلومات التي تتعلق به، وخصوصياته، وأسراره، وقد تم تكريس الحق في الحياة الخاصة على المستوى الدولي حيث نصت المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948،على عدم جواز التدخل التعسفي في حياة الشخص الخاصة، أو عائلته، أو مسكنه، أو مراسلاته، وعدم جواز حملاتٍ تمس شرفه وسمعته، كما تحفظ هذه المادة الحق لكل شخص في الحماية القانونية من مثل هذه التدخلات او تلك الحملات، و نصت الإتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (روما 4/11/1950) على هذا الحق، وكذلك المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (16/12/1966)، التي نصت أيضاً على وجوب احترام الحياة الخاصة للإنسان، وحظر التدخل التعسفي وغير القانوني، في خصوصيات الشخص وسرية مراسلاته والمحافظة على سمعته وشرفه، والمادة 18 منه التي تنص على حق كل انسان في حماية القانون من مثل هذا التعرض او المساس.
والسر لغة هو "كل ما يكتمه الإنسان ويخفيه، وهو ما يسره المرء في نفسه من الأمور التي عزم عليها[iii]"، فلكل فرد الحق في الإحتفاظ بأسراره او الإدلاء بها الى شخص محل ثقة، وعلى هذا الأخير ان يكتمها. ويعتبر موجب السرية المهنية المفروض على الطبيب موجب أخلاقي، كونه يحث على الشرف والنزاهة والإستقامة في التعامل، وقد إعتاد الناس منذ القدم[iv] على العمل بمقتضى هذه القواعد عند مباشرتهم لمهنهم.
وهذه القواعد هي التي تفرض على صاحب المهنة واجب الحفاظ على السر، ومن هذه المهن نجد مهنة الطب، والتي تعتبر رسالة إنسانية في الأصل، وهي من المهن الصعبة والدقيقة وذلك نظراً للعلاقة الموجودة بين أشخاص مهنة الطب والمرضى، حيث يجب عليهم كتمان سر المرضى، لأنه من الحقوق الشخصية لهؤلاء. وعلى ذلك فإن إفشاء الأسرار يعني الإفضاء بوقائع لها الصفة السرية من شخص مؤتمن عليها، بحكم وظيفته او مهنته، خلافاً للقانون.
وموضوع بحثنا هو السر الموجب للكتمان وتحديداً السر الطبي، وقد عالجت المادة 579 من قانون العقوبات اللبناني مبدأ السرية الذي يلتزم به من كان بموقع المؤتمن الضروري، وجاء فيها " من كان بحكم وضعه أو وظيفته أو مهنته أو فنه، على علم بسر وأفشاه دون سبب شرعي، أو استعمله لمنفعته الخاصة أو لمنفعة آخر، عوقب بالحبس سنة على الأكثر وبغرامة لا تتجاوز الأربعمائة ألف ليرة إذا كان الفعل من شأنه أن يسبب ضرراً ولو معنوياً".كما عالجت القوانين الخاصة السر الطبي، وكذلك المادة 264 من قانون اصول المحاكمات المدنية التي أطلقت هذا المبدأ بالنسبة للمحامين أو الوكلاء أوالأطباء، وقد نصت على ما يأتي: "لا يجوز لمن علم من المحامين، او الوكلاء او الاطباء، او غيرهم عن طريق مهنته او صنعته بواقعة او بمعلومات ان يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته او زوال صفته ما لم يكن ذكره لها مفصحا عن قصد ارتكاب جناية او جنحة". وهو ما يدخل ضمن المعنى الواسع لإفشاء السر المهني[v]. وبما أن السر الطبي هو عبارة عن حق شخصي للمريض فلا يجوز للأشخاص المؤتمنين عليه إفشاءه، وأنه في حالة إفشائه تترتب المسؤولية على ذلك. وبالتالي فإن المبدأ يقضي بأنه يتوجب على الطبيب الإلتزام بالسرية المهنية، إلا انه بالمقابل توجد حالات عملية لا يكون فيها الإلتزام بالسرية الطبية أمراً ممكناً او واجباً، من هنا كان التساؤل التالي:
ما هو مفهوم السر الطبي؟ وهل هو مطلق؟
وتتمثل أهمية هذه الدراسة في التعرف على مبدأ السرية الطبية، والإستثناءات التي قد ترد عليه، وفي تسليط الضوء على علاقة الثقة التي تقوم بين المريض والمؤتمن على السر الطبي، وأهمية حماية هذه الثقة بالنظر الى تعلقها بالحياة الشخصية للمريض، وكيفية الموازنة بين المصلحة الخاصة للمريض بحماية أسراره، والمصلحة العامة للمجتمع بتقصي العدالة.
من هنا كان تقسيم موضوع هذه الدراسة، والإجابة على هذا التساؤل وذلك في قسمين:
الأول : يعالج مبدأ السرية الطبية
الثاني: الإستثناءات الواردة على السرية الطبية
القسم الأول : مبدأ السرية الطبية:
يعتبر الإلتزام بالحفاظ على السر الطبي واجب مهني وأخلاقي، وهو ركيزة أساسية في كل مجتمع حر، لأنه يتعلق بكرامة الإنسان وشرفه وحقه في الخصوصية، وحماية حرياته الفردية، فهو من الحقوق اللصيقة بشخصية الإنسان، وقد عالجها الفقه وكرست لها نصوص خاصة من أجل حمايتها والمحافظة عليها، فهي من أهم الإلتزامات التي تقع على عاتق الطبيب، ومساعديه، التي توجب عليهم حفظ أسرار مرضاهم الذين وضعوا ثقتهم فيهم. ولمعرفة مضمون هذا الالتزام ينبغي التعرف على مفهوم السر الطبي:
Ø المبحث الأول- مفهوم السر الطبي:
ان واجب الإلتزام في السرية الطبية كما ذكرنا سابقاً يرتبط بمفهوم الحق في الخصوصية، فهو حق ذاتي ينشأ عنه واجب الإمتناع، وبمقتضى هذا الواجب يمتنع الطبيب عن إفشاء أسرار مرضاه، نتيجة العلاقة التي تنشأ بينه وبينهم، وبحكم هذه العلاقة فالمطلوب من الطبيب عدم إفشاء السر، كما أن هذه العلاقة تقتضي منه الحرص على تقيد مساعديه[vi] بموجب الحفاظ على السرية المهنية، والحرص على عدم اخذ الغير علماً بهذه الأسرار. من هنا كان يقتضي تعريف السر الطبي فقهاً وقضاءً أمام عدم وجود تعريف واضح ودقيق لهذا المفهوم والتعريف عادة لا يكون من عمل المشترع وانما هو من صلب مهمة الفقه والقضاء:
الفقرة الأولى: تعريف السر الطبي
يُعد السر الطبي من المفاهيم التي يصعب إعطاؤها تعريفاً محدداً بالنظر لإختلافه باختلاف المكان والزمان والأشخاص. ومن التعريفات الفقهية المعطاة للسر الطبي، هو انه "كل ما يصل الى علم من أؤتمن عليه من معلومات أيا كانت طبيعتها سواء تعلقت بحالة المريض وعلاجه، وسواء حصل عليها من المريض نفسه أو اكتشفها بنفسه، ويفرض عليه الالتزام بالصمت بخصوص كل ما يتعلق بهذا السر، إلا في الحالات التي يرخص له فيها بالكشف أوالإفشاء[vii]" ، "وهو لا يشتمل فقط على ما أفضى به المريض الى طبيبه، بل أيضاً ما رآه أو سمعه أو فهمه هذا الأخير، ولا يشترط ان يكون صاحب السر هو الذي أودعه لدى الطبيب، وانما قد يكون ذلك بفعل شخص اخر كزوج أو قريب[viii]".
كما عُرف أيضا على أنه: كل أمر وصل إلى علم الأمين ولو لم يدل به أحد إليه، كما لو وصل إليه صدفة، أو عن طريق الخبرة الفنية، ومثال ذلك المرأة التي رخصت للطبيب بأن يفحص أعضاءها التناسلية، لا يمكن القول أنها لم تعهد إليه بشيء، لأنها بتسليمها نفسها للطبيب من اجل فحصها، تكون قد عهدت إليه بكل ما يمكن أن يحصل عليه من المعلومات نتيجة للأبحاث التي يقوم بها[ix].
أما لجهة ما جاء بالنسبة لموضوعنا في القوانين الخاصة ، فيحتل الأخير (بالنظر الى تعلقه بالحياة الشخصية للمريض)، مكانة بارزة ولا سيما في تشريعات الدول التي أصدرت قوانين خاصة متعلقة بحقوق المرضى كما هو عليه الحال في المادتين1110-4 [x] و 4127-[xi]4 من قانون الصحة الفرنسي لعام2002 الذي نص صراحة على هذا الإلتزام وحدد مضمونه، وكذلك نصت المادة 7 من قانون الآداب الطبية، قانون رقم 288 صادر بتاريخ 22/2/1994، "على ان السرية المهنية المفروضة على الطبيب هي من النظام العام، وعليه التقيد بها في كل الظروف التي يدعى فيها لمعالجة مريض او للإستشارة، مع مراعاة الإستثناءات التي تفرضها السلامة العامة والقوانين والأنظمة والعقود. وتشمل هذه السرية المعلومات التي يفضي بها المريض اليه، وكل ما يكون قد رآه او علمه، او اكتشفه، او استنتجه في سياق ممارسة مهنته او بنتيجة الفحوص التي أجراها...".
كما جاء في القانون اللبناني رقم 574 والصادر في 11/2/ 2004،المتعلق بحقوق المرضى والموافقة المستنيرة، حيث نص في المادة 12 منه على انه "لكل مريض يتولى العناية به طبيب او مؤسسة صحية، الحق في أن تحترم حياته الشخصية وسرية المعلومات المتعلقة بها"؛ كما نص قانون رقم 487 الصادر في 12/12/2002 والمتعلق بواجبات أطباء الأسنان في المادة 5 منه على ان "طبيب الأسنان ومعاونوه ومساعدوه ملزمون جميعاً باحترام سر المهنة مع مراعاة حالات تتعلق بالسلامة العامة وبالأنظمة والقوانين.
-أ- يشمل سر المهنة كل ما اطلع عليه طبيب الأسنان في أثناء ممارسة مهنته أو في معرضها كمثال المعلومات التي يفضي بها اليه المريض او نتيجة معاينة له.
-ب- على طبيب الأسنان، حفاظاً على سر المهنة، ألا يكشف البطاقات الخاصة بمرضاه او الوثائق او الملفات المعلوماتية ذات العلاقة بعيادته الا في الحالات القضائية.
-ج- عند استعانته بمشاهداته الطبية في المنشورات العلمية، يترتب عليه استعمالها في شكل لا يظهر هوية المرضى"
يتبين من خلال قراءة ما تقدم ان للسر الطبي عدة شروط ، وهذا ما سنتطرق اليه فيما يأتي:
الفقرة الثانية: شروط السر الطبي
تتمثل شروط السر الطبي بما يلي:
أولا- ان يكون سراً بطبيعته او بسبب الظروف المحيطة به.
لقد أخذ المشرع اللبناني بالمعيارين الشخصي والموضوعي في تحديد السر الطبي(المادة 7 من قانون الآداب الطبية- بند 1، المذكورة سابقاً). فالسرية تشمل المعلومات التي يفضي المريض بها صراحة الى الطبيب وفقاً للمعيار الشخصي، كما يشمل السر الطبي وطبقاً للمعيار الموضوعي على الظروف والأحوال الموضوعية التي أحاطت بالمعلومة، أي أن الطبيب المؤتمن حصل على المعلومة بسبب مهنته أو بمناسبتها، حيث أنه من شأن طبيعة مهنته الإطلاع عليها، سواء أدلى بها المريض له، أو أنه اكتشفها من تلقاء نفسه . بالمقابل، لا تعد سراً تلك المعلومات التي وصلت إلى علم الأمين دون ان تكون هناك صلة بين المعلومة ومهنته كطبيب، كما لو وصلت هذه المعلومة اليه باعتباره صديقاً للمريض أو شخصاً عادياً، فالمؤتمن على السر غير ملزم بكتمانه إذا تلقاه ليس بصفته كطبيباُ أو صيدلي مثلا بل بصفته ناصحاً أو صديقاً، وقد قضي[xii] في هذا المجال انه عند إدلاء المهني بشهادة امام المحكمة، تتضمن معلومات ليس لها علاقة بمهنته، دون ان يكون هناك عقد سابقُ قد نشأ بينه وبين المدعي، بل كان مجرد صديقٍ لهذا الأخير، فإن جرم الإفشاء بسر المهنة المنصوص عليه في المادة 264 اصول مدنية، والمادة 579 عقوبات، ينتفي.
ثانياً- ينبغي ان لا تكون المعلومة معروفة من الغير.
يفقد الأمر صفة السرية اذا كانت المعلومة المتعلقة بها معروفة من الغير، والمقصود بالغير مجموعة من الناس عرفت بالسر بحيث انه اصبح شائعاً بينهم، ولكن لا يعتبر كذلك عندما يكون محصوراً بين عدد قليل من الناس يرتبطون بالمريض برابطة عائلية او صداقة، فلا ينتفي الطابع السري في هذه الحالة. فالطبيب الذي يؤكد إشاعات مرضية عن احد الأشخاص يكون قد أفشى السر الذي أؤتمن عليه، ويتحمل من ثم مسؤولية ذلك. من جهة أخرى، فإن السر يمكن ان يكون معلوماً من قبل عدد محدود من الناس حتى لو كان خطيراً ما داموا من محيط عائلي، او من محيط عمل واحد، وبرغم ذلك يبقى طابع السرية ملازماً له، بينما تنتفي صفة السرية عن الواقعة، حتى لو لم يعلم بها كثير من الناس، اذ يعلم بها من لا تربطهم بصاحب السر علاقة خاصة كما بيّنا، كالعلم بالوقائع عن طريق جلسة محاكمة علنية. وعليه فان الأمر لكي يعتبر سرا يجب أن تكون هناك واقعة يقتصر معرفتها على البعض فقط، ولم يتم انتشارها بين العامة،"فلا يعتبر إفشاءً للسر قيام الطبيب بتسليم شهادة تتضمن ان شخصاً مبثور الساق[xiii]". ومن المعلومات التي يمكن اعتبارها سرية ويتوجب على الطبيب كتمانها نذكر: اسم المريض، اسم المرض، التصريح بما يشير الى المرض المصاب به المريض من دواء او علاج، التصريح باسم الطبيب الذي قد يشير الى المرض،كتمان مستوى حياة المريض وأسرارها.
ثالثاً- أن يكون للمريض مصلحة في إبقاء الأمر سراً:
ان المعلومات والوقائع لا يمكن اعتبارها سراً إلا إذا كان إفشاؤها يمس كرامة صاحبها وسمعته ويضر بمصلحته، بحيث يمس طمأنينته وشرفه وشعوره. وعلى خلاف ذلك فإنه إذا كانت الواقعة أو المعلومة لا تشكل ضررا من خلال إفشائها ففي هذه الحالة لا تعتبر سرية، ومن ثم لا تترتب أية مسؤولية على الطبيب المؤتمن عليه. من هنا فإنه عند اشتراط توفر مصلحة المريض في كتمان السر الطبي، فإنه ليس من الضروري أن تكون هذه المصلحة من طبيعة معينة، فقد تكون مصلحة مادية، كما قد تكون مصلحة أدبية، وعليه إذا كان للمريض مصلحة في كتمان المعلومة حتى ولو كانت مصلحة أدبية، فإن صفة السر تطغى عليها، ويعود تقدير ما إذا كانت الصفة السرية متوفرة للمعلومة الطبية الى قضاة الأساس ، حيث يرجعون في ذلك إلى عرف هذه المهنة والى ظروف كل واقعة.
Ø المبحث الثاني: الأساس القانوني للإلتزام بالسرية الطبية:
اختلفت النظريات الفقهية المتعلقة بأساس الإلتزام القانوني في السر الطبي، وبالتالي ظهر اتجاهان في هذا الصدد، نعرضهما كما وردا: الإتجاه الأول اعتبر ان أساس الإلتزام هو نظرية العقد، والإتجاه الثاني اعتبر ان اساس الإلتزام هو تعلق السر الطبي بالنظام العام.
الفقرة الأولى: نظرية العقد كأساس قانوني للإلتزام بالسر الطبي:
ان علاقة الطبيب المعالج بمريضه علاقة عقدية يقبل بموجبها الطبيب ان يعالج المريض الذي يتقدم منه طالباً هذه المعالجة[xiv]. فأساس الإلتزام بالسر الطبي يكمن في إتفاق المريض والطبيب، لأن المريض حين يتجه الى الطبيب كاشفاً له بعض أسراره ملتمساً منه العلاج، فإن التراضي متوفر والإتفاق قد عقد.
وقد عرفت المادة 165 من قانون الموجبات والعقود الإتفاق والعقد، أن " الاتفاق هو كل التئام بين مشيئة وأخرى لانتاج مفاعيل قانونية، واذا كان يرمي الى انشاء علاقات الزامية سمي عقداً".
فبمجرد إبرام هذا العقد تترتب التزامات على عاتق طرفيه، بحيث يلتزم المريض بإفضاء سره للطبيب، ومقابل ذلك يلتزم هذا الأخير بحفظه وعدم إفشائه.
ويتوافر هذا الإلتزام سواء أتم النص عليه في العقد او لم يتم النص عليه، لأنه يعد من مقتضيات العلاقة التعاقدية بين الطبيب ومريضه، وفقاً للمبادئ العامة، والعرف والإنصاف[xv].
كما ان التحرر من موجب الإلتزام بالسر الطبي هو أمر جائز برضى طرفي العقد وذلك بإعلانهما عن إرادة مخالفة للإرادة السابقة.
الا ان التساؤل الذي يطرح في هذا المجال هو حول طبيعة العقد الذي يربط صاحب السر بالمؤتمنين عليه هل هو عقد وديعة ام عقد وكالة؟
أولا: عقد الوديعة هو الذي يربط صاحب السر بالمؤتمن عليه:
تنص المادة 690 من قانون الموجبات والعقود على مفهوم الإيداع بأنه "عقد بمقتضاه يستلم الوديع من المودع شيئاً منقولاً ويلتزم حفظه ورده. ولا يحق للوديع أجر ما على حفظ الوديعة الا اذا اتفق الفريقان على العكس".
وتضيف المادة 697 من القانون نفسه بأنه "لا يحق للوديع ان ينيب عنه شخصا آخر في المحافظة على الوديعة الا في احدى الحالتين الاتيتين:
1 - اذا أجاز له المودع صراحة.
2 - اذا قضت بهذا الاحتفاظ ضرورة ماسة".
وتنص المادة 700 من القانون ذاته انه "اذا استعمل الوديع الوديعة أو تصرف فيها بلا اذن من المودع، كان مسؤولا عن هلاكها أو تعيبها ولو كان السبب فيهما حادثاً خارجياً".
يستخلص من المواد المتقدم ذكرها انه لا يجوز للوديع ان يتصرف بالوديعة الا بإذن وموافقة المودع الصريحة، وهذا ما يتماشى مع السر الطبي الذي لا يجوز إفشاءه إلا بموافقة المريض، فالطبيب يلتزم بكتمان سر المريض الذي تتطلبه حالته، ولا يحق له إفشاءه.
الا انه بالمقابل لا يمكن اعتبار عقد الوديعة كأساس للإلتزام بالسر الطبي، لأن عقد الوديعة المدنية يرد على شيء منقول يلتزم المودع برّده، في حين ان السر الطبي لا يمكن ردّه من الشخص المؤتمن عليه، هذا من جهة أولى. أما ومن جهة ثانية، فإن عقد الوديعة هو من العقود الرضائية حيث ينشأ هذا العقد بقبول الفريقين وبتسليم الشي(م 695 من قانون الموجبات والعقود)، في حين ان الطبيب قد يطلع على أسرار طبية تتعلق بالمريض دون ان يطلعه هذا الأخير عليها، وانما فقط من خلال إخصاعه للفحص الطبي.
يتضح إذن ان عقد الوديعة لا يشكل أساساً قانونياً متيناً لموجب الإلتزام بالسرية الطبية، فماذا عن عقد الوديعة؟
ثانياً: عقد الوكالة هو الذي يربط صاحب السر بالمؤتمن عليه:
عرفت المادة 769 من قانون الموجبات والعقود الوكالة بأنها "عقد بمقتضاه يفوض الموكل الى الوكيل القيام بقضية أو بعدة قضايا أو باتمام عمل أو فعل أو جملة أعمال أو أفعال. ويشترط قبول الوكيل. ويجوز أن يكون قبول الوكالة ضمنيا وان يستفاد من قيام الوكيل بها".
فطرفا عقد الوكالة هما الموكل والوكيل، ولا يحق للوكيل ان يتجاوز الحدود المعينة له في الوكالة، طبقاً للمادة 779 من قانون الموجبات والعقود. فالطبيب يتولى تقديم خدمات علاجية واستشفائية لمصلحة المريض كما هو الحال في عقد الوكالة.
الا ان هذا القول لا يخلو من النقد، فعقد الوكالة ينتهي سنداً للمادة 808 من نفس القانون: بانتهاء العمل الذي أعطيت لاجله، أو بتحقق شرط الإلغاء أو بحلول الاجل المعين للوكالة، او بعزل الموكل للوكيل،او بعدول الوكيل عن الوكالة، او بوفاة الموكل أو الوكيل الخ.....في حين ان الإلتزام بالسر الطبي يتمير بطابع خاص اذ يبقى قائماً ومستمراً حتى ولو انتهت العلاقة الطبية بين المريض والطبيب. وعلى هذا فقد نصت المادة 14 من قانون رقم 574 تاريخ 11/2/2004، المتعلق بشؤون المرضى والموافقة المستنيرة بأنه "في حال التوصل الى تشخيص او توقع طبي بموت المريض، لا تتعارض السرية المهنية مع حصول عائلة المريض على المعلومات الضروية". بمعنى آخر أن السر المهني لا يلغى في حالة توقع وفاة المريض، إلا من اجل حصول عائلته على المعلومات الضرورية .
بالنتيجة يتبين أن نظرية العقد سواء أكان عقد وديعة ام وكالة، تبقى عاجزة عن تشكيل أساس قانوني سليم للإلتزام بالسر الطبي، لأن العقد الذي ينشأ بين المريض والطبيب هو عقد ذو طبيعة خاصة (والأفضل وصفه بأنه عقد غير مسمى)، لتميزه عن العقود المسماة التي أشارت اليه المادة 175 من قانون الموجبات والعقود، ويختلف عنها من نواحٍ عدة، ولا سيما انه لا يتطلب توافر علاقة مباشرة بين الطبيب والمريض بشأن السر الذي يلتزم به الطبيب، ذلك انه يمكن لهذا الأخير ان يكتشفه او يستنتجه في سياق ممارسة مهنته أو بنتيجة الفحوص التي أجراها دون علم المريض، فلا يكون المريض عالماً بموضوع السر، ذلك ان بعض الأطباء يخفون معلومات عن مرضاهم اذا كانت مصلحة هؤلاء تقتضي كتمانها عنهم كالمعلومات المتعلقة بخطورة مرضهم، فيوافق المريض على إفشاء السر الطبي، وبالتالي يكون الرضى الذي هو الصلب والركن لكل عقد متعيباً، لأن رضاه انصب على واقعة غير معلومة او غير صحيحة، او كما في الحالة التي لا يبرم فيها اي عقدٍ بين الطبيب والمريض (حالة الطوارئ او دخول المريض الى المستشفى فاقداً للوعي او في حالة الإغماء).
كما انه من المعلوم ان العقد قابل للتعديل او للإلغاء بإتفاق اطرافه، الأمر الذي لا يمكن تصوره اذا ما اعتبرنا ان العقد هو أساس الإلتزام الطبي فلا يمكن تعديل مضمون هذا الإلتزام او الرجوع عنه، فضلاً عن ان إعفاء المريض طبيبه من السرية المهنية لا يكفي لإسقاط هذا الموجب، وكذلك رجوعه عن شكواه ضد الطبيب الذي أفشى السر، فالنيابة العامة تبقى محتفظة بحقها في تحريك الدعوى العامة (دون الحصول على إذن من نقابة الأطباء لملاحقة الطبيب جزائياً)[xvi]، اذا كان الجرم المنسوب الى الطبيب ناشئاً عن ممارسة المهنة، على أساس المسؤولية التقصيرية وليس على أساس المسؤولية العقدية. من هنا كان التطرق الى نظرية النظام العام كأساس قانوني للإلتزام بالسر الطبي:
الفقرة الثانية: النظام العام كأساس قانوني للإلتزام بالسر الطبي:
إن الإلتزام بالسر الطبي يتعلق بالنظام العام، وبالتالي فهو التزام مطلق بحيث لا يتوقف على إرادة أي من طرفي العقد الطبي، من هنا فإن حرية الإرادة ليست مطلقة بل تخضع لقيود متمثلة بوجوب مراعاة النظام العام والآداب العامة والقواعد القانونية الإلزامية[xvii]، و"النظام العام هو مجموع المصالح التي يقوم عليها كيان المجتمع في أسسه السياسية والإجتماعية والإقتصادية، فيكون المقصود بالنظام العام تحقيق مصلحة من هذه المصالح، وهذه المصلحة المرتبطة بالنظام الأساس للمجمتع، تتقدم على كل مصلحة فردية، وتفرض احترامها وان ادى ذلك الى التضحية بمصلحة الأفراد. وبالتالي لا يكون للعقد، وهو شريعة المتعاقدين، ان يتعارض مع قاعدة النظام العام التي تترجح على شرعيته[xviii]".
وعلى هذا الأساس يلتزم الأمين على السر الطبي بالمحافظة عليه لإرتباطه بالمصلحة العامة للمجتمع، لأن أي إفشاء له يمثل اعتداءً على المجتمع كله، وإهداراً للثقة التي وضعها المريض في المؤتمن على سره الطبي. اذ لولا هذه الثقة والإطمئنان الذي وضعه المريض بالمؤتمن على سره، لإمتنع الأول عن طلب العلاج من الثاني خفيه من افشاء سره، وبالتالي المساس بشرفه وكرامته وبشكل عام بحقه في الخصوصية، الأمر الذي سيؤثر سلباً على مصلحته الفردية بشكل خاص، وعلى مصلحة المجتمع بشكل عام.
ويترتب على اعتبار ان الأساس القانوني للإلتزام بالسر الطبي يتعلق بالنظام العام، هو انه لا يجوز الإتفاق على مخالفته، فالسر الطبي تكون له صفة مطلقة بهذا المعنى، بحيث لا يجوز للمؤتمن عليه إفشائه حتى ولو استدعى من قبل الضابطة العدلية للإدلاء بشهادته او من قبل القضاء الجزائي، او امام مجلس النقابة التأديبي، او عند تكليفه بأعمال الخبرة.
هذه النظرية تبقى قاصرة عن تشكيلها لأساس قانوني سليم للسرية الطبية، وذلك للأسباب الآتية:
أ- ان النظام العام لا يعتبر اساساً قانونياً لأي مؤسسة قانونية وانما يتعلق بتحديد طبيعة هذه المؤسسة، ومدى ارتباطها بالنظام العام، فالأساس القانوني بنظرنا هو فكرة المؤتمن الضروري التي حددتها المادة 579 من قانون العقوبات، من ذلك رجل الدين الى اي طائفة انتمى، والمصرفي، ومن كان بحكم وظيفته او عمله مؤتمن ضروري على الأسرار.
ب- انها لم تأخذ بعين الإعتبار مفهوم النظام العام، فهو يختلف بحسب الظروف الإجتماعية، والسياسية، والإقتصادية، ويتغير بتغير الزمان والمكان. بالإضافة الى ان جعل النظام العام كأساس للإلتزام بالسر الطبي يؤدي الى تضييق موجب الإلتزام بكتمان المعلومات السرية المتعلقة بالمريض، وهذا الأمر يكون لمصلحة الطبيب، اذ يمكنه التهرب والإفلات من المسؤولية لأن المعلومة قد تكون سرية بالنسبة للمريض الا انها لا تتعلق بالنظام العام، إنطلاقاً مما تقدم فإن هذه النظرية تخرج عن الهدف الذي تقرر من أجله حماية السر أي حماية المصلحة العامة.
ت- مراعاة الجانب الخلقي لمهنة الطب، كرسالة انسانية بإعتبار ان الإلتزام بالسرية الطبية هو واجب خلقي، قبل ان يكون نصاً قانونياً يتعلق بالنظام العام. فإذا تمسكنا بصورة مطلقة بفكرة ارتباط السر الطبي بالنظام العام، فقد يؤدي ذلك الى اهدار مصلحة قد تكون أولى بالحماية من الإلتزام بالسر الطبي وكتمانه، نأخذ على سبيل المثال ان هناك شخصاً مريضاً بمرض معد، تقدم للزواج من فتاة، والطبيب يعلم بمرضه وعملاً بمبدأ السرية الطبية يلتزم الأخير بكتمان السر الطبي وعدم افشائه، فيتسبب بتعريض الفتاة الى خطر المرض والموت، في حين ان المصلحة الأولى بالعناية هنا هي مصلحة الفتاة وليست مصلحة المريض بكتمان السر المتعلق بمرضه. كذلك ان التزام الطبيب بالسر الطبي والكتمان بصورة مطلقة، يحول دون الوصول الى الحقيقة وتحقيق العدالة، إذا كانت الشهادة او الخبرة هي الدليل الوحيد في الإثبات.
الفقرة الثالثة: موقف المشرع اللبناني:
يلاحظ من دراسة المواد القانونية التي نصت على السرية المهنية الطبية، ان المشرع اللبناني لم يكتفِ بنظرية العقد لتكريس موجب الطبيب بالمحافظة على السرية المهنية بل ارتقى بهذا الموجب الى فرضه على كل مؤتمن ضروري على الأسرار ووضعه في مصاف الموجبات المتصلة بالنظام العام. اذ يبقى الطبيب ملزماً بمراعاة مصلحة المريض ومقتضيات النظام العام، وهذا ما نصت عليه المادة 7 من قانون الآداب الطبية رقم 288 تاريخ 22/2/1994، من "أن السرية المهنية المفروضة على الطبيب هي من النظام العام، وعليه التقيد بها في كل الظروف التي يدعى فيها لمعالجة مريض او للإستشارة. مع مراعاة الإستثناءات التي تفرضها السلامة العامة والقوانين والعقود.
1- ولا يكفي اعفاء المريض طبيبه من السرية المهنية لإسقاط هذا الموجب، اذ يبقى الطبيب ملزماً بمراعاة مصلحة المريض ومقتضيات النظام العام"، وهوما يتفق مع المادة 264[xix] من قانون اصول المحاكمات المدنية التي فرضت على الأشخاص الذين يشملهم السر المهني ان يؤدوا الشهادة على الواقعة او المعلومات متى طُلب منهم ذلك من أسرها اليهم، شرط الا يخل بأحكام القوانين الخاصة بهم.
بالإضافة الى ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 39 من قانون رقم 288/1994، والتي ألزمت أيضاً الطبيب المولج بالمراقبة الطبية في ادارة ما، الإحتفاظ بسر المهنة والإكتفاء بإعطاء المعلومات التي لها علاقة او فائدة من الناحية الإدارية دون تبيان الأسباب الطبية لذلك.كما حظرت عليه اعطاء المعلومات الطبية المدونة في الملفات الطبية لشخص ثالث او لأية ادارة الا اذا نصت القوانين العامة او وافق المريض المعني شخصياً على ذلك". كما انه على الشخص الثالث الذي استلم ملفاً طبياً او صورة عنه ان يلتزم أيضاً بالسر المهني (م 29 من القانون نفسه – البند 3).
يتبين اذن ان السرية المهنية لم توضع لمصلحة المريض وحسب، وانما ايضاً لمصلحة المهنة الطبية، والمسألة لهذه الجهة هي من النظام العام. فإعفاء المريض وحده غير كافٍ لإعفاء الطبيب من موجب الإلتزام بالسر المهني، فالإعفاء يكون فقط في الحالات التي نصت عليها المادة 7 على وجه الحصر، وبالتالي فإن المشرع اللبناني لم يأخذ بفكرة النظام العام كأساس للإلتزام بالسر الطبي بصفة عامة ومطلقة، وانما بشكل نسبي، بحيث سمح في حالات حصرية كشف السر المهني، وذلك حين تكون المصلحة المراد حمايتها أهم من الإلتزام بالسر الطبي، فيكون هناك مصلحة في إفشاء السر المهني لحماية المجتمع، يرجحها المشترع على المصلحة في المحافظة على السر المهني حماية للمريض والمهنة[xx].
من هنا كان التساؤل عن الأشخاص المؤتمنين على السر الطبي، وهذا ما سيتم الإجابة عنه في المبحث الثالث:
Ø المبحث الثالث: الأشخاص المؤتمنون على السر الطبي:
تنص المادة 7من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، في فقرتها الأولى "ان السرية المهنية المفروضة على الطبيب هي من النظام العام"، وتضيف المادة 18 من القانون نفسه من "انه على الطبيب ان يحرص على تقيد مساعديه بموجب المحافظة على السرية المهنية"؛ كما تنص المادة 12 من قانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة، رقم 574/2004، من انه "لكل مريض يتولى العناية به طبيب او مؤسسة صحية، الحق في ان تحترم حياته الشخصية وسرية المعلومات المتعلقة به. في حال كان المريض تحت رعاية فريق للعناية الطبية في مؤسسة صحية، يعتبر هذا الفريق مؤتمناً على المعلومات المتعلقة به، فيكون ملزماَ بالسرية المهنية، كما هي حال الطبيب المعالج وفقاً لأحكام قانون العقوبات وقانون الآداب الطبية"، كما نصت المادة 51 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة اللبناني رقم 376- الصادر في 1/8/1994، بأنه " يلزم الصيادلة بالمحافظة على سر المهنة[xxi]، فلا يجوز لهم إطلاع أحد على الوصفات المسلمة لهم ولا إعطاؤها إلا للطبيب الذي وصفها أو للمريض أو لرسوله".
يتضح إذن من قراءة هذه المواد ان الأشخاص الملتزمين بكتمان أسرار مرضاهم، وهي أسرار قد تتعلق بأدق تفاصيل حياتهم الخاصة، وقد تنعكس على عائلاتهم او حتى سمعتهم، هم: الأطباء، ومساعدوهم، والفريق الذي يتولى العناية الطبية بالمريض، بالإضافة الى الصيادلة، والمختبرات الطبية والمستشفيات والمشافي الصحية التي تدخل في المفهوم الواسع لمصطلح المستشسفى (وهذا الأمر ينطبق ايضاً على العاملين في صناديق التعاضد، والتعاونيات، والضمان، وشركات التأمين التي يُقدم لها فواتير المرضى ، ولما كان الأطباء والصيادلة معنيين بمبدأ السرية الطبية أكثر من غيرهم، فإننا سنخصهم بالبحث والدراسة من خلال الفقرتين الآتيتين:
الفقرة الأولى: الأطباء ومساعدوهم:
حددت المادة الأولى من قانون الآداب الطبية نطاق تطبيق هذا القانون فجاء فيها :"يخضع لأحكام هذا القانون جميع الأطباء المسجلين في نقابتي الأطباء"، دونما تمييز في الإختصاص او الدرجة العلمية[xxii].
وبالتالي فإنه يقصد بلفظ الأطباء كل طبيب مهما كان عمله (سواء أكان يعمل في القطاع العام او الخاص، وسواء أكان يعمل بمفرده او ضمن فريق عمل)، واختصاصه(سواء أكان جراحاً، او طبيب تخدير، او طبيب أسنان الخ...)، يمارس عمل طبي كطبيب أساسي أو متمرن، ومسجل في نقابتي الأطباء، ويخضع بالتالي لأحكام قانون الآداب الطبية[xxiii].
فيحظر على أي من هؤلاء ان يفشي الأسرار التي يعلمها خلال قيامه بمهنته، ويلتزم بموجب الإمتناع عن افشاء ما اطلع عليه في هذا المجال. بالمقابل قد تكلف المحكمة الطبيب المختص او الطبيب الشرعي بأعمال خبرة[xxiv]، كتشريح جثة مثلاً لمعرفة سبب الوفاة، وتقديم تقريره للمرجع الذي عينه، او لفحص مصاب نتيجة حادث[xxv]، وغيرها من أعمال الخبرة الطبية التي قد يكلف بها الطبيب والتي قد يطلع من خلالها على أسرار طبية، ويمتنع بالتالي عليه إفشاؤها بحكم عمله.
يضاف الى ذلك فئة الأطباء العسكريين الذين يتولون من جهة اولى: مهمة فحص الأشخاص المرشحين لوظائف عسكرية، لمعرفة ما إذا كان هؤلاء مؤهلين جسدياً وعقلياً لأداء الوظيفة العسكرية، وهم ملزمون بكتمان السر المهني بصفتهم هذه، ومن جهة ثانية: فإنهم يعملون بصفتهم أطباء معالجين، حيث يلتزمون بعلاج العسكريين في الخدمة الفعلية وعائلاتهم الذين على العاتق الخ... وهم أيضا ملزمون بكتمان أسرار مرضاهم كما هو الحال مع أي طبيب مدني آخر(وهنا يستحضرنا قول احد الأطباء الرئيسين بأحد المستشفيات رداً على أحد الضباط الذي كان يطالبه بمعلومات عن مرضى يعتبرهم الأخير ثوريين بقوله "لا ارى امامي ثوريين انما ارى مجرد جرحى بحاجة الى اسعاف ومعالجة[xxvi]".
كذلك فإن طبيب الأسنان ومعاونوه ومساعدوه ملزمون جميعاً بإحترام سر المهنة وفقاً لما نصت عليه المادة 5، بند أ من قانون رقم 487 الصادر في 12/12/2002. فطبيب الأسنان ملزم بعدم إفشاء سر المهنة ويشمل هذا السر كل ما يطلع عليه في اثناء ممارسته مهنته او في معرضها كمثل المعلومات التي يفضي بها اليه المريض او نتيجة معاينته له، ومثال ذلك أن يفشي الطبيب سر المريضة ،ويقول انها قامت بتركيب مجموعة من الأسنان الصناعية، فيؤثر ذلك على حياة المريضة كأن ينصرف عنها الرجال بسبب هذا العيب، ففي هذه الحالة يكون الطبيب مسؤولا عما أصابها من أضرار نتيجة السر الذي أفشاه.
بالإضافة الى هؤلاء فإنه يتوجب على مساعدي الطبيب (كالقابلات والممرضات والأطباء المتمرنون والسكرتيرات) الالتزام بالسر الطبي باعتبارهم يعملون في المستشفيات والعيادات، وبحكم عملهم تكون لهم علاقة مباشرة بالمرضى وأسرارهم، وبالتالي يتوجب عليهم كتمان أسرار المرضى والحفاظ على المعلومات التي تصل إليهم في أثناء ممارستهم عملهم.أو في معرضها، كما يجب على الطبيب الذي يعملون تحت إشرافه أن يسهر على التزامهم بالسر الطبي، وعلى هذا نصت المادة 18 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، "على الطبيب أن يحرص على تقيد مساعديه بموجب المحافظة على السرية المهنية"، كما نصت نصت المادة 5 من القانون المتعلق بواجبات أطباء الأسنان رقم 487/2002، ان "طبيب الأسنان ومعاونوه ومساعدوه جميعاً باحترام سر المهنة".
وإذا ما قام المساعد الطبي بإفشاء السر الطبي فإن الطبيب المشرف عليه هو الذي يتحمل المسؤولية. وبالنسبة لرجوع الطبيب على مساعده فلا يكون إلا في حالة ارتكاب هذا الأخير لخطأ جسيم. والخطأ الجسيم هو بحسب تحديد الفقه الفرنسي[xxvii] "الخطأ الذي لا يرتكبه أقل الأشخاص إنتباهاً وأكثرهم غفلة"، وقد قضي في هذا المجال ان الخطأ الجسيم يتطلب إثبات الخطأ العمدي من قبل الطبيب او مساعدوه، والتقصير والإهمال في بذل العناية اللازمة او الإهتمام المطلوب، أو اثبات جهله بالأساليب التي كانت سائدة، وضمن الإمكانيات التي كانت متاحة لتشخيص المرض[xxviii].
الفقرة الثانية: الصيادلة
الصيدلي هو الشخص المعرف عنه في قانون مزاولة مهنة الصيدلة[xxix] والمقيم في لبنان، وتُبنىى العلاقة بين الصيدلي والمريض على الثقة والاحترام المتبادل، فالعلاقة المتبادلة هذه تفرض على الطبيب ان يقدم للمريض او لأحد اقاربه او اصدقائه المرسلين من قبله، علمه وخبرته الطبية بعد ان يكشف المريض على معلومات سرية للصيدلي تتعلق بنوع المرض المصاب به، او عندما يستنتج الصيدلي المرض موضوع الوصفة الطبية من خلال إطلاعه عليها، بالمقابل فإنه يترتب على الصيدلى الحفاظ على هذه الثقة، وبالتالي احترام ما يصل إليه من أسرار مباشرة من المريض، او بصورة غير مباشرة عبر الإطلاع على الوصفة الطبية، وعدم إفشاؤها الى الغير.
وعلى الرغم من عدم اطلاع الصيادلة على أسرار المرضى دائما، إلا أن نص المادة 51 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة اللبناني رقم 376- الصادر في 1/8/1994، يلزمهم بالمحافظة على سر المهنة[xxx]، فلا يجوز لهم إطلاع أحد على الوصفات المسلمة لهم ولا إعطاؤها إلا للطبيب الذي وصفها أو للمريض أو لرسوله، بإعتبار ان الصيادلة يعلمون دائما نوع المرض من الوصفات الطبية مثل اكتشافهم لحمل غير شرعي، او لأمراض تعارفت العائلات على إخفائها، ولذلك تدخل المشرع ونص على الالتزام بالسر الطبي.
ويتم كشف السر الطبي بعدة طرق منها كتابة: القيام بنشر بحث في إحدى المجلات الطبية اوالعلمية، والإستشهاد بمرض معين وذكر اسم المريض، ونوع مرضه. كما قد يقوم الصيدلي بإفشاء السرشفهيا وذلك عندما يبوح أمام العامة بغرض الدواء الوارد في الوصفة المقدمة اليه، ولا يهم عدد الذين أفشى لهم الصيدلي بالسر، فيكتفي أن يبوح به إلى شخص واحد حتى ولو أوصاه بضرورة كتمانه وعدم البوح به.
كذلك يتحقق جرم افشاء السر دون ذكر كافة التفاصيل المتعلقة بالسر والتي تكشف عنه، بل يكفي أن يشير الصيدلي الى تردد شخص ما الى صيدليته بصورة مستمرة لشراء عقار طبي معين لأن لديه مرضاً مزمناً. وعليه فالصيدلي يكون مسؤولاً عن إفشاء السر الطبي، سواء كان الإفشاء جزئيا أو كلياً للسر، ولا يهم من اطلع عليه سواء كان صيدلياً آخر أو من عامة الناس. وفي ما يأتي سيتم البحث في المسؤولية المترتبة على الإخلال بموجب السرية الطبية:
Ø المبحث الرابع: المسؤولية المترتبة عن افشاء السر:
نص المشرع اللبناني على جريمة افشاء السر وفرض عقوبة عليها، وذلك في المادة 579 من قانون العقوبات اللبناني، التي جاء فيها: "من كان بحكم وضعه أو وظيفته أو مهنته أو فنه، على علم بسر، وأفشاه دون سبب شرعي أو استعمله لمنفعته الخاصة، أو لمنفعة آخر عوقب بالحبس سنة على الأكثر، وبغرامة لا تتجاوز الأربعمائة ألف ليرة إذا كان الفعل من شأنه أن يسبب ضرراً ولو معنوياً".
يتبين اذا ان جرم المادة 579 عقوبات يفرض توفر العناصر الآتية :
· العنصر المادي: متمثل بفعل الإفشاء، بأن يكون الأمر الذي أُفشي سراً.
· عنصر الصفة: بأن يكون هناك مؤتمن على سر، وان يكون قد استحصل على السر خلال ممارسته مهنته.
· العنصر المعنوي: القصد الجرمي
· عنصر الضرر: سواء أكان هذا الضرر مادياً ام معنوياً.
وبالتالي فإن الوضع الصحي للمريض الذي يكون معلوماً من الجميع لا يعد سراً، فلا مجال لملامة الطبيب حول موضوع اصبح بمتناول معرفة عامة الناس، ولا يمكن ان يعتبر سراً[xxxi]. هذا من جهة، واما من جهة ثانية فالطبيب عليه واجب الإلتزام بسر المهنة، وبعدم افشاء ما يطلع عليه بحكم مهنته او في معرض ممارستها، وهنا لا بد من الملاحظة انه يترتب عليه في بعض الأحيان ان يبرز مستندات قد تخرق موجب الإلتزام بالسر الطبي، في إطار نزاع يتناول حقوقاً مرتبطة بعقد الطبابة، فإن ذلك لا يخرج عن اطار ممارسة حق الدفاع المشروع امام القضاء، وهذا ما يدخل ضمن الحالات المحصورة التي نص عليها المشرع اللبناني للتحرر من موجب السرية الطبية، بالإضافة الى عنصر الضرر اي ان يكون من شأن خرق السر الطبي ان يلحق أضراراً بالمريض.
وفي ما يأتي سنعرض لقرار صادر عن محكمة الإستئناف الجزائية في بيروت، بتاريخ 5/6/2013، وقد جاء في حيثياته ما يلي:
"حيث ان المستأنف ينسب الى المستأنف عليه انه اقدم على إفشاء سر، بإقدام سكرتيرته X بإرسال نسخة عن التقرير العائد الى ابنه القاصر الى المدعوة Y.
وحيث يتبين من أوراق الدعوى الحاضرة ان سكرتيرة المستأنف عليه المدعوة X هي مولجة بإرسال التقارير عن الطلب.
وحيث من الثابت ايضاً ان المدعوة Y كانت قد تابعت القاصر ابن المستأنف وهو في الصف الثالث في مدرسته وهي على علم دقيق بكافة تفاصيل أوضاعه، وهي من طلبت من المستأنف عرضه على المستأنف عليه بهدف مساعدة القاصر الذي يعاني من صعوبات تعليمية، وأنها أصبحت لاحقاً زوجة المستأنف .
وحيث من الثابت أيضاً انها رافقت المستأنف عند الذهاب لعيادة المستأنف عليه، وكانت متواجدة في العيادة عند إجراء الفحص الإختباري للقاصر.
وحيث ان التقرير المرسل من السكرتيرة بواسطة البريد الإلكتروني حصل في فترة الزوجية، كما هو ثابت من أوراق الملف.
وحيث ان فعل السكرتيرة في هذه الحالة، وفي ضوء ظروف ومعطيات الدعوى الحاضرة، لكون ما تقوم به يقع في إطار عملها، وحيث انه لم يظهر من اوراق الدعوى كافة، ومن التعليل المساق اعلاه ان المستأنف عليه أقدم على إفشاء سر وفق مفهوم المادة 579 عقوبات".
يتبين من هذا القرار ان المحكمة اعتبرت ان الصفة "السرية" غير متوفرة بالنسبة للمعلومة الطبية المتعلقة بوضع القاصر النفسي المرسلة بالبريد الإلكتروني الى المرأة التي اصبحت لاحقاً زوجة المستأنف بتاريخ ارسال التقرير، بالنظر لأن هذه الأخيرة كانت على معرفة ودراية بوضعه الصحي وبأنه يعاني من صعوبات تعليمية، قبيل ارسال البريد المشكو منه، لأنها رافقت القاصر في زيارات عدة الى الطبيب النفسي، وكانت متواجدة اثناء الفحص الإختباري الذي اجري له، الا ان المأخذ على قرار المحكمة انها اعتبرت انه من صلب عمل ومهام السكرتيرة القيام بإرسال التقارير،فهذا الأمر وان كان صحيحاً، الا أنه بالمقابل فإن واجب السرية ينطبق بدوره عليها، لأنها تعد من مساعدي الطبيب الذين شملهم القانون بهذا الموجب، وفرض على الطبيب ان يحرص على التزامهم فيه تحت طائلة اقامة مسؤوليته عن فعل التابع . وبالتالي فإن القول بأن عملها يفرض عليها ارسال التقارير مرفوض لأن موجبها هي والطبيب تجاه المرضى في مسألة الإلتزام بالسر الطبي، هو موجب تحقيق نتيجة، وينبغي ان يتحقق بغض النظر عما اذا كان عملها يسمح لها بإرسال التقارير، وبغض النظر عما اذا كان موجب الطبيب في معالجة المريض هو موجب بذل عناية او تحقيق نتيجة، لأن موجب الإلتزام بالسرية هو موجب من نوع خاص ينبغي ان يتحقق حكماً لتعلقه بالنظام العام من جهة وبمصلحة المرضى من جهة ثانية.
الا ان السؤال الذي يطرح في هذا المجال هو حول مدى التزام المؤتمن على السر الطبي بالمحافظة عليه؟ فالأصل (وكما استنتجنا سابقاً)، ان المؤتمن على السر الطبي لا يستطيع أياً كانت الظروف، ان يفشي بأية معلومات الى الغير، ولكن وكما هو معلوم ان لكل مبدأ استثناءاته، فما هي استثناءات مبدأ الإلتزام بالسرية الطبية؟ او بمعنى اخر ما هي الحالات التي اذا ما توافرت يكون فيها للمؤتمن على السر الطبي ان يتحرر من موجب الإلتزام بسريته؟ وهذا ما سنبحثه في القسم الثاني من هذه الدراسة:
القسم الثاني: الإستثناءات الواردة على مبدأ السرية الطبية:
يتوجب على المؤتمن على السر الطبي الإلتزام في الأصل بكتمانه، الا انه قد توجد حالات حصرية حددها المشترع بحيث يسمح فيها للمؤتمن على سر مريضه بإفشائه الى أحد أفراد عائلة المريض، او للسلطات المختصة، وذلك حفاظاً على الصحة والمصلحة العامة، ولتأمين سلامة الأفراد، وبالتالي لتحقيق الأمن والإستقرار في المجتمع.
من هنا يمكن تقسيم هذه الحالات الى اربعة مباحث بحسب تسلسل ورودها في المادة 7 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994: الأول، يتعلق برضا صاحب السر في الإفشاء، الثاني، يتعلق بالإفشاء المقرر للمصلحة العامة، الثالث، يتعلق بالإفشاء بترخيص من القضاء. الرابع، يتعلق بالإفشاء المقرر في الجرائم.
وسنعرض في ما يأتي كل من هذه المباحث تفصيلاً:
Ø المبحث الأول: رضا صاحب السر بإفشائه:
للمريض ان يسمح للمؤتمن على السر بإفشائه، وان يحلّه بالتالي من التزامه بكتمان السر الطبي، وله ان يفعل ذلك بنفسه او بواسطة من ينيبه عنه في افشاء السر.
والسر الطبي ينشأ عن عقد صريح او ضمني بين المريض والمؤتمن على السر، وترخيص صاحب السر للمؤتمن عليه بإفشائه يرفع عن حامله واجب الكتمان، ويسمح له بإعلان السر، لأن موجب السرية الطبية وان تقرر للمصلحة العامة، الا انه كما يجوز لصاحب السر ان يذيع سره بنفسه، فإنه لا مانع ان ينيب عنه في كشفه، وذلك في الحالة التي يكون فيها المريض خجولاً من ان يكشف امر اصابته بالمرض الى اهله، فبإمكانه ان يكلف الطبيب المعالج بإبلاغه الى اهله نيابة به، ولا تقوم مسؤولية الطبيب لهذه الجهة، وعلى هذا الأخير ان يستحصل على موافقة المريض الواضحة والظاهرة والثابتة، بالإفشاء لكي لا تترتب اية مسؤولية عليه. وفي حال تعدد اصحاب السر ينبغي ان يصدر التصريح بالإفشاء منهم جميعاً.
ومما لا شك فيه ان افشاء السر المهني برضا المريض، لا يمس بالثقة القائمة بين أطراف عقد الطبابة، لأن الطبيب لم يقم الا بتنفيذ ارادة المريض تحقيقاً لمصلحته، والمريض قد يطلب من الطبيب شهادة[xxxii] بحالته الصحية، وقد يرى الطبيب ألا يُضمن هذه الشهادة المعلومات التي قد يُقدر ان من مصلحة المريض كتمانها عنه (المادة 7 – بند 2 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994)، وله ان يمتنع عن هذا الإفشاء، لأنه غير ملزم بموجب النص بإذاعة السر حتى وان رضي صاحبه بذلك.
فالمشرع اللبناني اعتبر ان مصدر التزام المؤتمن على السر الطبي ليس فقط العقد الذي يربط بينه وبين المريض صاحب السر، بل على الطبيب مراعاة مصلحة المريض من جهة أولى، ومقتضيات النظام العام من جهة ثانية، وهذا ما تؤكدة المادة 7 – في بندها الأول التي جاء فيها:
"لا يكفي إعفاء المريض طبيبه من السرية المهنية لإسقاط هذا الموجب، اذ يبقى الطبيب ملزماً بمراعاة مصلحة المريض ومقتضيات النظام العام".
وتجدر الإشارة الى انه لا ينتقل الترخيص بإفشاء السر الطبي للورثة بعد وفاة المريض، لأن الترخيص حق شخصي[xxxiii] ينقضي بوفاته. فلا يحق للمؤتمن على السر الطبي أيا كانت صفته او اختصاصه افشاء اسرار مريضه الذي توفي، حتى لو طلب منه الورثة ذلك.
غير انه وفي حالة وفاة المريض يمكن لأصحاب الحق ان يطلعوا على المعلومات الواردة في ملفه الطبي طالما انها ضرورية لتسمح لهم بمعرفة اسباب وفاته، والدفاع عن ذكراه، او اثبات حقوقهم، الا اذا عبر المريض قبل وفاته عن رفضه لذلك (المادة 17 من قانون رقم 574 المتعلق بحقوق المرضى والموافقة المستنيرة الصادر في 11/2/ 2004).
يُستنتج من قراءة هذه المادة ان السر الطبي يبقى قائماً حتى بعد وفاة صاحبه، اذا عبّر الأخير قبل وفاته عن رفضه اطلاع اصحاب الحقوق على المعلومات السرية الواردة في ملفه الطبي، وبالتالي لا يحق للمؤتمن على السر افشاء سر المريض المتوفي بإعبتار ان مصلحة الأخير هي الأولى بالحماية من اصحاب المصلحة الحقيقية في هذا الإفشاء، الذين يهتمون في أغلب الأحيان بمصالحهم المادية، دون التفكير بالأضرار التي قد بسمعة صاحب السر وشرفه. من هنا ينبغي التعرف على الشروط التي ينبغي توافرها لقيام رضى صاحب السر، وبالتالي اعفاء المؤتمن على السر من اية مسؤولية قد تترتب على عاتقه من جراء فعل الإفشاء:
v التعبير عن رضى المريض:
مبدئياً، لا يحتاج التعبير عن الرضى لشكليات معينة، فقد نصت المادة 171 من قانون الموجبات والعقود على انه في عقود الرضى يكفي ان يتجلى فيها رضى المتعاقدين بحرية تامة وبأي شكل كان. وتضيف الفقرة الأخيرة لهذه المادة انه في الأساس تتكون العقود بمجرد رضى المتعاقدين الإختياري فلا يتحتم ابرازها في اية صيغة رسمية الا بمقتضى نص في القانون يوجب استعمالها.
فرضى صاحب المريض يمكن ان يكون صريحاً، بعبارات صريحة ومباشرة تصدر عن صاحب السر، وتبين بصورة علنية لا تدع مجالا للشك ارادته الحقيقة بإفشاء سره. كما يمكن ان يكون رضاه ضمنياً ويستدل على ذلك من وقائع معينة، كاصطحابه احد اقربائه الى الطبيب المعالج، مما يشكل دليلاً على موافقته او رضاه بمعرفته مرضه.
ولا يشترط في الرضا شكلاً معينا، فقد يكون كتابيا او شفهيا الا ما فرضه القانون بصورة الزامية بالنظر الى موضوعه او لوجوب علنيته، كما هو الحال في المادة 7 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، بند 3 التي جاء فيها انه " اذا طلب المريض شهادة للإستفادة من تقديمات اجتماعية، جاز للطبيب ان يحول هذه الشهادة مباشرة لطبيب المؤسسة التي تمنح هذه التقديمات، على ان يقترن ذلك بموافقة المريض الخطية او احد اقربائه عند الإقتضاء..".
v ان يصدر الرضى عن ارادة حرة وعاقلة ومدركة:
ينبغي ان يصدر رضا صاحب السر عن ارادة حرة وعاقلة ومدركة. فالحرية هي الأساس في التعاقد، فإذا أكره الإنسان على التعاقد كان تعاقده باطلاً لأنه صدر عن ارادة مشلولة أو غائبة، والإرادة العاقلة هي تلك الصادرة عن شخص مميز، اي متمتع بكامل قواه العقلية، مما يجعله مدركاً لطبيعة الإلتزام الذي سيقدم عليه من خلال العقد ولنتائج هذا الإلتزام وما سيترتب من عمل او اداء يجب ان يقوم به، فإذا افتقد الإنسان والإدراك اصبح فاقداً لأهلية الإلتزام. فالمجنون والصغير والسكران لا يدركون معنى الإلتزام لتعطل موهبة التفكير لديهم مما يجعلهم غير مسؤولين عن الأعمال التي تصدر عنهم نتيجة لعدم ادراكهم لها.
والإرادة المدركة لا تنبثق الا عن انسان متمتع بكامل قواه الذهنية او على الأقل مدرك لأبعاد العمل الذي يقدم عليه[xxxiv]، وعلى بينة تامة من المرض الذي صرح بإفشائه، فلا يصدر رضاه بالنسبة لمرض قد يصاب به في المستقبل، او لمرض يجهل وجوده بالأساس.
تجدر الإشارة ان المشرع اللبناني لم يدخل الأهلية ضمن اركان العقد عندما نص عنها في المادة 177 م.ع، الا أنه من المسلم به ان عديم الأهلية لا يمكنه ان يلتزم لإنتفاء قوة الوعي والإدراك لديه، كالمجنون والقاصر وتكون تصرفاته بحكم العدم على ما نصت عليه المادة 216 م.ع. ولقد منح المشرع اللبناني حماية قانونية للقاصر والغير مميز، اذ وضعه تحت مسؤوليه ممثليه من ولي او وصي او قيم عليه، وهذا ما نصت عليه المادة 216 م.ع ، كما انه وطبقاً للمادة 215 من القانون نفسه، فإن الشخص الذي أتم الثامنة عشرة من عمره يعتبر أهلاً للإلتزام ما لم يصرح بعدم أهليته بموجب نص قانوني. يتبين اذن من هذه المواد ان من هو دون الثامنة عشرة من عمره، وعديم الإدراك والوعي، هو غير مؤهل لإعطاء الموافقة للمؤتمن على السر ولا يعتد برضاه، لأنه لا يتمتع بالأهلية للتعاقد في نظر القانون، وعليه فإن المؤتمن على السر الطبي يجب ان يستحصل على الرضا بالإفشاء من ممثله القانوني، او المرجع المختص بحماية القاصرين.
Ø المبحث الثاني: إفشاء السر المقرر للمصلحة العامة:
من ضمن الحالات التي تبرر الكشف عن السر المهني، وتشكل استثناء على قاعدة الإلتزام بالسرية الطبية، لتعلقها بالمصلحة العامة للمجتمع، التي تتقدم على موجب المحافظة على السر المهني حماية للمريض والمهنة، وينبغي بالتالي الإبلاغ عنها حماية للمجتمع، ويمكن تقسيم هذه الحالات الى نوعين:
الأول يتعلق بالإبلاغ عن الأحوال الشخصية، والثاني يتعلق بالإبلاغ عن الأمراض الخطيرة، وسوف نبحث كلاً من هذه الحالات على حدة:
الفقرة الأولى: التبليغ المتعلق بالأحوال الشخصية:
يقصد بعبارة "الأحوال الشخصية" انه نظام يشتمل على الوقائع المدنية الأساسية للأفراد المتعلقة بالولادة، والزواج والطلاق وبطلان الزواج والوفاة، وتغيير محل الإقامة وتبديل المذهب والدين والقيود المحدثة[xxxv]. اما وثائق الأحوال الشخصية فهي تقتضي ضبط جميع البيانات المتعلقة بها من حيث نوعها وتاريخ ومكان حدوثها. وما يعنينا من هذه الوثائق, فقط تلك المتعلقة بالولادات بإعتبار انه من بين الأشخاص الذين يتولون تنظيمها: الطبيب او القابلة، كذلك وثائق الوفاة التي تصدر عن الأطباء المكلفين بإعطاء اجازة الدفن[xxxvi]. وبالنظر الى اهمية الحالة الشخصية للأفراد في الدولة، فقد ألزم المشرع الأطباء بالإبلاغ عن الولادات ـأولاً- والإبلاغ عن الوفيات ثانياً.
أولا: الإبلاغ عن الولادات:
اهتم المشرع اللبناني كما في أغلب الدول بضبط السجلات الخاصة بالمواليد، من بينها التصريح والإبلاغ عن الولادات، وذلك بموجب المادة 7 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، التي تنص على أنه:
"على الطبيب ان يبلغ السلطات الصحية خلال ثلاثة ايام عن كل عملية ولادة أجراها، وله عند الإقتضاء عدم افشاء اسم ام المولود ومكان الولادة".
فالإبلاغ عن المواليد(الشرعيين) هو التزام يقع على عاتق الطبيب في حال عدم تمكن الأب او الأم من القيام به، وطالما انه هو المكلف بالإبلاغ عن المواليد، فإن ذلك يعني بديهياً انه لن يسأل عن إخلاله بالإلتزام الطبي بعدم افشاء السر، لأن المشرع اللبناني ألزمه بالإبلاغ عن الولادات.
والإبلاغ عن الولادة هو أمر الزامي حتى ولو ولد الوليد ميتاً، ولا يجوز للطبيب الذي وقعت الولادة تحت اشرافه ومعرفته ان يتذرع بعدم تبليغه عن الولادة بكتمان سر المهنة، خصوصاً وان أقصر مدة حمل هي ماية وثمانون يوماً وأطولها ثلاثمائة يوم بحسب اغلب القوانين المعاصرة.
الا ان السؤال الذي يطرح في هذا المجال : هل يشمل التبليغ عن الولادات الأطفال غير الشرعيين؟
ان التبليغ عن الولادات يقع بالدرجة الأولى على عاتق الأب، ففي حال تواجده يتحلل الطبيب من التزامه بالتبليغ. اما اذا كان المولود ولداً طبيعياً او غير شرعيٍ، اي ليس هناك عقد زواج يبرر علاقة البنوة الشرعية، فإن عبء التبليغ ينتقل الى الأم، وفي حال عدم تمكن الأخيرة ينتقل هذا العبء الى الطبيب. وحتى لو توفي الطفل مباشرة بعد ولادته، فإن الطبيب لا يعفى من واجب التبليغ مهما كان الدافع المبرر لهذا التكتم شريفاً، كما لو كان القصد منه التستر على الأم غير المتزوجة.
وقد نصت المادة 15 من القانون المتعلق بقيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر بتاريخ 7/12/1951"اذا ولد طفل غير شرعي فينظم وثيقة الولادة الشخص الذي يتعهده او الطبيب او القابلة ولا يذكر اسم والده الا اذا اعترف به او فوض الى وكيل خاص ان ينوب عنه في الاعتراف به واذا لم يتم هذا الاعتراف فان الطفل يقيد بالاسماء التي يختارها منظم وثيقة الولادة..".
و يجب ان تشتمل وثيقة الولادة[xxxvii] على عدة بيانات عددتها المادة 13 من قانون قيد الأحوال الشخصية تاريخ 7/12/1951، وهي: السنة والشهر واليوم والساعة التي جرت الولادة فيها، وجنس المولود، واسم العلم الذي يُسمى به، مع اسم الاب والام والشاهدين وكنيتهم وصناعتهم وعمرهم ومكان اقامتهم.
ثانياً: التبليغ عن الوفيات
تقتضي المصلحة العامة التحقق من وفاة الإنسان قبل الترخيص بدفنه، فلا يمكن دفن شخص الا بعد ان تقدم شهادة طبية تثبت الوفاة وأسبابها. وكذلك التحقق من أسباب الوفاة، الأمر الذي يفيد في تجنب العدوى من الأمراض المعدية، كما يفيد في عمل الإحصاءات التي تساعد على التعرف على نسبة نجاح العلاج بالنسبة لمرض معين. ويقوم الطبيب بتحرير شهادة الوفاة لإظهار ما اذا كانت الوفاة طبيعية او غير طبيعية. من هنا كان واجب الطبيب بالإبلاغ عن الوفاة لمقتضيات تتعلق بالمصلحة العامة وهو معفى من الإلتزام بالسر الطبي، عن طريق اصدار شهادة طبية تبين طبيعة الوفاة وليس سببها، وقد نصت المادة 11 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994 انه "على الطبيب اذا توفي مريضه بسبب مرض يقتضي الإبلاغ عنه بتدبير رسمي، ان يرفع الى السلطات المختصة شهادة وفاة تتضمن اسم المريض وعمره وتاريخ وفاته".
فالسر الطبي يقتصر وفقاً لهذه المادة على المرض الذي مات المتوفى بسببه، ومن ثم اذا خلت شهادة الوفاة التي يحررها الطبيب من سبب الوفاة، واقتصر فقط على ذكر اسم المريض وعمره وتاريخ وفاته، فإنه في هذه الحالة لا يكون مخالفاً للإلتزام بالسر الطبي. اما ذكر اسباب الوفاة والأمراض التي كان يعاني منها فهي من اختصاص جهة طبية اخرى، وهي تعتبر اموراً سرية يلتزم الطبيب بكتمانها، ويجب ان يقتصر التبليغ الى جهة السلطة، فلا يجور للطبيب إفشاء السر الى غير هذه السلطة.
الفقرة الثانية : التبليغ عن الأمراض المعدية:
بهدف حماية الصحة العامة ووقاية افراد المجتمع من الأمراض المعدية (الإنتقالية[xxxviii])، ولحماية المجتمع من الأمراض التي تشكل خطراً على الحياة، فإن التبليغ عن الأمراض المعدية[xxxix] اضحى ضرورة من ضرورات الحفاظ على المصلحة العامة، على صحة الأشخاص المرتبطين بالمريض بصفة خاصة. ولذلك الزم المشرع اللبناني في المادة 8 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994 الأطباء ان يبلغوا السلطات الصحية عن اي مرض معد اذا كان هذا المرض كما شخصه، مشمولاً بلائحة الأمراض المفروض قانوناً الإبلاغ عنها. فالحكمة من هذا التبليغ هي ان هذه الأمراض تمس بأمن الصحة العامة، وبالتالي كان يتوجب على الأطباء ان يعلموا السلطات الصحية المهنية بذلك، حتى ولو كان المريض قد أفضى سراً لهم بذلك، فالمشرع هنا رجح مصلحة افشاء السر المهني حماية للمجتمع، لتحقيق هدف اجتماعي يسمو على مصلحة المريض في الكتمان. وفي نفس المجال نصت المادة 6 بند د، انه على طبيب الأسنان ان يبلغ الى السلطات الصحية بكل مرض معد اذا كان هذا المرض، وفقا لتشخيصه، مدرجاً على لائحة الأمراض المفروض، قانوناً الإبلاغ عنها.
كما نصت المادة 10 من القانون نفسه انه على "الطبيب ابلاغ السلطات الصحية عن الأمراض التناسلية[xl] التي يقتضي الإبلاغ عنها بتدبير رسمي، ويشمل التبليغ اسم المريض بمرض تناسلي، الذي يرفض المعالجة، مُعرضاَ المجتمع لتفشي المرض". ويُستخلص من هذه المادة انها منعت الإفشاء في حالة قبِل المريض بمثل هذه الأمراض، الخضوع الى المعالجة، اما وفي الحالة المعاكسة فتكون هناك ظروفٌ تستدعي افشاء السر الطبي، لحماية الصحة العامة للمجتمع. كذلك نصت المادة 13 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، انه للأطباء وخصوصاً منهم الذين يمارسون العمل في المستوصفات والمستشفيات ومؤسسات الأمراض العقلية، ان يبلغوا السلطات الصحية عن كل مدمن على الكحول او على المخدرات يرفض المعالجة، او يشكل خطراً على الغير. ولا شك ان التزام هؤلاء بالإبلاغ هو امر يفرضه الواجب العام بالحفاظ على المجتمع وحماية افراده ممن يشكلون تهديداً على امن المجتمع واستقراره، كما ينبغي التقيد بشروط هذه المادة، اي ان يكون الإبلاغ مقصوراً في حالة رفض هؤلاء المدمنين العلاج، وان يكون الإبلاغ مقصوراً على الجهات الصحية المختصة فقط. فإذا تعدى ذلك بأن قام المؤتمن على السر الطبي بالإبلاغ الى جهات غير مختصة اعتبر عمله اخلالاً بالإلتزام بالسر الطبي.
يتضح اذن انه على الطبيب التبليغ عن الأمراض المُعدية والتناسلية والخطرة التي يطلع عليها ويعلم بها. ويجب عليه التأكد من نوعية المرض وبأنه معدٍ كما شخصه، وذلك منعاً للتسبب بأي ضرر للمريض، لناحية إشاعة اصابته بمرض معد نتيجة تشخيص خاطئ.
Ø المبحث الثالث: الإفشاء بترخيص من القضاء:
من ضمن الحالات التي يمكن فيها للمؤتمن على السر الطبي افشاء السر، هي تلك التي تتم بترخيص من القضاء وذلك لضمان حسن سير العدالة، وهذا الترخيص يتم في حالتين:
- الأولى تتعلق بالشهادة امام القضاء
- الثانية تتعلق بأعمال الخبرة.
الفقرة الأولى: اداء الشهادة امام القضاء
تلعب الشهادة دوراً مهماً في الدعوى القضائية، وقد نظم المشرع اللبناني شهادة الشهود في الفصل الخامس من قانون اصول المحاكمات المدنية (المادة 254 وما يليها)، وأجاز بموجب المادة 257 منه الإثبات بشهادة الشهود مهما كانت قيمة المُدعى به وذلك في مواد وحالات محددة[xli]، وبالتالي فإن أداء الشهادة هو من ضمن الإلتزامات العامة التي تقع على كل فرد في المجتمع من اجل حسن سيرالعدالة، وهو التزام يقع على المؤتمن على السر الطبي[xlii]، ولكن عندما يتعلق الأمر بإفشاء سر طبي يتعلق بالمريض فقد نصت المادة 7 من قانون الآداب الطبية – بند 4 بأنه على " الطبيب حين يستدعى من قبل الضابطة العدلية للإدلاء بشهادته عن وقائع تشملها السرية المهنية، ان يكتم بعض معلوماته، وعليه ان يدلي بكل معلوماته أمام القضاء الجزائي عندما يطلب اليه الإدلاء بها بعد تحليفه اليمين".
وما يلاحظ من خلال هذه المادة، أن المؤتمن على السر الطبي لا يلتزم بكتمانه اذا ما استدعي للشهادة امام القضاء الجزائي من جهة اولى، بينما يُسمح له بكتمان وقائع تشملها السرية المهنية اذا ما دعي للشهادة من قبل الضابطة العدلية، وذلك بإجابته على الأسئلة المطروحة من قبل الضابطة العدلية فقط، وألا يتعداها للمعلومات التي يعلمها، والتي لم تكن موضع سؤال من جهة ثانية.
كما نصت المادة 7 من قانون الآداب الطبية – البند 6 انه "على الطبيب ان يدلي بشهادته امام المحاكم عندما يكون من شأن ادلائه بها الحيلولة دون ادانة بريء". فعلى المؤتمن على السر الطبي ان يقدم شهادته امام المحكمة، اذا كان من شأنها احقاق الحق وخدمة العدالة.
كما ان البند 17 من المادة 7 من قانون الآداب الطبية نص على انه في حال "لوحق الطبيب بدعوى مسؤولية من قبل مريض او عائلته، حقّ له ان يكشف الوقائع الضرورية لإظهار الحقيقة دفاعاً عن النفس"، كما نصت المادة 6 بند ج من القانون رقم 387 المتعلق بواجبات اطباء الأسنان على انه "اذا لوحق طبيب الأسنان في دعوى اقامها عليه مريض او عائلته، حق له ان يكشف الوقائع الضرورية لإظهار الحقيقة دفاعاً عن النفس".
وبالتالي يمكن للطبيب ان يتحرر من موجب السرية المهنية لأسباب تتعلق بتأمين ممارسة حقوق الدفاع[xliii]، كما هو الحال عند التذرع بالسرية المصرفية[xliv]، فإذا كان إفشاء السرالمصرفي جريمة قائمة بذاتها و يعاقب عليها القانون، إلا أنه بالمقابل وعند نشوء نزاع بين المصرف،والزبون، او بين المصرف، وأحد موظفيه بشأن أية معاملة مصرفية، فإن المصرف يُحَل من موجب المحافظة على سرية العمليات المصرفية في سبيل ممارسة حقه بالدفاع، وهذا ما تؤكده احكام المادة الثانية من قانون13 /9/1956، قانون السرية المصرفية في لبنان، التي نصت على حالات رفع السرية المصرفية كإستثناء عن المبدأ. وبالتالي فإنه للطبيب المؤتمن على السر الطبي، ان يدفع المسؤولية عن نفسه مستنداً الى حق الدفاع الذي يبرر له الإدلاء بالمعلومات الضرورية في سبيل إظهار الحقيقة دفاعاً عن نفسه.
الفقرة الثانية: أعمال الخبرة
نصت المادة 7 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، بند 7، على انه "يعفى الخبير من واجب السرية المهنية حين يدعى من قبل المحكمة بصفة خبير لمعاينة مريض او لدراسة ملفه، وذلك في حدود المهمة المكلف بها". كما نصت المادة 6 من قانون رقم 487 المتعلق بواجبات طب الأسنان والصادر في 12/12/2002، بند أ، انه يعفى طبيب الأسنان من واجب السرية المهنية حين يدعوه القضاء بصفة خبير لمعاينة مريض او لدراسة ملفه، وذلك في حدود المهمة المكلف بها.
فللمحكمة أن تقرر تعيين خبير لإجراء معاينة أو لتقديم استشارة فنية أو للقيام بتحقيق فني بشأن مسألة تتطلب معارف فنية (المادة 313 أ.م.م).
وعلى الخبير أن يتقيد بالمهل المحددة له، ويجب عليه أن يبين في التقرير المتضمن رأيه جميع المعلومات التي من شأنها أن تنير المحكمة في الأمور المطلوب التحقيق فيها. ويمتنع عليه أن يكشف عن المعلومات الأخرى التي يكون اطلع عليها أثناء تنفيذ مهمته. يجب على الخبير أن ينظم تقريراً يضمنه نتيجة أعماله ورأيه والأوجه التي يستند إليها في تبرير هذا الرأي، بدقة ووضوح. وإذا تعدد الخبراء واختلفوا في الرأي فعليهم أن ينظموا تقريراً واحداً وأن يذكروا فيه رأي كل منهم وأسبابه. وإذا استعان الخبير برأي خبير آخر في اختصاص يختلف عن اختصاصه، فيضم هذا الرأي إلى التقرير.
وقد تناول المشرع اللبناني الخبرة في المواد 342 الى 362 من قانون اصول المحاكمات المدنية، كما نص عليها في المواد 22،41، 77، 248، 253، 376 من قانون اصول المحاكمات الجزائية،بالإضافة الى ما ورد في القوانين المهنية الخاصة ومنها المواد 40 الى 42 من قانون الآداب الطبية، ويتعين على الخبير قبل البدء في مهمته أن يتحصل على الملف الطبي للمريض أوالأوراق التي يمكن أن تساعده على القيام بمهامه من الأطراف المعنية بالخبرة. ويتوجب على الطبيب المولج بالمراقبة الطبية في ادارة ما الإحتفاظ بسر المهنة والإكتفاء بإعطاء المعلومات التي لها علاقة فائدة من الناحية الإدارية دون تبيان الأسباب الطبية لذلك، ويحظر عليه اعطاء المعلومات الطبية المدونة في الملفات الطبية الى شخص ثالث، او لاية ادارة الا اذا نصت القوانين العامة او وافق المريض المعنى شخصياً على ذلك(م39 من قانون الآداب الطبية). وإذا قدم الطبيب المراقب معلومات لخبير عن المريض دون موافقة هذا الأخير، فقد أفشى السر الطبي وتحققت مسؤوليته. ولا يجوز للخبير الخروج على القواعد الخاصة بالسر الطبي، فهو يعد في حكم الغير بالنسبة للسر الطبي، ما دام لم يشارك في مرحلة التشخيص وعلاج المريض. وتجد هذه القاعدة أساسها في أن السر الطبي ليس مقرراً لمصلحة المؤتمنين على السر الطبي بل لمصلحة المريض. كما يجب على الخبير ان يقتصر في تقريره على الإجابة عن الأسئلة المطروحة وألا يتعرض لأمور قد تظهر له بمناسبة القيام بمهمته، اذا كانت خارجة عن نطاق هذه المهمة، الا اذا قدّر ان السكوت عنها يسيء الى العدالة(م 42 من قانون الآداب الطبية)، بالإضافة الى عدم جواز كشف مضمون التقرير الى اية جهة خارجة عن تلك التي انتدبته، كذلك لا يجوز كشفه كل ما يصل الى علمه، بل يكتفي بالإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه، ولا يحق له تقديم إضافات لا دخل لها بموضوع النزاع. وقد منح المشرع للطبيب الخبير سلطة اعتزال المهمة فوراً إذا لاحظ ان الأسئلة المطروحة تخرج عن نطاق مهمته. فلا يتوجب على الطبيب ان يفضي بكل ما يعلم إلى القضاء، وإذا ضمّن الخبير تقريره معلومات خارجة عن موضوع انتدابه، عُد ذلك إفشاءً للسر، فمثلاً اذا عُين الخبير من قبل شركة تأمين، وكلفته بتحديد قيمة التعويض لشخص أمّن على حياته وتوفي إثر حادث مرور، وقام الخبير بتحرير تقريره وضّمنه أن المتوفى كان يعاني من مرض السرطان. ففي هذه الحالة يعتبر تقرير الخبير عن المرض إفشاء للسر الطبي. لأن المرض الذي كان يعاني منه المتوفى لا يدخل ضمن موضوع المهمة التي عُين من أجلها، وهذا ما يؤكد على واجب تقيُد الخبير بموضوع النزاع.
Ø المبحث الرابع: الإفشاء المقرر عن الجرائم:
أيضاً، من ضمن الحالات التي يجوز فيها للطبيب خرق مبدأ السرية المهنية دون ان تترتب اية مسؤولية عليه، وحفاظاً على أمن المجتمع واستقراره ولحماية أفراده وأطفاله من مجرمين قد يشكلون خطراً على حياتهم، فقد نصّت المادة 7 بند 5 من قانون الآداب الطبية على انه "يُمنع على الطبيب الإبلاغ عن مريض اعترف له بارتكاب جرم. وفي حال اكتشاف الطبيب اقتراف جرم خلال معاينته مريضاً، وجَب عليه ابلاغ النيابة العامة. وكذلك اذا اقتنع ان الإبلاغ يحول دون ارتكاب المعني جرائم اخرى". ويظهر التناقض في هذه المادة، اذ انه من ناحية يمنع المشرع على الطبيب الإبلاغ عن مريض اعترف له بإرتكاب جرم، من ناحية ثانية يفرض عليه إبلاغ النيابة العامة في حال اكتشف جرما أثناء معاينته المريض. وهنا نتساءل: إذا كان المريض قد ارتكب جرماً جزائياً، ومن المعلوم ان الإثبات في الميدان الجزائي يخضع لمبدأ حرية الإثبات، وبالتالي فإن التضحية بمبدأ السرية الطبية المقرر لمصلحة المريض، أهو غير جائزٍ في مقابل حماية المصلحة العامة للمجتمع التي تتقدم على أي اعتبار آخر، والتي بمقتضاها ينبغي ان يلقى كل مجرم قصاصه وبالتالي عدم مكافأته على سلوكه الإجرامي والتستر عليه من قبل من يحملون رسالة اساسها انسانيٌ اخلاقيٌ، يتمثل بالحفاظ صحة الإنسان الجسدية والنفسية وقائياً وعلاجياً، و على أسراره، فكيف يمكن تطبيق مبدأٍ اخلاقيٍ على سلوك اجرامي يبتعد كل البعد عن الأخلاقية والإنسانية؟
وفي المجال نفسه، فقد نص البند 14 من المادة 7 من قانون الآداب الطبية انه "على الطبيب اذا اكتشف اثناء الممارسة حالات اغتصاب وانتهاك للعرض، ان يبلغ النائب العام شريطة موافقة الضحية الخطية".
يتبين من قراءة هذه المادة ان المشرع قد اعتبر ان مصلحة الضحية هي أولى من المصلحة العامة، وبالتالي اشترط موافقة الضحية الخطية كإثبات على رضاها في افشاء السر، ولكي لا تترتب مسؤولية على الطبيب في حال ابلاغه النيابة العامة بالسر، وذلك ليتفادى الضرر الذي قد يصيب الضحية من جراء موضوع يتصل بالسمعة والشرف.
الخاتمة:
في مجتمعنا، موضوع السر الطبي، وعلى الرغم من أهميته البالغة ، يتم التهاون في تطبيقه، أو التردد في رفع الدعاوى أمام القضاء ضد أي إفشاء للسر. فهناك ندرةٌ في الأحكام القضائية المتعلقة بالسر الطبي.
بالإضافة الى أنه من الناحية العملية، هناك غياب للسر الطبي خصوصاً في المستشفيات، فالمعمول به هو تعليق بطاقات المرضى على سرائرهم، مع العلم أن هذه البطاقات تحتوي على كل المعلومات المتعلقة بهم، وهي ما يسمح لأي زائر بالإطلاع عليها، وهذا ما يحقق فعل الإفشاء بكل سهولة، وهذا ما دفع الدول المتقدمة خصوصاً فرنسا ، الى اعتماد الإعلان الآلي للمحافظة على أسرار المرضى، وبالتالي لا يتسنى لأي أحد الحصول على المعلومات والإطلاع عليها إلا المعني شخصياً بالأمر.
كذلك يظهر التهاون في موضوع السر الطبي من خلال تداول معلومات هذا السر بشأن حالة المرضى من قبل الأطباء او مساعديهم في أروقة المستشفيات، هذا دون اهمال البرامج التلفزيونية التي تخرق مباشرة السرية الطبية، حيث يتم عرض اسم المريض وحالته الصحية، واسم الطبيب المعالج بصورة علنية، دون الإكتراث بخصوصية المريض وشرفه وكرامته، وحتى بسمعة او كرامة الطبيب نفسها، فضلاً عن الثورة التكنولوجية الحاصلة في العالم، وانتشار وسائل التواصل الإجتماعي بحيث اصبح المريض نفسه يقوم بإفشاء سره عبر نشر حالته الصحية على هذه الوسائل رغبة في التعاطف معه او الإهتمام به...وغيرها من الحالات التي يتم فيها افشاء سر المريض الطبي.
بالنتيجة، نأمل أن يُجاري المشترع اللبناني التطور بشأن موضوع السر الطبي، ويضع قانوناً يكرس النظام الإلكتروني الذي يُستخدم في الدول المتقدمة لحفظ أسرار المرضى. هذا على الصعيد التشريعي، اما على الصعيد الإجتماعي، فإنه من المفترض العمل على زرع الوعي وتفعيله لدى الجهات المؤتمنة على السر الطبي حول أهمية كتمان السر الطبي ومدى خطورة افشائه ، والأضرار التي قد تنجم عن هذا الإفشاء، خصوصاً وانه يتعلق بحماية الحياة الخاصة للمريض، وكرامته ومستقبله.
فهل يتحقق الأمل ؟؟
[i] يعرف الحق في الحياة الخاصة على انه "حرية الإنسحاب عن الآخرين وحرية الإندماج في الآخرين" وهو "حق الشخص في أن يترك وشأنه"، هذا التعريف مأخوذ من كتاب محمد حسن قاسم، الحماية القانونية لحياة العامل الخاصة في مواجهة بعض مظاهر التكنولوجيا الحديثة، منشورات الحلبي الحقوقية، ط1، 2011، ص : 7 وما يليها، للتوسع بهذا الخصوص يرجى مراجعة: كندة فواز الشماط، الحق في الحياة الخاصة، أطروحة أعدت لنيل شهادة الدكتوراه في القانون المدني، جامعة دمشق، 2004، ص: 13 وما يليها.
[ii] رامز عمار، حقوق الإنسان والحريات العامة، مطبعة البريستول، ط2، 2002، ص: 356.
المعجم الوسيط،الجزء الأول، مجمع اللغة العربية، (لا تاريخ نشر)، أنظر: السر .[iii]
[iv] في حضارة مصر الفرعونية عرف موجب عدم افشاء السر المهني، حيث كان صاحب الصنعة ملزما بالحفاظ على أسرار العميل، فكان الطبيب ملزما بالحفاظ على الأسرار، فإذا خالفها وتوفي المريض دفع الطبيب رأسه ثمنا لذلك، وعرف الإغريق السر الطبي حيث يمثل الضمير المهني للأطباء، وقد نص عليه في قسم أبي قيراط، فكان يجبر تلاميذه على أداء قسمه على أنه لم يكن ليترتب على هذا القسم أي مسؤولية قانونية بقدر ما كان التزاما أدبيا، ويعتبرون جهل الطبيب أو خطئه موجبان للتعويض.
[v] فالمحامون (المادة 10 من قانون تنظيم مهنة المحاماة في لبنان رقم 8/70، حيث يتعهد المحامون في القسم الذي يؤدونه قبل مباشرتهم ممارسة مهنة المحاماة بالمحافظة على سر المهنة)، والكتبة بالعدل (حيث حظرت المادة 37 بند 5، من قانون نظام الكاتب العدل ورسوم كاتب العدل رقم 337 تاريخ 8/6/1994،على كاتب العدل إفشاء سر المهنة المتعلق بالمعاملات التي بوشرت أمامه أو جرت لديه)، ورجال الأمن (نصت المادة 226 من قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي رقم 17، الصادر بتاريخ 6/9/1990، على ان رجال قوى الأمن الداخلي مقيدون بالسر المهني حول ما يتصل بهم من معلومات بحكم عملهم ولا يجوز لهم ابلاغ هذه المعلومات الا إلى السلطات صاحبة الصلاحية في الاطلاع عليها آما لا يجوز لهم الافصاح عن هوية المخبرين إلى اي مرجع أو اي سلطة الا اذا حلهم من هذا القيد المخبر نفسه). والموظفون (نصت المادة 104من قانون ضريبة الدخل رقم 144، تاريخ 12/6/1959، انه" يلزم بسر المهنة، ويتعرض لاحكام المادة 579 من قانون العقوبات كل شخص توجب عليه وظيفته او صلاحيته او اختصاصه ان يتدخل في طرح ضريبة الدخل، او في جبايتها او في درس الاعتراضات المقدمة بشأنها.بيد انه لا يمكن التذرع بسر المهنة في الدعاوى التي تمس مصالح الادارة، او لدى ممارسة دوائر مراقبة التحقق او الجباية او التفتيش المالي اعمالها الادارية. وعلى مراقبي الدخل ومراقبي التحقق والجباية ان يحلفوا اليمين اما المرجع القضائي المختص قبل مباشرتهم الوظيفة"، بالإضافة الى قانون سرية المصارف الصادر بتاريخ 3/9/1959، "الذي فرض على مديري ومستخدمي المصارف الإلتزام بكتمان السر المصرفي كتماناً مطلقاً لمصلحة زبائن المصرف وعدم افشاء أسماء الزبائن وأموالهم والمعطيات المتعلقة بهم لأي شخص او سلطة عامة إدارية او عسكرية او قضائية، امكانية فتح حسابات ودائع مرقمة"، فجميع هؤلاء هم ملزمون بأن يكتموا السر المهني في الأعمال والأمور التي يطلعون عليها بحكم وظائفهم ولا يمكنهم في ذلك ان يقدموا المعلومات والإفادات الا الى السلطات صاحبة الحق بالإطلاع عليها.
[vi] المادة 18 من قانون الآداب الطبية رقم 288، الصادر في 22/2/1994؛ المادة 5 من قانون رقم 487 المتعلق بواجبات اطباء الأسنان، والصادر بتاريخ 12/12/2002؛ المادة 12 من قانون رقم 574 المتعلق بحقوق المرضى والموافقة المستنيرة، والصادر في 11/2/2004.
[vii] داود عنان، التزام الطبيب بالحفاظ على السر الطبي، رسالة لنيل شهادة الماجستير، فرع القانون الخاص - عقود ومسؤولية"، كلية الحقوق، بن عكنون، جامعة الجزائر 2001، ص 29 -28.
[viii] على غصن، الخطأ الطبي، منشورات زين الحقوقية، ص: 43.
[ix] عكرية زيوي، المسؤولية المدنية عن إفشاء السر الطبي، مذكرة لنيل شهادة الماستر في القانون، تخصص عقود ومسؤولية، 2013، ص: 11، موجودة على الموقع التالي:
.http://www.univ-bouira.dz/fr/index.php/theses-et-memoires/category/627-Master?download=4771.
[x] Article L 1110-4 du code de la santé puplic : « Toute personne prise en charge par un professionnel, un établissement, un réseau de santé ou tout autre organisme participant à la prévention et aux soins a droit au respect de sa vie privée et du secret des informations la concernant. Excepté dans les cas de dérogation, expressément prévus par la loi, ce secret couvre l'ensemble des informations concernant la personne venues à la connaissance du professionnel de santé, de tout membre du personnel de ces établissements ou organismes et de toute autre personne en relation, de par ses activités, avec ces établissements ou organismes. Il s'impose à tout professionnel de santé, ainsi qu'à tous les professionnels intervenant dans le système de santé… .»
[xi] Article 4 (article R.4127-4 du code de la santé puplic) « le secret professionnel, institué dans l’intérêt des patients,
s’impose à tout médecin dans les conditions établies par la loi.Le secret couvre tout ce qui est venu à la connaissance du médecin dans l’exercice de sa profession, c’est à-dire non seulement ce qui lui à été confié, mais aussi ce qu’il a vu, entendu ou compris ».
[xii] تمييز جزائي، رقم 69، تاريخ 23/7/2000. منشور على الموقع التالي:
http://www.legallaw.ul.edu.lb/luonline/Jurisprudence/ViewerAfter2000.aspx?DocumentId=1493.xml
[xiii] Larguier (A-M), certificats médicaux et secret professionnel, thèse, Lyon 1961, Dalloz,Paris,1963,No82,p :72.
[xiv] مصطفى العوجي، القانون المدني، الجزء الثاني، المسؤولية المدنية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، ط 4، 2009، ص: 42.
[xv] نص المادة 4 من قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني، فقرة أخيرة والتي جاء فيها "وعند انتفاء النص يعتمد القاضي المبادئ العامة والعرف والإنصاف".
[xvi] م 44 من قانون نقابة الأطباء؛ بهذا المعنى راجع تمييز جزائي، رقم 376، 18/12/2012.
[xvii] المواد 166، 192، 196، 198، 201، من قانون الموجبات والعقود اللبناني.
[xviii] عاطف النقيب، نظرية العقد، منشورات صادر، بيروت، 1998، ص: 283.
[xix] المادة 264 من قانون اصول المحاكمات المدنية اللبناني تنص بأنه"لا يجوز لمن علم من المحامين او الوكلاء او الاطباء او غيرهم عن طريق مهنته او صنعته بواقعة او بمعلومات ان يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته او زوال صفته ما لم يكن ذكرها له مفصحا عن قصد ارتكاب جناية او جنحة.ومع ذلك يجب على الاشخاص المذكورين ان يؤدوا الشهادة عن تلك الواقعة او المعلومات متى طلب منهم ذلك من اسرها اليهم على الا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم".
[xx] المجموعة المتخصصة في المسؤولية القانونية للمهنيين، الجزء الأول، المسؤولية الطبية، المؤتمرات العلمية لجامعة بيروت العربية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت- لبنان، 2000، ص: 269 وما يليها.
[xxi] كما نصت المادة 83 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 376/1994 بأنه "يحلف كل من المفتشين التابعين لدائرة التفتيش الصيدلي في مصلحة الصيدلية اليمين الاتية أمام محكمة الدرجة الأولى (الغرفة المدنية): اقسم بالله بأن أقوم بوظيفتي بامانة واخلاص وشرف وان اعمل على تطبيق القوانين والانظمة بكل دقة وان احافظ على سر المهنة وكرامتها".
[xxii] نظم الفصل الثاني من قانون تنظيم ممارسة مهنة الطب في لبنان الصادر في 17/12/1979، الشروط والمؤهلات المفروضة لممارسة الطب في لبنان ومنح الإجازة بذلك للطبيب اللبناني (المادة 3) او الطبيب المتجنس بالجنسية اللبنانية (المادة 4) او بالنسبة للطبيب غير اللبناني من أبناء الدول العربية (المادة 5، فقرة 3)، والطبيب غير اللبناني المجاز له ممارسة الطب من قبل وزارة الصحة العامة قبل 28 تشرين الثاني 1946 (المادة 6) والطبيب غير اللبناني من سائر الجنسيات (المادة 7) او العضو في هيئة تعليمية في كليات الطب في لبنان اوالذين يتابعون دروس التخصص (المادة 8 و9).وقد نصت المادة الثالثة من قانون تنظيم ممارسة مهنة الطب على انه "لا يحق لأي طبيب ان يمارس مهنة الطبابة على الأراضي اللبنانية الا اذا سجل اسمه في جدول احدى النقابتين وذلك تحت الملاحقة القضائية".وقد أكدت على هذا التسجيل احكام المواد 8 من نفس القانون، عندما فرضت على هيئة تعليم الطب في لبنان ان تسجل الطبيب غير اللبناني الذي يتعاقد معها لممارسة التعليم وحسب ان تتقدم الكلية بتسجيله في وزارة الصحة ونقابة الأطباء. وقد عاقبت المادة 37 من هذا القانون كل طبيب يمارس مهنة الطب بدون اجازة او دون ان يكون مسجلاً في احدى نقابتي الأطباء في لبنان. فتلميذ الطبيب مثلاً لا يتمتع بحرية ممارسة العمل الطبي لأنه ليس طبيباً مسجلاً في احدى نقابتي الأطباء في لبنان،سامي منصور، المجموعة المتخصصة في المسؤولية القانونية للمهنيين، الجزء الأول، المسؤولية الطبية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2000، ص: 259 وما يليها.
[xxiii] المادة 1 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994.
[xxiv] المادة 34 من قانون اصول المحاكمات الجزائية تنص على انه "إذا استلزمت طبيعة الجريمة أو آثارها الإستعانة بخبير أو أكثر لجلاء بعض المسائل التقنية أو الفنية فيعين النائب العام الخبير المختص ويحدد مهمته بدقة. إذا كانت حالة المجني عليه تستلزم المعاينة الطبية أو التشريح فيستدعي النائب العام الطبيب الشرعي أو الطبيب المختص ويكلفه بالمهمة المطلوب تنفيذها بدقة ووضوح. لا يباشر الخبير أو الطبيب مهمته إلا بعد أن يحلف اليمين بأن يقوم بها وفق ما يفرضه الضمير والشرف. لا يحق له أن يتجاوز المهمة المحددة له. بعد أن ينجزها يضع تقريراً يذكر فيه المرجع الذي عيّنه والمهمة المحددة له، والإجراءات التي قام بها والنتيجة التي خلص اليها".
[xxv] تمييز مدني، رقم 5، تاريخ 22/1/2004؛ تمييز جزائي، رقم 442، تاريخ 10/12/1959. منشور على الموقع التالي:
http://www.legallaw.ul.edu.lb/luonline/Jurisprudence/ViewerAfter2000.aspx?DocumentId=559.xml
[xxvi] خالد خالص، الحوار المتمدن- العدد 926، 18/5/2004، الساعة 12:10، تعليق على امر رئاسي صادر عن رئيس المحكمة الإبتدائية في الدار البيضاء، أنفا، ملف المقالات المختلفة، عدد 96/1، 2002.
[xxvii] Louis-Josserand, cours de droit civil positif français, T 2, 2e ed, Sirey, 1933,p : 335, No 612 et s.
[xxviii] تمييز جزائي، رقم 219، تاريخ 15/10/2003. منشور على الموقع التالي:
http://www.legallaw.ul.edu.lb/luonline/Jurisprudence/ViewerAfter2000.aspx?DocumentId=7609.xml
[xxix] المادة 1 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 367 تاريخ 1/8/1994، "يعتبر مزاولة مهنة الصيدلة كل عمل يؤدي إلى تجهيز او تركيب او تصنيع او تجزئة او بيع سواء بالجملة او المفرق او توزيع لأي دواء او مادة صيدلانية معدة للاستعمال الداخلي او الخارجي او بطريق الحقن لوقاية الانسان او الحيوان من الامراض أو للشفاء منها او يكون لها هذه المزايا". كذلك المواد 2 و3 من نفس القانون.
[xxx] كما نصت المادة 83 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم 376/1994 بأنه "يحلف كل من المفتشين التابعين لدائرة التفتيش الصيدلي في مصلحة الصيدلية اليمين الاتية أمام محكمة الدرجة الأولى (الغرفة المدنية): اقسم بالله بأن أقوم بوظيفتي بامانة واخلاص وشرف وان اعمل على تطبيق القوانين والانظمة بكل دقة وان احافظ على سر المهنة وكرامتها".
[xxxi] في جرم افشاء السر الذي نصت عليه المادة 579 عقوبات، راجع: تمييز جزائي،بيروت، رقم 92، تاريخ 3/5/2007.منشور على الموقع التالي:
http://www.legallaw.ul.edu.lb/luonline/Jurisprudence/ViewerAfter2000.aspx?DocumentId=12718.xml
[xxxii] نصت المادة 13 من قانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة رقم 574، الصادر في 11/2/2004، انه "تقتصر المعلومات المعطاة للمؤسسات الضامنة، في القطاعين الرسمي والخاص، كي تسدد التكاليف الطبية، على المعلومات الضرورية التي تحتاج اليها لمراقبة هذه التكاليف، وفقاً لأحكام قانون الآداب الطبية"؛ كما نصت المادة 7 من قانون الآداب الطبية رقم 288/1994، بند 3 انه " اذا طلب المريض شهادة للإستفادة من تقديمات اجتماعية، جاز للطبيب ان يحول هذه الشهادة مباشرة لطبيب المؤسسة التي تمنح هذه التقديمات، على ان يقترن ذلك بموافقة المريض الخطية او احد اقربائه عند الإقتضاء..".
[xxxiii] الحق الشخصي هو رابطة شخصية قانونية متمثلة من جهة بدائن بموجب معين يلتزم به الطرف الآخر كمدين بهذا الموجب، ان موضوع الحق الشخصي كما حددته المادة 187 من قانون الموجبات اوالعقود بمعرض تحديدها لموضوع الموجبات فجاء النص: "يمكن ان يكون الموضوع فعلاً (وهذا موجب الفعل) او امتناعاً (وهذا موجب الإمتناع) أو انتقالاً لملك او انشاء لحق عيني (وهذا موجب الآداء).
[xxxiv] مصطفى العوجي، القانون المدني، الجزء الأول، العقد، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، الطبعة الرابعة، 2007، ص: 278.
[xxxv] نص المادة 1 من القانون المتعلق بقيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر بتاريخ 7/12/1951.
[xxxvi] نص المادة 2 من القانون المتعلق بقيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر بتاريخ 7/12/1951.
[xxxvii] تنص المادة 11 من قانون قيد الأحوال الشخصية ان التصريح بحدوث ولادة يجب أن يكون لدى موظف الاحوال الشخصية في خلال ثلاثين يوما تلي الولادة أما وثيقة الولادة فيجب ان يضعها ويوقعها الاب أو الام أو الولي أو الطبيب او القابلة ثم يصدق المختار على صحة التوقيع...".
[xxxviii] تنص المادة 1 من القانون المتعلق بالأمراض المعدية تاريخ 31/12/1957، انه "يراد بالأمراض الانتقالية تلك الأمراض التي تنتقل سواء من المريض أو من السليم الحامل الجراثيم انساناً كان أو حيواناً إلى الأصحاء مباشرة أو بالواسطة والتي تتخذ أحياناً الشكل الوبائي حسب تقدير وزارة الصحة العامة".
[xxxix] تنص المادة 2 من القانون المتعلق بالأمراض المعدية الصادر في 31/12/1957 " ان الأمراض الانتقالية التي يتوجب الاخبار عنها اجبارياً إلى السلطات الصحية هي: - الكوليرا - الطاعون - التيفوس الوبائي (القملي) - الجدري بما فيه الالستريم - الحمى الصفراء - الحمى الراجعة الوبائية - الدفتيريا - الحمى القرمزية - التهاب السحايا الدماغية الوبائي - التيفوس الجرذي (البرغوتي) - الحمى المالطية - التهاب النخاع الشوكي الأمامي الحاد (شلل الأولاد) - الحميات التيفوئيدية والبراتيفوئيدية - الجمرة الخبيثة - الجذام - التريشينا - الكلب - سل الجهاز التنفسي - السل في جميع أشكاله الأخرى - الزحار الحاد العضوي أو الأميبي - النزلة الوافدة الوبائية (انفلونزا) - التراخوما الملاريا - القرع - حمى النفاس".
[xl] الأمراض التناسلية هي تلك الأمراض التي يتناقلها الطرفان عبر اقامة علاقة حميمية (كالسيدا، مرض السيلان، مرض الزهري، مرض الهربس، قمل العانة، الجرب).
[xli] المادة 257- معدلة وفقا للمرسوم الاشتراعي 20 تاريخ 23/3/1985 يجوز الإثبات بشهادة الشهود مهما كانت قيمة المدعى به في المواد والحالات الآتية: 1- المواد التجارية. 2- الأعمال المادية. ويعتبر بمثابة عمل مادي التصرف القانوني بالنسبة لغير أطرافه وخلفائهم الذين يحتج عليهم به. 3- إذا وجدت بداءة بينة خطية أي كتابة ولو خالية من التوقيع صادرة عن الخصم المحتج بها عليه أو عمن يمثله تجعل وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال. 4- إذا استحال على الدائن الحصول على بينة خطية. ويكتفى بمجرد الاستحالة المعنوية، وهي تنشأ خصوصاً عن العرف المتبع في بعض المهن أو عن علاقات القربى بين الأصول والفروع أو بين الحواشي حتى الدرجة الثالثة أو بين الزوجين أو بين أحد الزوجين ووالدي الزوج الآخر أو بين الخطيب وخطيبته. 5- إذا ثبت فقدان السند الخطي بسبب أجنبي لا يد للخصم فيه. 6- إذا ثبت وجود تحايل على القانون لإجراء عقد مخالف للنظام العام أو لنص إلزامي
المادة 264- لا يجوز لمن علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء أو غيرهم عن طريق مهنته أو صنعته بواقعة أو بمعلومات أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته ما لم يكن ذكرها له مفصحاً عن قصد ارتكاب جناية أو جنحة. ومع ذلك يجب على الأشخاص المذكورين أن يؤدوا الشهادة على تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهم ذلك من أسرها إليهم على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم[xlii]
[xliii] حقوق الدفاع هي "المكنات المستمدة من طبيعة العلاقات الإنسانية، والتي لا يملك المشرع سوى إقرارها بشكل يحقق التوازن بين حقوق الأفراد، وحرياتهم، وبين مصالح الدولة، وهذه المكنات تُخول الخصم سواء أكان طبيعياً او معنوياً، إثبات إدعاءاته القانونية أمام القضاء والرد على كل دفاع مضاد في ظل مُحاكمة عادلة، يَكفلها النظام القانوني"؛ محمود صالح محمد العادلي ، حق الدفاع أمام القضاء الجنائي ، دراسة مقارنة في القانون الوضعي والفقه الإسلامي ، رسالة دكتوراه ، جامعة القاهرة، 1991 ، ص :23 .
[xliv] Cass. crim. 29 mai 1989, Bull. crim.1989. N°218.; Cass. crim. 18 octobre 1993, Bull. crim.1993. N°296 : hypothèse d'une banque engageant une action en violation du secret professionnel contre un salarié ayant produit des documents internes lors du contentieux prud'homal au cours duquel il contestait la nature économique de son licenciement. La Cour de cassation a considéré que la production de ces documents, nécessaires à la défense du salarié, devait être considérée comme un fait justificatif écartant l'existence du délit.
مُستشهد به
النصوص التي يستند إليها
- 487 الصادر في 12/12/2002 واجبات اطباء الاسنان
- قانون رقم واجبات اطباء الاسنان
- 175 قانون الموجبات والعقود
- المادة قانون الموجبات والعقود
- 579 قانون العقوبات
- المادة قانون العقوبات
- من قانون العقوبات اللبناني قانون العقوبات
- 39 من قانون رقم 288/1994 الآداب الطبية
- المادة الآداب الطبية
- القانون قانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة
- اللبناني رقم 574 قانون حقوق المرضى والموافقة المستنيرة