Research

Study د.محمد رياض دغمان 01/03/2014

الدفاع المشروع عن النفس والمال "شروطه ، أثره ، صُورهُ الخاصة "

Author
د.محمد رياض دغمان
Published
01/03/2014
Source
Lebanese University

الدفاع المشروع عن النفس والمال

"شروطه ، أثره ، صُورهُ الخاصة " د.محمد رياض دغمان (دكتوراة دولة في الحقوق – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية)

مجلة الحياة النيابية – المجلد التسعون – أذار 2014.

إذا كان المبدأ العام أنه لا يجوز للفرد أن يستوفي حقه بيده ، أو يتولى حمايته بنفسه ، كون السلطة العامة هي وحدها المخولة قانوناً حماية الحقوق والحريات ، بحيث لا يجوز للشخص المعتدى عليه ان يقتص من المعتدي ، بل يجب عليه اللجوء الى السلطة القضائية المختصة للإدعاء وطلب المحاكمة والتحقيق والحكم والتعويض.

إلا أنه قد يصعب تطبيق هذا المبدأ في بعض الحالات الاستثنائية التي تفرض رد الاعتداء ، لتعذر الالتجاء السريع الى السلطات المختصة لتوفير الحماية التي تأتي عادة متأخرة.

لذلك أجاز المشترع للفرد الذي يتعرض لاعتداء حالّ ، وغير محق ، وغير مثار ،على النفس او المال ، أن يتولى ضمن شروط محددة، حماية مصالحه بنفسه ، وبالوسائل المتوافرة لديه، وان كانت هذه الوسائل تشكل في الأحوال العادية جرائم جزائية يعاقب عليها القانون.

فيجوز للمعتدى عليه أن يقتل إذا كان القتل لازماً وضرورياً لانقاذ حياته والاّ كان هو المقتول، أو أن يضرب إذا كان الضرب لازماً للدفاع عنه والاّ كان هو المضروب.

هذا الرد الذي يلجأ اليه المعتدى عليه لدفع الاعتداء الصادر عن الغير ، هو ما يسمى في لغة القانون بـ " الدفاع المشروع " المكرس في المادة 184 من قانون العقوبات اللبناني (1)، إذ إن هذا الدفاع يعد ممارسة حق فرضه الظرف القائم.

(*) دكتوراة دولة في الحقوق – أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.

(1) نصت المادة 184 من قانون العقوبات اللبناني على يلي " يعد ممارسة حق كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار على النفس او الملك او نفس الغير او ملكه ، ويستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي.اذا وقع تجاوز في الدفاع أمكن إعفاء فاعل الجريمة من العقوبة المذكورة في المادة 228"

وقد اعتبرت المادة 228 عقوبات أنه "اذا افرط فاعل الجريمة في ممارسة حق الدفاع المشروع لا يعاقب إذا أقدم على الفعل في ثورة انفعال شديد انعدمت معها قوة وعيه او إرادته"

فما هي الشروط القانونية للدفاع المشروع ؟ (الفرع الاول) ، وما هو أثره أو مفعوله؟ (الفرع الثاني) وما هي صُوره الخاصة التي نص عليها قانون العقوبات اللبناني؟(الفرع الثالث).

الفرع الاول. – الشروط القانونية للدفاع المشروع

كرّس المشترع اللبناني الدفاع المشروع في المادة 184 من قانون العقوبات اللبناني كسبب من أسباب التبرير او الإباحة(1) التي تمحو الصفة الجرمية عن الفعل بحكم القانون، وتزيل بالتالي كل مسؤولية مدنية وجزائية ، لأن الفاعل يمارس في الواقع حقاً مشروعاً منحه إياه القانون، لدرء الأخطار التي تهدده عند استحالة اللجوء الى الأجهزة المختصة لاستيفاء الحق أو لمنع وقوع الضرر وذلك تغليباً لمصلحة المعتدى عليه على مصلحة المعتدي الذي أهدر حماية القانون وانتهك قواعده.

وقد اشترط المشترع اللبناني توافر عدة شروط لممارسة حق الدفاع المشروع، يمكن تقسيمها الى نوعين ، النوع الاول يتعلق بفعل التعرض او الاعتداء ، والنوع الثاني يتعلق بنوع الدفاع (2). وهذا يعني أن الدفاع المشروع يتطلب تعرضاً من جانب المعتدي(الفقرة الاولى)، ودفاعاً من جانب المعتدى عليه ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الاولى. – شروط التعرض او خطر الاعتداء

حددت المادة 184 عقوبات الشروط الواجب توافرها في فعل التعرض أو الاعتداء المبرر لممارسة حق الدفاع المشروع ، وهذه الشروط هي : وجود حال تعرض ( النبذة الاولى ) وجود تعرض غير محق (النبذة الثانية )،ضرورة كون التعرض غير مثار (النبذة الثالثة ) وقوع التعرض على النفس او المال (النبذة الرابعة).

(1) تسمى هذه الأسباب في بعض الدول العربية كمصر ب "أسباب الإباحة " وليس ثمة فارق بين التعبيرين، وهما مترادفان في المعنى (الدكتور محمود نجيب حسني : أسباب الإباحة في التشريعات العربية رقم 5 ، ص 8-9 معهد الدراسات العربية العالية بجامعة الدول العربية ، القاهرة ، 1962).

(2) د.سمير عالية، شرح قانون العقوبات ، القسم العام ، دراسة مقارنة ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،2002 ،ص 382.

النبذة الاولى. – وجود حال التعرض

يلزم لقيام حالة الدفاع المشروع أن يصدر عن المعتدي تعرض .والمقصود بالتعرض الخطر الذي يهدد النفس والمال(1) . فإذا لم يكن ثمة خطر ما، لا مجال للتذرع بالدفاع المشروع(2) ، كأن يقتصر العمل على مجرد المعاتبة وقوارص الكلام من دون أن يأتي أي فعل مادي ينذر بالخطر ، ما لم تكن هناك ظروف اخرى مبنية على أسباب معقولة تفيد بتوافر الخطر (3).

ولا يشترط أن يكون فعل التعرض او الاعتداء إيجابياً بل قد يكون سلبياً كالأم التي تمتنع عن إرضاع وليدها ، إذ يجوز للغير إرغامها على القيام بهذا الواجب ، وكذلك بالنسبة لصاحب الكلب الذي يمتنع عن ربط كلبه الذي يهجم على الناس فيجوز إكراهه على القيام بذلك.

وقد يكون التعرض المبرر للدفاع المشروع وشيكاً أو مستمراً . فالتعرض الوشيك هو الاعتداء الذي لم يبدأ بعد ، ولكنه على وشك الوقوع ، كأن يشهر شخص مسدسه بوجه آخر ، بعد أن يكون قد وضع الرصاص في بيت النار.هذا العمل يشكل خطراً حالاً يبرر اللجوء الى الدفاع المشروع لمنع المعتدي من البدء في عدوانه.

أما إذا كان الاعتداء مستقبلاً أو محتملاً ، كما لو هدد شخص آخر بقتله بعد أسبوع مثلاً، فهنا لا مبرر إطلاقاً للجوء الى الدفاع المشروع ، ذلك أن التهديد لا يشكل خطراً حالاً ، بل يمكن درؤه عن طريق الشكوى الى السلطات المختصة.

(1) د.سمير عاليه، شرح قانون العقوبات ، المرجع السابق الذكر، ص 383.

(2) قضي بعدم توافر شروط الدفاع إذا اقتصر الأمر على المعاتبة ( تمييز جزائي لبناني ، قرار 138 ، تاريخ 25-5-1952 ، موسوعة عالية ، رقم 498 ، ص 133 ) أو كان الخصم مجرداً من أي سلاح ( تمييز جزائي لبناني ، قرار رقم 231 ، تاريخ 31-5-1954 ورقم 489 ، تاريخ 15-12-1960 ، ذات الموسوعة والمكان)

(3) د. أحمد فتحي سرور ، أصول قانون العقوبات ، القسم العام ، رقم 136 ص 254 .

- تمييز جزائي لبناني ، قرار 237 ، تاريخ 25-4-1963 ، موسوعة عالية ، رقم 500 أ ص 133 ( حيث كان المتهم وحيداً ، وقد أحاط به أشخاص عديدون بأيديهم المدى ).

كذلك الأمر إذا كان الاعتداء قد تم وانتهى ، كأن يُطلق شخص النار على آخر،ثم يبتعد عنه على الفور ، فإن الرد على هذا الاعتداء لا يُعد دفاعاً مشروعاً ، بل يعتبر من قبيل الانتقام ، وهو أمر محظور قانوناً(1).

أما الخطر المستمر فيفرض أن يكون الخطر ما زال قائماً ، لم ينتهِ عند ممارسة حق الدفاع المشروع ، كالاستعداد لإطلاق رصاصة أخرى بعد فشل إصابة الطلقة الاولى .

أما إذا انتهى الخطر ، كنزع السلاح من يد مطلق النار ، فلا يجوز للمعتدى عليه أن يستعمل السلاح المنزوع ضد المعتدي ،لأنه يصبح مجرد انتقام وثأر يعاقب عليه القانون.

ولكن ماذا عن الخطر الوهمي الذي يتعرض له المعتدى عليه؟

تطرح في هذا الصدد مسألة الخطر الوهمي ، وهو الخطر غير الحقيقي ، والذي اعتقده المدافع حقيقياً وحالاً ، نظراً للظروف المحيطة به اثناء الحادث.

ومن الأمثلة على الخطر الوهمي، نذكر حالة مَن يشهر مسدسه في وجه آخر، من دون أن تتوافر لديه نية القتل ، أو حتى نية اطلاق النار ، إنما فقط إذاعة الذعر لدى هذا الاخير ، أو حالة من يستخدم مسدساً غير حقيقاً (مسدس بلاستيك او لعبة ) للتهديد بالقتل ، فيعتقد المدافع بأن الخطر حقيقي وحال.

ونذكر ايضاً حالة الفتاة التي تُفاجأ في الليل بملاحقتها من قبل شبان مقنّعين ، يهددون بخطفها ، فترتد عليهم ، وتطلق النار، ثم يظهر في ما بعد أنهم من أصدقائها ، ولم يكن غايتهم الخطف ، إنما فقط المزاح والتسلية.

هنا ، وفي حال كان المدافع في وضع نفسي ومادي لم يتمكن معه من التمييز بين الحقيقة والوهم ، فأقدم على فعله ، معتقداً بأنه يواجه خطراً حقيقاً وجدياً ، فبحسب الرأي السائد في الفقه والاجتهاد، يمكن لهذا المدافع أن يتذرع بالدفاع المشروع.

والعبرة في ذلك هو لكون التوهم بوجود الخطر توهماً معقولاً ، ومبنياً على ظواهر الجدية ، يمكن "للرجل العادي" أن يقع فيها ،إذا ما وجد في ذات الظروف التي حصل فيها الحادث ( مكان الحادث ، زمانه ، سن المدافع ، جنسه ، خبرته ، وضعه الاجتماعي .....)

(1) د. أحمد فتحي سرور ، أصول قانون العقوبات، المرجع السابق الذكر ، رقم 143 ، ص 268.

- نقض مصري ، 13-11-1961 مجموعة الاحكام س12 ، رقم 182 ، ص 905.

النبذة الثانية. – وجود تعرض غير محق

يجب أن يكون الخطر الذي تعرض له الفاعل ناتجاّ عن إعتداء غير محق (1) ، لا سند له في القانون ، وإلاّ انتفت عنه الصفة الجرمية ، ولم يعد يشكل إعتداءً ، فيتوجب بالتالي على من يتعرض له أن يتحمله ، ولا مجال أمامه للتذرع بالدفاع المشروع. فإذا أقدم مثلاً والد على ضرب ابنه ، ضمن الحدود التي يبيحها العرف العام ، كان هذا الضرب محقاً ، لإجازته في القانون ، وامتنع بالتالي على الولد التصدي لوالده.

كذلك الحال ، يمتنع التذرع بالدفاع المشروع ضد مواطن استطاع القبض على الجاني في حالة الجريمة المشهورة بغية تسلميه للعدالة (2)، ذلك لأن مبادرة الفرد بمعاونة المجتمع في القبض على المجرم المتلبس حق له وواجب عليه (3).

وأيضاً بالنسبة لرجل الأمن الذي يحاول توقيف رجل بموجب مذكرة توقيف ، إذ لا يجوز لهذا الشخص أن يدفع محاولة التوقيف عنه، والا عوقب على فعله.

مع الاشارة الى أنه في حال كان المعتدي مستفيداً من أحد أسباب الإعفاء من المسؤولية ( كالغلط أو الإكراه ...) أو من أحد الأعذار المحلّة أو المخففة ( التي تعدّل في مدى العقوبة )، وهي كلها أسباب لا تزيل الوصف الجرمي عن فعل المعتدي ، الذي يبقى في عداد الأعمال غير المحقة ، فإن الاعتداء الصادر عنه يبقى غير محق، ويجوز بالتالي دفعه عن طريق الدفاع المشروع عن النفس او الملك.

النبذة الثالثة. – ضرورة كون التعرض غير مثار

وهذا يعني ألا يكون المدافع هو الذي أنشأ الوضع الذي اضطر فيه المعتدي الى القيام بالفعل الذي ولد الخطر . أما إذا كان المدافع هو الذي أثار غريمه فحمله على الهجوم عليه ، فلا يقبل منه الاحتجاج بحق الدفاع المشروع لأنه هو الذي سبب الخطر الذي يتعرض له كأن يكون هو البادئ بالهجوم أو بإطلاق النار أو بافتعال الحادث(4).فلا يباح للزاني ممارسة حق الدفاع المشروع ضد زوج الشريك .إذ لا دفاع ضد الدفاع المحــق شرط بقائه في نطاقـه المشروع من دون تجاوز. ذلـــــــك ليــس فقط لاعتبار المشرع اللبـنـانـي فعل الزوج

(1) د.سمير عالية ، شرح قانون العقوبات ، المرجع السابق الذكر ، ص 387.

(2) نقض جنائي مصري ، 24-2-1961 ، مجموعة احكام النقض المصرية س12 ، رقم 92 ، ص 500

(3) د. عبد الوهاب حومد ، المفصل في شرح قانون العقوبات العام ، ص 590.

(4) يذهب الاجتهاد اللبناني الى انه في حال كون الاعتداء متبادلاً بين الفريقين ، كتواجدهما للقتال في مكان الحادث معاً وبحوزتهما السلاح ، لا محل للتذرع بالدفاع ( موسوعة عالية ، رقم 505 ، ص 135).

أو القريب عذراً مخففاً من العقاب(1)، وانما لكون الدفاع المشروع في قانوننا اللبناني يشترط فيه أن يكون التعرض غير مثار ، وهو هنا مثار من قبل الشريك الزاني. غير أن وضع هذا الشريك يختلف في القانونين المصري والفرنسي ، لعدم تطلب مثل الشرط الاخير فيهما ، مما يبرر للشريك الزاني هناك أن يمارس حق الدفاع المشروع ضد الزوج الذي يحاول قتله أو إيذاءه نتيجة ضبطه متلبساً بالزنا (2).

النبذة الرابعة. – وقوع التعرض على النفس او المال

الاعتداء او التعرض هو كل انتهاك لحق صادر عن إنسان ، من شأنه أن يعرّض إنساناً أخر للخطر في نفسه أو ماله .

والمقصود ب " النفس " ليس فقط حياة الانسان وسلامة جسده وأعضائه ، بل كل مقومات الشخصية الانسانية ، من مواهب وشرف وكرامة وحرية وسمعة ومكانة إجتماعية ومهنية وعائلية ............

وبالتالي فإن أي عمل أو إمتناع عن عمل من شأنه المساس ، بصورة مادية أو معنوية ، بإحدى هذه المقومات ، كالقتل والايذاء والاجهاض والاغتصاب والخطف وخرق حرمة المنزل وإفشاء الأسرار والقدح والذم ، وسواها ، يشكل إعتداء ، ويبرر التصدي له ودفعه بالوسيلة المناسبة ، وضمن الحدود التي يرسمها القانون.

وقد أقر النص الدفاع المشروع ضد جميع الجرائم السابقة دون تفرقة بينها حسب نوعها أو جسامتها ، فالإيذاء البسيط والفعل المنافي للحشمة في أبسط صوره يبيح الدفاع المشروع (3) .

(1) نصت المادة 562 من قانون العقوبات اللبناني على ما يلي :" يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه او أحد أصوله او فروعه او أخته في جرم الزنى المشهود او في حالة الجماع غير المشروع ، فأقدم على قتل احدهما أو إيذائه بغير عمد".

(2) د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، القسم العام ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1975 ، رقم 219، ص 227.

(3) د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق الذكر ، رقم 221 ، ص 228.

أما المقصود بــ " المال " فهو كل مال مملوك من أحد الاشخاص ، ومتمثل بقيمة مادية او معنوية ، وقد أطلق المشترع اللبناني حق الدفاع المشروع ضد جميع جرائم الاعتداء على المال ، ولم يحصره في بعضها كما فعل المشرع المصري.

فقد أباح القانون اللبناني الدفاع ضد جرائم الحريق ، وتخريب المواصلات ، والسرقة ، والاحتيال وإساءة الأمانة وغير ذلك من جرائم الاعتداء على الملك(1) .

ولا يقيد حق الدفاع عن المال الا ضرورة كونه لازماً ومتناسباً مع الاعتداء أو الخطر ، سواء أكان عن الشخص نفسه أو عن غيره ولو كان شخصاً معنوياً . فمن يُشاهد شخصاً يتلف خطاً حديدياً يستطيع أن يمنعه بالقوة من ذلك ، وهو في ذلك إنما يدافع عن حق شخص معنوي هو البلدية أو الدولة(2).

الفقرة الثانية. – شروط فعل الدفاع المشروع

لم يحدد القانون صور الدفاع التي يمكن اللجوء اليها لدفع الاعتداء ، لذلك يمكن للدفاع أن يرتدي أي شكل جرمي ، فيتم إما بسلوك سلبي شرط أن يكون ضرورياً لدفع الاعتداء ( النبذة الاولى )، ومتناسباً معه (النبذة الثانية ).

النبذة الاولى. – ضرورة فعل الدفاع

إشترطت المادة 184 عقوبات أن يتوافر في الدفاع المشروع وجود فعل قضت به ضرورة حالية (3) لدفع تعرض غير محق ولا مثار ، بمعنى ألاَّ يكون بإمكان المدافع أن يدرأ الخطر عنه ( او عن سواه ) إلا بارتكابه الجريمة التي أقدم عليها.

(1) د. سمير عالية ، شرح قانون العقوبات ، المرجع السابق الذكر ، ص 391 .

(2) د. جلال ثروت ،قانون العقوبات ، القسم العام ، ص 229.

(3) عبر الاجتهاد التمييزي عن ذلك بأن يكون المدافع مضطراَ لإتيان فعله .( تمييز لبناني ، قرار رقم 295 ، تاريخ 25-10-1972 ، مجموعة عالية ، ج 3 ، رقم 860 ، ص 356 ).

فإذا كان بإمكانه التخلص من الخطر الذي يهدد حقه او حق غيره عن طريق فعل مباح ، كالالتجاء الى السلطات العامة في الوقت المناسب فعلاً ، فإنه لا يباح له الإقدام على الفعل التي تقوم به الجريمة.

ولكن ، ماذا لو كان بوسع المهدد بالخطر ان ينجو بحقه ، عن طريق الهرب ، ولكنه مع ذلك ، فضّل الصمود ومواجهة الخطر بأفعال الدفاع الملائمة؟

رداً على هذا التساؤل ، إتجه الرأي الراجح في الفقه (1) والاجتهاد(2) الى إجازة مثل هذا الدفاع، ذلك لأن القانون لا يمكن ان يطالب الانسان بالهرب عند تخوفه من الاعتداء عليه لما في ذلك من الجبن الذي لا تقره الكرامة الانسانية . وهذا فارق أساسي بين الدفاع المشروع وحالة الضرورة . ويبرر ذلك أن الدفاع المشروع حق يمنحه القانون لكل من يتعرض لخطر غير محق ، أما الضرورة فهي حالة استثنائية ترتكب فيها الجريمة ضد شخص بريء ، ولهذا يجب أن تحصر في أضيق الحدود.

أما لو حصل الهرب في ظروف معينه ، من شأنها أن تجعله غير مشين ، فعندها يحظّر على المهدد بالخطر أن يلجأ الى العنف ، ويتعين عليه الهروب. مثال على ذلك ، أن يتعرض شخص لاعتداء صادر عن مجنون ، أو عن أب أو أم ، إذ لا يكون الهرب في مثل هذه الحالات موصوفاً بالجبن .

النبذة الثانية. – تناسب الدفاع مع الخطر

لا يكفي ان تكون الجريمة لازمة وضرورية لرد الاعتداء ، انما يجب ان تكون ايضا متناسبة معه . والتناسب بين فعليّ الاعتداء والدفاع يعني ألاّ يكون هناك تجاوز او إفراط في ممارسة حق الدفاع المشروع.

(1) د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق الذكر ، ص 236.

(2) محكمة الاستئناف اللبنانية ، قرار 625 ، تاريخ 20-6-1948 ، النشرة القضائية ، 1949 ،672 . وعلى العكس من ذلك جرى الاجتهاد التمييزي في لبنان على أنه مع استطاعة الهرب ينتفي الدفاع : قرار رقم 353 ، تاريخ 2-12-1953 ، ورقم 112 تاريخ 13-3-1957 ، موسوعة عالية ، رقم 509 ، ص 136 ).

إن تقدير أمر التناسب موضوع شديد الدقة والصعوبة ،كونه لا يخضع لمعيار واحد ، وعام ، ينطبق على جميع الحالات ، فالمعيار المعتمد في هذا المجال قوامه " الشخص العادي " المحاط بذات الظروف التي أحاطت بالمدافع ، وهو معيار يتغير مع كل حالة ، ويتكيف مع الظروف التي حصل فيها الحادث ، لا سيمّا وأن المعتدى عليه لا يكون في وضع الهادئ المطمئن الذي يمحص الأمور بروية ، كما يفعل القاضي الناظر بالدعوى.

ومن الظروف التي تؤخذ بعين الاعتبار ، نذكر القوة الجسدية لكل من المعتدي والمدافع ، سنّهما ، جنسهما، مكان حصول الاعتداء ، زمانه ، والوسائل المتاحة للمدافع.....................

فيعدّ مثلاً في حالة الدفاع المشروع من يستخدم سلاحه ضد معتد غير مسلح، ولكن لديه القدرة على إزهاق الروح بضربة واحدة (1) ، او أن يحصل الاعتداء في مكان مهجور أو ليلاً أو على إمرأة ، فإنه يباح للمعتدى عليه قدرٌ من العنف يزيد عن ذلك القدر المباح للشخص المتساوي في القوة ، أو الحاصل في مكان مأهول أو نهاراً أو على رجلٍ(2) . وعلى العكس ، لا يُعدّ في حالة دفاع مشروع عن النفس من يواجه الصفعة او الشتيمة بإطلاق النار و القتل(3).

والجدير بالذكر أن التناسب لا يعني المساوة الحسابية بين الضرر الذي كان سينتج عن الاعتداء وردة الفعل الحاصلة ، إذ لا شيء يمنع من ان ينزل بالمعتدي ضرر أشدّ مما كان ينوى إحداثه ، كما لو حاول شخص إغتصاب امرأة ، فدافعت عن نفسها بقتله أو حاول شخص اختطاف فتاة فألحقت به الأذى الشديد. ولكن يشترط طبعاً ألاّ يكون في الوسائل المتاحة للمعتدى عليه ما يسمح له بدرء الخطر عنه بضرر أقل من الذي أحدثه المعتدي. فإذا تعددت الوسائل المتاحة أمامه ، توجّب عليه اختيار أهونها وأقلها خطورة.

(1) محكمة إستئناف البقاع اللبناني ، قرار صادر في 21-2-1961 ، مجلة المحامي ، 1961، ص 216.

(2) د. سمير عالية ، شرح قانون العقوبات ، المرجع السابق الذكر ، ص 395.

(3) تمييز جزائي لبناني ،قرار رقم 112 ، تاريخ 13-3-1957 ، موسوعة عالية ، رقم 510 ، ص 136 .

الفرع الثاني. _ أثر الدفاع المشروع

متى توافر حق الدفاع المشروع والتزم المدافع قيوده كانت الجريمة التي أقدم عليها الفاعل مبررة ، وتصبح بذلك عملاً مشروعاً لا تقوم من أجله أي مسؤولية لا جزائية ولا مدنية (1). وبناء على الطبيعة الموضوعية لأسباب التبرير، فإن أثر الإباحة يمتد الى أي فعل مرتبط بالفعل الاصلي، بحيث يصير بدوره مباحاً كما لو استعمل المدافع في دفاعه سلاحاً مرخصاً، فتمتنع مسؤوليته ومصادرته(2) .

كذلك يستفيد من هذا الأثر جميع المشاركين في الجريمة، سواء علموا او لم يعلموا بتوافر حالة الدفاع المشروع.

أما في حال أفرط المدافع في الدفاع، أي تجاوز حدوده ، فلا يكون في حالة الدفاع المشروع ، ويزول تبعاً لذلك السبب التبريري الذي يزيل الصفة الجرمية عن الفعل ، فيُسأل عن فعله مسؤولية قصدية في حال كان التجاوز مقصوداً أو مسؤولية غير قصدية في حال كان التجاوز بالخطأ من دون قصد.

غير أنه يمكن في هذه الحالة أن يُعفى المدافع من العقاب إذا ما تبين أنه أقدم على الفعل ( فعل الدفاع المشروع) في ثورة انفعال شديد انعدمت معها قوة وعيه وإرادته(3).ولكن لا يكون لهذا الاعفاء من العقاب أي مفعول تجاه مسؤوليته المدنية ، ويلزم بالتعويض للمتضرر.

انطلاقاً مما تقدم ، نستعرض في هذا الصدد ، المساس غير القصدي بحق الغير ( الفقرة الاولى ) والاضطرار للمساس بحق الغير (الفقرة الثانية ).

(1) تمييز جزائي لبناني ، قرار رقم 9 ، تاريخ 12-01-1973 ، مجموعة عالية ، ج 3 ، رقم 2862 ، ص 356

(2) تمييز جزائي لبناني ، قرار رقم 24 ، تاريخ 17-01-1966 ، موسوعة عالية ، رقم 515 ، ص 137

(3) نصت الفقرة الثانية من المادة 228 من قانون العقوبات اللبناني على ما يلي : " على أنه إذا أفرط فاعل الجريمة في ممارسة حق الدفاع المشروع لا يعاقب إذا أقدم على الفعل في ثورة انفعال شديد إنعدمت معها قوة وعيه أو إرادته".

الفقرة الاولى. – المساس غير القصدي بحق الغير

قد يخطى المدافع رغم توافر شروط الدفاع فيصيب شخصاً غير المعتدي كان يعتقد أنه هو مصدر الاعتداء ، كما لو تعرض لهجوم في الظلام فأطلق النار على من يسير خلفه ظناً منه أنه المعتدي الذي يكون قد هرب . وقد يخطئ أيضا في التصويب فيقع الفعل على أحد المارة . في هاتين الحالتين يتوافر خطأ جزائي غير مقصود في حق المدافع ، الا إذا كان خطؤه هذا مبنياً على أسباب معقولة لا سيطرة لإرادته عليها ، عندها لا مسؤولية عليه والفعل يكون مبرراً (1).

الفقرة الثانية. – الاضطرار للمساس بحق الغير

أما إذا وجد المدافع نفسه مضطراً للمساس بحق الغير كي يتمكن من الدفاع عن نفسه ، كما لو استولى على مسدس الشرطي للدفاع عن نفسه ضد المعتدي ، أو أتلف واجهة محل لبيع أسلحة الصيد ليأخذ بندقية يدافع بها عن نفسه . فالقاعدة أن هذه الافعال غير مبررة لأنها لم توجه الى مصدر الخطر ، ولكنها تشكل أسباباً لحالة الضرورة متى توافرت شروطها وخاصة كون الخطر جسيماً (2).

الفرع الثالث. – الصور الخاصة للدفاع المشروع

أورد المشترع اللبناني صورتين للدفاع المشروع في المادة 563 من قانون العقوبات (3) هما :

الدفاع بالقوة ضد السارق بعنف ، وضد سرقة المنازل الآهلة ليلاً. وقد أعفى فيهما من شرط التناسب بين الدفاع والخطر ، وأباح للمدافع استعمال حقه في الدفاع المشروع ولو بالقتل .وذلك بالاستناد الى وجود قرينة قصد المعتدي ارتكاب جريمة على النفس ، فيعفى المدافع من إثبات توافر شروط الدفاع المشروع، ويكفي إثبات إندراج فعله

(1) د. سمير عالية ، شرح قانون العقوبات ، المرجع السابق الذكر ، ص 398.

(2) د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون العقوبات اللبناني ، المرجع السابق الذكر ، رقم 243 ص 42.

(3) نصت المادة 563 من قانون العقوبات اللبناني على ما يلي :" تعد الافعال الآتية من قبيل الدفاع عن النفس :

- فعل من يدافع عن نفسه أو عن أمواله أو عن نفس الغير او عن أمواله تجاه من يقدم باستعمال العنف على السرقة أو النهب.

- الفعل المقترف عند دفع شخص دخل او حاول الدخول ليلاً الى منزل آهل أو الى ملحقاته الملاصقة بتسلق السياجات او الجدران او المداخل أو ثقبها أو كسرها أو باستعمال مفاتيح مقلدة أو أدوات خاصة .............."

تحت أحد هاتين الصورتين الواردتين تحت عنوان " العذر في القتل والإيذاء ". لكن هذه القرينة غير مطلقة (1). فيحق للمجني عليه إثبات أنه كان بإمكان المدافع دفع جريمة السرقة بجريمة أخف أو إثبات علم المدافع بعدم رغبته باقتراف أي جريمة ،فيصبح المتذرع بالدفاع المشروع مسؤولاً عن الجريمة التي اقترفها بحجة هذا الدفاع ، كعلم صاحب المنزل أن من دخل حديقة منزله ليلاً بتسلق جدارها ، لم يكن يقصد السرقة او أي اعتداء أخر ، بل كان يعلم أن المجني عليه كان عشيق خادمته وأنه دخل للقائها ، فلا يمكن في هذه الحالة التذرع بالدفاع المشروع لتبرير جريمة الايذاء التي ارتكبها صاحب المنزل .

وهاتان الصورتان على النحو التالي، الدفاع بالقوة ضد السارق بعنف ( الفقرة الاولى ) والدفاع بالقوة ضد المتسلل ليلاً الى المنازل ( الفقرة الثانية ).

الفقرة الاولى – الدفاع بقوة ضد السارق بعنف

تفترض هذه الصورة أن يفاجأ صاحب المال بلص يحمل سلاحاً أثناء الشروع في السرقة أو الاستمرار فيها ، فيقدم صاحب المال على الدفاع ضده عن طريق القتل أو الإيذاء.

وعلة تبرير القتل ضد السارق المسلح هي الخشية من استعمال العنف بوجه المعتدى عليه. فإذا كانت السرقة هي الأساس لا تبيح القتل ، الا أن الخشية من استعمال السارق للعنف وما يترتب عليه من أخطار شديدة ، تبيح للمدافع اللجوء الى القتل دفاعاً عن النفس والمال(2).

الفقرة الثانية – الدفاع بالقوة ضد المتسلل ليلاً الى المنازل

تفترض هذه الصورة مشاهدة صاحب المنزل من يحاول الدخول ليلاً الى منزله المسكون أو أحد ملحقاته ، عن طريق وسائل غير عادية للدخول ، وهي التسلق او ثقب الجدران او كسرها او استعمال أدوات خاصة ، مما يثير الخوف لدى صاحب المنزل من خطر شديد يتهدده.

1) Cass .cr. , 19-02-1959, D , 1959 , p. 161. )

(2) د. محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات ، القسم العام ، رقم 168 ، ص 250.

وعلة النص الذي تمّ ذكره آنفاً ، تقدير المشترع أن حائز المنزل على حق ، حين يعتقد أن شراً غير معروف مداه يحدق به ، لذلك أجاز له القانون اللجوء الى القوة لدرء الخطر الذي يخشاه.

ويشترط لتبرير هذه الحالة توافر ثلاثة شروط هي :

أولاً – أن يكون الدخول او المحاولة فيه الى المنزل آهل او احد ملحقاته . فالنص مقتصر على المنزل الآهل او المسكون دون غيره من الاماكن المسكونة كالفنادق والمستشفيات(1).ويراد بالمنزل الآهل المسكون فعلاً، إذ لا يكفي أن يكون معداً للسكن ، ولكن لا يشترط أن يكون بالمنزل سكان بالفعل ، فيجوز للغير او لصاحب المنزل إذا كان خارجه وشاهد شخصاً يتسلق منزله ليلاً أن يرد الاعتداء بالقتل (2).

ثانياً – أن يكون التسلل ليلاً ، فدخول المنزل نهاراً لا يبرر وحده القتل طالما لم يرافقه استعمال العنف من المعتدي وإلاّ خضع لحكم الصورة الاولى، غير أن المشرع لم يجردْه من أي أثر فأفاد المدافع من عذر مخفف للعقاب (3)

. ثالثاً – ان يكون التسلل الى المنزل او ملحقاته بوسائل غير عادية للدخول حددها النص وهي التسلق للسياجات او الجدران (4) أو المداخل ، أو ثقبها أو كسرها أو استعمال المفاتيح المقلدة أو أدوات أخرى .

(1) قد تكون الحكمة أن مثل تلك الاماكن يسكنها عدد من الناس بإمكانهم التعاون لرد الاعتداء بغير القتل.

(2) د. محمود محمود مصطفى ، شرح قانون العقوبات ، المرجع السابق الذكر ، رقم 168 ، ص 251.

(3) نصت الفقرة الثالثة من المادة 563 من قانون العقوبات اللبناني على ما يلي ".... واذا وقع الفعل نهاراً فلا يستفيد الفاعل إلا من العذر المخفف عملاً بالمادة 251 .........."

(4) قضي في مصر بأنه اذا كان الثابت أن المجني عليه تسلق جدار منزل المتهم ليلاً ليدخل فيه ، وأن المتهم حين شاهده على هذه الحالة وهو فوق السطح أطلق عليه المخزون الناري بقصد قتله، فإنه لما كان الاقدام على تسلق جدار المنزل تتوافر فيه بلا شك جميع معاني الدخول في المنزل، ثم لما كان نص المادة في عبارة صريحة ان يكون الدخول بقصد ارتكاب جريمة او فعل اخر من افعال الاعتداء . هذا مفاده بالبداهة أن القانون يعتبر ان الدخول الى المنازل ليلاً بتلك الطريقة يحمل في ذاته قرينة الاجرام ، بحيث يصح لصاحب الدار ان يعده اعتداء على المال او فعلاً يتخوف منه الاذى ، ويحق له رده كما ترد سائر الاعتداءات ( نقض جنائي مصري ، 25-12-1944 ، مجموعة القواعد القانونية ، ج 6 ، رقم 437 ، ص 572 ).

أو إذا حصل الدخول الى المنزل أو ملحقاته بطريقة عادية ، كوجود فجوة في سياج البستان دخل منها المعتدي ، فلا محل للاحتجاج بالدفاع المشروع(1) .

ختاماً ، إن حق الدفاع المشروع كما أوضحنا يشكل استثناء على مبدأ عدم جواز استيفاء الحق بالذات ، فهو سبب للتبرير العام ، وحق موضوعي مطلق لجميع الأفراد يبيح لهم اقتراف الجريمة استثناء من الأصل العام الذي يمنعها ، وذلك لدرء الاخطار التي تهددهم في وقت تكون فيه الدولة غائبة ، تغليباً لمصلحة المعتدى عليه على مصلحة المعتدي الذي أهدر حماية القانون له بخروجه على قواعده.

___________________________________________________________________________________

(1) تمييز جزائي لبناني ، قرار رقم 250 ، تاريخ 10-9-1959 ، موسوعة عالية رقم 519 ، ص 138 .

Cited

Texts it relies on