المادة 2
ست سنوات مضت على تبوئنا لمهام رئاسة مجلس الخدمة المدنية، ست سنوات، ونحن نتوق لتأدية الواجب بأمانة وتجرد وتحسس عال بالمسؤولية، وها نحن اليوم نقف أمام التقرير السادس الذي نرفعه إلى مقام رئاسة الحكومة بمزيد من العزم والإقدام على تحقيق الإدارة العادلة والنزيهة، الإدارة التي تقوم بأداء مهامها بدرجة عالية من الاحتراف والشفافية، ومدعمة بموظفين عشاق للخدمة العامة ومقبلين طوعا على البذل والعطاء، وهذا هدف لن نحيد عنه أبدا مهما كانت العوائق وغلت التضحيات، وقد رسمنا خلال السنوات الماضية الخطوات الهادفة لذلك، وكان آخرها ما بيناه في تقريرنا السنوي لعام 2003 تحت عنوان «خطة للإصلاح الإداري». ست سنوات مضت، ولا نزال نرفع الصوت عسى أن يكون للصوت صدى، نرفع الصوت لنقول «بأنه في سبيل بناء الإدارة الحديثة والعصرية، لا بد أن نراعي فضائل النزاهة والعدالة والتجرد وقواعد العلم والحس بالمسؤولية وحرمة المصلحة العامة، فنجعلها تسود الإدارة بكل مرافقها ونشاطاتها. إن ما نصبو إليه في حرص على أداء الواجب وتقدير للمسؤولية ومكافحة الفساد تمهيدا لبناء الإدارة التي طال انتظارها، إنما يعني في النهاية التمسك بروح النظام والخضوع الاختياري لأحكام القانون والتعالي على المصالح الخاصة ونكران الذات. ست سنوات، ولا نزال نردد بأن الفساد قد تداخل من كل حدب وصوب، وتشعبت المصالح، وأصبح له طرق ومنافذ يتسلل منها، ولعل من أهم أسباب إمداداته للاستمرار والبقاء، هي «الحصانة» السياسية والطائفية التي تجسد المظلة الواقية لجميع المفسدين. فالموظف الذي يدرك أن لا مظلة سياسية أو طائفية تحميه، لا بد أن يتابع بدون كلل شحذ قدراته وتطوير كفاءاته نحو الأفضل. في مقابل هذا لا بد من تحسين أساليب التعيين والانتقاء، إذ لا يجوز بعد اليوم أن يخوض المرشح امتحانا واحدا فقط، ثم يتسلم بعده موقعا إداريا رفيعا محصنا بكل أنواع الحصانات حتى بلوغه سن الرابعة والستين. إن النظام الطائفي الذي مد خيوطه إلى الإدارة متخفيا تارة وشاهرا مصالحه بالتسلط والإبتزاز تارة أخرى هو الحامي لأبنائه الفاسدين، حيث يقدم الانتماء الحزبي والطائفي على الكفاية والجدارة، الأمر الذي جعل الإدارة في غالب الأحيان مستودعا لتخزين المحاسيب والأزلام والمعدومي الكفاءة. من هنا رأيت ضرورة لإعادة عرض مضمون ما ورد في التقرير السنوي لأعمال المجلس عن العام 2003، لعل في ذلك ذكرى تنفع أولي الألباب وأصحاب البصيرة. إن مجلس الخدمة المدنية وهو نواة أساس في الإدارة العامة في لبنان ورافد محوري من روافدها، أوكلت إليه مهام حددتها القوانين المرعية، ورعت إنجازها نصوص تنظيمية، وهي مهام الرقابة على المعاملات التي ترده من مختلف الوزارات والإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات المشمولة برقابته، المتعلقة بشؤون الموظفين وأوضاعهم الوظيفية المختلفة. غير أنه ومن خلال هذه المهام، فإن لمجلس الخدمة المدنية ـ إضافة إلى دوره الرقابي دورا رائدا استشراقيا، ينحو باتجاه وضع اليد على كل السلبيات التي تشكل عيثا على الإدارة التي من شأنها إذا تركت دون علاج، أن تحول دون النهوض بها نحو الأداء الأفضل، وذلك الدور يتمثل برصد مواطن الضعف والوهن والخلل، وهي آفات مانعة لتقدمها وتطورها، واستنباط الحلول والوسائل والأساليب اللازمة والملائمة لتلافي الأخطار والأضرار الناجمة عن تلك الآفات. وبما أن مجلس الخدمة المدنية على امتداد سنوات ست، ومن خلال تقاريره السنوية المتتالية سنويا، كان يواكب أوضاع الإدارة ومستوى أدائها، بكامل مشتملاتها وتفاصيلها، بروح التجرد والمسؤولية، وكان يتناول بالتحليل والتفصيل عرض وقائعها واقتراح مشاريع الحلول والأنماط والأساليب والوسائل التي تقضي، في حال الأخذ بها، إلى الاتجاه الصحيح الرامي إلى إنقاذ الإدارة وتحريرها من أسباب فشلها وتخلفها، والتصدي لتغلغل الفساد في كل زاوية من زواياها، بما يكفل تلبية حاجة المواطن المتعطشة لخدمة أفضل وأداء أمثل وإنتاج أعم وأشمل، بأقل كلفة وأدنى وقت ممكن، والتي كان آخرها ما أدرجه في متن ومحتوى تقريره السنوي لعام 2003، عنيت به مشروع إصلاح إداري متكامل يضع الركائز الأساسية والأعمدة الصلبة لترميم البنيان الإداري، الذي من شأنه النهوض بالإدارة والارتفاع بها على نحو ريادي إلى مدارج التقدم والحداثة لمواجهة التحديات القادمة. إن مشروع الإصلاح الإداري الذي عرضه هذا المجلس بفخر واعتزاز موقنا أنه لا يجوز للإدارة أن تتلكأ وتتقاعس عن اعتماده والسير في ركاب توجيهاته ومنطلقاته، انقاذا لهذا الوطن وانتشاله من كبوته، والذي أراد به أن يطلق الصرخة منبها ومحذرا، بأنه آن الأوان لنخطو خطوتنا الرائدة ونشحذ الهمم ونحشد الطاقات لننهض من عثارنا، سيما وأنه لم يفت الأوان للحاق بركب عالمي مندفع بسرعة لا وصف لها، شق طريقه بتصاعد مضطرد، وفق متوالية هندسية وتحفزه تقنيات ولا أحدث، ونحن ما زلنا نراوح على وتيرة متوالية حسابية لا مبادرة ولا مبادأة ولا نهضة ولا حياة فيها. وأن هذا المجلس، وعلى رغم ما عرضه، فإن حال الإدارة ما زال على حاله لم تنل العناية المطلوبة، ولم يأبه أحد للعواقب التي يمكن أن تصل إليها، حيث استشرى تغلغل الفساد في كل أوردة الإدارة وشرايينها، وفي كل جانب من جوانبها، إدارات ومؤسسات وبلديات: نتاج ضئيل وأداء خدمات بمستوى غير مقبول حيث باتت الأضرار عامة وشاملة مما أدى إلى انسحابها بسلبياتها على القطاع الخاص بعد تفشيها في القطاع العام. إن مجلس الخدمة المدنية، يرى في ضوء ما تقدم، وقد أعياه النداء مذكرا ومنبها ومحذرا، أن أي حديث له عن أوضاع الإدارة وعن مشروعه لإصلاحها، بات يندرج في إطار الاجترار والتكرار والروتين المحلي، الذي يفقد محتواه وحياته تدريجا، طالما أن كل اقتراح له يتهاوى وينتهي إلى زوايا الإهمال والنسيان وعدم المبالاة، على نحو جعله من باب لزوم ما لا يلزم. إلا أننا، ومن باب حرصنا على وطن نريده حرا، وأول حريته، يتجلى في تحرير إدارته من كل قيد ترسف فيه، يشل حركتها ويدفعها إلى الموت البطيء. وامتثالا لأمل يحدونا وإرادة ما زال العزم مواكب لها، واندفاعة لم تفقد يوما ثقتها بالله، مظللة بالأحلام والرؤى التي استشرفناها عند استلامنا مهمتنا في رئاسة هذا المجلس، والتي ما زلنا نأمل ونتوق إلى أن تتجسد تلك الأحلام والرؤى وقائع حقيقية نابضة بالحياة، تنقذنا من هول الأحلام المزعجة وكوابيسها ـ عنيت بها التخلف والجهل ـ وتضعنا على شفير كوة من نور ينفحنا شعاعها إيذانا ببدء انطلاقة نحو إدارة أفضل تعيد الحق إلى نصابه. ولما كان المشروع الذي سبق عرضه يشكل ـ في رأينا ـ العلاج الناجح لمرضنا المزمن وفيه حتما ـ وبحد أدنى ـ ما يساهم في شفاء الإدارة من عللها، لتصير إدارة صحية وصحيحة معافاة وعصرية، لذلك فإنه لا بد من تجرعه مهما كانت الظروف والمعوقات. وعليه فإننا نرى لزاما علينا أن نذكر، باختصار بأهم مرتكزاته، في إطار السياق الآتي بيانه، وفي ضوء الإشارة إلى ما طرحته الحكومات السابقة في محاولة لمعالجة النشاط الإداري، على أساس توزيعه وتقسيم أنواعه بين القطاعين العام والخاص، أو باشتراك بين القطاعين (المرافق المختلطة). وبما أن هذا الأمر لم يحسم بصورة نهائية حتى تاريخه، في حين أن الوجهة الصحيحة توجب حسمه واتخاذ قرار نهائي بصدده ووضعه في ضوئه إلى إعادة النظر في دراسة هيكلية القطاع العام بما يجسد النشاط الإداري المولج به لما له من تأثير على تنظيمه واستصدار النصوص اللازمة له، وذلك كي لا يترك الأمر على غاربه إلى ما لا نهاية، وتلافيا لمزيد من الإنحدار. ولا بد من الإشارة أخيرا في هذا السياق إلى أن كثيرا من المرافق العامة التي تدار في إطار مؤسسات عامة ذات طابع استثماري (الكهرباء ـ الماء ـ الاتصالات)، جرى طرحها سابقا على أساس أنها ستدار بطريقة «الخصخصة»، وعليه نرى أنه ينبغي الإسراع في إخراج هذا الأمر من دائرة المراوحة، بما يمهد إلى تحديد النشاطات التي ينبغي إدارتها بطريق القطاع العام، الذي توجب أن تحكمه أوضاع تنتمي إلى الحداثة وتواكب روح العصر، والتي سبق أن أشرنا إليها في مشروعنا الإصلاحي الذي تضمنه تقرير هذا المجلس عن العام 2003، والتي لا نرى ضيرا من إلقاء نظرة موجزة عليه، للتذكير به، لعل الذكرى تنفع. ولعل بداية العملية الإصلاحية يقتضي أن تستهل بتحديد دور المؤسسات الإدارية، الذي لا بد أن يتركز في المرحلة القادمة على إعادة تنظيم ودراسة مختلف الأجهزة والهيكليات الإدارية على هدى ضوء من الاحتراف والشفافية بما يؤدي إلى أداء فعلي وسريع لوظائف الدولة، بحيث لا يكون مركز الوظيفة مكانا لتقطيع الوقت أو للتسلية وعبأ ثقيلا على الخزينة العامة بل يكون لازما لأداء نشاط موجب في إطار هيكلية إدارية تتوافق وحجم الغاية التي أنشئت لأجلها. وبحيث يتحلى الموظفون فيها بواجب الإخلاص والتفاني في العمل وتأدية العمل بطريقة صحيحة، وأن تكون لديهم المهارات الكافية لتأدية عملهم في إطار من المصداقية وروح المسؤولية. وأن السبيل لتحقيق تلك الأهداف يمر عبر الثوابت التالية: 1 ـ تحديث الهيكليات وتقليص حجمها. 2 ـ تحديث أنظمة الخدمة العامة. 3 ـ تفعيل مبدأ الثواب والعقاب. 4 ـ تطبيق النصوص والأنظمة النافذة. 5 ـ ترشيد الإنفاق ووقف الهدر. 6 ـ منع التدخل السياسي في الإدارة.