Research

Study الدكتور وسام غياض 01/01/2005

سلطات التحقيق

Author
الدكتور وسام غياض
Published
01/01/2005
Source
Lebanese University

سلطات التحقيق

إذا كانت النيابة العامة مكلّفة بإقامة الدعوى العامة وملاحقة المجرمين وإحالتهم أمام القضاء المختص، فإن قضاء التحقيق مهمته جمع الأدلة على الجرائم وإتّخاذ القرار النهائي بشأن الدعاوى المحالة أمامه.

وإذا كان العمل الذي تقوم به النيابة العامة بمساعدة الضابطة العدلية هو تحقيق أولي (Instruction Préliminaire) فإن ما تقوم بها سلطات التحقيق هو تحقيق إبتدائي (Instruction Préparataire). وهو عبارة عن عملية إجرائية يقوم بها قاضٍ متخصّص فيجمع الأدلة على ثبوت الجريمة ويقرّر بالنتيجة إحالة المدعى عليه أمام المحكمة ليحاكم من أجلها (1).

وفي الواقع يمكن القول بأن سلطات التحقيق في لبنان هي على درجتين:

الدرجة الأولى وتشمل قاضي التحقيق الأوّل ومعاونيه (الباب الأوّل) والدرجة الثانية وتشمل الهيئة الإتهامية من رئيس ومستشارين (الباب الثاني).

الباب الأوّل: قاضي التحقيق:

نصّت المادة 3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد على أنه: "تتألف دائرة التحقيق في كل محافظة من قاضي تحقيق أول ومن قاضي تحقيق أو أكثر وفقاً لما يحدده قانون القضاء العدلي. تتولى غرفة من غرف محاكم الاستئناف المدنية مهام الهيئة الاتهامية في كل محافظة".

كما نصت المادة 51 من القانون ذاته على أنه: "في مركز ونطاق كل محكمة إستئناف دائرة تحقيق مؤلفة من قاضي تحقيق أول وقضاة تحقيق. يرأس دائرة التحقيق قاضي التحقيق الأول. تحال على قاضي التحقيق الأول ورقة الطلب التي تدّعي فيها النيابة العامة بالجرائم. كما تقدّم إليه الدعاوى المباشرة التي يقدمها المتضررون من الجرائم، مشفوعة بإدّعاءاتهم الشخصية. يتولى قاضي التحقيق الأول بنفسه التحقيق في القضايا الهامة، ويوزِّع القضايا الأخرى على قضاة التحقيق في دائرته، يشرف على حسن سير العمل في دائرته".

يتّضح من هذين النصين أنه يترأس دوائر التحقيق الموزّعة على المحافظات قاضي تحقيق أوّل يعاونه قضاة تحقيق معاونين، وهو يشرف على سير الأعمال فيها، وهذا ما يستدعي منا شرح المواد التي عالجت قضاء التحقيق في لبنان. لقد كرس المشرع اللبناني المواد 51 حتى 127 ضمناً من قانون أصول المحاكمات الجزائية للحديث عن قضاء التحقيق، فما هي المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التحقيق الابتدائي (الفصل الأول)؟ وكيف يضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة (الفصل الثاني)؟ وما هي الاجراءات المتبعة أمام قاضي التحقيق (الفصل الثالث)؟ وأخيراً ما هي القرارات التي يسطرها قاضي التحقيق (الفصل الرابع)؟

الفصل الأول: المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التحقيق الإبتدائي:

يعتبر التحقيق الابتدائي من أهم الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدعوى الجزائية لذلك فهو يتّسم بسمات أساسية يمكن إختصارها بما يلي: ضرورة الفصل بين مرحلتي الملاحقة والتحقيق (فقرة أولى) وإلزامية الفصل بين مرحلتي التحقيق والمحاكمة (فقرة ثانية) وواجب التقيد بالسرية التامة (فقرة ثالثة) وإحترام مبدأ الكتابة فهو تحقيق مكتوب (فقرة رابعة) والمحافظة على السرعة والابتعاد عن نظام المرافعات (فقرة خامسة).

1- أنظر بنفس المعنى: - op.cit.page 382"traité de droit criminel – Procédure pénale" Merle et Vitue:

فقرة أولى: مبدأ الفصل بين التحقيق والملاحقة:

من المتفق عليه أن النيابة العامة مكلفة بإقامة الدعوى العامة وملاحقة المجرمين وإحالتهم أمام القضاء المختص، أما قضاة التحقيق فيتولون جمع الأدلّة على الجرائم واتخاذ القرار النهائي بشأن الدعاوى المحالة اليهم. بمعنى آخر لقد وزّع المشرّع اللبناني في إطار الأصول الجزائية المسؤولية بين قاضيين أساسيين في الدعوى الجزائية هما: النائب العام وقاضي التحقيق بحيث أنه حظَّر على كل منهما القيام بعمل الآخر باستثناء حالة الجريمة المشهودة التي تتطلب إجراءات إستثنائية وصلاحيات خاصة رأيناها بالتفصيل.

بناء على ما تقدم نستطيع الجزم بأنه يتوجب على قاضي التحقيق أن يعمل بصورة مستقلة عن النيابة العامة. فقانون أصول المحاكمات الجزائية القديم كان يعتبر قاضي التحقيق ضابطاً عدلياً وبالتالي أخضعه لرقابة المدعي العام الإستئنافي إسوةً بقانون التحقيق الجنائي الفرنسي القديم الصادر عام 1808 والملغى في العام 1959 (1). وهكذا لم يكن قاضي التحقيق مستقلاً عن قضاء النيابة العامة الى حين صدور قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الذي لم يسبغ على قاضي التحقيق صفة الضابط العدلي ولم يخضعه تالياً لرقابة النيابة العامة.

فالمادة 13 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أعطت النائب العام لدى محكمة التمييز سلطة على جميع قضاة النيابة العامة بمن فيهم مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية دون قضاة التحقيق (2). وكذلك المادة 38 من القانون ذاته عددت الأشخاص الذين يقومون بوظائف الضابطة العدلية ولم تأت على ذكر قضاة التحقيق. أضف الى ذلك أن الغاية من مبدأ الفصل بين التحقيق والملاحقة هو الحيلولة دون إنسياق النائب العام الى التحيّز في موقفه وإستمراره في الخطأ فيما لو أخطأ في الملاحقة. ولقد كرّس المشرع اللبناني هذا المبدأ في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد فالمادة 50 منه نصّت في فقرتها الأخيرة على أنه:"لا يحق للنائب العام الذي إدّعى في قضية أن يتولى التحقيق أو الحكم فيها". وكذلك نصّت المادة 234 أ.م.ج. على أنه: "لا يجوز أن يشترك في تشكيل محكمة الجنايات من سبق له أن مارس في الدعوى عملاً من أعمال الملاحقة أو التحقيق أو كان عضواً في الهيئة الإتهامية التي وضعت الإتهام فيها". فهذه النصوص إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على مدى حرص المشرع اللبناني على تكريسه مبدأ الفصل بين التحقيق والملاحقة، وهو ذهب أبعد من ذلك عندما تبنى مبدأ الفصل بين التحقيق والحكم كما سنرى في الفقرة الثانية.

فقرة ثانية: مبدأ الفصل بين التحقيق والحكم:

يجب أن تكون سلطة التحقيق الإبتدائي مستقلة ومنفصلة عن قضاء الحكم، فلا يجوز للقاضي الذي حقق في دعوى معينة أن يفصل فيها أو يشترك في الفصل فيها باعتباره قاضي حكم. والسبب في ذلك يرجع الى وجود تعارض حقيقي بين صفة القاضي المحقق وصفة قاضي الحكم، لأن من يقوم بالتحقيق في دعوى معينة ويجمع أدلتها يكون قد تكوّن لديه رأي فيها، وبالتالي يحظر عليه أن يفصل فيها وإلاّ من شأن ذلك أن يَمُسْ بحُسن سير العدالة الجزائية. وكما ذكرنا أعلاه لقد كرّس المشرع اللبناني هذا المبدأ من خلال نصّ المادة 52 أصول جزائية جديد. ولتوضيح ذلك نورد المثال التالي: إذا قضت التشكيلات القضائية بنقل قاضي تحقيق الى وظيفة قاضي حكم، فليس له أن يشارك في فصل ذات الدعوى التي سبق له أن حقق فيها وأبدى فيها رأياً مسبقاً، إذ يخشى أن يتأثر برأيه السابق ويتمسك به، الأمر الذي يتناقض مع وظيفة قاضي الحكم الذي يفترض به أن يحكم بالإستناد الى أدلة تقدّم أثناء المحاكمة وتخضع لمناقشة الخصوم بشكل علني.

1- J. Robert: ‘’De l’indépendance des Juges’’ – Revue de droit public – 1988. Page 23.

J. Michaud: ‘’les rapports entre le juge d’instruction et le procureur de la République’’ – Revue. Sc. Crim. 1977. Page 903.

2- غير أن قضاة التحقيق يخضعون لرقابة قاضي التحقيق الأول في كل دائرة تحقيق سنداً للمادة 51 أ.م.ج.

فإذا سُمح له بالمشاركة، يكون كوّن قناعته قبل بدء المحاكمة وبناء على ما تبدّى له أثناء التحقيق الإبتدائي، وهذا أمر يتعارض مع مفهوم المحاكمة (1).

وفي الواقع إن مبدأ الفصل بين سلطة التحقيق وسلطة الحكم مكرّس في الإجتهاد منذ القدم، فقد قضت محكمة التمييز الجزائية بأن المبادئ القانونية العامة أقرّت التفريق بين الوظائف الثلاث: الملاحقة والتحقيق والحكم. فمنعت على قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق حق النظر كقضاة حكم بالدعوى التي سبق لهم أن لاحقوها أو حققوا فيها، وذلك حرصاً من المشرع على حقوق الدفاع توفيراً للعدالة الكاملة التي لا تتحقّق إلاّ بخلو ذهن القاضي من المؤثرات السابقة وبإستناده، في تكوين قناعته، الى الوقائع المبسوطة أمامه في المحاكمات الوجاهية، الأمر الذي يخشى عدم توفره عندما تكون لدى القاضي الحاكم فكرة مسبقة، إن لجهة ثبوت الفصل بحق المتهم أو لجهة الوصف (2).

تجدر الإشارة الى أن القاعدة المكرّسة في المادة 52 أصول جزائية جديد تطال القاضي الذي يتولى التحقيق في قضية معينة، فيقتضي تفسير هذه القاعدة حصراً وقصرها على إجراءات التحقيق، بمعنى آخر ان قاضي الحكم، الذي أصدر حكماً في قضية ما، يمكنه القيام بإجراءات تحقيق في قضية متعلقة بنفس الشخص، خاصة إذا كانت هذه القضية الأخيرة مختلفة من حيث الجرائم عن القضية التي أصدر فيها حكمه في الموضوع.

بالإضافة الى مبدأي الفصل بين التحقيق والملاحقة والفصل بين التحقيق والحكم تبنّى المشرع اللبناني مبدأ سرية التحقيق الإبتدائي الذي سنراه بالتفصيل في الفقرة الثالثة من هذا الفصل.

فقرة ثالثة: مبدأ سرية التحقيق الابتدائي:

إن السرية هي إحدى السمات الأساسية التي يتّسم بها التحقيق أمام قاضي التحقيق من دون أن تشكل هذه السرية خرقاً لحقوق الدفاع لأنها موضوعة بمواجهة الغير وليس بمواجهة فرقاء الدعوى والقائمين بالتحقيق فيها أو المشاركين فيه. من هنا، وخلافاً لما هو معمول به أمام قضاء الحكم، فإن الجمهور لا يستطيع أن يحضر جلسات التحقيق ما لم يكن معنياً بها. ومن جهة ثانية إن المعنيين بالتحقيق لا يمكنهم إفشاء عناصر التحقيق المختلفة مثل أقوال الفرقاء وإفادات الشهود وتقارير الخبراء وغيرها... تحت طائلة ملاحقتهم جزائياً ومدنياً في بعض الحالات (3).

إن الهدف من فرض السرية على أعمال قاضي التحقيق يكمن في إرادة المشرع في أن يترك لقاضي التحقيق العمل بحرية وإستقلال بعيداً عن ضغط الرأي العام وتأثيره عليه وبذات الوقت لتجنيب المدعى عليه التشهير وإلحاق الأذى المعنوي به حتى ولو تقرّر منع المحاكمة عنه لاحقاً (4).

إن مبدأ السرية مكرّس في قانون العقوبات في المادة 420 منه التي نصت صراحة على عقوبة لمن ينشر وثيقة من وثائق التحقيق الجنائي أو الجنحي قبل تلاوتها في جلسة علنية، كما تكرَّس هذا المبدأ في قانون المطبوعات الصادر بالمرسوم الإشتراعي رقم 104/1977 حيث حظرت المادة 12 منه على جميع المطبوعات نشر وقائع التحقيقات الجنائية والجنحية قبل تلاوتها في جلسة علنية.

1- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق الجزء الثالث ص 23.

2- محكمة التمييز الجزائية – قرار رقم 113 تاريخ 5/3/1964 - منشور في كتاب د. سمير عالية: موسوعة الاجتهادات الجزائية لقرارات وأحكام محكمة التمييز. ص 240 – رقم 917.

3- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 162 و 163.

4- Merle et Vitu: ‘’traité de droit criminel –procédure pénale’’ – op.cit – page 387 n:330.

وكذلك تبنى هذا المبدأ قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد في المادة 53 التي نصت على أنه: "يبقى التحقيق سرياً ما لم تُحلّ الدعوى على قضاء الحكم بإستثناء ما يتعلق بالقرار الظني. يتعرض كل من يفشي سريّة التحقيق للملاحقة أمام القاضي المنفرد الذي يقع ضمن دائرته الفعل المشكو منه، ويعاقب بالحبس من شهر الى سنة، وبالغرامة من مئة ألف الى مليون ليرة، أو بإحدى هاتين العقوبتين".

والسؤال المطروح هنا هو مدى شمولية مبدأ السرية، أي هل تطال هذه السرية النيابة العامة؟

يرى بعض الفقه (1) أن هذه السرية تسري على قضاة النيابة العامة كما تسري على قضاة التحقيق وعلى قاضٍ آخر يقوم بعمل تحقيقي بموجب إستنابة قضائية. بينما يرى البعض الآخر (2) أن سرية التحقيق لا تسري بوجه النيابة العامة التي أعطاها المشرع حق الإطلاع على الجرائم من خلال التقارير والتحقيقات التي تجريها أجهزة السلطة الرسمية والتي تتيح لها الحصول على معلومات عن الجرائم إنطلاقاً من المواد 24، 25 و 26 أصول محاكمات جزائية جديد. ونحن نشاطر الرأي الثاني على إعتبار أن النيابة العامة تمثل حق المجتمع في العقاب وبالتالي يجب الاّ يسري بوجهها مبدأ سرية التحقيق، والاجتهاد الجزائي الحديث هو مع هذا الاتجاه (3) إذ نقرأ في هذا الصدد:

‘’Aucun texte n’interdit d’annexer à une procédure pénale les éléments d’une autre procédure dont la production peut être de nature à éclairer le juge et à contribuer à la manifestation de la vérité’’.

يبقى أن نشير الى أن المشرع إستثنى من الخضوع لمبدأ السرية، القرار الظنّي وذلك مراعاة للمتضرر الذي أعطي حق الطعن به أمام الهيئة الإتهامية عملاً بأحكام المادة 135 أصول جزائية. كما أنه إذا كان خرق مبدأ سرية التحقيق الابتدائي من شأنه أن يؤدي الى مُساءلة من قام به جزائياً وتأديبياً ومدنياً الا أن ذلك لا يشكل سبباً لبطلان التحقيق...

فقرة رابعة: مبدأ كتابية التحقيق الابتدائي:

يجب أن يكون التحقيق الابتدائي مكتوباً برمته إبتداءً من افادات الشهود وإنتهاءً باستجواب المدعى عليه، وهذا ما هو ثابت في الفقه الجزائي منذ القديم بحيث نلاحظ أنه يلزم قاضي التحقيق بالتوثيق كتابياً كل عمل من أعمال التحقيق سواء قام به شخصياً أو إنتداب غيره للقيام به، وذلك باعتماد محضر تأسيسي يدوِّن فيه كل عمل من أعمال التحقيق الذي يكون قد قام به ويكون مؤرخاً وموقعاً منه.

1- + د. علي القهوجي: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – جزء 2 – ص 205

+ يوسف مكي: "مبدأ سرية التحقيق" – النشرة القضائية 1976 – ص 479.

+ د. حاتم ماضي: "أصول محاكمات جزائية" – مرجع سابق 164 وما يليها.

2- + الياس نمور وفادي نمور: "الحريات الشخصية وحقوق الانسان في مواجهة علم الاجرام" – مرجع سابق – ص 949.

+ المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثالث – مرجع سابق – ص 35.

3- Cass. Crim. 6 Octobre 1999. Bull Crim 1999. N= 210.

Cass. Crim 8 Mars 1989. Bull. Crim 1989. N:115.

وبهذا الاتجاه نقرأ للعلامة Garraud (1):

‘’Depuis le réquisitoire à fin d’informations, jusqu’à l’ordonnance de règlement, tous les actes de l’instruction préalable sont écrits’’.

كما نقرأ للعلامة Chambon (2):

‘’Tout ce qui n’a pas été noté par écrit est perdu pour le suite du procès’’.

كما يتوجب على قاضي التحقيق أن يوثق الافادات التي يدلي بها الشهود والمدعى عليهم، والمقابلات التي يجريها بموجب محاضر إستجواب موقعة منه ومن كاتبه ومن صاحب العلاقة (3). وبالنظر للقوة الثبوتية التي تتّسم بها محاضر التحقيق مهما كان نوعها، فقد منع القانون أن يحصل فيها حك أو أن يتخلل سطورها أية تحشية أو إضافة. وإذا إقتضى الأمر شطب كلمة أو زيادتها وجب على قاضي التحقيق والكاتب وصاحب العلاقة أن يصادقوا ويوقعوا على الشطب أو التحشية أو الاضافة على هامش المحضر تحت طائلة إعتبار ما حصل لاغياً. ويحق للمتضرر من هذه المخالفة وحده أن يطلب إبطال المحضر الذي وقعت فيه هذه المخالفة (4).

فقرة خامسة: سرعة التحقيق الإبتدائي وخلوة من المرافعات:

يجب أن تتّسم إجراءات التحقيق الابتدائي بالسرعة حتى ينال المتهم عقابه الرادع في حال ثبتت إدانته، وحتى لا تقيّد حريته لفترة طويلة في حال ثبتت براءته، إضافة الى الحفاظ على أدلة الجريمة قبل أن تشوّه بعامل الوقت. وتظهر أوجه السرعة في التحقيق الابتدائي في مجال إستجواب قاضي التحقيق للمدعى عليه المطلوب بورقة دعوى في الحال، أما المدعى عليه الذي يحضر بمذكرة إحضار فيستجوبه خلال 24 ساعة من وقت تنفيذ مذكرة الإحضار في حقه، وإذا أوقف المدعى عليه بموجب مذكرة إحضار وظلّ في النظارة أكثر من 24 ساعة، دون أن يستجوب، أو دون أن يتم إحضاره الى النائب العام يعتبر توقيفه عملاً تعسّفياً ويلاحق الموظف المسؤول بجريمة حجز الحرية الشخصية سنداً للمادة 368 عقوبات...كما أنه من سمات التحقيق الابتدائي خلوّه من المرافعات أي ما يعرف باللغة الفرنسية

Le caractère non contradictoire de l’instruction préparatoire.

وهذا يعني أن المدعى عليه أو وكيله لا يُعطى كما في المحكمة الكلمة الأخيرة لأن الأمر يقتصر على إسناد التهمة اليه وسماع جوابه عنها من خلال الأسئلة والأجوبة. أما المحامي فلا يستطيع أن يطرح من الأسئلة الا تلك التي يسمح له قاضي التحقيق بها. ولكن ليس ما يمنع الفرقاء من تقديم المذكرات واللوائح ولا يستطيع قاضي التحقيق أن يتجاهلها إذا وجدها مبنية على أسباب معقولة. لكن هذه المذكرات أو اللوائح، في حال قبولها، لا تخضع للتبادل باستثناء مذكرة الدفوع الشكلية(5).

1- René Garraud: ‘’traité d’instruction criminelle et de procédure pénale’’ – op.cit – tome III – n: 769.

2- Pierre Chambon: ‘’le juge d’instruction’’ – Dallos, 3ème éditions – 1985. P 48.

3- Merle et Vitu: ‘’traité de droit criminel – Procédure Pénale’’ – Cujas - 4ème éditions – 1989. P385.

4- راجع المادتان 87 و 90 أصول محاكمات جزائية.

5- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 165.

يبقى أن نشير الى أن دور قاضي التحقيق يرمي الى جمع الأدلة والتثبت منها وهذا يستلزم سماع الشهود والاستعانة بالخبراء وإجراء المعاينة وإستجواب المدعى عليه، كما يتميز دوره في إمكانية إتخاذ القرارات في المطالب والدفوع المقدمة اليه، وفي إيقاف التعقبات أو منع المحاكمة لعدم كفاية الأدلة، أو الاحالة على المحكمة إذا إرتأى أن الفعل يؤلف جرماً أو قام دليل كاف على إتهام المدعى عليه بالجريمة (1). بعد الإنتهاء من دراسة المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التحقيق الابتدائي في الفصل الأول من هذا القسم ننتقل الى دراسة كيفية وضع يد قاضي التحقيق على الدعوى العامة في الفصل الثاني.

الفصل الثاني: كيف يضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة؟

المبدأ أن قاضي التحقيق هو صاحب الاختصاص الأصيل بإجراء التحقيق الابتدائي، وأن الهيئة الإتهامية لا تتولى التحقيق الإبتدائي إلاّ بوصفها مرجعاً رئيسياً للفصل في مسألة الاتهام بالقضايا الجنائية ومرجعاً إستئنافياً ضدّ قرارات قاضي التحقيق. كما أن مبدأ الفصل بين سلطة الملاحقة وسلطة التحقيق، يمنع على قاضي التحقيق أن يضع يده على الدعوى العامة من تلقاء نفسه ومباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي بشأنها (2) ما خلا حالة الجريمة المشهودة، أو ما هو في حكمها. والحكمة من ذلك تكمن في أنه، إذا مارس قاضي التحقيق الاجراءات التحقيقية الابتدائية من تلقاء نفسه، يكون حرّك دعوى الحق العام وإغتصب هذه السلطة التي منحها القانون للنائب العام حصراً (3). كما أن المادة 59 من قانون أصول المحاكمات الجزائية حددت الوسائل التي يضع من خلالها قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة، عندما نصّت على أنه: "لا يحق لقاضي التحقيق أن يباشر التحقيق، خارج حالة الجريمة المشهودة، الاّ إذا وضع يده على الدعوى العامة بناءً على إدّعاء النيابة العامة أو على شكوى مباشرة يتخذ فيها المدعي المتضرر صفة الادعاء الشخصي، أو على قرار تعيين المرجع، أو قرار نقل الدعوى". بناءً على ما تقدم يمكن القول أن قاضي التحقيق يضع يده على الدعوى العامة في خمس حالات:

- في الجريمة المشهودة (فقرة أولى).

- عند إدّعاء النيابة العامة (فقرة ثانية).

- في حالة الادعاء الشخصي (فقرة ثالثة).

- إحالة القضية بطريق تعيين مرجع (فقرة رابعة).

- إحالة القضية بطريق نقل الدعوى (فقرة خامسة).

فقرة أولى: في الجريمة المشهودة: Infraction flagrante

لم تنص المادة 59 أصول جزائية على هذه الحالة بصورة مباشرة، إنما ذكرتها بصورة غير مباشرة، على أساس أن المادة 55 أصول جزائية قد عالجت وظائف قاضي التحقيق في الجريمة المشهودة عندما نصّت على أنه: "إذا وقعت جناية مشهودة فعلى قاضي التحقيق أن ينتقل الى محل وقوعها وأن يباشر التحقيق فيها دون أن ينتظر النائب العام. إذا حضر النائب العام فلا يحق له أن يشترك معه في التحقيق أو أن يجري تحقيقاً موازياً في القضية نفسها. إنما يحق له أن يقدم ما يراه من طلبات.

1- د. علي جعفر: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 362.

2- Le juge d’instruction ne peut se saisir lui – même; Cass.Crim. 4 décembre 1952. J.C.P 1953 – II – 7625.

3- Pierre Bouzat: ‘’Procédure Pénale’’ – édition Dallos 1970 – page 1193 et suivant.

إذا كان قد سبقه الى مكان الجريمة وباشر التحقيق فعليه أن يتوقف عن متابعته ويتقيّد بأحكام المادة 36 من هذا القانون...".

وأضافت المادة 57 أصول جزائية أنه: "بعد الانتهاء من الاجراءات التي إقتضاها التحقيق في الجناية المشهودة يودع قاضي التحقيق الأوراق النائب العام الذي يدعي بحق المشتبه فيه ويبدي طلباته. بعد إدّعاء النيابة العامة يمارس قاضي التحقيق مهامه وفقاً للأصول العادية... أما إذا كانت الجريمة من نوع الجنحة المشهودة المعاقب عليها بعقوبة الحبس سنة على الأقل، فإن قاضي التحقيق يستطيع الانتقال الى مكان وقوعها لمباشرة التحقيق فيها وذلك بناءً على طلب النائب العام، وعليه أن يطبق ذات الاجراءات المتبعة في حالة الجناية المشهودة (المادة 58 أصول جزائية).

بناءً على ما تقدم نستطيع القول أن قاضي التحقيق لا يمكنه أن يضع يده على الدعوى العامة بنفسه الاّ في حالة الجريمة المشهودة (من نوع الجناية) بحيث تشكل هذه الحالة إستثناءً على القواعد العامة ولأنها كذلك يقتضي تفسيرها تفسيراً ضيّقاً خصوصاً وأن قانون الأصول الجزائية الجديد لم يعد يعتبر قاضي التحقيق من عداد الضابطة العدلية كما رأينا سابقاً. كما نستطيع أن نجزم أن قاضي التحقيق لا يستطيع أن يضع يده على الدعوى العامة في حالة الجنحة المشهودة المعاقب عليها سنة حبس على الأقل، الاّ بناءً على طلب النائب العام بعكس حالة الجناية المشهودة.

فقرة ثانية: عند إدّعاء النيابة العامة: Réquisitoire introductif

ينهض لنا جلياً من أحكام المادتين 5 و6 أصول جزائية جديد أن دعوى الحق العام منوطة بقضاة النيابة العامة وأن المشرّع اللبناني إعتمد مبدأ الفصل بين سلطتي الادعاء والتحقيق، وبالتالي يحظّر على قاضي التحقيق أن يضع يده على الدعوى العامة من تلقاء نفسه عملاً بالقاعدة الاجتهادية التالية: "Le juge d’instruction ne peut se saisir lui – même" (1) بمعنى آخر لا يمكن قاضي التحقيق أن يباشر إجراءات التحقيق الابتدائي الاّ إنطلاقاً من إدّعاء النيابة العامة أو أحد معاونيها من المحامين العامين.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: هل هناك من شكل معيّن لإدّعاء النيابة العامة أمام قاضي التحقيق؟

لم يحدد قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد شكلاً خاصاً لإدعاء النيابة العامة أمام قاضي التحقيق، إنما جرى التعامل من الناحية العملية على الإعتماد على طريقة الادعاء بموجب "ورقة طلب" "Réquisitoire" يوقعها ويؤرّخها النائب العام أو أحد معاونيه. والادعاء قانوناً هو الاجراء الخطي الذي تطلب فيه النيابة العامة من قاضي التحقيق الأول إجراء تحقيق بجريمة إدّعت بها وفقاً للأصول المحددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديدة فالمادة 62 أصول جزائية تنص على أنه: "على النائب العام أن يبيّن في إدّعائه أمام قاضي التحقيق الأول وصف الجريمة وهوية كل من المسهمين في إرتكابها وأن يعين مكان وقوع الفعل الجرمي وزمانه وأن يحدد طلباته. إذا لم يتوصل الى معرفة جميع المسهمين في الجريمة فيدعي بحق من عرف منهم والاّ يدّعي بحق مجهول. تتحرّك بإدعائه دعوى الحق العام سواء تولى ذلك بنفسه أم قام به أحد المحامين العامين. على النائب العام أن يشفع إدعاءه بالأوراق والمحاضر والمستندات التي تؤيده".

إن قراءة هذه المادة السالفة الذكر تطرح التساؤل التالي: هل لقاضي التحقيق الحرية المطلقة في الامتناع عن السير بالدعوى العامة رغم إدعاء النيابة العامة وفقاً للأصول؟

لقد أجابت عن ذلك المادة 63 أصول جزائية جديد بنصّها: "ليس لقاضي التحقيق أن يرفض السير بالدعوى العامة التي حرّكها إدعاء النائب العام الاّ إذا ثبُت له أن الفعل المدعى به لا يشكل جرماً جزائياً أو أن الدعوى العامة فيه قد سقطت لسبب من أسباب سقوطها.

1 Cass .Crim, 4 novembre 1952 – Bull. Crim 1953 – n: 7629.

لا يتخذ قراره الاّ بعد إستطلاع رأي النائب العام. له أن يقرر التوقف عن السير بالدعوى العامة بقرار يتخذه بعد إستطلاع رأي النائب العام، إذا وجد أن قاضي تحقيق آخر سبق له أن وضع يده على التحقيق ذاته أو على تحقيق في جريمة متلازمة معه. للنائب العام أن يطلب من قاضي التحقيق رفع يده عن الدعوى إذا توافرت شروط سبق الادعاء فيها أو كان ثمة تلازم بينها وبين دعوى أخرى قيد التحقيق فتضم الى هذه الدعوى".

ويضاف الى ذلك التساؤل التالي: هل أن لقاضي التحقيق أن يبطل إدعاء النائب العام إذا شابه أي عيب؟

في الواقع وعند وصول الادعاء الى قاضي التحقيق، إمَّا أن يقبله وإما أن يعيده الى النائب العام، دون أن يحق له إبطاله. ويبقى للنيابة العامة إما أن تستأنف قرار الامتناع عن التحقيق، وإما أن تدعي مجدّداً بالصورة الصحيحة أي أن تصحح العيب، وهذا ما يستفاد من نص المادة 64 أصول جزائية جديد بقولها: "ليس لقاضي التحقيق أن يقرر إبطال إدعاء النيابة العامة الاستئنافية إذا وجد فيه عيباً من شأنه أن يجعل وضع يده على الدعوى غير صحيح. غير أن له أن يقرر الامتناع عن التحقيق لعلة هذا العيب. على النائب العام، إذا لم يصحح العيب، أن يستأنف قرار قاضي التحقيق أمام الهيئة الاتهامية".

تجدر الاشارة الى أنه لا يحق لقاضي التحقيق إحالة القضية الى قاضٍ آخر بنفسه، بل له فقط حق إعلان عدم إختصاصه المكاني أو النوعي بعد إستطلاع رأي النيابة العامة، ويكون قراره هذا قابلاً للإستئناف أمام الهيئة الاتهامية (المادة 65 أصول جزائية جديد). ومن المفيد التذكير بأن 66 أصول جزائية جديد أجازت للنائب العام الإدعاء لاحقاً بالأفعال التي أغفل الادعاء بها في إدعائه الأصلي وفي حق من أغفله في هذا الإدعاء أو في الادعاء اللاحق. وبالتالي إذا كانت هذه الأفعال جديدة كلياً أي غير متلازمة مع الفعل الأساسي المدعى به أصلاً، فلا يمكن الادعاء بها أمام قاضي التحقيق نفسه، إنما يجب تقديم الادعاء الى قاضي التحقيق الأول الذي يحيل الملف الى من يريده من مساعديه. أما إذا كانت الأفعال الجديدة متلازمة مع الفعل الأساسي المدعى به، فلا حاجة للإدعاء بها من قبل النيابة العامة، إذ يحق لقاضي التحقيق سنداً لأحكام المادة 60 أصول جزائية ضمّها الى الملف الأساسي والتحقيق فيها دون إدعاء مسبق أو لاحق. وفي هذا الاطار نقرأ ما ورد في نص المادة 60 السالفة الذكر أنه: "يضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة بصورة موضوعية، له أن يستجوب بصفة مدعى عليه كل مشتبه في إرتكابه الجريمة فاعلاً كان أم شريكاً أم متدخلاً أم محرِّضاً دون أن يتوقف في ذلك على إدعاء النيابة العامة. إذا اكتشف أثناء التحقيق أفعالاً جرمية غير متلازمة مع الفعل المدعى به فيحيل الملف الى النائب العام ليدعي بهذه الأفعال. أما إذا كانت الأفعال المكتشفة متلازمة مع الفعل المدعى به فلا يلزمه للتحقيق فيها إدعاء مسبق". يبقى أن نشير الى أنه يعود للنائب العام أن يدعي لاحقاً بالأفعال التي أغفل الادعاء بها في إدعائه الأصلي وفي حق من أغفله في هذا الادعاء أو في إدعائه اللاحق. وعلى قاضي التحقيق أن يستجوب هؤلاء بصفة مدعى عليهم وأن يعتد بهذه الصفة في إجراءات التحقيق كافة. (المادة 66 أصول جزائية).

فقر ثالثة: في حالة الادعاء الشخصي: Plainte avec constitution de partie civile

لقد منح المشرع اللبناني في قانون أصول المحاكمات الجزائية للمتضرر من جريمة جزائية حق إقامة دعوى مباشرة وذلك حماية لحقوقه. وهذه الدعوى تقدّم أمام قاضي التحقيق الأول أو القاضي المنفرد الجزائي في كل مرة تقع فيها جريمة ولا تعلم بها النيابة العامة، أو تعلم بها هذه الأخيرة ولكن لسببٍ ما ترى عدم تحريك الدعوى العامة بشأنها. بمعنى آخر عندما تقع جريمة ما ولا تعلم بها النيابة العامة أو تعلم بها ولا تحرك بشأنها دعوى الحق العام، أعطي المتضرر حق تحريك الدعوى العامة عن طريق الدعوى المباشرة (1)، وهذا ما كرسته المادة 7 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد بنصِّها: "للمتضرر من الجريمة أن يتخذ صفة الادعاء الشخصي أمام قاضي التحقيق الأول في الجناية والجنحة أو أمام القاضي المنفرد في الجنحة والمخالفة".

1- لمزيد من التفصيل لطفاً مراجعة مقالة باللغة الفرنسية للمؤلف منشورة في مجلة العدل – العدد 4 – عام 2010- ص 1520 تحت عنوان: ‘’La Consignation préalable imposée à la partie civile en droit Libanais’’

وله أن ينضم الى الدعوى العامة أمام محكمة الجنايات. يحرك المتضرر بإدعائه دعوى الحق العام إذا لم تحركها النيابة العامة. وله أن يرجع عن إدعائه الشخصي أو أن يصالح عليه دون أن يؤثر ذلك على الدعوى العامة الاّ في الأحوال التي تسقط فيها الدعوى العامة تبعاً لسقوط دعوى الحق الشخصي". وهذا الحق الممنوح للمتضرر من جريمة، كرّسته أيضاً المادة 68 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، بقولها: "لكل متضرر من جناية أو جنحة أن يتقدم بشكوى مباشرة الى قاضي التحقيق الأول التابع له محل وقوع الجريمة أو مقام المدعى عليه أو مكان إلقاء القبض عليه وأن يتخذ فيها صفة الادعاء الشخصي. تسجّل الشكوى في قلم قاضي التحقيق الأول الذي يقرر تكليف مقدمها بدفع سلفة معجّلة تتضمن الرسوم والنفقات القضائية على أن لا تزيد عن واحد بالمئة من قيمة الدعوى. وعلاوة على ذلك يكلف الشاكي، إذا كان أجنبياً، بأن يقدم كفالة نقدية أو عقارية يعين في قراره مقدارها. يعفى الشاكي من دفع السلفة إذا كان الفعل المدعى به من نوع الجناية. إذا كان الفعل من نوع الجنحة يمكن لقاضي التحقيق أن يعفي الشاكي من دفع السلفة إذا كان وضعه المالي لا يمكنه من ذلك. له أيضاً أن يعفى الشاكي الأجنبي من دفع الكفالة للسبب نفسه بقرار معلل. إن الشكوى التي يتخذ فيها الشاكي صفة الادعاء الشخصي ويدفع ما يكلّف به، ما لم يُعْفَ منه، تحرك دعوى الحق العام تلقائياً. إذا لم يتوافر فيها أحد هذين الشرطين فتُعد بمثابة إخبار وتحال الى النائب العام ليتخذ موقفاً من تحريك الدعوى العامة.

للشاكي أن يرجع عن دعواه. إن فعل ذلك، في خلال يومي عمل من تاريخ شكواه، فلا يلزم بالنفقات اللاحقة لرجوعه. لا يؤثر رجوعه على سير الدعوى العامة الاّ في الدعاوى التي يؤدي فيها إسقاط دعوى الحق الشخصي الى إسقاط دعوى الحق العام". وحق التنازل والرجوع عن الشكوى ممنوح للمدعي الشخصي، أو الشاكي، بخلاف ما هو متعارف عليه بالنسبة للنيابة العامة، التي لا يجوز لها أن تتنازل عن الدعوى العامة أو تصالح عليها، وذلك على اعتبار أن حق المجتمع لا يمكن المصالحة عليه (1). وهذا ما نصّت عليه المادة 6 من الأصول الجزائية الجديدة بقولها: تتولى النيابة العامة مهام ممارسة دعوى الحق العام، ولا يجوز لها أن تتنازل عنها أو تصالح عليها...".نستنتج مما تقدم أن قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد الجزائي ليس مقيّداً برأي النيابة العامة إذا ما رفضت السير بالدعوى العامة التي سبق تحريكها بالادعاء الشخصي:’’L’exercice de l’action civile déclenche automatiquement, et même contre le gré du (2) ministère public, l’action publique’’.

كما يشكل ذلك حماية مصلحة المدعي الشخصي في الاستفادة من الإجراءات الخاصة بدعوى الحق العام، للحصول على حقه في التعويض عن الضرر الذي أصابه من الجرم الجزائي (3).

وفي هذا الاطار نقرأ ما ورد في المادة 69 أصول جزائية جديد التي نصت على أن: "يضطلع قاضي التحقيق الأول شخصياً بالتحقيق في الشكوى المباشرة وله أن يحيلها الى أحد قضاة التحقيق في دائرته. يباشر القاضي الواضع يده على الشكوى المباشرة التحقيق فيها بعد أن يستطلع رأي النيابة العامة الاستئنافية. غير أنه لا يتقيد برأيها إذا تضمن رفض السير بالدعوى العامة السابق تحريكها بالادعاء الشخصي وفقاً لأحكام الفقرة الرابعة من المادة 68 من هذا القانون. عليه أن يبلغ نسخة عن الشكوى ومربوطاتها الى المدعى عليه قبل أربع وعشرين ساعة على الأقل من إستجوابه". ولكن إن ما يستدعي الانتباه في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد هو نص المادة 70 منه التي نصَّت على أن: "للنائب العام أن ينازع في صفة المدعي الشخصي للإدعاء قبل السير بالتحقيق، للمدعى عليه أو لوكيله أن يدلي بهذا الدفع قبل الإستجواب.

1- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء 3 – مرجع سابق – ص 120 وما يليها.

2- Pierre Bouzat: ‘’Procédure Pénale’’ Op.Cit. p 925, n: 983.

3- د. علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الأول – مرجع سابق – ص 171 و 172.

على قاضي التحقيق، بعد أن يبلّغ المدعي الشخصي هذا الدفع ويمهله 24 ساعة للجواب، أن يبت فيه بعد إستطلاع رأي النيابة العامة الاستئنافية". وهذا يعني أن المشرع أعطى النائب العام والمدعى عليه حق المنازعة في صفة المدعي الشخصي علماً أن هذه الصفة لا تعتبر شرطاً لتحريك الدعوى العامة أمام قاضي التحقيق وفقاً للمادة 68 أصول جزائية جديد وبالتالي إذا ما توافرت شروط الشكوى المباشرة أي اتخاذ صفة الادعاء الشخصي ودفع السلفة وتبين فيما بعد أن المدعي لا صفة له للإدعاء فما هو مصير الدعوى العامة في هذه الحالة؟ فهل تبقى الدعوى العامة متحركة أمام قاضي التحقيق وتكون الشكوى مجرّد إخبار علماً أن قاضي التحقيق ليس ضابطاً عدلياً في القانون الجديد؟ بناءً عليه نلاحظ التناقض بين المادتين 68 و 70 أصول جزائية مما يتطلب تدخّلاً تشريعياً لحل هذه المعضلة أو الثغرة (1).

ولا بُدّ من التذكير هنا أنه إذا كانت النيابة العامة هي التي حركت الدعوى العامة من خلال ورقة الطلب كما رأينا، فإن قانون أصول المحاكمات الجزائية أجاز للمتضرر من الجريمة أن ينضم الى هذه الدعوى من خلال تقديم إدعاء شخص تابع وهذا ما كرّسته المادة 67 أصول جزائية جديد. من ناحية أخرى للمدعى عليه الذي برئ أ ن يقيم دعوى تعويض ضدّ المدعي فيما لو حُرِّكت الدعوى العامة بالإدعاء الشخصي، وذلك بمهلة ثلاثة أشهر من إبلاغه قرار منع المحاكمة، وذلك أمام المرجع الجزائي وهي المحكمة البدائية أي القاضي المنفرد الجزائي التابع لها قاضي التحقيق، ويقبل حكمها طرف المراجعة العادية. كما أن له أن يختار المرجع المدني، بالإضافة الى امكانية إقامة دعوى الإفتراء المنصوص عليها في المواد 402 و 403 و 404 من قانون العقوبات (2).

فقرة رابعة: إحالة القضية بطريق تعيين المرجع: Arrêté de conflit

من بين الحالات التي تؤدي الى وضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة، قرار تعيين المرجع الذي يصدر عن الغرفة الجزائية لمحكمة التمييز سنداً لأحكام المادة 335 أصول جزائية جديد وما يليها. فالمادة 335 أصول جزائية تنص على أنه: "تتولى الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز مهمة تعيين المرجع المختص عند الاختلاف على الاختصاص بين المراجع القضائية. إذا وقعت جريمة وباشر التحقيق فيها محققان أو شرع في رؤيتها محكمتان بعدما اعتبر كل مرجع منهما نفسه مختصاً للنظر فيها أو قرر كل من المحققين أو المحكمتين عدم إختصاصه للنظر فيها أو إذا قررت محكمة عدم إختصاصها للنظر في دعوى أحيلت اليها بموجب قرار صادر عن قاضي التحقيق أو الهيئة الاتهامية، ونجم عن الخلاف حول الاختصاص وقف لسير العدالة من جراء إنبرام القرارين المتناقضين في القضية عينها، فيصار الى حلّ هذا الخلاف عن طريق تعيين المرجع المختص. يجري حكم هذه المادة إذا وقع خلاف بين محكمة عادية ومحكمة إستثنائية". يُفهم من ذلك أنه كلما وُجد تنازع في الاختصاص أو عدم الاختصاص بين قاضيَيْ تحقيق تابعين لمحكمتين مختلفتين أي تنازع إيجابي أو تنازع سلبي (3)، عندما تحال القضية الى الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز من أجل فصلها وتعيين المرجع الصالح. وأضافت المادة 336 على أنه: "لكل من النيابة العامة والمدعي الشخصي والمدعى عليه أن يطلب تعيين المرجع بموجب إستدعاء يقدمه الى محكمة التمييز التي تطلب من النيابة العامة إيداعها نسخاً عن الأوراق العائدة للدعوى لدى المرجعين القضائيين الواقع بينهما الخلاف. يجب تبليغ كل من الفرقاء في الدعوى نسخة عن طلب تعيين المرجع ولكل منهم أن يجيب عليه في خلال عشرة أيام من إبلاغه إياه".

1- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 186.

2- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – دراسة مقارنة وتحليل – المؤسسة الحديثة للكتاب – لبنان – الطبعة الأولى – 2013 – ص 564.

3- Pierre Bouzat : ‘’Procédure Pénale’’ – Op. Cit – page 1116 n: 1171

وهكذا نلاحظ أن طلب تعيين المرجع يحصل بموجب إستدعاء يقدَّم الى محكمة التمييز، غرفتها الجزائية، ويبلغ الى كل فرقاء الدعوى. وتابعت المادة 337 أصول جزائية أنه: "عندما يتبلغ المرجعان القضائيان الواقع بينهما الخلاف طلب تعيين المرجع يتوقفان عن إصدار قرار نهائي في الدعوى. أما التدابير المؤقتة والتحقيقات فيمكن متابعتها حتى صدور القرار القاضي بتعيين المرجع المختص".

أما المادة 338 أصول جزائية جاءت تتحدث عن المهل والطعون حيال قرار تعيين مرجع بقولها: "تنظر الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز في طلب تعيين المرجع بعد إنصرام مهلة العشرة أيام، تتخذ قراراً في غرفة المذاكرة بتعيين المرجع القضائي المختص خلال مهلة لا تتعدّى الشهر. لها أن تبطل في الوقت نفسه الاجراءات والأعمال التي قام بها المرجع القضائي الذي رفعت يده عن الدعوى. لا يقبل قرارها أي طريق من طرق المراجعة، يلزم المرجعان القضائيان الواقع بينهما الخلاف التقيّد بالقرار.

بناءً على ما ذكر أعلاه، نستنتج أنه يكون من حق قاضي التحقيق أن يضع يده على الدعوى العامة ومباشرة إجراءات التحقيق الابتدائي فيها، إنطلاقاً من قرار تعيين المرجع وهذا ما نصت عليه المادة 59 أصول جزائية جديد وبالتالي إن أهم أثر لقرار تعيين المرجع هو في وضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة. تجدر الاشارة هنا الى أنه يوجد حالة خاصة أخرى تستطيع فيها محكمة التمييز أن تحيل دعوى أي تعيّن مرجع وهي حالة المادة 160 أصول جزائية جديد، إذ تستطيع محكمة التمييز بموجب هذا النص أن تبطل قرار القاضي المنفرد الجزائي الذي يعلن عدم إختصاصه وتلزمه بالدعوى أو تكلف قاضي منفرد آخر ضمن الدائرة القضائية نفسها للنظر فيها.

فقرة خامسة: إحالة القضية بطريق نقل الدعوى: Transfert du dossier

ثمة حالة أخيرة يضع بموجبها قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة وهي حالة نقل الدعوى التي نصّت عليها الفقرة الأخيرة من المادة 59 أصول جزائية جديد، ويقصد بذلك أن يصدر قرار عن إحدى غرف محكمة التمييز الجزائية يضع بموجبه قاضي التحقيق أو أي مرجع قضائي آخر يده على دعوى ليست من صلاحيته في الأحوال العادية. ويعتبر قرار نقل الدعوى إستثناءً على القواعد العامة في موضوع الصلاحية، لذلك حدّد قانون أصول المحاكمات الجزائية الأصول والأسباب التي تبرر النقل أي نقل الدعوى وذلك في المادة 340 وما يليها منه. فالمادة 340 أصول جزائية نصت على أنه: "تتولى إحدى الغرف الجزائية لدى محكمة التمييز مهمة الفصل في طلب نقل الدعوى من مرجع قضائي الى مرجع قضائي آخر تقرر رفع يد مرجع قضائي، في التحقيق أو الحكم، عن الدعوى وتحيلها الى مرجع آخر من الدرجة نفسها لمتابعة النظر فيها إما لتعذر تشكيل المرجع المختص أصلاً أو لوقف سير التحقيق أو المحاكمة أو للمحافظة على السلامة العامة أو لداعي الحرص على حسن سير العدالة أو لسبب الإرتياب المشروع.

للنائب العام التمييزي وحده أن يطلب نقل الدعوى لسبب المحافظة على السلامة العامة. إ ذا كان المرجع القضائي المطلوب رفع يده عن الدعوى هو إحدى غرف التمييز الجزائية فتبُت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في الطلب. للنائب العام التمييزي أن يستدعي نقل الدعوى عفواً أو بناءً على طلب النائب العام الإستئنافي أو النائب العام المالي أو المدعي الشخصي أو المدعى عليه أو وزير العدل للأسباب الواردة في الفقرة الأولى.

يجب أن يبلّغ طلب النقل الى جميع فرقاء الدعوى، لكل منهم أن يجيب عليه خلال عشرة أيام من إبلاغه إياه. لا يوقف تقديم الإستدعاء السير في الدعوى الا إذا قررت محكمة التمييز خلاف ذلك"... ولكن لم يعط قانون أصول المحاكمات الجزائية صلاحية البت بنقل الدعوى الى محكمة التمييز فقط، فالمادة 341 أصول جزائية أعطت قاضي التحقيق الأول هذه الصلاحية عندما نصّت على أنه: "إذا وضع قاضيا تحقيق في دائرة واحدة يديهما على جرائم متلازمة فلقاضي التحقيق الأول أن يسمي أحدهما لمتابعة السير بالتحقيق. إذا كان قاضيا التحقيق تابعين لدائرتين مختلفتين فتعين الغرفة الجزائية المختصة لدى محكمة التمييز، بناءً على طلب النائب العام التمييزي، قاضي التحقيق الذي سيتابع النظر في الدعوى"...

نشير الى أن كل قرار تصدره محكمة التمييز بنقل الدعوى يبلَّغ بواسطة النيابة العامة التمييزية الى فرقاء الدعوى. إن قرارها لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة. وكذلك إذا قضت محكمة التمييز بردّ الطلب فلا يحول قرارها دون تقديم طلب آخر لسبب يتعلّق بوقائع ظهرت بتاريخ لاحق للطلب الأول. (المادة 342 أصول جزائية). وهكذا نلاحظ أن قاضي التحقيق يضع يده على الدعوى العامة عندما تقرر محكمة التمييز الجزائية نقل الدعوى اليه لمتابعتها وذلك وفقاً لمنطوق المادة 59 أصول جزائية السالفة الذكر.

تجدر الاشارة هنا الى أنه يوجد حالات يضع فيها قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة ولكن لم تذكر ضمن المادة 59 أصول جزائية جديد. فالمادة 347 أصول جزائية جديد نصّت على أنه: "إذا كان الفعل المسند الى القاضي، أيّاً كانت درجته، من نوع الجناية فيعين الرئيس الأول لمحكمة التمييز قاضياً من درجة المدعى عليه على الأقل ليقدم بالتحقيق معه..." فهذه الحالة أوجدتها وللمرّة الأولى نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد تحت عنوان "جرائم القضاة"، وبالتالي إن القاضي الذي يرتكب جرماً من نوع الجناية، يعيّن له الرئيس الأول لمحكمة التمييز قاضي تحقيق وفق شروط معينة بحيث أنه يطبق قاضي التحقيق الاجراءات نفسها التي يطبقها قاضي التحقيق في القضايا الجنائية. وهكذا يكون قرار الرئيس الأول لمحكمة التمييز هو السند القانوني الذي بموجبه يضع القاضي المكلّف يده على الدعوى العامة.

والمادة 360 أصول جزائية جديد أناطت التحقيق في الجرائم التي تحال الى المجلس العدلي بمحقق عدلي يعيّنه وزير العدل بناءً على موافقة مجلس القضاء الأعلى. والمحقق العدلي هنا يتمتع بجميع صلاحيات قاضي التحقيق. وهكذا نكون أمام حالة ثانية يضع فيها قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة خارج إطار المادة 59 أصول جزائية جديد.

الفصل الثالث: الاجراءات المتبعة لدى قاضي التحقيق:

عالج المشرع اللبناني الاجراءات المتبعة لدى قاضي التحقيق في الباب الرابع من القسم الثالث في قانون أصول المحاكمات الجزائية تحت عنوان: "إجراءات التحقيق" وذلك في المادة 73 حتى المادة 105 منه.

وبالتالي بعد أن يضع قاضي التحقيق يده على الدعوى العامة وفقاً للأصول المنصوص عليها في المادة 59 أصول جزائية أو غيرها يبدأ بإجراءات معيّنة تبدأ بالدفوع الشكلية (فقرة أولى) ثم إستجواب الأشخاص المعنيين بالتحقيق (فقرة ثانية) مروراً بسماع الشهود (فقرة ثالثة) وتنتهي مبدئياً بالانتقال الى مسرح الجريمة والتفتيش وضبط الأدلّة تعيين الخبراء (فقرة رابعة).

فقرة أولى: البت بالدفوع الشكلية:

صحيح أنَّ الدفوع الشكلية قد ذُكِرَت في المادة 73 أصول جزائية الاَّ أن المشرع لم يُعطِ تعريفاً لها، وبالتالي يمكن الرجوع الى قانون أصول المحاكمات المدنية لتعريف الدفع الشكلي إذ أن المادة 6 أصول مدنية نصّت على أنه: "تتبع القواعد العامة في قانون أصول المحاكمات المدنية إذا وُجِد نقصٌ في القوانين والقواعد الاجرائية الأخرى. وبالعودة الى أحكام المادة 52 أصول مدنية نلاحظ أن "الدفع الاجرائي هو كل سبب يرمي به الخصم الى إعلان عدم قانونية المحاكمة أو سقوطها أو وقف سيرها".

وقد قُضِيَ بأن الدفوع المنصوص عليها في المادة 74 أصول جزائية قديم المقابلة للمادة 73 أصول جزائية جديد هي تلك التي تدخل ضمن مفهوم الدفوع الاجرائية أو الدفوع بعدم القبول وفقاً للمادتين 52 و62 أصول مدنية، بمعنى أنها دفوع تمنع من تحريك الدعوى العامة بالرغم من أن الجرم موضوع الدعوى تتوفر فيه جميع العناصر المقررة قانوناً (1).

1- الهيئة الاتهامية في بيروت – قرار بتاريخ 29/07/1993 – مجلة العدل لعام 1993 ص 564.

بناءً عليه يمكن القول أن الدفع الشكلي يتناول المنازعة في قانونية الملاحقة الجزائية دون التعرض الى أساس الحق، الذي يبقى محفوظاً، وذلك على اعتبار أن المدعى عليه يقصِّر مناقشته على أمور شكلية، تتعلق بالملاحقة أو بسير القضية أو بالإختصاص، مُرجِئاً التصدّي للموضوع الى ما بعد فصل هذه الأمور الشكلية الاجرائية (1).

والجدير ذكره أن الفقه الفرنسي يسمي هذه الدفوع الشكلية بالعقبة المؤقتة" لإقامة الدعوى العامة أو مباشرتها، إذ نقرأ أنه:

‘’On doit dénomer exception tout obstacle temporaire à l’action dirigé contre la procédure, contre sa régularité, sans engager un débat sur le fond’’ (2).

ومن أهم خصائص الدفوع الشكلية أنها وسيلة يتم التمسك والإدلاء بها في بدء الملاحقة وقبل المناقشة في الأساس وهذا هو المبدأ ولكن ثمّة حالات تكون فيها بعض الدفوع الشكلية متعلّقة بالنظام العام وعندها يمكن الادلاء به في أي مرحلة من مراحل الملاحقة، كأن يظهر مثلاً عدم إختصاص قاضي التحقيق من الناحية الوظيفية أو النوعية أو المكانية الالزامية... وفي الواقع إن الدفوع الشكلية الواردة في المادة 73 أثارت الكثير من الجدل الفقهي حولها إذ تضمّنت دفوعاً تتعلّق بالنظام العام وحصرت الإدلاء بها قبل المناقشة في الأساس وهذا ما يستدعي التوقف عند هذا التناقض الذي ظهر جليّاً من الناحية العملية (3) أو على الأقل تدخل ضروري من قبل المشرع لمعالجة هذه المسألة ورفع التناقض إنْ وُجِدْ. ولا بُدّ من التذكير أن الدفوع الشكلية Exceptions les تتميّز عن أسباب الدفاع les raisons de défense، فالأولى هي عبارة عن عقبة إجرائية شكلية مؤقتة أمام سير الدعوى العامة، أما الثانية فهي من وسائل الدفاع الموضوعية (4).

ولقد كرّس المشرع اللبناني المادة 73 أصول جزائية للحديث عن الدفوع الشكلية بقوله: "يحق لكل من المدعى عليه أو لوكيله دون حضور موكّله، ومن النيابة العامة أن يدلي مرّة واحدة قبل استجواب المدعى عليه بدفع أو أكثر من الدفوع الآتية:

1- الدفع بإنتفاء الصلاحية.

2- الدفع بسقوط الدعوى العامة بأحد أسباب السقوط المحددة قانوناً.

3- الدفع بعدم قبول الدعوى لسبب يحول دون سماعها أو السير بها قبل البحث في موضوعها.

4- الدفع بكون الفعل المدعى به لا يشكل جرماً معاقباً عليه في القانون.

5- الدفع بسبق الإدعاء أو بالتلازم.

6- الدفع بقوة القضية المحكوم بها.

7- الدفع ببطلان إجراء أو أكثر من إجراءات التحقيق.

1- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثالث – مرجع سابق – ص 308.

2- Cuche et Vincent: ‘’Précis de procédure civile et commerciale’’ – édition 1960 N: 27.

3- لمزيد من التفصيل لطفاً تراجع دراسة للمؤلف تحت عنوان: "الاشكاليات التي يُثيرها تطبيق المادة 73 أصول محاكمات جزائية" – مجلة الحياة النيابية – العدد 54 عام 2005 – ص 20 وما يليها...

4- محكمة التمييز الجزائية – الغرفة الثالثة – قرار رقم 33 تاريخ 1993 – مجلة العدل 1993 – العدد 1 – ص 309.

على قاضي التحقيق، بعد أن يستمع الى المدعي الشخصي ويستطلع رأي النيابة العامة، أن يبت في الدفع خلال أسبوع من تاريخ تقديمه. لكل من الفرقاء في الدعوى أن يستأنف قراره".

ونظراً لأهمية هذه الدفوع وموقعها في الأصول الجزائية خصّصنا لكل دفع بندٍ مستقل كما سنرى تباعاً.

بند أول: الدفع بإنتفاء الصلاحية:

المقصود بالدفع بإنتفاء الصلاحية هو إنتفاء ولاية قاضي التحقيق وصلاحيته في نظر القضية التي دخلت في حوزته عن طريق تحريك دعوى الحق العام. ولقد إنقسم الفقه في لبنان حول المقصود بالدفع بإنتفاء الصلاحية، فبعض الفقهاء (1) يأخذ بالمفهوم الضيّق لهذا الدفع أي أن المقصود به فقط هو عدم الاختصاص الشخصي أو المكاني دون النوعي لأن هذا الأخير يدخل في نطاق عدم الاختصاص المطلق، وبالتالي إن الدفع بإنتفاء الصلاحية هو عدم الاختصاص النسبي وأن المشرع منح هذا الدفع للمدعى عليه أو وكيله دون حضوره وللنيابة العامة فقط. بينما يرى فريق آخر من الفقه (2) أن المقصود بالدفع بإنتفاء الصلاحية هو عدم الإختصاص المطلق أي الصلاحية النوعية والمكانية والشخصية، وأن هذه الصلاحيات هي من الانتظام العام بحيث يتوجب على قاضي التحقيق أن يثيرها عفواً، الاّ أن القانون أجاز للمدعى عليه أو للنائب العام أن يثير هذا الدفع قبل المباشرة بالاستجواب، فإذا كان في محله القانوني ردّت الدعوى العامة شكلاً لعدم الصلاحية وتودع الأوراق النيابة العامة لإيداعها مرجعها الصالح.

وفي الواقع أن المشرع قد منح الدفع بإنتفاء الصلاحية للمدعى عليه أو لوكيله دون حضوره وللنيابة العامة فقط، وهذا يعني أنه لا يحق للمدعي التمسك بدفع إنتفاء الصلاحية لأن هذا الدفع متعلق بمصلحة الخصوم، وخصوم الدعوى العامة هما المدعى عليه والنيابة العامة. يضاف الى ذلك أن المدعي الشخصي يعتبر بتقديمه الشكوى الجزائية المباشرة أمام قاضي التحقيق، قابلاً بإختصاصه. يبقى أن نقول أنه قد يجد قاضي التحقيق نفسه أمام قضية غير مختص مكانياً للنظر بها، ولم يُدلِ المدعى عليه بدفع عدم إختصاصه، لذلك يعود لقاضي التحقيق أن يثير هذا الدفع من تلقاء نفسه لأن هذا الدفع يتعلق بالنظام العام، والتحقق من إنعدام الصلاحية مفروض على قاضي التحقيق، وذلك على إعتبار أن الأخذ به يؤدي الى وقف السير بالدعوى العامة. وكل مخالفة لهذا الواجب تنسحب بمفاعيلها على الاجراءات التحقيقية التي يجريها قاضي التحقيق وتجعلها باطلة (3).

بند ثاني: الدفع بسقوط الدعوى العامة بأحد أسباب السقوط المحددة قانوناً:

لقد رأينا في القسم الأول من هذا الكتاب أن سقوط الدعوى العامة قد يكون في حالات وردت في قانون أصول المحاكمات الجزائية (أربع حالات) أو في حالات وردت في قوانين متفرقة (ثلاث حالات). بمعنى آخر إن حالات سقوط الدعوى العامة الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية هي: وفاة المدعى عليه، العفو العام، مرور الزمن وإسقاط المتضرر لحقوقه الشخصية. بينما حالات سقوط الدعوى العامة المحددة في قوانين متفرقة هي: الحكم المبرم – المصالحة وإلغاء النص القانوني (4).

1- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثالث – المرجع السابق – ص 230

2- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 191.

3- Pierre Chambon: ‘’le juge d’instruction’’ – Manuel Dalloz de droit usuel – 1972 ; page 668 – n: 684.

4- لمزيد من التفصيل لطفاً يراجع الفصل الثالث من القسم الأول من هذا المؤلّف.

وهكذا عندما يتحقق سبب من هذه الأسباب المذكورة أعلاه، لا يعود من فائدة في متابعة النظر بالدعوى العامة، الأمر الذي يستتبع عدم النظر في الدعوى الشخصية تبعاً لذلك الاّ إذا كان النص يجيز متابعتها على حدة خلافاً للقاعدة العامة (المادة 133 عقوبات). وسقوط الدعوى العامة يشكل عقبة دائمة ونهائية على ممارستها، وبالتالي من شأنه أن يمنع تحريكها منذ البداية أو يعترض إستمرارها إذا ما كانت قد حُرّكت (1).

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا أنه عندما لا يدلي المدعى عليه بدفع مرور الزمن مثلاً على الدعوى العامة، هل يحق لقاضي التحقيق أو الهيئة الاتهامية أن يتصدّوا لمسألة مرور الزمن عفواً؟ الجواب طبعاً بالإيجاب كون التطرق العفوي لهذا الدفع واجب، لأنّ مسألة مرور الزمن تتعلق بالانتظام العام، وبالتالي لا يستطيع المدعى عليه أو النيابة العامة التنازل عنه وطلب السير بالدعوى العامة (2). بناءً على ما تقدم إنّ ما قلناه أعلاه بشأن الدفع بإنتفاء الصلاحية وتعلقه بالإنتظام العام وإمكانية إثارته في أي مرحلة من مراحل المحاكمة ينطبق تماماً على الدفع بسقوط الدعوى العامة بأحد أسباب السقوط المحددة قانوناً، فكما رأينا إن هذا الدفع يتعلق بالإنتظام العام وبالرغم من ذلك أدرجه المشرع اللبناني ضمن الدفوع الشكلية وأوجب الإدلاء به مرة واحدة قبل الاستجواب مما يتطلب تدخلاً تشريعياً لإزالة هذا التناقض...

بند ثالث: الدفع بعدم قبول الدعوى لسبب يحول دون سماعها أو السير بها قبل البحث في موضوعها:

أورد المشرع هذا الدفع في البند الثالث من المادة 73 أصول جزائية، وفي الواقع إن هذا الدفع مستوحى من المادة 62 أصول محاكمات مدنية التي عرّفت الدفع بعدم القبول بأنه: "كل سبب يرمي به الخصم الى إعلان عدم قبول طلب خصمه، دون البحث في موضوعه، لإنتفاء حقه في الدعوى". وسنداً لأحكام المادة 63 أصول مدنية يمكن الإدلاء بهذا الدفع في أية حالة كانت عليها المحاكمة، كما يحق للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها عندما يكون متصلاً بالنظام العام وفقاً لمنطوق المادة 64 أصول مدنية. والسؤال المطروح هنا: هل أن هذه الأحكام الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية تطبق على المادة 73 أصول جزائية؟

إن منطوق المادة 73 أ.م.ج. يلزم الإدلاء بهذا الدفع قبل البدء بالإستجواب وهذا يعني أن هذا الدفع الوارد في المادة 73 أ.م.ج. يختلف عن معناه الوارد في أصول المحاكمات المدنية. بمعنى آخر إنّ هذا الدفع هو بطبيعته دفاع في أساس الموضوع وليس دفعاً شكلياً بمفهوم الدفوع الشكلية، ولكن يمكن التذرع به كدفع شكلي أمام قاضي التحقيق. وهذا ما يؤكّد صحة الإنتقادات التي وجّهناها الى المادة 73 أ.م.ج. في البندين الأول والثاني من هذه الفقرة.

بند رابع: الدفع بكون الفعل المدعى به لا يشكل جرماً معاقباً عليه في القانون:

كرّس المشرع اللبناني مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات بنص دستوري إذ نصّت المادة 8 منه على أنه: "لا يمكن تحديد جرم أو تعيين عقوبة الاّ بمقتضى القانون". وكذلك تبنى قانون العقوبات هذا المبدأ في المواد 1 و 6 و 12 منه. وعملاً بهذا المبدأ إن التمسك بالدفع الشكلي الوارد في البند الرابع من المادة 73 أصول جزائية يوجه الى معرفة ما إذا كان المدعى عليه الذي إرتكب الجريمة، يخضع لنص تجريمي تشريعي، بمعنى آخر يتحقق الدفع بكون الفعل المدعى به لا يشكل جرماً معاقباً عليه في القانون عند عدم وجود نصّ يجرم هذا الفعل، أو عند وجود مثل هذا النص، وتخلف أحد أركان الجريمة أو تحقق سبب من أسباب التبرير أو صدور قانون عفو عام أو ما الى ذلك (3).

1- Gaston Stefani et Georges Levasseur: ‘’Procédure Pénale’’ – Op.Cit. P 108 – N: 119

2- Christian Gavalda: ‘’ La théorie de la préscription des actions en procédure pénale’’- Edition Dalloz 1956 – Page 83 – N:4.

3- René Garraud: ‘’Traité théorique et pratique du droit pénal’’ – Tome I – Page 293. N:138

وفي الواقع يجب التمييز بين الدفع بكون الفعل لا يشكل جرماً معاقباً عليه في القانون وهو الدفع الشكلي الرابع في المادة 73 أصول جزائية وبين الدفع بأن الفعل لا يستوجب عقاباً لأنه في هذه الحالة الأخيرة يبقى الفعل جرماً ولو استفاد فاعله من موانع العقاب لسببٍ ما، وبالتالي لا يمكن إعتباره دفعاً شكلياً على هذا الأساس.

تجدر الاشارة الى أنه إذا تخلّف أحد أركان الجريمة المدعى بها، يمكن الإدلاء بالدفع الرابع الوارد في المادة 73 أصول جزائية لأنه لا جريمة الاّ إذا توافرت جميع أركانها وعناصرها (1)، ففي جريمة القتل مثلاً يتوجب أن يقع الفعل الجرمي على إنسان حيّ، فإذا وقع فعل القتل على شخص ميت، فنكون أمام فعل غير معاقب عليه، وبالتالي لا يمكن ملاحقة الفاعل بجريمة قتل لتخلف أحد أركانها وهو وقوع الفعل على شخص حيّ.

وكذلك الأمر إذا توفر أحد أسباب التبرير (2) كممارسة حق بدون تجاوز أو الدفاع المشروع أو رضاء المجنى عليه، فإن من شأنه أن يُخرِج هذا الفعل من نطاق التجريم، وبالتالي يمكن تطبيق الدفع الوارد في البند الرابع من المادة 73 أ.م.ج. بالمقابل إذا توفر مانع من موانع العقاب فإن ذلك ليس من شأنه قبول الدفع الرابع الوارد في المادة 73 أ.م.ج. لأن موانع العقاب ذات طابع شخصي لا تنفي الصفة الجرمية عن الفعل وإن أدّت الى عدم إنزال العقاب بالجاني، ومن موانع العقاب الغلط المادي أو القانوني والقوة القاهرة وحالة الضرورة (3).

بند خامس: الدفع بسبق الإدعاء أو بالتلازم:

إن الدفع بسبق الإدعاء يختلف عن "سبق الفصل" في الدعوى. وهو يفترض أن الدعوى العامة سبق تحريكها ومباشرتها أمام قاضي تحقيق مختص، ولا يجوز تحريكها ومباشرتها ثانيةً أمام قاضي تحقيق آخر، هو بدوره مختص. في حين أن "سبق الفصل" في الدعوى يعني صدور حكم مبرم بشأنها عن قضاء الأساس وتمتعه بقوة القضية المحكوم بها (4).

وفي هذا السياق نقرأ ما ورد في المادة 182 عقوبات التي نصّت على أنه: "لا يلاحق الفعل الواحد الا مرة واحدة"،

Non bis in idem وهذا يعني أن من سبق وادُّعِيَ بحقه بالجريمة عينها، له أن يدلي بدفع سبق الإدعاء، وذلك على اعتبار أن الملاحقة الثانية تشكل خرقاً للمبدأ المذكور أعلاه. ولتوضيح ذلك نورد المثال التالي: إذا تمّ الإدعاء من قبل النيابة العامة أمام قاضي التحقيق فهذا يعني أن الدعوى العامة قد بُوشِرت، وبالتالي يتعذّر مباشرة الدعوى ثانية بذات الجرم أي بنفس الوقائع المدعى بها سابقاً أمام قاضي التحقيق وألاّ يخرق المبدأ المذكور في المادة 182 عقوبات.

إن الدفع بسبق الإدعاء ورد في المادة 73 أصول جزائية كدفع شكلي وهو يتعلق بالنظام العام رغم حصر إمكانية الإدلاء به لمرّة واحدة وقبل الإستجواب كما شرحنا في الدفوع السابقة، وبالتالي إن ما قلناه في معرض الدفوع السابقة يصحّ قوله في الدفع بسبق الإدعاء (5).

1- Cass. Crim – 15 octobre 1991 – Bull. Crim 1991 N:345

2- Stéfani et Levasseur: Précis de droit pénal général. Tome I – édition Dalloz 1992. P 271

3- لمزيد من التفصيل راجع د. سمير عالية: "شرح قانون العقوبات" – القسم العام – المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع – بيروت 2002 – ص 361 وما يليها.

4- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثالث – مرجع سابق – ص 509.

5- لطفاً تراجع البنود الأربعة السابقة للفقرة الأولى من الفصل الثالث.

ولا بدّ من التذكير أن هناك شروط للدفع بسبق الإدعاء وهي:

· وحدة الأفعال الجرمية دون ربطها بوحدة الخصوم بحيث أن الفعل الجرمي الواحد هو الذي يتعيّن عدم ملاحقته مرّتين.

· وجود دعويين عالقتين أمام القضاء.

· وجود مرجعين مختصين في ذات الوقت بنظر الدعوى أي مرجعين جزائيين مختلفين.

وهكذا إذا ما توافرت شروط سبق الإدعاء يتوجب على المرجع الجزائي (قاضي التحقيق) المقامة أمامه الدعوى الثانية أن يقبل الدفع الشكلي ويتوقف عند هذا الحدّ. تجدر الاشارة الى أن البند الخامس من المادة 73 أصول جزائية لم يكتفِ بذكر سبق الإدعاء بل أشار الى الدفع بالتلازم فما هو مدلول هذا الدفع؟

لقد ورد هذا الدفع لأول مرّة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، فهو مستوحى من قانون أصول المحاكمات المدنية إذ عرّفت المادة 55 منه أن الدفع بالتلازم يكون عندما توجد دعويان تشتملان على طلبات متلازمة عالقتان أمام محكمتين مختلفتين، كل منهما مختصة بنظر الدعوى المقامة لديها. وفي الواقع لقد نصّت المادة 133 أصول محاكمات جزائية على أنه: "..... تكون الجرائم متلازمة:

أ- إذا إرتكبها عدة أشخاص مجتمعين في آن واحد.

ب- إذا إرتكبها أشخاص متعددون في أوقات وأماكن مختلفة تنفيذاً لإتفاق بينهم.

ج- إذا كان بعضها تهيئة للبعض الآخر أو تمهيداً لوقوعه أو تسهيلاً أو تنفيذاً له أو لإخفاء نتائجه الجرمية أو لإبقاء منفذيها دون ملاحقة.

د- إذا اشترك عدة أشخاص في إخفاء الأشياء الناتجة عن الجريمة كلياً أو جزئياً".

إن الدفع بالتلازم يفترض وجود دعويين مرتبطتين برابطة وثيقة بالنسبة للواقعات الجرمية، يحقق فيها قاضي تحقيق آخر مختص. فيكون من الأفضل طرحها على قاضي تحقيق واحد درءاً لخطر تناقض القرارات بشأنها. وشأنه شأن الدفوع الاجرائية الأخرى لقد أوجب المشرع في المادة 73 أصول جزائية الإدلاء بهذا الدفع مرة واحدة قبل الإستجواب وإن كان هذا الدفع بطبيعته من الدفوع التي تتعلق بالنظام العام، وأفضل مثال عن التلازم في المجال الجزائي حالة الادعاء بجريمة شيك بدون رصيد أمام قاضي تحقيق وبذات الوقت وجود دعوى أخرى بتزوير هذا الشيك بدون رصيد أمام قاضي تحقيق آخر. فالتلازم كما ذكرنا يؤدي الى ضم الدعاوى المتلازمة، والسير بها معاً أمام مرجع قضائي واحد. أما في الحالة التي يتعذر معها الضمّ فيتوجب على المرجع القضائي الذي أثير أمامه الدفع بالتلازم أن يتوقف عن النظر بالدعوى ومتابعتها لحين البت بالدعوى الأخرى من المرجع المقامة أمامه.

بند سادس: الدفع بقوة القضية المحكوم بها:

من المسلّم به في الفقه الجنائي أن الحكم المبرم هو ذاك الحكم الذي لم يعد قابلاً لأي طريق من طرق الطعن العادية وغير العادية. والحكم المبرم لا يصدر عن قضائي الملاحقة والتحقيق بل عن قضاء الحكم أي محكمة الموضوع التي تتصدّى لأساس الدعوى الجزائية فتحكم إمّا بالإدانة وإمّا بالبراءة (1).

1- René Garraud: ‘’Traité théorique et pratique d’instruction criminelle et de procédure pénale’’ – édition Sirey – 1929 – tome 6 – page 198.

ولقد تحدّث المشرع اللبناني عن قوة القضية المقضية في قانوني العقوبات (المادة 182 منه والمادة 502) وأصول المحاكمات الجزائية (المادة 276 منه). وبالتالي يستفاد من هذه النصوص الجزائية صدور حكم مبرم في قضية ما ووحدة الموضوع والسبب والخصومة لكي يعتد بقوة القضية المقضية (1). وهكذا إذا ما توافرت شروط القضية المقضية فإنه لا يمكن ملاحقة المدعى عليه مرة ثانية وبالتالي يقبل الدفع بقوة القضية المقضية. والعكس صحيح، فإذا ما تبيّن أن الأفعال المدعى بها من جديد، تشكل جرائم مستقلة ومختلفة عن الأفعال السابقة التي صدر بشأنها حكم مبرم، عندها يمكن الملاحقة من جديد وبالتالي يرد الدفع بقوة القضية المقضية. إن ما ورد في البند السادس من المادة 73 أصول جزائية يعتبر دفعاً بقوة القضية المحكوم بها وبالتالي إن هذا الدفع يتعلّق بالنظام العام ولكن أوجب المشرع الإدلاء به مرة واحدة قبل الإستجواب.

بند سابع: الدفع ببطلان إجراء أو أكثر من إجراءات التحقيق:

إختلف الفقه في لبنان حول تفسير هذا الدفع فهناك فئة من الفقهاء يعتبرون أن هذا الدفع لا يقتصر فقط على إجراءات التحقيق التي تجريها النيابة العامة أو الضابطة العدلية في مرحلة التحقيق الأولي بل ينصب أيضاً على إجراءات قاضي التحقيق نفسه أي تحقيقاته في مرحلة التحقيق الإبتدائي (2). وهناك فئة أخرى من الفقهاء يعتبرون أن هذا الدفع يقتصر فقط على إجراءات التحقيق التي تجريها النيابة العامة أو الضابطة العدلية وأنه باستطاعة المدعى عليه وحده من دون النيابة العامة أن يتمسّك بهذا الدفع عندما تكون النيابة العامة هي التي حرّكت الدعوى العامة وعلى هذا الأساس يعتبر هؤلاء أنه لا يعقل أن ينصب هذا الدفع على الدعوى المباشرة أي إجراءات التحقيق الإبتدائي حيث لا تحقيقات بعد (3).

نحن نشاطر الرأي الثاني بحيث أننا نلاحظ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أعطى قاضي التحقيق الذي لم يعُد ضابطاً عدلياً كما هو الحال في القانون القديم صلاحية الرقابة على التحقيقات التي تجريها الضابطة العدلية أو التي تجريها النيابة العامة في حالة الجريمة المشهودة. ولكنها رقابة محدودة في موضوعها ومداها، فقانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد لم يتضمن أي إبطال للإجراءات التحقيقية التي يجريها النائب العام إنما تحدّث فقط عن إبطال بعض إجراءات الضابطة العدلية، فالمادة 43 أصول جزائية أوجب في فقرتها الثانية على الضابط العدلي أن يتقيّد بالأصول التي حددها القانون أثناء إجراء التفتيش في أحد المنازل في حالة الجريمة المشهودة تحت طائلة إعتبار التفتيش وحده باطلاً من دون أن يمتدّ الإبطال ليشمل سائر إجراءات التحقيق. وكذلك نصّت المادة 47 أصول جزائية في فقرتها الثانية على أنه يتوجب على الضابط العدلي خارج حالة الجريمة المشهودة أن يراعي أصول التفتيش المحدّدة للنائب العام في الجريمة المشهودة وإلاّ إعتُبِر التفتيش باطلاً دون الإجراءات الأخرى.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: هل يحق لقاضي التحقيق أن يرفض السير بالدعوى العامة التي حرّكها إدّعاء النيابة العامة إذا تحقق له أن أحد إجراءات التحقيق مشوب بعيب من عيوب البطلان؟

عملاً بالقاعدة القائلة بأنه "لا بطلان بدون نص"، نرى بأن قاضي التحقيق لا يستطيع أن يبطل الاّ الاجراءات التحقيقية التي حدّدها النص الجزائي كالمادّتين 43 و 47 أصول جزائية دون غيرها من الاجراءات التحقيقية الأخرى.

1- Krikor Najarian: ‘’L’autorité de la chose jugée du criminel sur le criminel’’ – Thèse – Paris – édition L.G.D.J – 1973 – tome 6 – page 97.

2- د. عفيف شمس الدين: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 236 والمحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية – الجزء الثالث – مرجع سابق ص 520 وما يليها.

3- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 198.

بمعنى آخر إنّ المدعى عليه لا يستطيع أن يدفع ببطلان معاملات تحقيقية غير تلك التي ورد النص بشأنها، فإذا ما أدلى ببطلان الاجراءات التحقيقية سنداً للمادّتين 43 و 47 أصول جزائية فإنّ البطلان هنا يطال فقط معاملة التفتيش دون أن يتناول المعاملات الأخرى التي تبقى صحيحة ومأخوذ بها. من جهة أخرى إن الاجراءات التحقيقية التي يقوم بها قاضي التحقيق أثناء التحقيق الإبتدائي لا تعطي المدعى عليه أو النائب العام الدفع بها أي الدفع ببطلانها عن طريق الدفوع الشكلية لأن هذه الأخيرة يجب الإدلاء بها قبل المباشرة بالتحقيق أي قبل البدء بالإستجواب وفقاً لمنطوق المادة 73 أ.ج.

بناءً عليه لا يمكن الطعن بهذه الإجراءات أمام قاضي التحقيق نفسه بل من المنطقي الطعن بها أمام الهيئة الإتّهامية التي تعتبر مرجعاً إستئنافياً لقرارات قاضي التحقيق. يبقى أن نشير الى أن المادة 73 أصول جزائية أوجبت على قاضي التحقيق أن يبت بالدفوع الشكلية التي أدلى بها المدعى عليه أو النائب العام، خلال مهلة أسبوع من تاريخ تقديمها، بعد الإستماع الى المدعى الشخصي، وإستطلاع رأي النيابة العامة. إن الإجراءات المتبعة لدى قاضي التحقيق لا تقتصر فقط على البت بالدفوع الشكلية إنما هناك إجراءات أخرى منها إستجواب الأشخاص وهذا ما سنراه في الفقرة الثانية من هذا الفصل.

فقرة ثانية: إستجواب الأشخاص:

لقد عالج المشرع اللبناني مسألة الإستجواب أمام قاضي التحقيق في المواد 74 حتى 84 أصول محاكمات جزائية جديد، وبالتالي إن فهم مسألة الاستجواب يقتضي منّا دراسة المواد والتعليق عليها تباعاً...

فالمادة 74 أصول جزائية نصّت على أنه: "على قاضي التحقيق أن يتحقق من شخصية المدعى عليه فيثبت إسمه ولقبه وعمره ومكان ولادته وإسمَيْ والدَيه ومحل إقامته ووضعه الإجتماعي والعائلي وسوابقه القضائية. له أن يستعين بالإختصاصيين في الطب النفسي كما في الطب العضوي في مجال التأكّد من شخصية المدعى عليه. إذا طلب هذا الأخير أو وكيله معاينته نفسيّاً أو جسديّاً فلا يحق لقاضي التحقيق أن يرفض طلبه إلاّ بقرار معلّل".

ينهض لنا من خلال هذا النص أن التحقق من شخصية المدعى عليه هو واجب قانوني وإلزامي مفروض على قاضي التحقيق، فهو أمر ضروري لأن من شأنه أن يطّلع قاضي التحقيق على حقيقة الشخص الموجه اليه الإسناد، وتمكين هذا الشخص من الوقوف على ما أسند إليه من جرائم، حتى يتسنّى له تأمين دفاعه بشكل قانوني، إذ من غير المقبول، الظن بشخص لم يتم سماعه أو لم يتمكّن من إبداء دفاعه. وهذا المبدأ مكرّس في الإجتهاد منذ القدَم (1).

‘’Nul ne peut être jugé ni mis en accusation sans avoir été entendu ou dûment appelé’’.

بالمقابل لم يتضمّن نص المادة 74 أصول جزائية أي إلزام لقاضي التحقيق للإستعانة بإختصاصيين في الطب النفسي والعضوي للتأكد من شخصية المدعى عليه، فلقاضي التحقيق الحرية المطلقة للإستعانة بالخبرة الطبية وقد قضي في هذا المجال: ‘’ L’examen medical et medico – Psychologique, en toutes matières, est facultatif pour le juge d’instruction’’ (2).

وأضافت المادة 75 أصول جزائية على أن: "يستجوب قاضي التحقيق المدعى عليه في دائرته إلاّ إذا إستحال على هذا الأخير الحضور إليها بسبب المرض أو العجز أو لعذر آخر حري بالقبول. عند تحقق المانع، ينتقل قاضي التحقيق من دائرته بصحبة كاتبه الى المكان الذي يتسنّى له فيه إستجواب المدعى عليه وفقاً للأصول المبيّنة لاحقاً".

1- Cass. Crim – 12 octobre 1972 – Dalloz 1973 – page 170 – Note Pradel

2Cass. Crim – 17 mai 1996 – Bull. Crim. 1996. N:150 -

يُستفاد من أحكام المادة 75 أصول جزائية أن صاحب الإختصاص الأصيل بالاستجواب هو قاضي التحقيق بمعنى آخر أن التحقيق الإبتدائي الذي يهدف الى كشف الحقيقة منوط بقاضي التحقيق دون سواه الاّ في الحالات الإستثنائية التي أعطى فيها المشرع هذا الحق للنيابة العامة (المادة 32 أ. م. ج) وللضابطة العدلية (المادة 41 أ. م. ج.). ففي هاتين الحالتين يمكن أن يتم الإستجواب بواسطة النائب العام أو الضابط العدلي، والحكمة من ذلك تكمن في تقنية هذا التدبير وخطورته، فالأمر يتعلّق بحقوق الدفاع ويمسّ قرينة البراءة.

والغرض من الإستجواب هو إتاحة الفرصة للمدعى عليه من أجل دحض الأدلّة والشبهات المساقة ضدّه، وإبراز الأدلة والوقائع التي هي في مصلحته، إذ إنّ عملية الإستجواب تفترض كشف الحقيقة، ما يستوجب بيان الأدلة الذنبية

Preuve à charge وأدلة التبرئة preuve à décharge (1)، ولقد حدّدت المادة 75 أصول جزائية دائرة قاضي التحقيق كمكان لإجراء التحقيق الإبتدائي نظراً لسرية هذا التحقيق أي بعيداً عن الجمهور وبحضور أصحاب الدعوى ووكلائهم وهذا مبدأ إستقر عليه الفقه منذ القدَم (2):

‘’L’instruction est secrète, en ce sens qu’elle est faite dans le cabinet d’instruction, hors la présence du public et de toute personne étrangère’’.

ولكن لا شيء يمنع من إستجواب المدعى عليه في مكان خارج دائرة قاضي التحقيق إذا ما وجد أن هناك ضرورة لذلك كمرض المدعى عليه أو عجزه أو تحقق أي عذر مقبول. والمادة 76 أصول جزائية أضافت أنه: "على قاضي التحقيق، عند مثول المدعى عليه أمامه في المرة الأولى، أن يحيطه علماً بالجريمة المسندة إليه فيلخص له وقائعها ويطلعه على الأدلة المتوافرة لديه أو على الشبهات القائمة ضدّه لكي يتمكن من تفنيدها والدفاع عن نفسه. لا يلزم قاضي التحقيق بأن يعطيه الوصف القانوني للوقائع. على قاضي التحقيق أن ينبّهه الى حقوقه لا سيما حقه في الإستعانة بمحامٍ واحدٍ أثناء الاستجواب. إذا أغفل قاضي التحقيق إعلام المدعى عليه بالجريمة المسندة اليه، وفاقاً لما سبق بيانه، أو تنبيهه الى حقه بالإستعانة بمحامٍ أدّى ذلك الى بطلان الإستجواب كدليل من أدلّة الاثبات". وطالما أن الهدف الأساسي من الاستجواب هو مجابهة المدعى عليه بالأدلّة والوقائع المتوفرة ضدّه، فمن الطبيعي أن يعطى المدعى عليه حقوقاً أساسية تسمح له الدفاع عن نفسه ودحض ما ينسب اليه من وقائع وإثبات عكسها عملاً بقاعدة الموازاة في الحقوق والواجبات.

فمن جهة يتوجب على قاضي التحقيق أن يحيط المدعى عليه علماً بالجريمة المسندة اليه، وهذا الواجب يهدف الى حماية حقوق الدفاع والى حماية المصلحة العليا للعدالة (3)، ومن جهة أخرى يتوجب على قاضي التحقيق أيضاً أن ينبهه أي للمدعى عليه الى حقه بالاستعانة بمحامٍ أثناء الاستجواب، حتى ولو أبدى المدعى عليه رغبته بعدم توكيل محامٍ والاستعانة به.

بناءً على ما تقدم، إن كل تخلف لهذه الشروط أو الضمانات التي أتت بها المادة 76 أصول جزائية، من شأنه إعتبار إجراء الاستجواب معيوباً بعيب قانوني. بمعنى آخر إن إغفال قاضي التحقيق لواجباته المفروضة عليه في المادة 76 السالفة الذكر من شأنه أن يؤدي الى بطلان الاستجواب كدليل من أدلة الإثبات. ولكن أي بطلان قصده المشرع في لمادة 76 أصول جزائية، هل هو البطلان النسبي أم البطلان المطلق؟

1- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الرابع – مرجع سابق – ص 26.

2- Pierre Chambon: ‘’Le juge d’instruction’’ – op.cit. p 75. N:51

3- Louis Huguarey: ‘’les droits de la défense devant le juge d’instruction’’ – Revue de science criminelle – 1952 – p 195.

من المعلوم أن البطلان المطلق هو البطلان المتعلق بالنظام العام أي الناتج عن عدم مراعاة قاعدة جوهرية تتعلق بحماية المصلحة العامة. أما البطلان النسبي فهذا البطلان الذي لا يتعلق بالنظام العام، بل يطال قاعدة تحمي مصلحة خاصة مرتبطة بأحد الخصوم في النزاع، ومن يتمسك به هو من قرّر البطلان لمصلحته. رغم الجدل الفقهي (1) حول طبيعة البطلان الوارد في المادة 76 أصول جزائية نعتقد أن عدم تنبيه المدعى عليه الى حقه بالاستعانة بمحامٍ يشكل مخالفة لإجراء ذات طابع خاص أي مصلحة خاصة وبالتالي يكون البطلان نسبي لأنه وضع لمصلحة المدعى عليه. أما إغفال قاضي التحقيق إعلام المدعى عليه بالجريمة المسندة اليه وتلخيص الوقائع وإطلاعه على الأدلة المتوافرة بحقه، يعتبر إجراءاً يمسّ بحقوق الدفاع التي تتعلق بالنظام العام وتمسّ مصالح وحقوق جوهرية أي المصلحة العليا للعدالة وليس فقط مصلحة المدعى عليه، وهذا ما يجعلنا نقول بأننا أمام بطلان مطلقة لهذه الجهة. وكذلك جاءت المادة 77 أصول جزائية 150 تنص على أنه: "على قاضي التحقيق أن يراعي مبدأ حرية إرادة المدعى عليه أثناء إستجوابه وأن يتأكد من أنه يدلي بإفادته بعيداً عن كل تأثير خارجي عليه، سواء أكان معنوياً أم مادياً. إذا رفض المدعى عليه الإجابة وإلتزم الصمت، فلا يحق لقاضي التحقيق أن يكرهه على الكلام. إذا تظاهر المدعى عليه بإصابته عرض جسدي أو نفسي أو عقلي أثناء إستجوابه، فيمكن الإستعانة بالخبرة الطبية لبيان حقيقة وضعه". ويقصد بمبدأ حرية إرادة المدعى عليه، أن يترك له حرية الجواب أو عدمه أثناء الاستجواب، وهذا المبدأ هو تكريساً لإجتهاد قديم وهو ضمانة لحق المدعى عليه وإحترام لحريته وحقه بالدفاع عن نفسه (2):

Le juge d’instruction doit, lors le la première comparution, faire connaitre à l’inculpé les faits qui lui sont imputés, et recevoir ses déclarations après l’avoir averti qu’il est libre de ne faire aucune déclaration.

ناهيك عن القيمة الدستورية التي أعطاها المشرع اللبناني لحق الحرية في المادة الثامنة من الدستور حيث نصّت على: "إن الحرية الشخصية مصونة وفي حمى القانون". وبمعنى أدق، يجب على قاضي التحقيق أن يتأكد من أن إعتراف المدعى عليه صادر بدون أي تأثيرات خارجية أو أي وسائل إكراه مادية أو معنوية، فالاعتراف غير الإرادي لا يمكن أن يكون مقبولاً كدليل إثبات. تجدر الاشارة الى أن هذه الحرية المطلوبة أمام قاضي التحقيق يفترض تطبيقها أمام الضابطة العدلية والنيابة العامة نظراً لأهميّتها وتأثيرها على قيمة الاستجواب.

وكما قال العلامة :Pierre Chambon

‘’Le juge ne peut s’abaisser au niveau de l’inculpé qui ruse et qui fraude. La dignité de la justice s’y oppose’’.(3)

أي لا يحق لقاضي التحقيق أن ينزل الى مستوى المجرم الذي يغش ويحتال، فكرامة العدالة تأبى أن ينزل القاضي الى هذا المستوى... والصمت الوارد في المادة 77 أصول جزائية هو حق للمدعى عليه، وإخراجه عن صمته، بإستعمال وسائل غير مشروعة، يشكل إخلالاً بحق الدفاع المعترف له به. بالمقابل إن صمت المدعى عليه وعدم إجابته على الأسئلة الموجهة اليه لا يفسّر، ولا يمكن أن يفسّر إعترافاً ضمنياً بالجريمة ولا بالأدلة عليها (4).

1- راجع حول هذا الموضوع كل من: د. علي القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – الكتاب الثاني – مرجع سابق – ص 438 وما يليها. والمحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الرابع – مرجع سابق – ص 44 وما يليها.

2- Cass. Crim. 10 janvier 1946 – Bull. Crim. 1946 – N:8

3- Pierre Chambon: Note sous poitiers – 11 janvier 1960 – J.C.P. 1960 – II – 11599

4- F. Gorph: ‘’L’appréciation des preuves en justice’’ – Paris – 1947 – page 214

ولقد أشارت المادة 77 أصول جزائية في فقرتها الأخيرة الى سلطة قاضي التحقيق بالإستعانة بالخبرة لبيان حقيقة الوضع الجسدي أو النفسي أو العقلي للمدعى عليه، فالأمر متروك لتقدير قاضي التحقيق، فهو الذي يقرر ملاءمتها ويقدر إستنسابها.

كما أن المادة 78 أصول جزائية أضافت أنه: "إذا رفض المدعى عليه الاستعانة بمحامٍ، فلا يلزم قاضي التحقيق بتعيين محامٍ له. يدوَّن ذلك في المحضر تحت طائلة بطلان الاستجواب والاجراءات اللاحقة له. يستجوبه دون محامٍ ويستمر في إجراءات التحقيق. إذا إختار محامياً للدفاع عنه، فلا يجوز لقاضي التحقيق أن يستجوبه أو أن يستمر في إجراءات التحقيق الاّ بعد حضور المحامي وإطلاعه على جميع أعمال التحقيق، ما عدا إفادات الشهود، وذلك تحت طائلة إبطال الاستجواب والاجراءات اللاحقة له. إذ تعذّر على المدعى عليه تكليف محامٍ، فيعيّن له قاضي التحقيق محامياً، أو يعهد بتعيينه الى نقيب المحامين.

للمدعى عليه، في أي وقتٍ من أوقات التحقيق، أن يبلغ قاضي التحقيق إسم المحامي الذي كلّفه الدفاع عنه. إذا إختار لهذه الغاية عدة محامين، فيجب أن يبلّغ قاضي التحقيق بإسم المحامي الذي ستوجه اليه مذكرة الدعوة. يدعى المحامي بمذكرة ترسل اليه قبل يوم على الأقل من الاستجواب, على كاتب قاضي التحقيق أن يثبت هذا الاجراء في المحضر مع ذكر تاريخ إرسال المذكرة. إذا لم يتبلّغ المحامي مذكرة دعوته قبل موعد الجلسة، فإن حضوره الاستجواب، دون أن يعترض على اجراء تبليغه، يحول دون إبطال الاستجواب. إذا لم يحضر المحامي الوكيل، رغم إبلاغه أصولاً موعد الجلسة دون عذر مشروع، فلقاضي التحقيق أن يتابع الاستجواب". يُفهم من نص المادة 78 السالفة الذكر أنه إذا رفض المدعى عليه الإستعانة بمحامٍ فإن قاضي التحقيق يتحرّر من واجب تعيين محامٍ له، ويتوجب عليه تدوين هذا الرفض على محضر الاستجواب، ومن ثمّ يستمر في إجراءات التحقيق بدون حضور محامٍ ويعتبر الاستجواب صحيحاً ومنتجاً لمفاعيله.

إن حق المدعى عليه في رفض الاستعانة بمحامٍ وواجب قاضي التحقيق تدوين هذا الرفض في محضر الاستجواب يعتبر من قبيل الشكليات الجوهرية، وبالتالي عدم مراعاتها يؤدي الى البطلان. أما في الحالة التي يختار فيها المدعى عليه محامياً للدفاع عنه، فهذا يعني أنه لا يجوز الاستمرار في إجراءات التحقيق الاّ بعد حضور المحامي، وإطلاعه على جميع أعمال التحقيق، ما عدا إفادات الشهود لأن الاستماع الى الشهود يندرج ضمن التدابير الادارية التي يمارسها قاضي التحقيق من خلال سلطته الادارية الرامية الى التفتيش عن الحقيقة. ومثل هذه التدابير لا يحق للمحامي الاطلاع عليها.وعندما يتعذّر على المدعى عليه تعيين محامٍ للدفاع عنه لسبب مادي مثلاً، فعندها إما أن يعين له قاضي التحقيق محامياً وإما أن يعهد بتعيينه الى نقيب المحامين. وفي كلا الحالتين لا يحق لقاضي التحقيق مباشرة الاستجواب قبل تعيين محامٍ له (1).

وإذا وافق المدعى عليه على بدء الاستجواب بدون حضور محامٍ، وتمّت جلسة الاستجواب الأولى بدون مدافع، كان من حق المدعى عليه، في أيّ جلسة أخرى تالية، أن يقرّر إبلاغ قاضي التحقيق باسم المحامي، كي تحصل متابعة التحقيق في حضوره. وقد أعطت المادة 78 أصول جزائية المدعى عليه حق إختيار عدة محامين، ولكن أوجبت عليه ضرورة إبلاغ قاضي التحقيق بإسم المحامي الذي ستوجَّه اليه الدعوة لحضور الاستجواب أو التحقيق. وإذا امتنع المدعى عليه عن خيار محامٍ واحد من المحامين المعيّنين من قبله، يمكن لقاضي التحقيق أن يرسل الدعوة الى أول المحامين الوارد ذكرهم في صك الوكالة.

وقد قضي بهذا الصدد أنه:

Lorsque plusieurs avocats ont été désignés simultanément, la convocation et la notification seront adressées à celui dont le nom apparaît en premier sur l’acte de désignation .(2)

1- Pierre Chambon: ‘’Le juge d’instruction’’ – Op. Cit – P 284

2- Cass. Crim. Le 8 décembre – 1999 – Bull. Crim. 1999. N:294

وقد ألزم القانون دعوة المحامي الى جلسة الاستجواب قبل يومٍ على الأقل بموجب مذكرة دعوة، وأي مخالفة لوسيلة الدعوة، تؤدي الى إبطال الاستجواب. ولكن إذا حضر المحامي الاستجواب رغم عدم تبليغه ولم يعترض على إجراء التبليغ وفقاً للأصول فإن من شأن ذلك أن يفسَّر على أنه تنازل ضمني عن التبليغ وبالتالي يعتبر الاستجواب صحيحاً. وختمت المادة 78 قولها بأنه إذا تبلّغ المحامي موعد جلسة الاستجواب ولم يحضر بدون عذر مشروع فلقاضي التحقيق متابعة الاستجواب ويعتبر هذا الأمر إجراء صحيح غير معرّض للبطلان (1). أما المادة 79 أصول جزائية فقد أفتت بأنه: "على قاضي التحقيق، قبل كل إستجواب لاحق للإستجواب الأول، أن يسأل المدعى عليه عمّا إذا كانت موافقته على أن يستجوب دون الإستعانة بمحامٍ مستمرة، وأن يثبت ذلك في المحضر، تحت طائلة بطلان هذا الاستجواب والاجراءات اللاحقة له. للمدعى عليه أن يتصل بحرية بوكيله المحامي طيلة فترة التحقيق. وتكون الاتصالات بينهما سرية. لا يعتد بأي دليل ناجم عن خرق مبدأ السرية".

يُفهم من أحكام المادة 79 أصول جزائية أن المدعى عليه الذي مَثُلَ لأول مرة أمام قاضي التحقيق، ورفض الاستعانة بمحامٍ، هل أنّ لديه نية الاستمرار دون محامٍ خلال المراحل اللاحقة لمرحلة الاستجواب الأول؟ وهذه المادة جاءت تفرض على قاضي التحقيق تنبيه المدعى عليه لحقه الاستعانة بمحامٍ من جهة وواجب قاضي التحقيق تثبيت ذلك في محضر الاستجواب تحت طائلة بطلان الاستجواب والاجراءات اللاحقة له. والفقه (2) المستقر في لبنان حول هذه المسألة بحيث يتعيّن على قاضي التحقيق في كل إستجواب لاحق للإستجواب الأول أن يسأل المدعى عليه عمّا إذا كان مصرّاً على إستمرار إستجوابه دون محامٍ.

وختمت المادة 79 أصول جزائية بإعطاء المدعى عليه حق الاتصال بوكيله طيلة فترة التحقيق، وهذا يختلف عن حق الاستعانة بمحامٍ، فالاتصال بين المدعى عليه ووكيله يتمتع بطابع السرية الذي لا يجوز خرقه تحت أي ذريعة كانت. وإستثناءً لما نصّت عليه كل من المادتين 78 و 79 من هذا القانون، يجوز لقاضي التحقيق، بقرار معلل، أن يبدأ في إستجواب المدعى عليه مباشرةً في حال وجود أثر أو دليل يخشى زواله. يجوز أن يستجوب المدعى عليه دون محامٍ في حالة الجريمة المشهودة والجريمة التي تنزل منزلتها (المادة 80 أ.م.ج.).

وفي الواقع إن هذا الاستثناء الوارد في المادة 80 السالفة الذكر يجب أن يفسَّر بشكل ضيّق ومحصور بالأطر التي حدّدها القانون بالقاعدة الكلية: "Les exceptions sont d’interprétation stricte".

والحكمة من هذا الاستثناء تكمن في وجوب إجراء الاستجواب بأقصى سرعة ممكنة خوفاً من ضياع الأدلة وفي هذا الاتجاه نقرأ للعلامة Pierre Bouzat ما يلي: ‘’Toutefois, par exception, le juge d’instruction peut procéder à un interrogatoire immédiate en cas d’urgence résultant, soit de l’état d’un témoin en danger de mort, soit de l’existence d’indices sur le point de disparaître, ou encore, en cas d’infraction flagrante s’il se trouve sur les lieux en même temps que le procureur de la république’’.

وفي جميع الأحوال يتوجب على قاضي التحقيق الذي يعتمد الإستثناء الوارد في المادة 80 أصول جزائية أن يبيِّن الأسباب والدوافع التي دفعته الى تطبيق هذا الإستثناء.

1- الياس وفادي نمور: "الحريات الشخصية وحقوق الانسان في مواجهة علم الإجرام" – مرجع سابق – ص 845.

2- راجع بهذا الخصوص: د. علي عبد القادر القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثاني – مرجع سابق – ص 299 وما يليها.

والمحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الرابع – مرجع سابق – ص 86.

ودائماً أثناء الإستجواب أمام قاضي التحقيق، جاءت المادة 81 أصول جزائية لتعطي المدعى عليه جملة من الحقوق إذ نصّت على أنه: "إذا حضر وكيل المدعى عليه الاستجواب، فلا يجوز طرح أي سؤال على موكله أو الخصم إلاّ بواسطة قاضي التحقيق، وله أن يبدي بعض الملاحظات وأن يعترض على ما يراه متنافياً مع أصول التحقيق في ما يطرحه قاضي التحقيق من أسئلة. إذا لم يأذن قاضي التحقيق للمحامي بالكلام أو بطرح السؤال أو بإبداء الملاحظات أو الإعتراضات، فعليه أن يثبت ذلك في محضر الاستجواب. للنائب العام او أحد معاونيه أن يحضر إستجواب المدعى عليه، وله أثناء ذلك أن يطرح الأسئلة ويبدي الملاحظات بواسطة قاضي التحقيق. إذا كان المدعى عليه لا يحسن اللغة العربية فيعيّن له قاضي التحقيق مترجماً لا يباشر مهمته الاّ بعد أن يحلف اليمين بأن يقوم بعمله بصدق وأمانة.

إذا كان المدعى عليه أبكم أو أصم أو غير قادر على النطق فيستعين قاضي التحقيق بمن يستطيع مخاطبته بالإشارة أو بغيرها بعد أن يحلف اليمين بأن يراعي في عمله الصدق والأمانة. إذا كان الأصم أو الأبكم يعرف الكتابة فيجري إستجوابه بطريقة تدوين الأسئلة خطياً وتدوين إجابته عليها. على أن تربط الورقة التي يجيب بها على الأسئلة بمحضر الاستجواب. للمدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن أن يحضروا إستجواب المدعى عليه أو أن يكلف كل منهم محامياً لهذا الغرض. لكلّ منهم أن يطرح الأسئلة ويبدي الملاحظات بواسطة قاضي التحقيق. إذا تعدد المدعى عليهم فلا يكون لأحدهم أو لوكيله، أن يحضر إستجواب غير موكله الاّ في حال إجراء المقابلة بينهم".

نفهم من ذلك أنه طالما أن جلسة الاستجواب أمام قاضي التحقيق هي جلسة سرية ولا تخضع لمبدأ المناقشة العلنية، فإن دور المحامي يأتي كمراقب لسلامة الاجراءات التحقيقية التي يقوم بها قاضي التحقيق مع المدعى عليه، فهو يراقب مثلاً طريقة طرح الأسئلة أو مدى غموضها أو إلتباسها، ويقتصر دوره على هذا الاتجاه دون أن يتعداه الى مناقشة قاضي التحقيق تفصيلياً لأن هذا الأمر متروك ومباح له أمام قضاء الحكم (1). وإذا إرتأى قاضي التحقيق عدم الإذن للمحامي بالكلام أو بطرح الأسئلة، فعليه أن يثبت ذلك في محضر الاستجواب، ومن حق النيابة العامة إستئناف هذا القرار إذا ما كانت قد أيَّدت طلب المحامي بالكلام خلال حضورها جلسة الاستجواب أمام قاضي التحقيق. والجديد في المادة 81 أصول جزائية هو إستحداث حق النيابة العامة في حضور إستجواب المدعى عليه وطرح الأسئلة عليه، وهذا إجتهاد فرنسي قديم كرّسه المشرع اللبناني حديثاً (2).

La présence du ministère public aux interrogatoires et confrontations n’était pas une cause de nullité وهكذا أصبح بإمكان النيابة العامة المشاركة في التحقيق الابتدائي بالرغم من كونها خصماً للمدعى عليه، وهذا أمر يثير الاستغراب لأنه أصبح بإمكان الخصم أن يطرح الأسئلة على الخصم الآخر. بالإضافة الى استعانة قاضي التحقيق بمترجم إذا كان المدعى عليه لا يحسن اللغة العربية أو إذا كان أبكم أو أصم أو غير قادر على النُطق، فإن المادة 81 السالفة الذكر أعطت كل من المدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن أو وكلائهم حق حضور إستجواب المدعى عليه (3). وفي حال تعدّد المدعى عليهم، فلا يحق لأحدهم أو لوكيله أن يحضر إستجواب غير موكله، بمعنى آخر أن إستجواب المدعى عليه، عند تعدد المدعى عليهم، يحصل على إنفراد، حتى لا يؤثر أحدهم على الآخر أو يؤدي ذلك الى تنظيم دفاعهم وتنسيقه فيما بينهم، وهذا ما يخالف الغاية الأساسية من التحقيق الابتدائي، وهي توظيف التناقض في أقوال المدعى عليهم لمواجهة أحدهم بالآخر، وجمع الأدلة الكافية توصّلاً للحقيقة.

1- Pierre Chambon: ‘’le juge d’instruction’’ – Opt. Cit – p 331

2- Tribunal correctionnel de Corbeil – 11 novembre 1901 – Dalloz 1903

3- بخصوص المسؤول بالمال يرجى مراجعة المادة 142 عقوبات. وبخصوص الضامن يرجى العودة الى المادة 950 موجبات وعقود.

بعد سرد حقوق المدعى عليه أمام قاضي التحقيق، جاءت المادة 82 أصول جزائية تنص على أنه: "إذا كان قاضي التحقيق قد إستجوب المدعى عليه حول فعل جرمي، بإعتباره جنحة، ثم تبيّن أن الوصف المنطبق عليه جنائي، فعليه أن يعيد إستجوابه وأن ينبهه الى أن من حقه الاستعانة بمحامٍ، إن لم يكن قد عيّن محامياً، لمعاونته في الدعوى. مع مراعاة الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 81 من هذا القانون، للمدعى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن، أو لوكلائهم، أن يحضروا أعمال التحقيق، ما عدا سماع الشهود. يجب إبلاغ كل منهم مذكرة دعوته قبل أربع وعشرين ساعة على الأقل من العمل التحقيقي الذي يتناوله، وإلاّ كان العمل الجاري في غيابه باطلاً.

إذا حضر من تقرّر دعوته منهم، دون أن يحتج على طريقة تبليغه أو على عدم مراعاة مهلة الأربع وعشرين ساعة، إعتُبِرَ العمل التحقيقي، الذي يتناوله، صحيحاً. على كل من المسؤول بالمال والضامن أن يتّخذ محل إقامة مختاراً ضمن المدينة أو البلدة التي تقع فيها دائرة قاضي التحقيق، ما لم يكن له، في أي منهما، محل إقامة حقيقي لكي يتبلّغ فيه ما يجب تبليغه إياه من أوراق ومذكرات. إذا لم يفعل فلا يجوز له الاعتراض على عدم تبليغه الأوراق الواجب إبلاغه إياها قانوناً. على كل من ذكر أعلاه أن يبلغ خطيّاً قاضي التحقيق بكل تغيير قد يطرأ على محل إقامته الحقيقي أو المختار. إذا لم يفعل، فيكون إبلاغه في المحل الوارد في ملف الدعوى صحيحاً".

بناءً على ما ذُكِرَ في المادة 82 أصول جزائية، لقاضي التحقيق سلطة في تعديل وتصحيح الوصف الجرمي للوقائع، فدوره حيادي في التحقيق الابتدائي الذي يجريه وبالتالي ليس له مصلحة في ترجيح الادانة على البراءة، وهذا تكريساً لما ورد في المادة 60 أصول جزائية التي وصفت بأن قاضي التحقيق يضع يده على الدعوى العامة بصورة موضوعية وعينية وليس شخصية، وفي هذا الاطار نقرأ للعلامة )1:Chambon (

‘’Le juge d’instruction, saisi d’un fait, a qualité pour instruire sur toutes les circonstances qui modifient ou aggravent le caractère pénal de ce fait.

وألزمت المادة 82 أصول جزائية قاضي التحقيق ضرورة إبلاغ كل من المدعى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن ووكلائهم مذكرة الدعوة لحضور الاستجواب قبل 24 ساعة من العمل التحقيقي وإلاّ اعتبر هذا العمل باطلاً، وقد قُضِيَ في هذا الصدد:

Est caractérisée la nullité de la procédure lorsque le délai entre la convocation et l’interrogatoire n’a pas été respecté.(2)

وأنهت المادة 82 أصول جزائية بضرورة وجوب إتّخاذ محل إقامة مختار من قبل المسؤول بالمال والضامن. وأضافت المادة 83 أصول جزائية أنه: "لقاضي التحقيق أن يقرر منع الاتصال بالمدعى عليه الموقوف مدة لا تزيد عن خمسة أيام. لا يشمل المنع محاميه. إذا نُفّذت بالمدعى عليه الموقوف غياباً مذكرة توقيفه، فعلى قاضي التحقيق، فور إستلامه إشعار التوقيف، أن يُحضر المدعى عليه الموقوف وأن يستجوبه عن الأفعال المسندة اليه، شرط أن يراعي في إستجوابه الأصول السابق بيانها". لقد رأينا سابقاً أن المادة 79 أصول جزائية قد كرّست مبدأ حرية إتصال المدعى عليه بوكيله كقاعدة عامة، وجاءت المادة 83 أصول جزائية تكرّس إستثناء لهذا المبدأ وهي حالة منع الاتصال بالمدعى عليه الموقوف لمدة خمسة أيام بشرط الاّ يطال هذا المنع محامي المدعى عليه.

كما ألزمت الفقرة الثانية من المادة 83 المذكورة قاضي التحقيق إستجواب المدعى عليه الذي نُقّذت بحقه مذكرة توقيف غيابية، مع ضرورة مراعاة الأحكام المتعلقة بحقوقه لا سيما حقه بالاستعانة بمحامٍ...

1- Pierre Chambon: ‘’le juge d’instruction’’ – Op. Cit – page 104. N:71

2- Cass. Crim. 2 septembre 1986 – Bull. Crim. 1986 – N:251

يبقى أن نشير الى المادة 84 أصول جزائية والتي ختم فيها المشرع اللبناني فصل إستجواب الأشخاص بقوله: "إذا أبدى المدعى عليه المقيم خارج نطاق دائرة قاضي التحقيق عذراً مشروعاً يمنعه من الحضور الى دائرته فلقاضي التحقيق أن يستنيب لاستجوابه قاضي التحقيق التابع له محل إقامة المدعى عليه أو القاضي المنفرد التابع له محل إقامة المدعى عليه.لا يجوز أن يستنيب ضابطاً عدلياً لهذا الغرض. لا يجوز لقاضي التحقيق أن ينهي التحقيق الاّ إذا استجوب المدعى عليه ما لم يتعذّر عليه ذلك بسبب فراره أو إذا قدّر أن ما تجمّع لديه من أدلة في الدعوى يكفي لمنع المحاكمة عنه بصرف النظر عن الاستجواب". وطالما أن الاستجواب هو من القواعد الجوهرية المتعلقة بالنظام العام لأنه يدخل ضمن مفهوم حقوق الدفاع المعترف بها للمدعى عليه، فإن أي مخالفة تتعلق به تؤدي الى البطلان، وبالتالي لا يمكن إحالة المدعى عليه للمحاكمة أمام قضاء الحكم طالما أنه لم يستجوب بعد (1) أو في الحالات التي أجازها القانون كما هو حال المادة 84 السالفة الذكر.

فقرة ثالثة: سماع الشهود:

أفرد المشرع اللبناني المواد 85 حتى 97 أصول محاكمات جزائية جديد للحديث عن الشهود وما يتعلق بالاستماع اليهم. فالمادة 85 خصِّصت لسماع إفادة رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس الوزراء، إذا كان هناك ضرورة لذلك، بحيث ينتقل قاضي التحقيق مع كاتبه الى مقر كل من هؤلاء ويستمع الى إفادتهم. بمعنى آخر إن الإستماع الى أحد هؤلاء الرؤساء متميّز عن إستماع الشاهد العادي، الذي يدعوه قاضي التحقيق الى دائرته. ومن البديهي القول أن أن موضوع الشهادة هو واقعة ذات أهمية قانونية في صدد الدعوى، وهي تصدر عن شخص غير الخصوم في الدعوى العامة طالما أن لديهم معلومات تفيد التحقيق. فلقاضي التحقيق أن يدعو الأشخاص الواردة أسماؤهم في الشكوى أو الإخبار أو التحقيقات وكل من يرى أن لديه معلومات تفيد التحقيق (م 86 فقرة أولى). فصاحب المبادرة لدعوة الشهود تعود الى قاضي التحقيق: .L’initiative de la conconvation appartient au juge d’instruction

وبحكم سلطته الإستنسابية أعطاه المشرع حرية خيار ودعوة الشهود، بحيث أن هذا العمل يدخل ضمن عداد أعمال وإجراءات التحقيق. وبالتالي لا يلزم قاضي التحقيق بدعوة شاهد سمّاه المدعي الشخصي أو المدعى عليه إذا قدّر أن لا فائدة من سماعه، بينما إذا رفض سماع شاهد سمّته النيابة العامة، فعليه أن يتّخذ قراراً معللاً بذلك وهذا ما كرّسته المادة 86 في فقرتها الثانية. وبالعودة الى أحكام المادة 135 أصول جزائية تبيّن لنا أن قرار قاضي التحقيق برفض الاستماع الى شهادة شاهد، لا يمكن إستئنافه من قبل المدعي الشخصي أو المدعى عليه. كما أن قراره برفض سماع شاهد سمته النيابة العامة، يمكن إستئنافه من قبل هذه الأخيرة، ولا يعتبر ذلك مساساً بمبدأ إستقلالية قضاء التحقيق (2).

ويجب أن تبلّغ ورقة الدعوة الى الشاهد قبل 24 ساعة على الأقل من موعد الجلسة التي يحدّدها قاضي التحقيق لسماعه (م 86 فقرة ثالثة) مع الأخذ بعين الاعتبار لبعض الاجراءات الخاصة ببعض الشهود كرجال السلك الدبلوماسي والقنصلي والعسكريون والمقيمون في الخارج والموقوفون. ولقد عالجت المادة 87 أصول جزائية إجراءات سماع الشهود بشيء من التفصيل، فالشاهد الذي يُبلَّغ يحضر مع ورقة دعوته في موعد الجلسة ويشار الى ذلك في محضر الاستماع اليه وهذا ما يعرف بالحضور الارادي Comparution volontaire كما يمكن أن يكون الحضور عفوياً Comparution spontanée وعندها لا يمكن للشاهد أن يحتج بعدم تبليغه (م 87 فقرة أولى).

1- Jacques Léauté: ‘’les principes généraux relatifs aux droits de la défense’’ – Revue de science criminelle – 1953 – page 47.

2- خلافاً لهذا الرأي، لطفاً يراجع: Pierre Chambon: ‘’le juge d’instruction’’ – Op. Cit – page 236 et 237

‘’Sans attendre une convocation, le témoin pourrait même se présenter spontanément au juge d’instruction’’ (1).

ويستمع قاضي التحقيق، بحضور كاتبه، الى كل شاهد على حدة (م 87 فقرة ثالثة)، والحكمة من ذلك تكمن في إستبعاد تأثير شهادة شاهد آخر، وحضور الكاتب أمر بديهي كونه يقوم بكتابة المحضر الذي يمليه عليه قاضي التحقيق. والمقصود بعبارة على حدة أيضاً هو إستبعاد المدعى عليه والنيابة العامة من حضور جلسات سماع الشهود. ويتوجب على قاضي التحقيق قبل تحليف الشاهد اليمين أن يتحقق من هويته، ويتأكد إذا كان من الأشخاص الذين يحق لهم الإدلاء بالشهادة (2). علماً أنه يمكن الاستماع على سبيل المعلومات الى الأشخاص الذين لا تقبل شهادتهم كأصول المتهم وفروعه وأشقائه وإخوته وغيرهم...

ولأن الشهادة هي وسيلة من وسائل الإثبات في الميدان الجزائي، كونها تنصب على واقعه بحد ذاتها وتدل على وقوع الجريمة ونسبتها الى المدعى عليه، فإنها تعتبر "عين القاضي وأذنه"، لذلك أخضعها المشرع الى قاعدة جوهرية تتجسّد بتلاوتها تحت لواء القسم التالي: "أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحق كل الحق ولا شيء غير الحق". ويدوَّن ذلك في المحضر. والمبدأ أن الشهادة تدلى شفاهة أمام قاضي التحقيق بحضور الكاتب، ولكن هناك حالات يُسمَحْ بأدائها على غير نحو كالإشارة والكتابة والترجمة بالنسبة للأخرس والأبكم والأصم...

وقد أجاز المشرّع في المادة 87 أصول جزائية إمكانية إستعانة الشاهد بمستندات لتأييد شهادته. والشهادة كسائر أعمال التحقيق الإبتدائي تخضع لقاعدة الكتابة وهذا يعني أن أسئلة الشاهد، وأجوبته عليها، يجب تثبيتها خطيّاً في محضر الإستماع اليه.

‘’Le second caractère de l’audition des témoins est qu’elle est écrite. Il est dressé procès – verbal des dépositions’’ (3).

ولم يكتفِ المشرع في المادة 87 أصول جزائية الى ضرورة كتابة الشهادة في محضر الاستماع الى الشاهد، بل فرض تلاوة الشهادة على الشاهد وتوقيعها، وطبعاً إن الهدف من هذا الاجراء يصب في مصلحة الشاهد نفسه ليتأكد مما أدلى به ويبدي ملاحظاته إن وُجِدت لكي تتماشى مع قصده الصحيح. كما يتوجب ذكر عدد صفحات الشهادة في ذيل المحضر، وتوقيع قاضي التحقيق وكاتبه لكل صفحة منها، بهدف تحديدها بصورة دقيقة، وتلافياً لمنع أي تلاعب أو شطب أو حذف منها... ولقد قضي بهذا الصدد: Un procès – verbal qui ne porte pas la signature du juge d’instruction doit être considéré comme inexistant (4).

تجدر الاشارة الى أن كل ما سبق بيانه من أصول وإجراءات حول إدلاء الشاهد بشهادته، يجد ميداناً تطبيقياً لدى الاستماع الى المدعي الشخصي والمدعى عليه والمسؤول بالمال والضامن والخبير (م 87 الفقرة ما قبل الأخيرة). وختمت المادة 87 أصول جزائية بإعطاء الحق لكل متضرر من مخالفة الأصول المتعلقة بسماع الشهود والمنصوص عليها في نصّها، أن يطلب إبطال المحضر، وهذا البطلان هو من نوع البطلان النسبي (5).

1- Stéfani et Levasseur: ‘’procédure pénale’’ – Op. Cit – p 440, N: 466

2- راجع لطفاً المادة 260 أصول محاكمات مدنية.

3- Cass. Crim. 11 avril 1959 – Bull. Crim. 1959 – N: 213

4- Cass. Crim. 13 novembre 1968. Bull. Crim. 1968. N: 294

5- علي قهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الثاني – مرجع سابق – ص 296

يبقى أن نضيف أنه إذا تبيّن لقاضي التحقيق عند إستماعه الى الشاهد، وجود أدلة كافية تبرر إتهام الشاهد كفاعل أو شريك في الجريمة، عليه أن يتوقف عن إستماعه كشاهد، وأن ينبهه أنه يوجه اليه أصابع الاتهام، وبأنه سيتابع سماعه كمدعى عليه مع ما يترتب على ذلك من حقوق (1). وفي الحالة التي يكون فيها الشاهد لا يُحسن اللغة العربية، يتوجب على قاضي التحقيق أن يعين له ترجماناً يؤدي مهمته بعد أن يحلف اليمين أمامه بأن يقوم بعمله بصدق وأمانة، ما لم يكن ترجماناً محلّفاً فلا يحلف اليمين (م 88 أ.م.ج).

ومن المعروف أنه ليس دائماً من يحلف اليمين يقول الحقيقة، فإذا تلكّأ الشاهد عن قول الحق، قد يترتب على ذلك وقوع قاضي التحقيق في الغلط أو في الخطأ في التقدير، وقد يؤدي ذلك الى تعريض حقوق الخصوم للضياع أو الى إخفاء الحقيقة، لذلك جاءت المادة 89 أصول جزائية تعالج هذه الحالة بنصّها على أنه: "إذا جزم الشاهد بالباطل أو أنكر الحقيقة أو كتم بعض أو كل ما يعرفه من وقائع القضية التي يسأل عنها، فيحيل قاضي التحقيق المحضر، الذي دُوِّنت فيه إفادته، الى النيابة العامة الاستئنافية لتلاحقه بجريمة شهادة الزور المنصوص عليها في المادة 408 من قانون العقوبات". وفيما يتعلّق بالمبدأ الذي يرعى ديباجة المحضر، فقد عالجته المادة 90 أصول جزائية بنصِّها على أنه: "لا يجوز أن يحصل حكّ في محضر التحقيق ولا أن يتخلّله تحشية أو إضافة. إذا إقتضى الأمر شطب كلمة أو زيادتها، وجب على قاضي التحقيق والكاتب والشاهد أن يصادقوا ويوقِّعوا على الشطب والتحشية والاضافة في هامش المحضر. تُعَدْ لاغية كل تحشية أو شطب أو إضافة غير مصادق عليها، وتخضع لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 87 من هذا القانون".

يستمع قاضي التحقيق الى القاصرين الذين لم يتمّوا الثامنة عشرة من عمرهم على سبيل المعلومات. إذا كان القاصر الذي تجاوز الخامسة عشرة من عمره قد حلف اليمين القانونية فلا تكون إفادته باطلة ولا يلاحق بجريمة شهادة الزور. يمنع من الشهادة أصول المدعى عليه وفروعه وإخوته وأخواته وأصهاره الذين هم من درجة الأخوة وزوجه ولو بعد الطلاق والمخبرون الذين يمنحهم القانون مكافأة مالية على الإخبار. لقاضي التحقيق أن يستمع الى إفادة كل من هؤلاء على سبيل المعلومات. (م 91 أصول جزائية).

لا يعفى الشاهد من الإدلاء بإفادته الاّ إذا أثبت أنه ملزم قانوناً بحفظ السرّ. إذا رأى قاضي التحقيق أن تذرع الشاهد بسر المهنة أو بالسر المصرفي في غير محلّه القانوني فيتّخذ، بعد أن يستطلع رأي النيابة العامة الاستئنافية، قراراً معلّلاً برد تذرعه. للشاهد أن يستأنف القرار في مهلة 24 ساعة من تاريخ إبلاغه إياه. على كل شخص توافرت لديه معلومات تنير التحقيق أن يبادر الى الادلاء بشهادته أمام قاضي التحقيق. إذا لم يفعل فتنزل به غرامة تتراوح بين ماية ألف ومايتي ألف ليرة. تستوفى منه على النحو الذي تستوفى فيه الأموال الأميرية. إذا كان من شأن هذه المعلومات أن تثبت براءة المدعى عليه فيلاحق من يتخلف عن الادلاء بها أو تقديم الأدلة عليها بمقتضى المادة 567 المعدلة من قانون العقوبات (م 92 أ.م.ج). ويقرر قاضي التحقيق للشاهد بدل إنتقاله ويلزم بدفعه من طلبه من الفرقاء. إذا كانت الدعوى مقامة بإسم الحق العام فيصرف من صندوق الخزينة (م 93 أ.م.ج).

لقاضي التحقيق، إذا كان الشاهد مقيماً خارج نطاق دائرته، أن يستنيب لسماع إفادته، قاضي التحقيق أو القاضي المنفرد الذي يقع ضمن نطاق دائرته محل إقامة الشاهد. على القاضي المستنيب أن يحدد للقاضي المستناب الوقوعات الواجب سؤال الشاهد عنها بدقة ووضوح كافيين. على القاضي المستناب أن يستمع الى إفادة الشاهد أصولاً بعد تحليفه اليمين وأن يرسل المحضر الذي يدوِّن فيه إفادته في ظرف مختوم الى القاضي المستنيب في أسرع وقت ممكن. (م 94 أ.م.ج). كل شخص تبلّغ أصولاً وجوب الحضور أمام قاضي التحقيق للإدلاء بشهادته ملزم بالمثول أمامه. إذا تخلّف عن ذلك دون عذر مشروع فيكرر قاضي التحقيق دعوته الى جلسة لاحقة بعد أن ينزل به غرامة تتراوح بين خمسين ألف وماية ألف ليرة. إذا تخلّف ثانية عن الحضور فيصدر مذكرة إحضار في حقه.

1- Bouzat et Pinatel: ‘’traité de droit pénal et de criminologie’’ – Tome II – édition Dalloz 1970 – page 1202.

إذا إدّعى الشاهد المرض، وأبرز تقريراً طبياً يثبته تبريراً لعدم حضوره، فلقاضي التحقيق أن يرفض هذا العذر إذا تبيّن له أنه غير جدي أو أن يعين طبيباً آخر أو لجنة طبية للكشف على الشاهد ولبيان ما إذا كانت حالته الصحية تمنعه من الحضور. إذا تبيّن له أن التقرير كاذب فيضع محضراً بذلك وبحيله الى النيابة العامة لتلاحق الشاهد والطبيب الذي وضع التقرير بموجب المادة 466 من قانون العقوبات. إذا كان العذر غير المرض، وتبيّن لقاضي التحقيق أنه كاذب، فينظّم تقريراً بذلك ويحيله الى النيابة العامة لتلاحق الشاهد بموجب المادة 407 من قانون العقوبات (م 95 أ.م.ج). لقاضي التحقيق، إذا استحال على الشاهد الحضور الى مكتبه، بسبب المرض أو العجز أو لظرف قاهر، أن ينتقل الى مكان وجوده لسماع إفادته بحضور كاتبه (م 96 أ.م.ج).

لقاضي التحقيق، عند عدم وجود كاتبه أو أحد كتبة دائرة التحقيق أو النيابة العامة أو المحاكم، أن يستعين بأحد رتباء قوى الأمن الداخلي لتدوين إفادة الشاهد بعد أن يحلفه اليمين بأن يقوم بعمله بصدق وأمانة. إذا لم يتيسّر له كاتب لتدوين المحضر فيمكنه أن يقوم بهذه المهمة بنفسه. لا يكون المحضر الذي يضعه في هذه الحالة الأخيرة باطلاً (م 97 أ.م.ج).

فقرة رابعة: الانتقال والتفتيش وضبط الأدلة وتعيين الخبراء:

بالاضافة الى الاستجواب وسماع الشهود، يحق لقاضي التحقيق أن يقوم بمجموعة من الاجراءات القانونية التي يراها مناسبة من أجل إتمام التحقيق الابتدائي. وقد تحدّث المشرع اللبناني عن هذه الاجراءات في المواد 98 حتى 105 أصول محاكمات جزائية جديد تحت عنوان "الإنتقال والتفتيش وضبط الأدلة". بناءً عليه، لقاضي التحقيق أن ينتقل مع كاتبه لإجراء الكشف الحسّي على مكان وقوع الجريمة أو لتفتيش أحد المنازل بحثاً عم مواد جرمية أو أشياء تنير التحقيق. عليه أن يُعلم النائب العام بإنتقاله. إذا رافقه فيقوم بإجراءات الكشف والتفتيش بحضوره والاّ قام به وحده. يتم الكشف أو التفتيش بحضور المدعي الشخصي والمدعى عليه. إذا لم يحضر أحدهما أو تعذّر عليه الحضور فيحصل بحضور وكيله أو شاهدين من أفراد عائلته أو شاهدين يختارهما قاضي التحقيق. ينظّم قاضي التحقيق محضراً مفصّلاً بإجراءات الكشف أو التفتيش يوقعه مع كاتبه وجميع الحاضرين. إذا ضبط أثناء التفتيش مواد جرمية أو أشياء تفيد التحقيق فعليه أن يصف كلاً منها ويبين ماهيته بدقة كافية. عليه أن يحفظ المواد والأشياء المضبوطة بحسب طبيعتها وأن يختمها بخاتم دائرة التحقيق وأن يلصق عليها ورقة يذكر فيها المحتويات المضبوطة ويوقعها قاضي التحقيق مع كاتبه والحاضرين. (المادة 98 فقرة 1+2+3). فإذن يفهم من المادة 98 أصول جزائية أن الهدف الجوهري من الانتقال والمعاينة هو كشف الحقيقة وقد قُضِيَ بأنه:

‘’Les perquisitions sont effectuées dans tous les lieux où peuvent se trouver des objets dont la découverte serait utile à la manifestation de la vérité’’ (1).

وأضافت المادة 98 أصول جزائية أنه: إذا كانت المضبوطات من الدفاتر والأوراق وكشوفات الحسابات فتوضع في مغلفات ممهورة بخاتم الدائرة وتحفظ في دائرة التحقيق بعد لصق البيان بمحتوياتها. إذا كانت المضبوطات من السبائك أو الأوراق النقدية أو المالية فتوضع في مغلفات تُمهر بخاتم الدائرة وتحفظ في صندوق قصر العدل بعد لصق البيان بمحتوياتها. إذا ضبطت أثناء التفتيش وثائق سرية فترقم ولا يطلع عليها سوى قاضي التحقيق وصاحبها. تحفظ في مغلفات ممهورة بخاتم الدائرة ويلصق عليها بيان يذكر فيه أنها سرية ويشار فيه الى عددها وأرقامها. فقاضي التحقيق ملزم القيام بجميع أعمال المعاينة الحسّية وفقاً للمعايير العلمية الحديثة وملزم أيضاً بتنظيم محضر مفصّل بهذه الإجراءات بالاضافة الى ضبط وختم المحتويات. إذا كان في عداد الأشياء المضبوطة ما لا يمكن نقله الى دائرة التحقيق أو مستودع الأمانات في قصر العدل، بسبب حجمه أو خطورته، فيسلّمه قاضي التحقيق الى من يراه مناسباً لحفظه بموجب محضر يوقعه مع كاتبه ومع صاحب الشيء المضبوط ومن استلمه. (م 99 أصول جزائية).

1- Cass. Crim – 27 octobre 1959 – Bull. Crim. 1959 – N:450

ما خلا الجريمة المشهودة، لا يحق لقاضي التحقيق، عند ملاحقته محامٍ، أن يفتش مكتبه الاّ بعد أن يُعلم نقيب المحامين بالأمر. عليه أن لا يخرق أثناء تفتيشه سر المهنة. للنقيب أو من ينتدبه أن يحضر أعمال التفتيش. لا يجوز إعتراض المخابرات التي يجريها المحامي المشتبه فيه الاّ بقرار قضائي لا يجوز إعتراض المخابرات التي يجريها المحامي المشتبه فيه الا بقرار قضائي وبعد إعلام نقيب المحامين. (م 100 أصول جزائية). وهذا النص يعمل به خارج الجريمة المشهودة، أما في حالة الجريمة المشهودة فإن ملاحقة المحامي جائزة وتفتيش مكتبه أيضاً وبالتالي يعامل كأي شخص من عامة الناس. وهذا التوجه ينسجم مع المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 8 تاريخ 11/03/1970 (1).

أما فيما يتعلق بالتنصّت فهو يشكل إستثناء لمبدأ حماية حرمة المحادثات الخاصة للناس. وبالتالي إنّ حسن سير العدالة وحماية المجتمع يقتضيان التنصّت وإعتراض مخابرات المحامي إذا كان من شأن ذلك كشف حقيقة جريمة مشتبه بها محامٍ. وإذا كان المبدأ أن قاضي التحقيق يضبط الأشياء التي لها علاقة بالتحقيق أي الأشياء والوثائق والمستندات المتعلقة بالجريمة الاّ أن المادة 101 أصول جزائية جاءت باستثناءٍ على هذه القاعدة بقولها: "إذا وجد قاضي التحقيق، أثناء التفتيش، أشياء ممنوعة يشكل إقتناؤها أو حيازتها جريمة من نوع الجنحة أو الجناية، فيضبطها، ولو كانت غير متعلقة بالجريمة التي يحقق فيها، وينظّم محضراً بها يوقعه مع كاتبه ومع من حضر التفتيش، ويرسلها مع المحضر الى النيابة العامة"...

ولا تُفَض أختام الأشياء المضبوطة والمحفوظة الاّ بحضور قاضي التحقيق وكاتبه والمدعى عليه أو وكيله والشخص الذي جرى التفتيش في منزله أو تمَّ إجراؤه بحضوره. في حال تخلّف أي من هؤلاء، فتُفَض في غيابه، شرط أن يكون قد تبلّغ موعد حصول هذه المعاملة.لقاضي التحقيق أن يطلع على البرقيات والرسائل ويحتفظ بما يراه منها ضرورياً لإظهار الحقيقة أو بما يكون أمر إطلاع الغير عليه ضاراً بالتحقيق. لا يحق له إفشاء مضمون أي برقية أو رسالة مضبوطة دون موافقة صاحب العلاقة. لا يجوز لقاضي التحقيق أن يطّلع على الرسائل المتبادلة بين المدعى عليه وبين وكيله المحامي (م 102 أ.م.ج). وهكذا وإحتراماً لمبدأ توازن الأشكال:

‘’Le parallélisme des formes’’ فإن المادة 102 جاءت تكمّل ما ورد في المادة 98 التي سبق شرحها، بمعنى آخر كما يتوجب على قاضي التحقيق أن يحترم الأصول المتبعة عند وضع الأختام، يتوجب عليه أيضاً إتباع نفس الأصول عند فضّها. إذا رأى قاضي التحقيق أن الاحتفاظ بالأشياء المضبوطة أو ببعضها لا يفيد التحقيق فيردها الى صاحب الحق إذا كان حقه خالياً من أيّ منازعة قضائية. إذا وجدت منازعة جدية حول حق ملكية أو حيازة الشيء المضبوط والذي يمكن رده فيستأخر قاضي التحقيق عملية الرد الى ما بعد الفصل في النزاع. إذا طلب المدعي الشخصي أو المدعى عليه إسترداد شيء من الأشياء المضبوطة فيبت قاضي التحقيق في الطلب بعد أن يستطلع موقف الخصم في الدعوى ورأي النيابة العامة. إن قراره في هذا الشأن قابل للإستئناف ضمن مهلة 24 ساعة من تاريخ إبلاغه الى المتضرر منه بين أطراف النزاع في الدعوى. (م 103 أ.م.ج).

والمقصود بالردّ هنا هو إعادة الحال الى ما كانت عليه قبل وقوع الجريمة وفقاً لأحكام المادة 130 من قانون العقوبات. والردّ يجب أن يتناول الشيء ذاته بطبيعته وليس أي مقابل له، أي إعادة الحال الى ما كانت عليه قبل الضبط. إذا رأى قاضي التحقيق إجراء تفتيش منزل واقع خارج دائرته، فيستنيب لهذا الإجراء قاضي التحقيق الذي يقع المنزل ضمن دائرته، أو القاضي المنفرد في الدائرة عينها. يحدّد له المهمة بدقة وتفصيل.

1- تنص المادة 79 من قانون تنظيم مهنة المحاماة المعدّل في 21/02/1991 على ما يلي: "باستثناء حالة الجرم المشهود، لا يستجوب محامٍ عن جريمة منسوبة اليه قبل إبلاغ الأمر لنقيب المحامين الذي يحق له حضور الاستجواب بنفسه أو بواسطة من ينتدبه من أعضاء مجلس النقابة".

على القاضي المستناب أن ينفذ هذه المهمة ويتبع الأصول في ضبط المواد الجرمية أو الأشياء التي تفيد التحقيق، وينظم محضراً بذلك يوقعه مع كاتبه ومع صاحب المنزل أو شاهدين، ويحيله مع المضبوط الى القاضي المستنيب ضمن ظرف ممهورٍ بخاتم دائرته وملصق عليه بيان بمحتويات المضبوط (م 4.1 أ.م.ج). وختمت المادة 105 أصول جزائية قائلة: "كل تفتيش يجري خلافاً للأصول المبنية آنفاً يكون باطلاً. تبطل تبعاً له إجراءات التحقيق المسندة اليه. إن البطلان لا يحول دون الأخذ بما توافر من معلومات تفيد التحقيق، بنتيجة التفتيش، إذا توافرت معها أدلة تؤيّدها. لا يبطل الإجراء إذا وافق المتضرر عليه".

تجدر الاشارة الى أن الاجراءات التحقيقية التي يقوم بها قاضي التحقيق تهدف الى كشف الحقيقة كما رأينا أعلاه، لذلك يحق له أن يستعين بخبير أو أكثر لجلاء بعض المسائل التقنية أو الفنية إذا كانت طبيعة الجريمة أو آثارها تستدعي ذلك. فله مثلاً أن يكلّف طبيباً شرعياً لتحديد أسباب الوفاة أو أن يعين خبيراً بالأسلحة والذخائر لمعرفة نوع السلاح المستعمل في جريمة أو أن يعين خبيراً في الخطوط لمعرفة ما إذا كان المستند موضوع الدعوى العالقة لديه مزوّراً أم لا (1).

والملاحظ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يتطرّق الى أعمال الخبرة بشكل تفصيلي باستثناء بعض المواد الموزّعة في مواقع متفرّقة من أحكامه (2). وفي الواقع إن القانون الذي ينظم عمل الخبراء هو المرسوم الإشتراعي رقم 65 تاريخ 09/09/1983. ويعين الخبير من قبل قاضي التحقيق أو قاضي الحكم عندما تستوجب ذلك ضرورات التحقيق، وأحياناً يطلب أحد فرقاء الدعوى تعيين خبير وكذلك الأمر النائب العام. وفي كل الأحوال إن القاضي غير ملزم بتعيين الخبير ولو طلبه أحد الفرقاء إذا لم يجد في الدعوى ما يبرّر ذلك.

الفصل الرابع: قرارات قاضي التحقيق:

يصدر قاضي التحقيق العديد من القرارات التي يمكن تقسيمها الى قسمين أساسيين وفقاً للمرحلة التي يكون فيها التحقيق الإبتدائي. فأثناء السير بالدعوى العامة يُصدر قاضي التحقيق بعض القرارات الإدارية مثل قرار تعيين مواعيد الجلسات ودعوة الأشخاص إليها، ويُصدر أيضاً بعض القرارات القضائية مثل قرار الترك وقرار التوقيف وقرار إخلاء السبيل وغيرها (الفقرة الأولى). وعندما يصل قاضي التحقيق الى نهاية التحقيق يتخذ قراراً بإختتامه ويكون أمام خيارين إما الظن بالمدعى عليه وإما منع المحاكمة عنه (الفقرة الثانية).

فقرة أولى: القرارات التي يتخذها أثناء السير بالدعوى العامة:

يقصد بذلك القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق خلال التحقيق، وقد تحدث المشرع عن هذه المرحلة في المواد 106 حتى 120 أصول جزائية، ويمكن إختصارها بالقرارات التالية: قرار تعيين جلسة ودعوة إليها (بند أول) وقرار الترك (بند ثاني) وقرار التوقيف (بند ثالث) وقرار إخلاء السبيل (بند رابع).

بند أوَّل: قرار تعيين جلسة والدعوة إليها:

نصّت المادة 106 أصول جزائية على أنه: "لقاضي التحقيق أن يصدر ورقة دعوة يدعو فيها المدعي الشخصي أو المدعى عليه أو الشاهد أو المسؤول بالمال أو الضامن الى الجلسة التي يحددها ويعين فيها اليوم والساعة.

على المدعى عليه أن يحضر الى دائرة قاضي التحقيق بعد تبليغه ورقة دعوته (Randat de comparution) وأن يمثل أمامه.

1- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 225.

2- لطفاً تراجع المواد: 34 و 41 و 77 و 95 و 248 و 253 أصول جزائية جديد.

إذا لم يحضر، دون أن يبدي عذراً مشروعاً، أو خشي قاضي التحقيق فراره فيصدر مذكرة إحضار في حقه تتضمن أمراً خطياً الى قوى الأمن لتأمين إحضاره خلال 24 ساعة من موعد الجلسة المقرر. تتولى النيابة العامة مهام تنفيذ مذكرة الإحضار". وهذا يعني أن قاضي التحقيق غير ملزم بإصدار مذكرة إحضار (Mandat d’amener) بصورة مباشرة، بل يمكنه أن يبدأ تحقيقه الإبتدائي بقرار دعوة المطلوب إستجوابه أو المطلوب سماعه، إن قرار قاضي التحقيق بتعيين جلسة للإستجواب ودعوة المعنيين بالأمر هو قرار إداري يتخذه قاضي التحقيق وفقاً لمعطيات الملف الموجود بين يديه. وقرار الدعوة لا يتضمّن إلزاماً بالحضور أمام قاضي التحقيق إذ أن من وُجِّهت إليه يبقى مخيّراً بتلبيتها أو برفضها طالما أن قاضي التحقيق بإمكانه إستبدالها بمذكرة إحضار، إذا كانت مذكرة الدعوة موجهة الى المدعى عليه أو الشاهد. أما إذا كانت مذكرة الدعوة موجهة الى المدعي الشخصي أو المسؤول بالمال أو الضامن فإن قاضي التحقيق لا يصدر في حال تخلفهم عن الحضور مذكرات إحضار على أساس أن المشترع لم يعلّق عدم تلبيتهم دعوة الحضور على إلزامات معينة (1).

ومن البديهي القول أن قرار قاضي التحقيق بتعيين جلسة ودعوة المطلوب إستجوابهم أمامه وإن كان قراراً إدارياً فهو قابل للإستئناف وفقاً لأحكام المادة 135 أصول جزائية على أساس أن للنيابة العام أن تستأنف جميع قرارات قاضي التحقيق الإدارية والتحقيقية والقضائية. وأضافت المادة 107 أصول جزائية أنه: "يستجوب قاضي التحقيق في الحال المدعى عليه المطلوب بورقة دعوة. أما المدعى عليه الذي أحضر بمذكرة إحضار فيستجوبه خلال 24 ساعة من وقت تنفيذ مذكرة الإحضار في حقه. عند إنقضاء الأربع والعشرين ساعة يُحضِر رئيس النظارة، من تلقاء نفسه، المدعى عليه الى النائب العام الذي يطلب من قاضي التحقيق إستجوابه. إن أبى أو كان غائباً أو حال دون إستجوابه مانع شرعي فيطلب النائب العام من قاضي التحقيق الأول أن يستجوبه أو يعهد الى أحد قضاة التحقيق بذلك. إن تعذّر إستجوابه فيأمر النائب العام بإطلاق سراحه في الحال. إذا إستمرّ إحتجازه أكثر من 24 ساعة دون أن يُحضَر الى النائب العام فيُعَدْ هذا التوقيف عملاً تعسُّفياً ويلاحق الموظف المسؤول عنه بجريمة حرمان الحرية الشخصية...".

تجدر الاشارة الى أن المادة 95 أصول جزائية أجازت دعوة الشاهد الى الجلسة المقرّرة أمام قاضي التحقيق لإستماعه بموجب مذكرة إحضار. أما المدعي الشخصي أو المسؤول بالمال أو الضامن فلا يدعون بالإحضار أي بموجب مذكرة إحضار. بعد إستجواب المدعى عليه يقرر قاضي التحقيق إما تركه وإما توقيفه وجاهياً وإما توقيفه غيابياً إذا كان متوارياً عن الأنظار.

بند ثاني: قرار الترك:

عندما يحيل النائب العام المدعى عليه موقوفاً أمام قاضي التحقيق، فعلى هذا الأخير أن يستجوبه في الحال فإذا وجد أن توقيفه لا ضرورة له، فإنه يتخذ قراراً بتركه حرّاً أو لقاء سند إقامة. ومن البديهي القول أن هذا قرار يكون مخالفاً لرأي النائب العام الذي يكون قد عبَّر عنه بإحتجاز المدعى عليه (2).

إن قرار الترك الصادر عن قاضي التحقيق لا ينفذ على الفور إذا تمّ إستئنافه من قبل النائب العام أو المدعي الشخصي، بمعنى آخر إن إستئناف هذا القرار من شأنه أن يوقف تنفيذه لمدة 24 ساعة وهي المدة التي أعطاها المشرع للهيئة الإتهامية لكي تبت بالإستئناف. ووفقاً لأحكام المادة 138 أصول جزائية إذا إنقضت المهلة المحددة للإستئناف دون أن تبت الهيئة الإتهامية به، يتوجب على النائب العام أن يطلق سراح المدعى عليه الموقوف حكماً بدون أي تأخير.

1- د. سليمان عبد المنعم: "أصول المحاكمات الجزائية" – دراسة مقارنة – الكتاب الثاني – منشورات الحلبي الحقوقية – طبعة 2003 – ص 885.

2- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 232 وما يليها.

وفي الحالة التي تفسخ فيها الهيئة الإتهامية قرار قاضي التحقيق بترك المدعى عليه، يحق لها أن تصدر بحقه مذكرة توقيف وتعيد الملف الى قاضي التحقيق لمتابعة التحقيق وفقاً لأحكام المادة 139 أ.م.ج. ولكن ما يستدعي الإنتباه هنا أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد بخلاف القانون القديم أعطى المدعي الشخصي حق إستئناف قرار الترك علماً أن هكذا قرار لا يضر بحقوقه الشخصية بإعتبار أن التوقيف أو عدمه مسألة تتعلق بالدعوى العامة. كما أن إستئناف المدعى الشخصي لقرار الترك من شأنه إبقاء المدعى عليه موقوفاً لمدة أطول لأن مهلة الإستئناف للمدعي الشخصي تبدأ من تاريخ إبلاغ القرار وليس من تاريخ صدوره (1). وقرار الترك ليس الخيار الوحيد الذي يلجأ اليه قاضي التحقيق بعد إستجواب المدعى عليه، إنما هناك خيار آخر وهو توقيف المدعى عليه وجاهياً أو غيابياً وهذا ما سنراه بالتفصيل في البند الثالث.

بند ثالث: قرار التوقيف:

نصت الفقرة الثالثة من المادة 107 أصول جزائية على أنه: "بعد أن يستجوب قاضي التحقيق المدعى عليه، ويستطلع رأي النيابة العامة، يمكنه أن يصدر قراراً بتوقيفه شرط أن يكون الجرم المسند اليه معاقباً عليه بالحبس أكثر من سنة أو أن يكون قد حكم عليه قبلاً بعقوبة جنائية أو بالحبس أكثر من ثلاثة أشهر دون وقف التنفيذ".

يستفادْ من ذلك أن إصدار مذكرة التوقيف الوجاهية (Mandat d’arrêt contradictoire) بحق المدعى عليه لا يمكن أن يتم الاّ بعد إستجوابه، ويشترط إستطلاع رأي النيابة العامة لإجراء التوقيف، أي الاستماع الى رأيها بشأن تحقق مبررات التوقيف الوجاهي، بمعنى آخر إن إستطلاع رأي النيابة العامة قبل إصدار مذكرة التوقيف الوجاهية هو أمر ضروري، أما الأخذ برأيها فهو أمر إختياري يعود لقاضي التحقيق وفقاً لسلطته الإستنسابية حيال هذا الأمر. ومن البديهي القول أنه عندما تطلب النيابة العامة في ورقة الطلب توقيف المدعى عليه لا يعود هناك من مبرِّرٍ لإستطلاع رأيها من قبل قاضي التحقيق. ولكن هل لقاضي التحقيق حق إصدار مذكرة توقيف وجاهية في كل الحالات؟

في الواقع أفتت المادة 107 بضرورة توافر الشروط التالية:

1- أن يكون الجرم المسند الى المدعى عليه معاقباً عليه بالحبس أكثر من سنة أو أن يكون قد حكم على المدعى عليه قبلاً بعقوبة جنائية أو بالحبس أكثر من ثلاثة أشهر دون وقف التنفيذ (2).

2- أن يعلّل قاضي التحقيق قراره بالتوقيف مبيِّناً الأسباب الواقعية والمادية التي إستند اليها لإصدار قراره.

3- أن يكون التوقيف الإحتياطي ‘’Détention préventive’’ هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على أدلة الإثبات أو المعالم المادية للجريمة للحيلولة دون ممارسة الإكراه على الشهود أو على المجنى عليهم أو لمنع المدعى عليه من إجراء أي إتصال بشركائه في الجريمة أو المسهمين فيها، أو أن يكون الغرض من توقيفه حمايته هو نفسه أو وضع حدّ لمفعول الجريمة أو الرغبة في إتقاء تجددها أو منع المدعى عليه من الفرار أو تجنيب النظام العام أي خلل ناجم عن الجريمة.

4- يجب أن تتضمن مذكرة التوقيف تاريخ صدورها وبياناً بهوية المدعى عليه وبوصف الجريمة المسندة اليه وبالمادة القانونية المنطبقة عليه وتوقيع قاضي التحقيق الذي أصدرها وخاتم دائرته.

1- أنظر بخلاف ذلك إجتهاد صادر عن الهيئة الإتهامية في جبل لبنان – قرار رقم 346 – تاريخ 19/10/1995 – مجموعة إجتهادات الهيئة الإتهامية للقاضي رالف رياشي.

2- نرى بضرورة الإستحصال على سجل عدلي للمدعى عليه من قبل سلطة الملاحقة قبل إحالته الى قاضي التحقيق لمعرفة مدى إمكانية توقيفه أو على الأقل إرفاق نسخة عن السجل العدلي في ورقة الطلب التي ترفع أمام قاضي التحقيق لمعرفة الإجراء الواجب إتخاذه حيال المدعى عليه.

5- يجب أن يبلَّغ المدعى عليه قرار توقيفه ولو كان موقوفاً بجريمة أخرى ويترك له صورة عن وثيقة تبليغه. وأضافت المادة 107 أصول جزائية أن عدم مراعاة الأصول المشار اليها أعلاه تؤدي الى تغريم الكاتب بمبلغ مليوني ليرة على الأكثر. تفرض الغرامة المحكمة التي يدلى أمامها بهذه المخالفة. وأعطت المادة 107 أ.م.ج. المدعى عليه الحق باستئناف قرار قاضي التحقيق بتوقيفه خلال 24 ساعة من تاريخ إبلاغه إياه، ولكن إستئناف القرار لا يوقف تنفيذه.

تجدر الإشارة الى أن قاضي التحقيق بإمكانه أن يصدر مذكرة توقيف غيابية ‘’Mandat d’arrêt par défaut’’ إذا كان المدعى عليه متوارياً عن الأنظار. وهنا تطبق نفس الإجراءات المطبقة بشأن مذكرة التوقيف الوجاهية كإستطلاع رأي النيابة العامة وضرورة تعليل القرار وما الى ذلك. وختمت المادة 107 أصول جزائية بقولها أنه "إذا تعذّر تنفيذ قرار التوقيف الغيابي في حق المدعى عليه فيجري تبليغه إياه بتعليق صورة على باب سكنه الأخير بحضور مختار المحلة أو شاهدين من الجيران وينظم محضراً بذلك". وأشارت المادة 109 أصول جزائية الى مسألة تنفيذ مذكرة التوقيف الغيابية إذ نصّت على أنه: "من يقبض عليه تنفيذاً لقرار توقيفي غيابي يحضر بلا إبطاء الى النيابة العامة في مركز قاضي التحقيق الذي أصدر القرار فتعطي الموظف الذي نفّذ القرار إيصالاً بتسلّمها الموقوف وترسله الى محلّ التوقيف وتحيط قاضي التحقيق علماً بالأمر.

على قاضي التحقيق أن يقرر إحضار الموقوف في الحال وأن يستجوبه وفقاً لأحكام المواد 74 وما يليها من هذا القانون. على من كُلِّف من قوى الأمن بتنفيذ قرار التوقيف الغيابي أن يدخل المنزل الذي تتوافر لديه الأدلة على أن المدعى عليه الموقوف غياباً قد لجأ اليه. إنما لا يجوز دخوله الاّ في الفترة الممتدة بين الخامسة صباحاً والثامنة ليلاً...". أما فيما يتعلّق بمدة التوقيف الإحتياطي فقد عالجتها المادة 108 أصول جزائية جديد بنصِّها: "ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدّتها سنة على الأقل، لا يجوز أن تتعدّى مدّة التوقيف في الجنحة شهرين. يمكن تمديدها مدة مماثلة كحدّ أقصى في حالة الضرورة القصوى. ما خلا جنايات القتل والمخدرات والإعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية، لا يجوز أن تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر، يمكن تجديدها لمدة واحدة بقرار معلَّل. لقاضي التحقيق أن يقرِّر منع المدعى عليه من السفر مدة لا تتجاوز الشهرين في الجنحة والسنة في الجناية من تاريخ إخلاء سبيله أو تركه...".

والمعلوم أن التوقيف الإحتياطي هو تدبير مانع للحرية يقضي بوضع المدعى عليه في السجن لمدة غير محدودة قد تمتد الى ما بعد التحقيق، أي حتى مثوله أمام المحكمة أو صدور الحكم عليه. وقد تنتهي أثناء التحقيق أو بعده باتخاذ قرار بإخلاء سبيله، ويكون ذلك تنفيذاً لمذكرة توقيف أو لمذكرة إلقاء قبض (1). ولا بُدَّ من التمييز بين التوقيف الإحتياطي الذي يعتبر نتيجة منطقية لمذكرة توقيف أو إلقاء قبض وبين التوقيف المؤقت الذي يعتبر تنفيذاً لمذكرة إحضار إذ يوقف الشخص الوقت الكافي لمثوله أمام قاضي التحقيق أو النيابة العامة. وكذلك هناك ما يسمى بالإحتجاز على ذمة التحقيق لمدة أربعة أيام كحدّ أقصى تقوم به النيابة العامة تطبيقاً للمادة 32 أصول جزائية، وقد تقوم به الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة فيما لو تعذّر ذلك على النيابة العامة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: من له حق تسطير مذكرة توقيف؟

من الطبيعي القول أن قاضي التحقيق هو صاحب الإختصاص الأصيل في إصدار مذكرة التوقيف وفقاً لما شرحناه أعلاه، ولكن قانون أصول المحاكمات الجزائية أعطى الهيئة الإتهامية بوصفها قضاء تحقيق من الدرجة الثانية حق إصدار مذكرات توقيف أو إلقاء قبض (2). ولم يقف المشرع اللبناني عند هذا الحدّ بل أعطى القاضي المنفرد الجزائي حق إصدار مذكرات توقيف وذلك في حالتين:

1- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – طبعة أولى 2013 مرجع سابق – ص 592.

2- لطفاً تراجع المواد 130 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.

· الحالة الأولى ووردت في المادة 177 أ. م. ج. بحيث أنه عندما يعلن القاضي المنفرد الجزائي عدم إختصاصه كون الفعل جناية، يكون له أن يصدر بحق المدعى عليه مذكرة توقيف وفقط في حال كانت الدعوى مقدمة أمامه مباشرةً من المتضرّر، والاّ إكتفى بإعلان عدم إختصاصه وأحال الدعوى الى النيابة العامة.

· الحالة الثانية ذكرتها المادة 193 أ.م.ج. وهي عند إصدار القاضي المنفرد الجزائي حكماً بإدانة المدعى عليه ويكون هذا الحكم وجاهياً وعقوبته تفوق السنة حبس، عندها له حق إصدار مذكرة توقيف بحق المحكوم ويشترط أن تكون المذكرة معلَّلة وإستئنافها لا يوقف تنفيذها.

لقاضي التحقيق أن يقرر، في أثناء معاملات التحقيق، مهما كان نوع الجريمة، إسترداد مذكرة التوقيف بموافقة النائب العام. على أن يتّخذ المدعى عليه محل إقامة في المدينة أو البلدة التي يقع فيها مركز قاضي التحقيق ما لم يكن له في أي منهما محل إقامة حقيقي ليبلغ فيه جميع المعاملات المتعلقة بالتحقيق وبإنفاذ الحكم (المادة 110 أصول محاكمات جزائية). ولكن المشرع اللبناني لم يحدّد نوع مذكرة التوقيف التي يمكن إستردادها من قبل قاضي التحقيق فهل هي مذكرة التوقيف الوجاهية أم الغيابية؟ في الواقع هناك جدل فقهي حول هذا الموضوع فبعض الفقه (1) يعتبر أنه بإمكان قاضي التحقيق إسترداد مذكرة التوقيف الوجاهية أو الغيابية بحجة أن نص المادة 110 لم يميِّز بين نوع وآخر من مذكرات التوقيف عملاً بالقاعدة الكلية:

‘’Il est défendu de distinguer là où la loi ne distingue pas’’.

والبعض الآخر (2) يعتبر أن الإسترداد يتعلق بمذكرة التوقيف الغيابية دون الوجاهية ويبرِّر ذلك بأن القانون إشترط على المدعى عليه أن يتّخذ محل إقامة مختار كي يحق له إسترداد مذكرة توقيفه بحيث يحل محل الإقامة محل التوقيف. ولهذا لا ينطبق مفهوم الإسترداد على مذكرة التوقيف الوجاهي لأن هذه المذكرة يكون المدعى عليه الموقوف قد بدأ ينفّذها وبالتالي فإن وضع حدّ لها لا يكون الاّ بقرار إخلاء سبيل بحق أو بكفالة، ونحن نؤيّد هذا التوجه الفقهي. ويبقى التساؤل التالي: هل يستطيع قاضي التحقيق الإستعاضة عن توقيف المدعى عليه أو المشتبه به؟

لقد أخذ المشرع اللبناني عن المشرع الفرنسي إجراء المراقبة القضائية ‘’Contrôle judiciaire’’ الذي يسمح بالتوفيق بين حرية الشخص وحماية الحقيقة وهذا ما كرّسته المادتان 111 و 112 أصول محاكمات جزائية جديد. فالمادة 111 أصول جزائية تنص على أنه: "لقاضي التحقيق، مهما كان نوع الجرم، وبعد إستطلاع رأي النيابة العامة، أن يستعيض عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية، وبإلزامه بموجب أو أكثر من الموجبات التي يعتبرها ضرورية لإنفاذ المراقبة، منها:

أ- إلتزام الإقامة في مدينة أو بلدة أو قرية ومنع مبارحتها وإتخاذ محل إقامة فيها.

ب- عدم التردد على محلات أو أماكن معيّنة.

ج- إيداع جواز السفر لدى قلم دائرة التحقيق وإعلام المديرية العامة للأمن العام بذلك.

د- التعهّد بعدم تجاوز دائرة المراقبة وإثبات الوجود دورياً لدى مركز المراقبة.

هـ- عدم ممارسة بعض المهن التي يحظر عليه قاضي التحقيق ممارستها طيلة مدة المراقبة.

1- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الرابع – مرجع سابق – ص 389 وما يليها.

2- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 241.

و- الخضوع للفحوصات الطبية والمخبرية دورياً في خلال مدة يعيّنها قاضي التحقيق.

ز- تقديم كفالة ضامنة يعين مقدارها قاضي التحقيق.

لقاضي التحقيق أن يعدّل في موجبات الرقابة التي فرضها كلما رأى ذلك مناسباً إذا أخلَّ المدعى عليه بأحد موجبات المراقبة المفروضة عليه فلقاضي التحقيق أن يقرِّر، بعد إستطلاع رأي النيابة، إصدار مذكرة توقيف في حقّه ومصادرة الكفالة لمصلحة الخزينة". وأضافت المادة 112 أصول جزائية أنه: "للمدعى عليه الموضوع تحت المراقبة القضائية أن يطلب رفع الرقابة عنه. على قاضي التحقيق أن يبت في طلبه، بعد إستطلاع رأي النيابة العامة، في خلال ثلاثة أيام على الأكثر من تاريخ تسجيله في قلم دائرة التحقيق. يقبل قراره الإستئناف أمام الهيئة الإتهامية وفقاً للأصول المتبعة في إستئناف قرارات قاضي التحقيق". أما فيما يتعلّق بالأحداث فهل يحق لقاضي التحقيق توقيفهم؟

للإجابة على هذا التساؤل لا بُدَّ من العودة الى أحكام قانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرَّضين للخطر (1) إذ نلاحظ أنه يحق لقاضي التحقيق توقيف الحدث الذي أتمَّ الثانية عشرة من عمره في حالتين:

· إذا إرتكب جرماً معاقباً عليه بالحبس سنة على الأقل.

· إذا إقتضت ظروف وحاجات التحقيق وسلامته والحفاظ على الأدلة والحؤول دون هرب الحدث المحتمل. ويتم التوقيف في هذه الحالة في الأمكنة المحددة لتوقيف الأحداث أو في دار الملاحظة.

أما الأحداث الذين لم يتموا الثانية عشرة فلا يجوز توقيفهم إلاّ إذا وجدوا متسولين أو متشردين. ويتم توقيفهم في مؤسسة إجتماعية متخصِّصة (2).

يبقى أمامنا القرار الأخير من جملة القرارات التي يتّخذها قاضي التحقيق أثناء السير بالدعوى العامة وهو قرار إخلاء السبيل.

بند رابع: قرار إخلاء السبيل:

تحدّث المشرع اللبناني عن قرارات إخلاء السبيل في المواد 113 حتى المادة 120 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. إن المتصفح لهذه المواد يلاحظ أن المشرع تبنّى صورتين لإخلاء السبيل: الصورة الأولى وهي إخلاء سبيل بحق أو ما يُعرف بإخلاء السبيل الوجوبي، والصورة الثانية وهي إخلاء السبيل بكفالة أو إخلاء السبيل الجوازي. كما ينهض لنا من خلال هذه المواد أنه بإمكان قاضي التحقيق توقيف المدعى عليه مجدّداً بعد إخلاء سبيله كما سنرى تباعاً.

أ- إخلاء السبيل بحق أو إخلاء السبيل الوجوبي:

نصّت المادة 113 أصول جزائية على أنه: "إذا كانت الجريمة من نوع الجنحة، وكان الحدّ الأقصى للعقوبةلا يتجاوز الحبس مدّة سنتين، وكان المدعى عليه لبنانياً ، وله مقام في لبنان، فيخلى سبيله بحق بعد إنقضاء خمسة أيام على تاريخ توقيفه، شرط الاّ يكون قد حُكم عليه سابقاً بعقوبة جرم شائن أو بعقوبة الحبس مدة سنة على الأقل. يتعهّد المدعى عليه المخلى سبيله بحضور جميع معاملات التحقيق وإجراءات المحاكمة وإنفاذ الحكم".

1- يحمل هذا القانون الرقم 422 تاريخ 06/06/2002 وقد ألغي بموجبه قانون الأحداث القديم رقم 119/1983.

2- المتسوّل هو الحدث الذي يمتهن إستجداء الإحسان بأية وسيلة كانت، أما المتشرّد فهو من يترك مسكنه ليعيش في الشوارع والمحلات العامة أو من لم يكن له مسكن ووجد في الحالة الموصوفة أعلاه (المادة 25 من القانون رقم 422/2004).

يُفهم من هذا النص أن التوقيف الإحتياطي ينتهي بحكم القانون عند تحقق الشروط الواردة فيه، أي أن إخلاء سبيل المدعى عليه يتم بصورة وجوبية حتى ولو لم يتقدّم بطلب إخلاء سبيل بهذا الشأن أمام قاضي التحقيق. فقاضي التحقيق الذي أوقف المدعى عليه إحتياطياً هو نفسه الذي يخلي سبيله وجوباً طالما أنه لا يزال واضعاً يده على التحقيق عملاً بقاعدة توازن الأشكال .‘’Parallèlisme des formes’’ ولكي يُخلى سبيل المدعى عليه بحق يشترط ما يلي:

1- أن يكون الجرم المدعى به من نوع الجنحة التي لا تزيد عقوبتها عن السنتين حبساً.

2- أن يكون لبنانياً وله مقام في لبنان.

3- الاّ يكون محكوماً سابقاً بجرم شائن (مثال: السرقة، الاحتيال، إساءة الأمانة، إختلاس، رشوة، تزوير وغيرها...).

4- الاّ يكون محكوماً سابقاً من أجل أفعال أخرى بعقوبة الحبس مدة سنة على الأقل.

5- أن يتعهّد حضور جميع معاملات التحقيق وإجراءات المحاكمة وإنفاذ الحكم.

6- أن يكون قد مضى على توقيفه مدة خمسة أيام.

ولكن السؤال الذي يُطرح هنا هو التالي: متى تبدأ مدة الخمسة أيام؟

هل من تاريخ صدور قرار التوقيف أم من تاريخ تنفيذه أم من تاريخ إحتجاز المدعى عليه أمام الضابطة العدلية؟

نرى بأن مدة الخمسة أيام تبدأ من تاريخ إحتجاز المدعى عليه أمام الضابطة العدلية وفقاً لمنطوق الفقرة الرابعة من المادة 47 أصول جزائية التي تنص على إحتساب فترة إحتجاز المدعى عليه من مدة توقيفه (1).

ب- إخلاء السبيل بكفالة أو إخلاء السبيل الجوازي.

نصَّت المادة 114 أصول جزائية على أنه: "في جميع الجرائم الأخرى، وإذا لم تتوافر شروط تخلية السبيل بحق، يمكن لقاضي التحقيق، بعد إستطلاع رأي النيابة العامة، أن يقرّر إخلاء سبيل المدعى عليه الموقوف، إذا استدعاه وتعهّد في إستدعائه بحضور جميع معاملات التحقيق والمحاكمة وإنفاذ الحكم، لقاء كفالة أو دونها.

تتضمّن الكفالة:

1- حضور المدعى عليه معاملات التحقيق والمحاكمة وإنفاذ الحكم.

2- الغرامات والرسوم والنفقات القضائية.

3- النفقات التي عجَّلها المدعي الشخصي.

4- جزءاً من التعويضات الشخصية.

1- أنظر بخلاف ذلك: د. سليمان عبد المنعم: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 894.

ود. علي القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – الكتاب الثاني مرجع سابق – ص 339.

يحدّد قاضي التحقيق مقدار الكفالة ونوعها والمبلغ المخصص لكل من أقسامها ويمكنه تعديل مقدارها أو نوعها عند الإقتضاء". وهكذا نلاحظ أن إخلاء السبيل الجوازي يطبق في كلّ مرّة لا تتوافر فيها شروط تخلية السبيل بحق، وبالتالي إن طلب إخلاء السبيل الجوازي يمكن تقديمه في جميع الجرائم الأخرى خارج تلك المنصوص عليها في المادة 113 أ.م.ج. ويتوجب على المدعى عليه أن يتقدم بطلب إخلاء سبيل أمام قاضي التحقيق الذي يتمتع بسلطة إستنسابية في قبول أو عدم قبول هذا الطلب، وفي الحالة التي يرفض فيها تخلية السبيل يتوجب على قاضي التحقيق تعليل ذلك.

بمعنى آخر إن نظام إخلاء السبيل الجوازي لا يأتي من لدُن قاضي التحقيق عفواً، كما هو الحال بالنسبة لإخلاء السبيل الوجوبي بل بناءً على طلب المدعى عليه الموقوف. ولقد أعطى المشرِّع قاضي التحقيق سلطة تقديرية في تقرير إخلاء السبيل لقاء كفالة أو بدونها. وفي الحالة التي يقرّر فيها قاضي التحقيق إخلاء السبيل لقاء كفالة يتوجب عليه أن يبين الضمانات أي الموجبات الأربعة المنصوص عليها في متن المادة 114 أ.م.ج. السالفة الذكر. كما أن لقاضي التحقيق أن يحدّد مقدار الكفالة ونوعها والمبلغ المخصَّص لكلٍّ من أقسامها بشكل يتماشى مع إمكانيات المدعى عليه الموقوف وإلاّ تعطّل النظام البديل للتوقيف أي نظام إخلاء السبيل بكفالة كلما تبيَّن أن المدعى عليه غير قادر على تأمين هذه الكفالة. والفقه الفرنسي ثابت بهذا الإتجاه إذ نقرأ للعلامة Faustin Hélie ما يلي:

‘’Le cautionnement doit être proportionné aux moyens pécuniaires du prévenu… Le taux doit être une garantie, sans être un obstacle à la liberté, il doit être un bien pour tous et non un privilège pour quelques-uns’’.(1)

كما أضافت المادة 117 أ.م.ج. الحديث عن الكفالة وأنواعها إذ نصّت على أنه: "يمكن أن تكون الكفالة نقدية، أو أسناداً على الدولة، أو مصرفية، أو تجارية، أو عقارية. إذا كانت نقدية أو أسناداً على الدولة، فتودع في صندوق قصر العدل لقاء إيصال. إذا كانت مصرفية، فتتم بإبراز سند كفالة صادرة عن المصرف الكفيل أصولاً يودع في ملف الدعوى. ويذكر على المحضر التأسيسي تاريخ وروده باليوم والساعة وإسم المصرف الكفيل ومقدار المبلغ المثبت في سند الكفالة ورقم هذا السند. إذا كانت الكفالة تجارية، فتتم بإبراز سند كفالة صادر عن المرجع التجاري، شخصاً كان أم مؤسسة أم شركة. يُسجَّل في المحضر التأسيسي، لدى قاضي التحقيق، إسم الكفيل وعنوانه ومقدار المبلغ المثبت في السند. كما توضع في السجل التجاري إشارة سند الكفالة في ملف الكفيل. إذا كانت الكفالة عقارية، فترفق بتقرير خبير محلّف يحدد فيه رقم العقار وموقعه ومساحته وتخمين مفصَّل لثمنه. توضع إشارة هذه الكفالة على الصحيفة العينية للعقار. يحفظ أصل سند الكفالة والتقرير في صندوق قصر العدل. يُلحظ ذكرهما في المحضر التأسيسي.

لكل من المدعي الشخصي ومن المدعى عليه، ضمن المهلة المنصوص عليها في المادة 116 من هذا القانون، أن يستأنف الشق المتعلّق بمقدار الكفالة من قرار تخلية السبيل".

يُرد للمدعى عليه بناءً لطلبه القسم الأول من الكفالة، في الحالات التالية:

1- إذا حضر معاملات التحقيق والمحاكمة وإمتثل لإنفاذ الحكم. أما إذا تخلَّف عن حضور إحدى معاملات التحقيق أو المحاكمة أو لم يرضخ لإنفاذ الحكم فيصادر هذا القسم لمصلحة الخزينة بقرار من المرجع القضائي الذي قدم اليه طلب إستعادة الكفالة.

2- إذا صدر قرار بسقوط الدعوى العامة بسبب الوفاة فيرد هذا القسم من الكفالة الى الورثة.

3- إذا صدر قرار بسقوط الجريمة بالعفو العام أو الخاص.

1- Faustin Hélie: ‘’traité d’instruction criminelle’’ – tome IV – n:1997.

أما إذا كان قرار قاضي التحقيق قاضياً بمنع المحاكمة عن المدعى عليه فيسترد هذا الأخير الكفالة بجميع أقسامها. يكون للمرجع القضائي الواضع يده على الدعوى أو الذي حكم فيها في غرفة المذاكرة صلاحية الفصل في النزاع الناشئ عن تطبيق الأحكام المقررة أعلاه وذلك بناءً لإستدعاء صاحب العلاقة. (المادة 118 أ.م.ج.). إن تنفيذ القسمين الأول والثاني من الكفالة تتولاه النيابة العامة فيما ينفذ القسمان الثالث والرابع منها بواسطة دائرة التنفيذ بعد أن يكون الحكم قد أصبح مبرماً. (المادة 119 أ.م.ج.).

ولكن كيف تتم إجراءات إخلاء السبيل على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد؟

في الواقع لقد خصّص المشرع المادتين 115 و 116 أ.م.ج. للإجابة عن هذا التساؤل وذلك على الشكل التالي:

· يقدم المدعى عليه أو وكيله طلب إخلاء السبيل الى قاضي التحقيق قبل إصداره القرار الظني لأن صدور هذا القرار يرفع يد قاضي التحقيق عن الدعوى العامة.

· تبلَّغ نسخة عن الطلب الى المدعي الشخصي في محل إقامته المختار ليبدي ملاحظاته عليه في مهلة 24 ساعة من تاريخ تبليغه إياه.

· بعد إنقضاء مدة 24 ساعة على تبليغ المدعي الشخصي نسخة عن طلب إخلاء السبيل، ومهما كانت ملاحظاته عليه يحال هذا الطلب الى النائب العام المختص ليبدي رأيه. وبعد ذلك يعاد الملف الى قاضي التحقيق الذي عليه وفور إستلامه إياه أن يتخذ قراره إما برفض الطلب أو بقبوله.

· للمدعي الشخصي أن يستأنف أمام الهيئة الإتهامية قرار تخلية السبيل في مهلة 24 ساعة من تاريخ إبلاغه إياه. (م 116 أ.م.ج.).

· للمدعى عليه أن يستأنف القرار برد طلب تخلية سبيله في خلال 24 ساعة من تاريخ إبلاغه إياه.

· للنيابة العامة أن تستأنف قرار تخلية السبيل في مهلة 24 ساعة من تاريخ صدوره.

· إنّ إستئناف قرار قاضي التحقيق بالموافقة على إخلاء السبيل يوقف تنفيذ هذا القرار الى أن تبت به الهيئة الإتهامية. فإذا صدّقته يتم تنفيذه من قبلها وإذا فسخته تقرر إبقاء المدعى عليه قيد التوقيف وتعيد الملف الى قاضي التحقيق لمتابعة التحقيق.

· إذا قرر قاضي التحقيق ردّ طلب إخلاء سبيل المدعى عليه وإستأنفه هذا الأخير ضمن المهلة القانونية جاز للهيئة الإتهامية أن تفسخه وتقرر هي إخلاء سبيله. فإن فعلت فإنها تعتمد ذات الإجراءات التي يطبقها قاضي التحقيق لجهة الكفالة نوعاً ومقداراً ثمّ تعيد الملف الى قاضي التحقيق لمتابعة التحقيق (1).

يلزم المدعى عليه المخلى سبيله بأن يتّخذ محل إقامة مختاراً في المدينة أو البلدة التي يقع فيها مركز قاضي التحقيق ما لم يكن له في أي منهما محلّ إقامة حقيقي.

ولا بُدَّ من التذكير أنه بإمكان قاضي التحقيق أن يقرر إعادة التوقيف للمدعى عليه بعد أن يكون قد قرر إخلاء سبيله.

ج- إعادة التوقيف بعد إخلاء السبيل:

وهو ما يعرف بتجديد التوقيف ‘’Reincarcération’’، وطالما أن قرار تخلية سبيل المدعى عليه هو قرار غير نهائي، ولا يعطي الموقوف المخلى سبيله حقاً مكتسباً ‘’droit acquis’’، فلا شيء يمنع من الرجوع عنه ولكن رُبَّ سائل يسأل هل يُمكن إعادة التوقيف في حالتي إخلاء السبيل الوجوبي والجوازي أم في أحدهما دون الآخر؟

1- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 251.

هناك جدل فقهي حول هذا الموضوع، فبعض الفقهاء (1) يقول بإمكانية إعادة توقيف المدعى عليه بعد إستطلاع رأي النيابة العامة وذلك في حالتي إخلاء السبيل بحق وإخلاء السبيل بكفالة طالما أن هناك أسباب جديدة وهامة إستجدت وتبرِّر إعادة التوقيف، وطالما أن المشرع لم يحصر التوقيف مجدّداً بحالةٍ دون أخرى وعملاً بالقاعدة الكلية: "لا تمييز حيث لم يميّز المشترع"

‘’Il est défendu de distinguer là où la loi ne distingue pas’’.

في حين ذهب رأي آخر (2) الى حصر نظام تجديد التوقيف بحالة التوقيف الجوازي أي إخلاء السبيل بكفالة دون إخلاء السبيل الوجوبي، ونحن نؤيّد الرأي الأوَّل للأسباب والتعليل الواردين أعلاه.

وفي هذا الإطار نقرأ ما ورد في نص المادة 120 أ.م.ج. بأنه: "إذا إستجدت، بعد تخلية سبيل المدعى عليه، أسباب هامة توجب توقيفه مجدّداً فلقاضي التحقيق أن يصدر قراراً بتوقيفه بعد إستطلاع رأي النيابة العامة. إذا كان قرار إخلاء سبيله قد صدر عن الهيئة الإتهامية عند فسخها قرار قاضي التحقيق برد الطلب فعلى قاضي التحقيق أن يرفع ملف الدعوى الى الهيئة الاتهامية لتتخذ موقفاً من قراره القاضي بتوقيف المدعى عليه مجدداً. غير أن ذلك لا يوقف تنفيذ قراره. إذا قضت الهيئة الإتهامية بفسخ قراره فتخلي سبيل المدعى عليه". وهكذا نكون قد ذكرنا أهم القرارات التي يتّخذها قاضي التحقيق أثناء التحقيق ويبقى لدينا تلك القرارات التي يتّخذها بعد ختام التحقيق (فقرة ثانية).

فقرة ثانية: القرارات التي يتّخذها بعد ختام التحقيق:

بعد أن يقوم قاضي التحقيق بكافة الإجراءات الضرورية للتحقيق يتّخذ قراراً بإختتامه ويحيل ملف الدعوى الى النيابة العامة ‘’Ordonnance de soit-communiqué’’ لإبداء مطالعتها بالأساس ‘’Réquisitoire définitif’’. وهذا يستخلص من أحكام المادة 121 أ.م.ج. التي نصّت على أنه: "بعد أن ينهي قاضي التحقيق أعمال التحقيق يحيل الملف الى النيابة العامة لتبدي فيه مطالعتها النهائية. على النيابة العامة أن تبدي مطالعتها في خلال أسبوع على الأكثر. إذا طلبت النيابة العامة التوسع في التحقيق فعليها أن تحدّد النواقص والأعمال التحقيقية التي تراها ضرورية. لقاضي التحقيق أن ينفّذ طلبها أو أن يرفضه. إذا رفضه فعليه أن يعلّل أسباب الرفض. للنيابة العامة أن تستأنف قرار الرفض. إذا فسخته الهيئة الإتهامية فلها أن تتصدّى لموضوع الطلب أو أن تحيل ملف الدعوى الى قاضي التحقيق الأول لمتابعة التحقيق أو ليودعه قاضي تحقيق آخر. أما إذا صدقته فتعيد الملف اليه ليصدر قرار الظن بعد أن تبدي النيابة العامة مطالعتها النهائية".

نستنتج أن أحكام المادة 121 أ.م.ج. السالفة الذكر أن قرار الهيئة الإتهامية الذي يصدِّق قرار قاضي التحقيق بالإمتناع عن تنفيذ المطالعة الفرعية، يلزم النيابة العامة بالتخلّي عن طلبها، لأن القانون فرض عليها في هذه الحالة أن تضع المطالعة النهائية. غير أنه يبقى من حق قاضي التحقيق ولو بعد ورود المطالعة بالأساس، أن يتوسّع بالتحقيق من تلقاء نفسه ومن دون الحاجة الى مطالعة فرعية. وفي هذه الحالة، عليه أن يحيل الملف مجدداً الى النيابة العامة لإبداء ما تراه مناسباً من طلبات جديدة في ضوء ما ظهر من تحقيقات، وللنيابة العامة إمّا أن تتبنى مطالعتها السابقة أو أن تعدّل فيها في ضوء ما إستجدّ من تحقيقات (3).

1- د. علي القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" – الكتاب الثاني – مرجع سابق – ص 345 وما يليها.

2- René Garraud: ‘’traité théorique et pratique d’instruction criminelle et de procédure pénale’’ – tome III – P 182 et suiv.

3- د. حاتم ماضي: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 255.

كما يُفهم من المادة 121 أ.م.ج. أنه بعد إبداء النيابة العامة مطالعتها النهائية في الدعوى، تعيد الملف الى قاضي التحقيق كي يصدر قراره بختام التحقيق والتصرف فيه. ولا يكون قاضي التحقيق مقيّداً بمطالعة النيابة العامة النهائية. فله أن يوافقها جزئياً أو كلياً، كما له أن يعارضها جزئياً أو كلياً.

ومن البديهي القول أنه يعود له وحده أن يقرر متى يختتم التحقيق ومتى يضع قراره النهائي وما هو مضمون هذا القرار. ولكن في كل الأحوال يتوجب على قاضي التحقيق أن يعلّل قراراته النهائية سواء إنطوت على منع محاكمة أو ظن بالمدّعى عليه لأنه في كلا الحالتين هذه القرارات تقبل الإستئناف أمام الهيئة الإتهامية.

فإذن بعد ورود مطالعة النيابة العامة بالأساس ينصرف قاضي التحقيق الى وضع قراره Ordannance de règlement الذي ينهي به الدعوى العامة لديه وترتفع يده عنها (1). إن ما يمكن أن يصدر عن قاضي التحقيق بنهاية التحقيق يكون إما قراراً بمنع المحاكمة عن المدعى عليه (بند أول)، وإمّا قراراً بالظن بالمدعى عليه سواء كان فعله من نوع الجناية أو كان من نوع الجنحة أو المخالفة، (بند ثاني)، وإمّا أن يكون قرار برفع اليد (بند ثالث).

بند أوَّل: قرار منع المحاكمة:

إذا تبيَّن لقاضي التحقيق بعد الإنتهاء من تحقيقاته، أنه لا يوجد سند قانوني أو واقعي للظن بالمدعى عليه بالجرم المنسوب اليه، فله أن يصدر قراراً بمنع المحاكمة عنه "Ordonnance de non-lieu".

وهذا لا يعني أن الأمر متروك لنزوة قاضي التحقيق :

‘’L’ordonnance n’est pas livrée à la fantaisie du juge d’instruction’’.

إذ عليه أن يعلِّل قراره المذكور، وألاّ يكتفي بالقول أن الفعل لا يشكّل جنحة أو جناية. بمعنى آخر إن التبرير يجب أن يكون قانونياً أو واقعياً، مستمداً دائماً من التنائج الموضوعية للتحقيق. وهذا ما يستفاد من أحكام الفقرة الأولى من المادة 122 أ.م.ج. إذ نصّت على أنه: "إذا قرّر قاضي التحقيق منع المحاكمة عن المدعى عليه فيبني قراره إما على سبب قانوني وإما على سبب واقعي...".

كما أن الفقرة الثانية من المادة 122 السالفة الذكر عددت الحالات أو الأسباب القانونية التي تبنى عليها قرارات منع المحاكمة وهي التالية:

· إذا كان الفعل المدّعى به لا يشكّل جرماً جزائياً، كأن يكون نزاعاً ذا طابع مدني أو تجاري أو كأن تكون عناصر الجريمة غير مكتملة وهذه نتيجة من نتائج مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

· إذا صدر بعد الإدّعاء بالفعل قانون جديد يجرّده من أي وصف جرمي.

· إذا زالت الصفة الجرمية عن الفعل المدّعى به لسبب من أسباب التبرير القانونية المنصوص عليها في المادة 183 عقوبات.

· إذا سقطت الدعوى العامة بأحد أسباب السقوط المحددة قانوناً (2)، كمرور الزمن والعفو العام والوفاة وغيرها.

وفي هذا الإطار نقرأ ما ورد على لسان الفقه الفرنسي إذ كتب:

1- R. Garraud: ‘’traité d’instruction criminelle et de procédure pénale’’ – op.cit – n: 1015

2- لطفاً تراجع المادة 10 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

‘’L’ordonnance de non-lieu est motivée en droit quand le juge estime que les faits sur lesquels il a instruit ne constituent aucune infraction punissable ou que l’action publique est préscrite ou éteinte, par exemple par le décès de l’inculpé ou sa démence, ou par l’amnistie ou la chose jugée ou par l’existence d’un fait justificatif’’(1).

وجاءت الفقرة الثالثة من المادة 122 أ.م.ج. تشير الى أن قرار منع المحاكمة يمكن أن يبنى على أسباب واقعية نذكر منها:

· إذا ثبت من التحقيق أن الجرم لم يقع أصلاً:

‘’Si l’infraction n’est pas matériellement établie’’.

· إذا لم تتوافر الأدلة على قيام صلة سببية بين الجرم المدعى به وبين المدعى عليه، أو أن تكون الأدلة غير كافية للقول بحصول الواقعة ونسبتها الى المدعى عليه.

· إذا كانت الدعوى العامة قد حُرّكت ضد مجهول لم يتوصل التحقيق الى كشفه أو معرفة هويته:

Lorsque l’auteur de l’infraction est demeuré inconnu.

وفي هذه الحالة تحديداً يقرر قاضي التحقيق تسيطر مذكرة بالتحرّي الدائم توصّلاً لمعرفة الفاعل أو لكشف هويته. وختمت المادة 122 أ.م.ج. قولها بأنه إذا قرَّر قاضي التحقيق منع المحاكمة عن المدعى عليه فيقرّر إطلاق سراحه فوراً إذا كان موقوفاً. وأعطى المتضرر من هذا القرار أي قرار منع المحاكمة حق إستئنافه. ولكن هذا الإستئناف لا يوقف تنفيذ القرار على عكس إخلاء السبيل. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو مدى تمتع قرار منع المحاكمة بقوة الشيء المحكوم به؟

طالما أن قرار قاضي التحقيق بمنع المحاكمة عن المدعى عليه هو من القرارات القضائية، فإنه يخضع لقاعدة الدفع بقوة الشيء المحكوم به. ويقصد بهذا الدفع أنه لا يجوز أن يدان الشخص مرّتين من أجل فعل واحد ‘’Non bis in idem’’. ولا بدّ من التذكير بأن هذا الدفع قد ورد في المادة 73 أ.م.ج. كدفع شكلي يدلى به قبل المباشرة بالإستجواب لتلافي إجراءات تحقيقية لا فائدة منها.

وفي الواقع إذا كان قرار منع المحاكمة قد بني على أسباب قانونية فإنه يتمتّع بقوة القضية المحكوم بها وهذا ما يحول دون معاودة التحقيق ولو ظهرت أدلة جديدة لأن الأسباب القانونية التي بُنيَ عليها القرار تتعلّق إما بعدم توافر العناصر الجرمية أو بزوالها أو بفعل أسباب التبرير أو بإنقضاء الدعوى العامة وبالتالي جميع هذه الأسباب لا تأتلف مع فكرة الأدلة الجديدة التي يؤدي ظهورها الى معاودة التحقيق. بمعنى آخر إن الأدلة الجديدة تدخل ضمن خانة الأدلة وليس ضمن فئة الأسباب القانونية.

أما إذا كان قرار منع المحاكمة قد إستند الى أسباب واقعية وهي كلها أسباب تتعلّق بالأدلة على وقوع الجرم أو على نسبته الى المدعى عليه، فإنه يكون له قوة مؤقتة وبالتالي يمكن الرجوع عنه إذا ما ظهرت أدلة جديدة. ويعود السبب في أن قوة قرار منع المحاكمة المبني على أسباب واقعية هي قوة مؤقتة الى طبيعة التحقيق الإبتدائي. فهذا التحقيق لا يهدف الى تقرير إدانة المدعى عليه وإنما يهدف الى إحالتها الى قضاء الحكم إذا كانت الأدلة كافية للظن به (2). ولقد جاءت المادة 127 أ.م.ج. تؤكد هذا المنحى عندما نصّت على أنه: "إذا ظهرت أدلة جديدة، بعد قرار منع المحاكمة عن المدعى عليه، فيفتح التحقيق مجدداً إذا بني القرار على سبب واقعي. تعد من الأدلة الجديدة إفادات الشهود والأوراق والمحاضر التي لم توضع تحت يد قاضي التحقيق والتي من شأنها أن تؤثر في النتيجة التي توصل اليها.

1- Merle et vitu: ‘’traité de droit criminel’’ – édit cujas – 1967 – p 967 et 968.

2- د. حاتم ماضي: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 265 وما يليها.

تقدم الأدلة الجديدة الى النائب العام الذي يقدّر ما إذا كانت مُجدية وكافية لطلب تجديد التحقيق. إذا تبيّن له أنها تفي بالغرض المذكور فيطلب من قاضي التحقيق إجراء التحقيق مجدداً. على قاضي التحقيق أن يحقّق في الأدلة الجديدة ويصدر ما يراه ضرورياً من مذكرات. يستجوب المدعى عليه دون إدعاء لاحق من النيابة العامة ويراعي في أعمال التحقيق الأصول المتّبعة. إذا رأى قاضي التحقيق، بعد معاودته أعمال التحقيق، أن يرجع عن قرار منع المحاكمة فيقرّر، بعد استطلاع رأي النيابة العامة، الظن في المدّعى عليه أو إعتبار فعله من نوع الجناية. أما إذا لم يؤدِ التحقيق الجديد الى ما يوجب تعديل القرار الأول بمنع المحاكمة فيصدر قراراً بالإبقاء عليه. إذا كان قرار منع المحاكمة قد صدر عن الهيئة الإتهامية فتتولى، بناءً على طلب النائب العام، تجديد التحقيق الذي يجريه رئيسها أو من ينتدبه من مسشاريه وفقاً للأصول المتّبعة أمام قاضي التحقيق".

بالاضافة الى قرار منع المحاكمة الذي يمكن أن يصدر عن قاضي التحقيق هناك قرار آخر هو قرار الظن (بند ثاني).

بند ثاني: قرار الظن: L’ordonnance de renvoi en jugement

نصت المادة 123 أ.م.ج. على أنه: "إذا قرر قاضي التحقيق أن الفعل المدعى به من نوع المخالفة، أو الجنحة التي لا تستوجب الحبس، فيطلق سراح المدعى عليه فوراً إذا كان موقوفاً، ويحيل ملف الدعوى الى القاضي المنفرد بواسطة النيابة العامة". وهذا يعني أن إحالة المدعى عليه الى القاضي المنفرد الجزائي تستوجب أن يكون الفعل الجرمي من نوع المخالفة أو الجنحة فقط، لأنه إذا كان الفعل من نوع الجناية، فإنها لا تحال مباشرةً الى المحكمة، بل لا بدّ من المرور بالهيئة الإتهامية التي تصدر قرار إتهام تحيل بموجبه الدعوى الى محكمة الجنايات. ولكن إن ما يستدعي الإنتباه هنا أن المادة 123 أ.م.ج. إشترطت أن تكون الجنحة لاتستوجب الحبس، وهذا يشكل تناقضاً مع المادتين 107 أ.م.ج. (التي اشترطت لتوقيف المدعى عليه أن يكون الجرم المسند اليه معاقباً عليه بالحبس أكثر من سنة) و 130 أ.م.ج. (التي أعطت الهيئة الإتهامية عند اعتبارها الفعل جنحة لا تستوجب العقوبة أكثر من سنة حبس الإحالة الى القاضي المنفرد الجزائي).

وهذا التضارب في النصوص التشريعية يستدعي تدخّلاً تشريعياً لحل هذه الثغرة كأن تضاف الى المادة 123 أ.م.ج. عبارة: "التي لا يعاقب عليها بأكثر من سنة حبس". وأضافت المادة 123 أ.م.ج. أنه يتوجب على قاضي التحقيق إطلاق سراح المدعى عليه الموقوف فوراً إذا كان الجرم من نوع الجنحة التي لا تستوجب الحبس. كما يتوجب على قاضي التحقيق أن يحيل الملف الى القاضي المنفرد الجزائي بواسطة النيابة العامة وهذا ما كرّسته المادة 124 بنصّها: "على النائب العام، في القضية التي اقترنت بقرار ظنّي بجنحة أو مخالفة، أن يرسل ملف الدعوى الى القاضي المنفرد المختص في خلال ثلاثة أيام من إيداعه اياه مرفقاً بقائمة مفردات تضعها دائرة التحقيق".

تجدر الاشارة الى أن قرار قاضي التحقيق بالظن يجب أن لا يتضمن القول أن المدعى عليه هو مذنب لأن مثل هذا القرار يعود الى قضاء الحكم وحده، وإنما يجب على قاضي التحقيق أن يقول فقط في قراره أن التهمة موجودة وأن الأدلة عليها كافية للظن بالمدعى عليه. وليس من الضروري أن تكون الوقائع المعروضة أمام قاضي التحقيق تشكل دائماً جنحة أو مخالفة لكي يحيلها الى القاضي المنفرد الجزائي بواسطة النيابة العامة، إنما قد تكون هذه الوقائع عناصر لجنايةٍ ما، عندها يتوجب على قاضي التحقيق أن يحيل الملف الى النيابة العامة لتودعه لدى الهيئة الاتهامية، وهذا ما أفتت به المادة 125 أ.م.ج. بقولها: "إذا إعتبر قاضي التحقيق أن الفعل الذي حقق فيه من نوع الجناية فيصدر قراراً يعرض فيه وقائع القضية والأدلة المتوافرة فيها والوصف القانوني الذي ينطبق عليها. يحيل الملف الى النيابة العامة لتودعه الهيئة الاتهامية بوصفها صاحبة سلطة الاتهام. إذا قرر قاضي التحقيق أن الوصف الجنائي المدعى به لا ينطبق على الوقائع المتوافرة في القضية وإنما ينطبق عليها وصف جنحي فللنائب العام أن يستأنف قراره. ليس للمدعي الشخصي حق إستئناف هذا القرار...".

بناءً على ما تقدم يقرر قاضي التحقيق إعتبار الوقائع المعروضة أمامه من نوع الجناية ويحدد النص القانوني المنطبق عليها ويقرر إيداع النيابة العامة أوراق الدعوى لإحالتها الى الهيئة الاتهامية وهذا يسمى باللغة الفرنسية:

‘’Ordonnance de transmission des pièces au procureur général ‘’.

كما أن قاضي التحقيق لا يتقيّد بالوصف المعطى للوقائع من قبل الخصوم أو النيابة العامة فهو يضع يده على الدعوى بصورة عينيّة وموضوعية وبالتالي له الحق بإعطاء الوقائع المعروضة أمامه الوصف القانوني الذي يراه مناسباً وهذا ما هو مستقر في الفقه الفرنسي(1) إذ نقرأ:

‘’Les jurisdictions répressives ne sont pas, sauf exceptions rares, liées par la qualification qui leur est proposée. Il est, en effet une importante règle procèdurale aux termes de laquelle toute juridiction pénale a le droit et le devoir d’examiner la qualification du fait qui lui est soumis, et au besoin, de la modifier lorsque celle-ci paraît inexacte’’.

وعندما يتعلّق الأمر بجنحة متلازمة مع جناية، يتوجب على قاضي التحقيق أن يقرر إتباع الجنحة بالجناية بسبب التلازم ويحيل الفعلان معاً الى الهيئة الاتهامية بواسطة النيابة العامة لأن حسن سير العدالة يفرض أن يحاكم المرء عن الفعلين معاً أمام محكمة واحدة تكون المحكمة الناظرة بالجرم الأشد(2) وذلك تطبيقاً للقاعدة القائلة أنه من يستطيع الأكثر يستطيع الأقل: .‘’Qui peut le plus peut le moins’’

يبقى أن نقول أنه إذا إعتبر قاضي التحقيق أن الوصف الجنائي المدعى به لا ينطبق على الوقائع المعروضة أمامه وإنما ينطبق عليها الوصف الجنحي فإنه يضع قراره بالظن بالجنحة، وهذا يسمى بتجنيح الأفعال من قبل قاضي التحقيق. وفي هذه الحالة يكون للنيابة العامة حق إستئناف قرار قاضي التحقيق بتنجيح الأفعال وفقاً للمادتين 135 أ.م.ج. علماً أن المشرِّع قد حظّر على المدعي الشخصي إستئناف القرار الذي يصدره قاضي التحقيق بتنجيح الوصف الجرمي، بصورة واضحة وصريحة قي المادة 125 أ.م.ج.

كما يجب أن يشتمل قرار قاضي التحقيق، بالإحالة على القاضي المنفرد أو بإعتبار الفعل من نوع الجناية، على إسم المدعى عليه، وشهرته، وعمره، ومحل ولادته، وإسمي والديه، وجنسيته، ورقم سجله، ومحل إقامته، ومهنته، وتاريخ توقيفه، وتخلية سبيله، وعلى بيان واضح بالوقائع والأدلة والوصف القانوني (المادة 126 أ.م.ج.)، وهذا يعني أن الإحالة ضد مجهول هي أمر غير جائز، وذلك إنطلاقاً من الطابع الشخصي للملاحقة وبالتالي أي ملاحقة ضد مجهول تعتبر باطلة. ويبقى أن نشير الى قرار آخر قد يصدره قاضي التحقيق بعد ختام التحقيق وهو قرار رفع اليد.

بند ثالث: قرار رفع اليد: Ordonnance de main-levée

درجت العادة في ظلّ قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم أن يتّخذ قضاة التحقيق قرار يسمى بقرار رفع اليد دون وجود نصّ صريح بشأنه، وهذا يحصل عندما يجد قاضي التحقيق أن هناك ضرورة لإحالة النزاع على قاضي تحقيق آخر لسبب يرتبط بحسن سير العدالة الجزائية. في الواقع لا يمكن إعتبار هذا القرار قراراً صحيحاً، لأنه لا صفة قضائية له في ظل غياب النص القانوني الذي يشرّعه. وهكذا قرار لا يمكن إستئنافه، فهو يصدر عن قاضي التحقيق دون أن يعطي الفرقاء حق إستئنافه أمام الهيئة الاتهامية لأنه لم يذكر من بين القرارات التي يمكن إستئنافها أمام هذه الهيئة. وكان الحل المعتمد حيال ذلك هو أن يتقدّم المتضرر منه بإستدعاء أمام النائب العام يطلب فيه أن يستأنفه أمام الهيئة الاتهامية التي يمكنها أن تفسخه لعلة عدم إختتام التحقيق بصورة قانونية.

ولكن بعد صدور قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد لم يعد بإمكان قاضي التحقيق أن يقرر رفع اليد كما كان الحال في السابق وهذا ما كرّسته المادة 63 أ.م.ج. بنصّها: "ليس لقاضي التحقيق أن يرفض السير بالدعوى العامة التي حرّكها إدّعاء النائب العام الاّ إذا ثبت له أن الفعل المدعى به لا يشكل جرماً جزائياً أو أن الدعوى العامة فيه قد سقطت لسبب من أسباب سقوطها.

1- Merle et vitu: ‘’traité de droit criminel’’ – op.cit – p.264 – n:273

2- Merle et vitu: ‘’traité de droit criminel’’ – op.cit – p.514 – n: 443

لا يتّخذ قراره إلاّ بعد إستطلاع رأي النائب العام. له أن يقرّر التوقف عن السير بالدعوى العامة بقرار يتخذه بعد إستطلاع رأي النائب العام، إذ وجد أن قاضي تحقيق آخر سبق له أن وضع يده على التحقيق ذاته أو على تحقيق في جريمة متلازمة معه. للنائب العام أن يطلب من قاضي التحقيق رفع يده عن الدعوى إذا توافرت شروط سبق الادعاء فيها أو كان ثمة تلازم بينها وبين دعوى أخرى قيد التحقيق فتضم الى هذه الدعوى".

بمعنى آخر لم يعد في ظلّ قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد بإمكان قاضي التحقيق أن يقرر رفع يده عن الدعوى الاّ إذا ورده طلب بذلك من قبل النائب العام. وفي كل الأحوال إن قاضي التحقيق غير مقيّد بطلب النائب العام رفع يده عن الدعوى العامة، إذ يمكنه رفض هذا الطلب ومتابعة السير بإجراءات التحقيق. وهذا أمر بديهي لأنه إذا رفض قاضي التحقيق طلب النائب العام رفع يده عن الدعوى العامة، فيمكن لهذا الأخير إستئناف هذا القرار أمام الهيئة الإستئنافية.

والحديث عن رفع يد قاضي التحقيق يدفعنا الى التطرق بصورة سريعة الى مسألة تنحّي قضاة التحقيق عن النظر في بعض القضايا، وهذا الأمر عالجه المشرّع في المادة 52 أ.م.ج. إذ نصّت على أنه: "لا يجوز لقاضي التحقيق الذي تحال اليه الدعوى أن يرفض التحقيق فيها. إنما يحق له أن يعرض تنحّيه عن النظر فيها. يحق لكل من أطراف النزاع أن يطلب ردّه. تطبق على كل من طالب التنحّي والرد القواعد الواردة في هذا الشأن في قانون أصول المحاكمات المدنية...". وهذا يعني أنه بإمكان قاضي التحقيق أن يعرض تنحّيه se récuser وهذه مسألة إختيارية تعود لتقديره الشخصي لدى توفر حالة من الحالات التي تستدعي ردّه.

وهكذا ننهي دراسة الشق الأوّل من سلطات التحقيق وننتقل الى دراسة الشق الثاني وهو الهيئة الاتهامية (الباب الثاني).

الباب الثاني: الهيئة الاتهامية: La chambre d’accusation

إحترم المشرع: اللبناني مبدأ التقاضي على درجتين:

‘’Le prince de deux degré de juridiction’’.

أمام قضاء التحقيق بحيث أنه لا يقتصر هذا القضاء على سلطة واحدة هي قاضي التحقيق بل يمتَدّ ليشمل درجة ثانية في التحقيق الإبتدائي هي السلطة أو الهيئة الاتهامية. وفي هذا الإطار أعطت المادة 128 أ.م.ج. الغرفة المدنية لدى محكمة الإستئناف وظائف الهيئةالاتهامية وهي أربعة:

1- سلطة الاتهام في الجناية (الفصل الأول).

2- المرجع الإستئنافي لقرارات قاضي التحقيق وللقرارات الداخلة في إختصاصها بموجب قوانين خاصة (الفصل الثاني).

3- حق التصدّي (الفصل الثالث).

4- البت في طلبات إعادة الإعتبار (الفصل الرابع).

الفصل الأول: الهيئة الاتهامية كسلطة إتهام:

إذا إعتبر قاضي التحقيق في قراره النهائي، أن الفعل المدعى به هو من نوع الجناية، فإنه يحيل ملف القضية الى النيابة العامة التي بدورها تودعه الهيئة الاتهامية وجوباً، من أجل التدقيق من جديد في القضية ومادياتها، وذلك على إعتبارأن قاضي التحقيق غير مخوَّل قانوناً إحالة الملف الجزائي مباشرةً أمام محكمة الجنايات. وهذا المنطق يستفاد من أحكام المادة 54 أ.م.ج. التي شرحناها بالتفصيل عند الحديث عن قضاة التحقيق ووظائفهم. والقول بأن الهيئة الاتهامية تدقق من جديد في مادّيات القضية يعني أنها تنظر بصورة أصلية وشاملة لجميع الوقائع والأدلة في الدعوى. وهذا ما يعطيها سلطة واسعة. بحيث أنها إذا إعتبرت ما هو مشوب للظنين قائماً بحقّه، قرّرت إتهامه وإحالته أمام محكمة الجنايات.

كما أن المادة 129 أ.م.ج. منعت على قاضي التحقيق أن يضع قراراً إتهامياً كما منعته من إحالة الدعاوى الجنائية مباشرةً أمام محكمة الجنايات لأن هذه الإجراءات محصورة بالهيئة الاتهامية وحدها وفي هذا الصدد نقرأ ما ورد في المادة 129 أ.م.ج. التي نصّت على أنه: "إذا إعتبر قاضي التحقيق في قراره النهائي أن الفعل المدعى به من نوع الجناية فيحيل ملف الدعوى الى النيابة العامة لتودعه الهيئة الاتهامية، فتنظم النيابة العامة في خلال خمسة أيام تقريراً توضع فيه مطالبها. لكل من المدعي الشخصي ومن الظنين أن يتقدم خلال المهلة عينها، بمذكرة يعرض فيها وقائع القضية والأدلة والوصف القانوني وما يخلص اليه من مطالب". نفهم من ذلك كلّه أن الهيئة الاتّهامية تمارس دورها كسلطة إتهام بغض النظر عن صفتها كمرجع إستئنافي أو كدرجة ثانية من درجات التحقيق الابتدائي.

وهي تضع يدها على الملف حكماً، إذ لا يجوز لأيّ سلطة أخرى ممارسة حق الإتهام محلّها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (1). والمعلوم أن الهيئة الاتهامية تضع يدها على الدعوى العامة بصورة موضوعية in Rem. وهذا يعني أنها تدقق في ملف الدعوى ولا تتقيّد بالوصف القانوني الذي أسبغه قاضي على الأفعال الجرمية وبالتالي لها حق تغيير هذا الوصف من جنائي الى جنحي أو بالعكس، متى توافرت لديها الأدلة على ذلك (2).

تجدر الاشارة الى عدم وجود هيئة إتهامية أمام القضاء العسكري وهذا يعني أن قاضي التحقيق العسكري يحيل مباشرة الدعوى أمام المحكمة العسكرية الدائمة الناظرة في الجنايات، وهذا ما يطرح التساؤل التالي: هل أن قرار الإحالة الصادر عن قاضي التحقيق العسكري بإحالة المتهم أمام محكمة الجنايات، بعد تخلّي القضاء العسكري عن الدعوى لعدم الإختصاص، يعتبر بمثابة قرار إتهامي يولي محكمة الجنايات صلاحية النظر بالدعوى الجنائية؟

نحن نشاطر الرأي الذي ينكرهذه الصفة عن قرار الإحالة وبالتالي يعتبر أنه لا بدّ من إحالة الدعوى على الهيئة الإتهامية لتصدر قرارها الإتهامي قبل أن تضع محكمة الجنايات يدها على الدعوى (3). إن الأصول المعتمدة لدى الهيئة الإتهامية تتميّز بما يلي:

1- أنها أصول سريعة، procédure rapide، بمعنى أنه على النائب العام تهيئة الدعوى وتنظيم التقرير في خمسة أيام التالية على الأكثر من إحالة القرار اليه، كذلك لكل من المدعي الشخصي والظنين التقدم خلال نفس المهلة بمطالبه (م 129 أ.م.ج.).

2- أنها أصول مكتوبة procédure écrite ، بمعنى أن الهيئة لا تستجوب أصلاً المدعى عليه ولا تستمع الى الشهود والمدعي، بل تنظر في الأوراق والمذكرات ما لم تقرر تحقيق إضافي: elle statue sur les pièces (م 130 أ.م.ج.).

3- أنها أصول سرية procédure secrète، فالهيئة تطلع على الملف في غرفة المذاكرة وتتّخذ قرارها دون حضور الفرقاء أو ممثل النيابة (4).

وفي الواقع يختلف قرار الهيئة الإتهامية الصادر في الدعوى العامة بإختلاف ما إذا إعتبرت أن التحقيق كان مكتملاً (فقرة أولى) وما إذا كانت قررت التوسع فيه (فقرة ثانية).

1- نورد على سبيل المثال المادة 364 أ.م.ج. التي أعطت المحقق العدلي أمام المجلس العدلي صلاحية التحقيق والإتهام دون المرور بالهيئة الإتهامية.

2- قرار محكمة التمييز – الغرفة الجزائية – رقم 254 / 2003 تاريخ 14/10/2003.

3- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – طبعة 2013 – مرجع سابق – ص 636.

4- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 637.

فقرة أولى: القرارات التي تتخذها الهيئة الإتهامية في حالة إكتمال التحقيق:

أوردت المادة 130 أ.م.ج. أنه إذا وجدت الهيئة الإتهامية أن التحقيق الذي قام به قاضي التحقيق في جميع مراحله كان مكتملاً ولا جدوى من التوسّع فيه، فتصدر أحد القرارات التالية: إما قرار منع محاكمة (بند أوّل) وإما قرار إحالة الى القاضي المنفرد الجزائي (بند ثاني) وإما إقرار إتهام المدعى عليه (بند ثالث).

بند أوَّل: قرار منع المحاكمة: Arrêt de non-lieu

أعطى المشرع اللبناني الهيئة الإتهامية كدرجة ثانية في التحقيق الإبتدائي حق إقرار منع المحاكمة عن المدعى عليه أو الظنين قياساً على الحق المعطى لقاضي التحقيق في متن المادة 122 أ.م.ج. أي في مرحلة الدرجة الأولى من التحقيق الإبتدائي. وهذا المنطق مستوحى من فكرة أنسنة قواعد أصول المحاكمات الجزائية التي تنبّاها قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي (1)، بحيث يعطى المواطن ضمانة تتعلّق بحريته الشخصية من جهة، وتسهيل إكتشاف الحقيقة من جهة ثانية.بناءً على ما تقدم ذكره، إذا تبيّن للهيئة الإتهامية أن الأدلة غير كافية للإتهام بالجناية، أو أن الفعل المسند الى المدعى عليه لا يؤلّف جرماً أو أن الصفة الجرمية قد زالت عنه لسبب من أسباب التبرير أو بصدور قانون جديد يعدّل القانون السابق أو أن الدعوى العامة قد سقطت لسبب من أسباب السقوط المحددة في القانون، فعندها تقرر منع المحاكمة عن المدعى عليه وتأمر بإطلاق سراحه فوراً ما لم يكن موقوفاً لسبب آخر. وهذا ما أفتت به المادة 130 أ.م.ج. في فقرتها الثانية. كما أن الفقه كرَّس هذا النهج منذ القِدَم إذ نقرأ ما يلي:

‘’La chambre d’accusation peut rendre un arrêt de non-lieu si elle estime insuffisantes les charges existantes, ou injustifiée en droit l’inculpation’’ (2) .

من الواضح أن الهيئة الإتهامية عندما تتخذ قرار منع المحاكمة إنما تكون قد فسخت قرار قاضي التحقيق الذي قضى بعكس ذلك من دون الحاجة الى إستئنافه أمامها لأن المسائل ذات الطابع الجنائي تمر حكماً بالهيئة الإتهامية. ولكن ليس ما يمنع أن تكون الهيئة الإتهامية بقرارهاالقاضي بمنع المحاكمة قد صدقت قرار قاضي التحقيق الصادر بذات الإتجاه والذي وضعت يدها عليه نتيجة إستئنافه من قبل الفريق الذي أضرّ به ولكن في هذه الحالة لا يكون المدعى عليه موقوفاً، لأن قاضي التحقيق يكون قد أطلق سراحه والإستئناف لا يوقف تنفيذ هذا القرار (3).

وفي معرض الحديث عن قرار منع المحاكمة يقتضي التمييز بينه وبين البراءة وعدم المسؤولية. فقرار منع المحاكمة يصدر عن قضاة التحقيق والهيئة الإتهامية عندما تكون الأدلة غير كافية أو الفعل لا يؤلف جرماً أو سقط بسبب من الأسباب. ويمكن الرجوع عن قرار منع المحاكمة عند ظهور أدلة جديدة وذلك بناءً لطلب النائب العام إذا كان القرار مبيّناً على أسباب واقعية دون الأسباب القانونية. أما البراءة ‘’Acquittement’’ وعدم المسؤولية ‘’Irresponsabilité’’ فهي أحكام وليس قرارات، وهي تصدر عن قضاء الحكم وليس قضاء التحقيق، فحكم البراءة يكون عند عدم توافر الأدلة بحق المتهم، وحكم عدم المسؤولية يتحقق عندما يثبت الفعل على المدعى عليه ولكن تتوفر أسباب إنتفاء المسؤولية الجزائية كالإكراه أو القوة القاهرة أو غيرها... كما أن البراءة وعدم المسؤولية تعتبر من الأحكام التي لا يمكن الرجوع عنها عندما تكتسب الدرجة القطعية، حتى ولو توفرت أدلة جديدة تثبت العكس.

1- Jean Pradel: ‘’La procédure pénale française à l’aube du troisième millénaire’’ – Dalloz 2000. Chronique – page 1 et suiv.

2- Merle et vitu: ‘’traité de droit criminel’’ – op.cit, page 1003.

3- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 276.

بالإضافة الى قرار منع المحاكمة قد تصدر الهيئة الإتهامية قراراً بإعتبار الفعل من نوع المخالفة أو الجنحة وتحيله الى القاضي المنفرد الجزائي (بند ثاني).

بند ثاني: قرار إحالة الى القاضي المنفرد الجزائي: Arrêt de revoi

إذا إعتبرت الهيئة الإتهامية أن الفعل جنحة أو مخالفة، تحيل المدعى عليه على القاضي المنفرد الجزائي سنداً للفقرة الثالثة من المادة 130 أ.م.ج. وفي هذه الحالة تصدر الهيئة الإتهامية ما يسمى بقرار الإحالة ‘’Arrêt de renvoi’’. ولكن هل أنّ الإحالة ملزمة للقاضي المنفرد الجزائي؟ الجواب طبعاً بالنفي، بإعتبار أن الإختصاص الجزائي يتعلق بالإنتظام العام، فإذا جاء قرار الإحالة ينيط بالقاضي المنفرد الجزائي محاكمة المحال أمامه، فلا شيء يمنع هذا الأخير من إعلان عدم إختصاصه عفواً أو بناءً على دفع مقدّم اليه سنداً للفقرة الأولى من المادة 73 أ.م.ج.

ولكن قرار الإحالة يعتبر من الإجراءات الإلزامية للهيئة الإتهامية في كلّ مرّة يتبيّن فيها أن الوقائع تشكّل جنحة أو مخالفة، بمعنى آخر أن الهيئة الإتهامية ملزمة بإتخاذ قرار الإحالة على القاضي المنفرد الجزائي عند إعتبارها الفعل جنحة أو مخالفة وهذا ما ينهض من أحكام المادة 130 أ.م.ج. السالفة الذكر. ولا شيء يمنع الهيئة الإتهامية من تغيير الوصف الجرمي من جنائي الى جنحي، أي تجنيح الجرائم المحالة أمامها، وفي هذه الحالة يتوجب عليها إصدار قرار بإعتبار الفعل جنحة وإحالة الشخص أو الأشخاص على القاضي المنفرد الجزائي. فلا يجوز لها إصدار قرار بمنع المحاكمة عنه، وإلاّ تكون إرتكبت خطأ تحاسب عليه. والإجتهاد صريح في هذا الشأن إذ نقرأ:

‘’La chambre d’accusation qui, saisie d’une procédure criminelle, estime que les faits poursuivis ne constituent q’un délit, peut seulement disqualifier et les renvoyer devant la juridiction correctionnelle. Elle connet une irrégularité en rendant un arrêt de non-lieu du chef du crime’’(1).

ومن المفيد الإشارة الى أن المشرع قد وسَّع من صلاحية الهيئة الإتهامية في مواجهة سلطة قاضي التحقيق، من حيث إنه منحها حق إطلاق سراح المدعى عليه إذا إعتبرت أن الفعل معاقب عليه بأقل من سنة حبس، بينما حرَّم على قاضي التحقيق هذه السلطة في الحالة ذاتها وفقاً لمنطوق المادة 123 أ.م.ج. التي سبق شرحها بالتفصيل. يبقى أن نقول بأن قرار الإحالة الصادر عن الهيئة الإتهامية شأنه شأن قرار منع المحاكمة، فقد يكون تصديقاً لقرار قاضي التحقيق بنتيجة إستئنافه كما قد يكون نتيجة لفسخه إذا كان قاضي التحقيق قد إعتبر الفعل من نوع الجناية. بالإضافة الى قرار منع المحاكمة وقرار الإحالة هناك قرار أساسي يصدر عن الهيئة الإتهامية بوصفها سلطة إتهام وهو قرار الإتهام (بند رابع).

بند ثالث: قرار الإتهام: Arrêt de mise en accusation

أعطت الفقرة الأخيرة من المادة 130 أ.م.ج. الهيئة الإتهامية حق إتهام المدعى عليه وتسيطر مذكرة إلقاء قبض بحقّه، وذلك بنصِّها: "... تصدر الهيئة الإتهامية قراراً بإتهام المدعى عليه إذا تبيَّن لها أن الوقائع والأدلة عليها كافية لإتّهامه بعد أن تعطي الفعل المسند اليه وصفاً جنائياً. تقضي في قرارها بإحال المتهم على محكمة الجنايات لمحاكمته بما إتّهم به، وتصدر مذكرة إلقاء قبض في حقّه". وهذا يعني أن الهيئة الإتهامية هي صاحبة الإختصاص الأصيل في إصدار قرارالإتهام بجناية والإحالة أمام محكمة الجنايات، وهذا ما هو مستقر فقهاً إذ نقرأ أنه:

1- Cass. Crim. Le 23 novembre 1950 J.C.P. 1951

‘’Seule la chambre d’accusation peut prononcer la mise en accusation de l’inculpé et le renvoyer devant la cour d’assises’’(1) .

كما يتبدّى من أحكام الفقرة الأخيرة للمادة 130 أ.م.ج. أن قرار الهيئة الإتهامية في صدد الجناية هو قرار إحالة على محكمة الجنايات، يجعل من الظنين متّهماً، بحيث أن وضع يد محكمة الجنايات على الجناية، وبالتالي على الدعوى العامة، لا يتم بدون قرار إتهام صادر عن الهيئة الإتهامية (2). كما أن الهيئة الإتهامية تعتبر المرجعية الصالحة لإصدار مذكرة إلقاء قبض، بحيث أنه إذا سهت عن إتخاذ مثل هذا القرار، وتمت مراجعتها من قبل النيابة العامة بهذا الشأن، وتمنعت عن ذلك رغم الطلب منها، يبقى من حق النيابة العامة إستدعاء نقض قرارها من هذه الناحية على أساس مخالفة نص القانون.

يجب أن يتضمن قرار الإتهام أسماء أعضاء الهيئة الإتهامية ومطالب النيابة العامة وسرداً واضحاً ودقيقاً لوقائع القضية وتفنيداً للأدلة على إرتباط الجريمة بفعل المدعى عليه ووصفاً قانونياً معلَّلاً وتحديداً للنصوص القانونية التي تنطبق على الوقائع وتسيطر مذكرة بإلقاء القبض على المتهم. كما يجب أن يتضمن إسم المتهم وشهرته وتاريخ ولادته وإسمَيْ والديه ورقم سجله ومحل إقامته ومهنته وجنسيّته وتاريخ توقيفه وتاريخ إخلاء سبيله في حال حصوله (م 131 فقرة أولى أ.م.ج.).

يجب أن تتضمن مذكرة إلقاء القبض ‘’Ordonnance de prise de corps’’ إسم المتهم وشهرته وتاريخ ولادته وإسمَيْ والديه ومحل إقامته ومهنته وجنسيته ونوع الجناية المسندة إليه والنص القانوني المنطبق عليها والأمر الى قوى الأمن بتوقيف المتهم تنفيذاً لها (م 131 فقرة ثالثة). إذا أصدرت الهيئة الإتهامية قرارها بإحالة المتهم أمام محكمة الجنايات وأغفلت تسيطر مذكرة إلقاء قبض في حقّه فيمكنها تسطير هذه المذكرة بناءً على طلب النيابة العامة (م 131 فقرة أخيرة). وقد جاء هذا النص تكريساّ لنهج إجتهادي سارت عليه محكمة التمييز الجزائية منذ القدم (3) وهو يعتبر خروجاً عن المبدأ القائل بأنه يستنفد المرجع القضائي سلطته بإصدار قراره، وترتفع يده عن القضية بمجرّد صدور القرار.

وإذا كان المتهم بالجناية حدثاً فلا تصدر الهيئة الإتهامية بحقه مذكرة إلقاء قبض، لأنه ليس من شروط إجراءات محاكمته أمام محكمة الأحداث أن يحاكم موقوفاً. ولذات السبب لا يجوز إصدار مذكرة إلقاء قبض بحق من ظنّ به بجنحة متلازمة مع الجناية. تجدر الإشارة الى ضرورة توقيع قرار الإتهام من قبل رئيس الهيئة الإتهامية ومستشاريها. أما مذكرة إلقاء القبض فيوقّعها رئيس الهيئة وحده. والهيئة الإتهامية لا تكتفي بالقرارات التي تتّخذها عند إكتمال التحقيق، إنّما هناك قرارات تتّخذ نتيجة التوسع بالتحقيق (فقرة ثانية).

فقرة ثانية: القرارات التي تتّخذها الهيئة الإتهامية بنتيجة التوسّع بالتحقيق:

لقد أعطت المادة 132 أ.م.ج. الهيئة الإتهامية حق التوسّع بالتحقيق وإجراء تحقيق تكميلي في حال وجود نقاط غامضة أو مسائل معقّدة عندما نصّت على أنه: "إذا وجدت الهيئة الإتهامية نقصاً أو غموضاً في التحقيق، فيجري رئيسها تحقيقاً تكميلياً أو يكلّف بذلك أحد مستشاريه. تراعى في التحقيق التكميلي الأصول التي تنظّم أعمال قاضي التحقيق في هذا الشأن. بعد الإنتهاء من التحقيق التكميلي، يحال ملف الدعوى الى النيابة العامة لتبدي مطالعتها في ضوء ما إستجد في الدعوى. ثم تتّخذ الهيئة الإتهامية القرار المناسب فيها".

1-642 G.Stéfani, G.Levasseur et B. Bouloc: ‘’Procédure pénale’’ – op.cit. page 651. n:

2- الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الخامس – مرجع سابق – ص 60.

3- قرار رقم 249 تاريخ 29/04/1963 – موسوعة الإجتهادات الجزائية لقرارات وأحكام محكمة التمييز – طبعة 1990 – ص 211 رقم 801.

قد يعتقد من يقرأ هذا النص أن قرار التوسع بالتحقيق هو ممارسة لحق التصدّي، لكن الواقع أن حق التصدّي يختلف عن قرار التوسع بالتحقيق لجهة حصر الأول في حالات نصّت عليها المادة 140 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. وطالما أن الهيئة الإتهامية مخوَّلة بموجب المادة 130 أ.م.ج. وضع يدها على الدعوى العامة بصورة موضوعية، فإنه يعود لها سلطة التحقُّق من وقائع الدعوى وأفعالها وأشخاصها بحيث أنه إذا ما وجدت أن التحقيق غير كافٍ أو يشوبه نقص ما، كان لها ان تجري تحقيقاً تكميلياً: ‘’Supplément d’information’’ قبل إصدار أي قرار آخر أو على الأقل قبل وضعها القرار الإتهامي.

وهذا ما عبَّر عنه المشرع في المادة 132 أ.م.ج. بقرار التوسع بالتحقيق:

‘’Arrêt de plus ample informé’’ وبموجب ذلك يحق للهيئة الإتهامية مثلاً إستجواب المدعى عليه حول الأفعال الجرمية المنسوبة اليه للإدلاء بأقواله وإفادته بهذا الشأن، ولكي يكون على بينة من أمره ومن التهمة المساقة بحقه. إن تقدير التوسع في التحقيق هو أمر عائد لسلطات لبهيئة الإتهامية:

‘’La chambre d’accusation apprécie souverainement l’utilité de décider un supplément d’information’’ (1).

إن إقرار التوسع بالتحقيق عائد للهيئة الإتهامية مجتمعة وليس لرئيسها منفرداً، وهذا يستدلّ من أحكام المادة 132 أ.م.ج. ودور رئيس الهيئة الإتهامية لا يبدأ الاّ بعد تكوين القناعة لدى الهيئة بوجوب التوسع بالتحقيق، حيث يجري الرئيس التحقيق التكميلي، أو يكلّف أحد مستشاري الهيئة إجراء هذا التحقيق التكميلي (2). والجدير بالذكر أن قرار التوسع بالتحقيق يمكن أن يطال مجمل التحقيق أو أن ينصَبْ على عملٍ أو عدة أعمال منه. وتراعى حقوق الأشخاص الذين يخضعون للإستجواب أمام رئيس الهيئة الإتهامية كما المستشار المكلّف، ويتمتعون بذات الحقوق التي يتمتعون بها أمام قاضي التحقيق (3). وبعد إنتهاء التحقيق التكميلي على يد الهيئة الإتهامية أو أحد مستشاريها، يقتضي إحالة ملف الدعوى الى النيابة العامة لإبداء مطالعتها على ضوء ما إستجد في الدعوى . وهذه المطالعة هي مطالعة فرعية تستمد طبيعتها من لدن التحقيقات التكميلية التي أوجبت التوسع في التحقيق لوجود غموض أو نقص فيه. ومطالعة النيابة العامة هي إجراء قانوني ملزم بحيث أنه لا يمكن للهيئة الإتهامية إتخاذ القرار المناسب الاّ بعد مطالعة النيابة العامة.

بعد الإنتهاء من دراسة سلطة الإتهام كوظيفة أولى للهيئة الإتهامية ننتقل الى الوظيفة الثانية للهيئة الإتهامية وهي المرجع الإستئنافي لقرارات قاضي التحقيق (الفصل الثاني).

الفصل الثاني: الهيئة الإتهامية كمرجع إستئنافي:

لقد رأينا أعلاه أن للهيئة الإتهامية وظائف خاصة بها، أعطاها إياها قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد في متن المادة 128 منه والمواد اللاحقة لا سيّما المادة 135 أ.م.ج. التي تحدّثت عن سلطة الهيئة الإتهامية كمرجعية إستئنافية لقرارات قاضي التحقيق وللقرارات الداخلة في إختصاصها بموجب قوانين خاصة.

1- Cass.crim. 4 janvier 1995 – Bull.crim 1995. n:1 :

2- المحامي الياس أبو عيد: "أصول محاكمات جزائية" – الجزء الخامس – مرجع سابق ص 112.

3- Thérond: ‘’Les garanties de la liberté individuelle au cours d’un supplément d’information prescrite par la chambre des mises en accusation’’ – Revue de SC. Crim – 1938 – page 166 et suiv.

والقول بأن الهيئة الإتهامية هي مرجع إستئنافي لقرارات قاضي التحقيق يعني أن هناك فئة من الفرقاء منحهم المشترع حق إستئناف فئة من القرارات دون غيرها (الفقرة الأولى)، كما يعني أن هناك إجراءات معينة لتقديم الإستئناف أمام المرجع الصالح وأن هناك مفاعيل للإستئناف منها المفعول الناش كما سنرى تباعاً (الفقرة الثانية).

فقرة أولى: من يحق له الإستئناف وأيّ قرارات قابلة للإستئناف؟

أفتت المادة 135 أ.م.ج. لمن له الحق في إستئناف قرارات قاضي التحقيق أمام الهيئة الإتهامية معطية النيابة العامة كممثلة للمجتمع حصة الأسد مقارنة مع المدعى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن. وهذا التعداد ورد على سبيل الحصر وليس على سبيل المثال. فالنيابة العامة لها حق إستئناف جميع قرارات قاضي التحقيق الصادرة خلافاً لطلبها، سواء كانت هذه القرارات إدارية أو تحقيقية أو قضائية. كما يحق لها أن تستأنف القرار القاضي باسترداد قرار التوقيف إذا رأت شروط الإسترداد غير متوافرة. إن مهلة الإستئناف الممنوحة للنيابة العامة هي 24 ساعة تبدأ من تاريخ صدور القرار المطعون فيه، ولا حاجة لإبلاغها كي تسري المهلة بحقّها، فالمفترض أنها على علم بكل ما يحصل خلال التحقيق. وهنا نلاحظ أن المادة 135 أ.م.ج. حدّت من حق النيابة العامة المطلق المعطى لها سابقاً بأن تطعن حتى بما جاء وفقاً لطلبها، فالنص جاء واضحاً لجهة حصر حق النيابة العامة الطعن فقط بالقرارات الصادرة خلافاً لرأيها وليس وفقاً له، وبالتالي لا إستثناء دون نص صريح بذلك، ولا إجتهاد في معرض النص الصريح (1). علماً أن الإجتهاد الفرنسي أشار الى حق النيابة العامة إستئناف قرار قاضي التحقيق الذي جاء متوافقاً ومتجانساً مع مطالبها ومطالعتها، فيما لو غيّرت قناعتها بعد إبداء المطالعة بالأساس (2) إذ نقرأ:

‘’Le Ministère public peut appeler de toutes les ordonnances, même de celles conformes à ses réquisitions’’.

تجدر الإشارة الى أن للنيابة العامة حق إستئناف جميع قرارات قاضي التحقيق الإدارية والتحقيقية والقضائية. فالقرار الإداري هو القرار المتعلّق بإدارة ملف القضية المطروحة أمام قاضي التحقيق وتنظيم العمل فيه مثل قرار تعيين جلسة تحقيق والدعوة اليها وإرجائها (م 106 أ.م.ج.) وقرار تكليف محامٍ للمدعى عليه الذي تعذّر عليه إختيار محامٍ له للدفاع عنه (م 78 أ.م.ج.). والقرارات التحقيقية هي القرارات التي يتّخذها قاضي التحقيق في ميدان تنفيذه مهامه الوظيفية، ويهدف من ورائها الكشف عن الحقيقة وعن مرتكب الجريمة وجمع الأدلة مثل قرار ضبط المواد الجرمية (م 98 أ.م.ج.) وقرار إحضار المدعى عليه (م 106 أ.م.ج.). أما القرارات القضائية فهي تلك التي يصدرها قاضي التحقيق بشأن مسألة قانونية مؤثرة في حقوق أطراف النزاع مثل القرار الذي يفصل بأي دفع من الدفوع الشكلية الواردة في المادة 73 أ.م.ج. وقرار منع المحاكمة عن المدعى عليه (م 122 أ.م.ج.).

ولم يقصّر المشرع حق إستئناف قرارات قاضي التحقيق على النيابة العامة، بل أعطى هذا الحقي للمدعى عليه ولكن ليس بشكل مطلق بل بشكل حصري ومحدّد في بعض القرارات دون غيرها وهذا ما ورد في الفقرة الثانية من المادة 135 أ.م.ج. عندما نصّت: "للمدعى عليه أن يستأنف من قرارات قاضي التحقيق:

+ قرار رد طلب تخلية سبيله.

+ قرار رد دفع أو أكثر من الدفوع المنصوص عليها في المادة 73 من هذا القانون...".

1- راجع بخلاف ذلك: + المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" – الجزء الخامس – مرجع سابق – ص 166.

+ د. حاتم ماضي: "أصول المحاكمات الجزائية" – مرجع سابق – ص 284.

2- Cass. Crim. 14 octobre 1997. Bull. Crim. 1997 – n: 332

والمُلفِت للنظر هنا أن حق المدعى عليه مقتصر على القرارات ذات الطابع السلبي. فالمدعى عليه له الحق بإستئناف جميع قرارات رد طلبات إخلاء السبيل التي يمكن أن تكون بكفالة أو بدون كفالة، وجوبية أو جوازية ومهما كان نوع الجرم أي سواء كان من نوع الجناية أو الجنحة. وكذلك الأمر بالنسبة لإستئناف قرار رد الدفوع الشكلية، فحق المدعى عليه لا يكون جائزاً عند قبول الدفع أو الدفوع المقدمة منه، فالقرارات ذات الطبيعة السلبية هي التي يمكن إستئنافها.

وهنا نلاحظ أن المشرع اللبناني قد وسَّع نطاق حق المدعى عليه في إستئناف قرارات قاضي التحقيق الفاصلة بالدفوع الشكلية قياساً عمّا كانت عليه سابقاً في القانون القديم (1) والهدف من ذلك هو تفعيل مبدأ الوجاهية لصالح المدعى عليه. تجدر الإشارة الى إمكانية المدعى عليه إستئناف القرار القاضي بتوقيفه وجاهياً والصادر عن قاضي التحقيق عملاً بأحكام المادة 107 أ.م.ج، وهذا حق مستحدث للمدعى عليه في القانون الجديد.

كما أُعطي المدعى عليه حق إستئناف الشقّ المتعلّق بمقدار الكفالة من قرار تخلية سبيله (م 117 أ.م.ج. / فقرة أخيرة). ولكن من الملاحظ أنه لا يحق للمدعى عليه الطعن في القرار الظنّي الذي يصدره قاضي التحقيق في ختام التحقيق. إن مهلة الإستئناف للمدعى عليه هي 24 ساعة من تاريخ إبلاغه القرار في محل إقامته الحقيقي أو المختار.

بالإضافة الى النيابة العامة والمدعى عليه أعطت المادة 135 أ.م.ج. المدعي الشخصي حق إستئناف العديد من قرارات قاضي التحقيق وفي هذا الإطار نقرأ ما ورد في الفقرة الثالثة منها: "للمدعي الشخصي أن يستأنف القرارات الآتية:

+ القرار القاضي بقبول دفع أو أكثر من الدفوع المنصوص عليها في المادة 73 من هذا القانون إذا كان مضراً بمصلحته.

+ القرار القاضي بترك المدعى عليه أو بإخلاء سبيله بحق أو بكفالة.

+ قرار منع المحاكمة عن المدعى عليه.

+ القرار القاضي بوصف الفعل المدعى به من نوع المخالفة.

القرار القاضي باسترداد مذكرة توقيف المدعى عليه إذا كان مخالفاً للأصول...".

يلاحظ هنا أن المشرع كرّس للمدعي الشخصي حق الطعن عن طريق الإستئناف ضد القرارات ذات الطابع الإيجابي. بمعنى آخر ليس للمدعي الشخصي أن يستأنف القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق والتي يرد بموجبها أحد الدفوع الشكلية بل يشترط قبول الدفع وأن يضر ذلك بمصلحته الشخصية. وقد تسنّى للإجتهاد فرصة التشديد على سلطات الهيئة الإتهامية المطلق في تقدير حصول الضرر ومساسه بمصلحة المدعي الشخصي (2).

‘’Il appartient à la chambre d’accusation d’apprécier, dans les circonstances de fait qu’elle constate, l’existence ou la non-existence de l’intérêt invoqué par la partie civile’’ (3).

ويناط بالهيئة الإتهامية ان تتحقق من توافر عنصر الضرر الذي يدعيه المدعي الشخصي على إعتبار أن توافر هذا العنصر شرط أساسي لقبول الإستئناف. والقرار الثاني الذي أُعطي المدعي الشخصي حق إستئنافه هو قرار ترك المدعى عليه أو إخلاء سبيله بحق أو بكفالة، وهذا الحق يسترعي الإنتباه بإعتبار أنه يتجاوز الدعوى المدنية ويطال الدعوى العامة ورغم ذلك أجازه المشرع للمدعي الشخصي، علماً أن الإجتهاد في ظلّ القانون القديم لم يكن يسمح للمدعي الشخصي بإستئناف قرار الترك (4).

1- لطفاً تراجع المادة 74 من قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم (18/09/1948)

2- قرار محكمة التمييز الجزائية رقم 89/2004 – تاريخ 10/03/2004

3- Cass.crim 6 avril 1993 – Bull. Crim 1993 – n: 147

4- قرار الهيئة الإتهامية في جبل لبنان رقم 346 تاريخ 19/10/1995.

أما القرار الثالث فهو قرار منع المحاكمة عن المدعى عليه الذي يترتب عليه إطلاق سراح المدعى عليه فوراً إذا كان موقوفاً رغم إستئنافه من قبل المدعي الشخصي لأن الإستئناف ليس من شأنه أن يوقف تنفيذه. وكذلك أعطي المدعي الشخصي حق إستئناف قرار قاضي التحقيق بوصفه الفعل المدعى به من نوع المخالفة، لأنه من شأن هذا الوصف إطلاق سراح المدعى عليه فوراً، أما القرار الظنّي بإعتبار الفعل جنحة بدل الجناية فلا يمكن إستئنافه من قبل المدعي الشخصي سنداً لما ورد في المادة 125 أ.م.ج. بمعنى آخر لا يحق للمدعي الشخصي أن يستأنف القرار الذي أبدل من وصف الجرم المدعى به أمامه من جناية الى جنحة بينما يحق له أن يستأنف القرار الذي وصف الفعل المدعى به بالمخالفة وهذا أمرٌ مستغرب!!!

والقرار الخامس الذي ممكن إستئنافه من قبل المدعي الشخصي هو قرار إسترداد مذكرة التوقيف إذا كان مخالفاً للأصول، والمقصود هنا هو مذكرة التوقيف الغيابية والدليل على ذلك أنه عندما تكون مذكرة التوقيف وجاهية ويقرر قاضي التحقيق إخلاء السبيل فإن قرار إخلاء السبيل هو ما يتم إستئنافه وليس قرار إسترداد مذكرة التوقيف وفقاً لما ورد أعلاه. يبقى أن نضيف الى القرارات التي يحق للمدعي الشخصي استئنافها ما ورد في المادة 117 أ.م.ج. والتي أعطت المدعي الشخصي حق إستئناف الشق المتعلق بمقدار الكفالة من قرار تخلية السبيل. إن مهلة الإستئناف للمدعي الشخصي هي 24 ساعة تبدأ من تاريخ إبلاغه القرار في محل إقامته الحقيقي أو المختار.

تجدر الإشارة الى أنه بعد أن أدخل قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد المسؤول بالمال والضامن

Les personnes civilement responsables أمام القضاء الجزائي أعطاهما حق إشتئناف قرار قاضي التحقيق الفاصل في موضوع الصلاحية فقط. ونحن نرى بأن هذا الحق هو ذو طابع إستثنائي محصور بالصلاحية أي الإختصاص دون أن يتعدّاه الى مواضيع أخرى. وفي كل الأحوال يعتبر هذا الحق المعطى للمسؤول بالمال والضامن بمثابة إقحام لأشخاص غرباء في الدعوى العامة علماً أن دورهما يجب أن ينحصر فقط في إطار الدعوى المدنية. صحيح أنّ المشرّع اللبناني أعطى النيابة العامة والمدعى عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن حق إستئناف فئة معينة من القرارات الصادرة عن قاضي التحقيق أمام الهيئة الإتهامية، الاّ أنه وضع أصول وضوابط لهذا الإستئناف فما هي؟

فقرة ثانية: إجراءات الإستئناف ومفاعيله:

نصت المادة 136 أ.م.ج. على أنه: "يقدَّم الإستئناف مباشرةً الى الهيئة الإتهامية أو بواسطة قاضي التحقيق. على الهيئة الإتهامية أن تفصل في إستئناف قرار قاضي التحقيق في مهلة عشرة أيام على الأكثر من وقت إيداعها الملف". لا بُدَّ من التذكير بأن هناك طريقتين لوضع الهيئة الإتهامية يدها على الدعوى العامة وهما:

+ الطريقة الأولى وتكون بحكم القانون De plein droit في الجناية نتيجة لقرار الإحالة عن قاضي التحقيق. وهذا القرار ليس بحاجة الى إستئناف لأن الهيئة الإتهامية في هذه الحالة تمارس حقّها مباشرةً عن طريق إعادة النظر بقرار قاضي التحقيق بوصفها سلطة تحقيق عليا.

+ الطريقة الثانية وتكون عن طريق الإستئناف par voie d’appel من قبل النيابة العامة في مجمل الأحوال والفرقاء في حالات محدّدة حصراً أثناء التحقيق أو في حال إختتامه من قبل قاضي التحقيق على أن الفعل مخالفة أو منع محاكمة. ولم يلحظ المشرّع في المادة 136 أ.م.ج. السالفة الذكر أي ضيغة شكلية محدّدة للإستئناف، الاّ أنه إشترط تقديمه مباشرةً الى الهيئة الإتهامية أو بواسطة قاضي التحقيق.

ومن البديهي القول أن هناك شروط منطقية مطلوبة لقبول الإستئناف شكلاً وهي:

+ ورود الإستئناف ضمن المهلة القانونية المحددة في المادة 135 أ.م.ج.، أي مهلة 24 ساعة من تاريخ صدور القرار بالنسبة للنيابة العامة، ومهلة 24 ساعة من تاريخ إبلاغ القرار بالنسبة الى باقي الفرقاء (1).

1- La chambre d’accusation doit examiner si lappel a été interjeté dans le délai légal (cass.crim – 14/11/68 – Bull.crim 1968 n: 301).

تضمين الإستئناف الأسباب القانونية المبني عليها أي التعليل (م 137 أ.م.ج.) بحيث أنه يتوجب على الهيئة الإتهامية أن تراقب الأسباب القانونية والتعليل الذي على أساسه قُدِّم الإستئناف قبل أن تقرر قبوله في الأساس أورده. وقد قضي أنه يكون الإستئناف مردود في الشكل إذا لم يكن معلَّلاً (1).

+ توقيع الإستئناف من قبل محامٍ بالإستئناف وهذا ما ورد لأوّل مرّة في قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 137 أ.م.ج. وهو يطبّق على جميع الفرقاء بإستثناء النيابة العامة.

+ تسجيل الإستئناف في سجل خاص لدى قلم قاضي التحقيق أو لدى قلم الهيئة الإتهامية تحت طائلة ردّه شكلاً. يسري هذا الشرط على النيابة العامة كما يسري على باقي الفرقاء، وهذا ما هو مستقر إجتهاداً (2).

تجدر الإشارة الى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية سمح بصورة إستثنائية للشاهد، وهو ليس فريقاً في الدعوى أن يستأنف قرار قاضي التحقيق الذي ردَّ تذرّعه بالسر المصرفي أو المهني، لكن إستئناف هذا الشاهد يبقى محصوراً في هذا القرار دون غيره وفقاً لمنطوق المادة 92 أصول جزائية. بعد أن تقرر الهيئة الإتهامية قبول الإستئناف في الشكل، تبحث في أساسه، فإما أن تصدِّق القرار المستأنف برمّته أو تعدّله أو تفسخه (المادة 136 أ.م.ج. فقرة أولى).

على الهيئة الإتهامية أن تبت بالإستئناف المقدّم اليها في مهلة عشرة أيام على الأكثر من تاريخ إيداعها الملف (م 136 أ.م.ج.)، ولكن هذه المهلة تصبح 24 ساعة إذا كان الإستئناف واقعاً على قرار قاضي التحقيق القاضي بترك المدعى عليه أو بإخلاء سبيله أو بإسترداد مذكرة التوقيف لأنه إذا إنقضت هذه المهلة دون أن تتّخذ الهيئة الإتهامية قرارها فعلى النائب العام أن يطلق سراح الموقوف حكماً (م 138 أ.م.ج.).

هذا كل ما يتعلّق بشكل وإجراءات الإستئناف أما مفاعيله فيمكن ردّها الى نوعين: مفعول ناشر (Effet suspensif) في إطار موضوع الإستئناف (م 137 أ.م.ج.) ومفعول موقف أو مُعلِّق (Effet dévolutif) لتنفيذ القرار في بعض الحالات (م 138 أ.م.ج.).

فالمفعول الناشر يتيح للهيئة الإتهامية إعادة البحث في القرار أو الجزء الذي إنصبّ عليه الإستئناف وينشره أمامها بمعنى آخر من شأن هذا المفعول إعطاء الهيئة الإتهامية حق البحث في المسائل الواقعية والنقاط القانونية الواردة فيه والتي تناولها الإستئناف من دون أن تتخطّاه الى الأجزاء الأخرى. وهذا المبدأ كرّسته المادة 137 أ.م.ج. التي أوردت إستثناءً عليه يقضي بنشر الدعوى العامة برمّتها أمام الهيئة الإتهامية إذا كان القرار المستأنف أمامها قاضياً بمنع المحاكمة عن المدعى عليه وقام بإستئنافه المدعي الشخصي ذلك أن هذا الإستئناف من شأنه تحريك الدعوى العامة مجدّداً أمام الهيئة الإتهامية (م 137 أ.م.ج. فقرة ثانية).

أما المفعول الموقف أو المعلّق فهو من شأنه أن يؤدي الى وقف تنفيذ بعض القرارات المطعون فيها، وهذا المبدأ كرّسته المادة 138 أ.م.ج. بحيث أنه إذا وقع الإستئناف على قرار قاضي التحقيق بإخلاء سبيل المدعى عليه أو بتركه أو بإسترداد مذكرة توقيفه، فإن هذا الإستئناف من شأنه أن يوقف إنقاذ القرار حتى البت به من قبل الهيئة الإتهامية في مهلة 24 ساعة.

أما إذا طلبت النيابة العامة توقيف المدعى عليه ورفض قاضي التحقيق ذلك، فاستئنافها لا يوقف تنفيذ القرار لأنه لم يصدر بحق المدعى عليه أي مذكرة تخوِّل الإبقاء عليه محتجزاً، عندها يكون للهيئة الإتهامية أن تختار بين إصدار مذكرة توقيف غيابية إستجابة لطلب النيابة العامة أو تصديق قرار قاضي التحقيق الرافض عملاً بأحكام المادة 139 أ.م.ج. وكذلك الأمر إذا قرر قاضي التحقيق إطلاق سراح المدعى عليه نتيجة لمنع المحاكمة عنه، فإن إستئناف هذا القرار ليس من شأنه أن يوقف تنفيذه عملاً بأحكام المادة 122 أ.م.ج. فقرة أخيرة. كما يفترض تطبيق المبدأ ذاته عندما يظن قاضي التحقيق بالجنحة والمخالفة التي لا تستوجب الحبس ويطلق سراح المدعى عليه، فعندها ليس من شأن إستئناف قرار قاضي التحقيق أن يوقف تنفيذه (م 123 أ.م.ج.).

1- إتهامية جبل لبنان – قرار رقم 664 تاريخ 19/07/2002 (غير منشور).

2- إتهامية جبل لبنان – قرار رقم 29 تاريخ 16/02/1993 – مجموعة إجتهادات القاضي رالف رياشي – ص 107.

يبقى أن نشير الى أنه إذا فسخت الهيئة الإتهامية قرار قاضي التحقيق القاضي برد طلب تخلية سبيل المدعى عليه فعلى المخلى سبيله أن يتّخذ محل إقامة مختاراً في المدينة أو البلدة التي يقع فيها مركز الهيئة الإتهامية ما لم يكن له فيها محل إقامة حقيقي. بعد الإنتهاء من دراسة الوظيفة الثانية للهيئة الإتهامية كمرجع إستئنافي ننتقل لدراسة وظيفتها الثالثة وهي حق التصدّي (الفصل الثالث).

الفصل الثالث: حق التصدّي ‘’Droit d’évocation’’:

التصدّي للموضوع هو حق إستثنائي في أصول المحاكمات الجزائية، مُنح الى المرجع الإستئنافي لقرارات قاضي التحقيق، ولسلطة الإتهام في الجنايات، بموجبه تجذب الهيئة الإتهامية أمامها الدعوى بكاملها، أو وجهاً من وجوهها وتبت فيها أو فيه بدلاً من المرجع البدائي، وذلك إما بسبب تقاعس هذا الأخير عن فصل ما تمَّ التصدّي اليه، أو بسبب ذهوله عن ذلك (1). لفهم حق التصدّي لا بُدَّ من دراسة مفهوم هذا الحق وشروطه القانونية وكذلك الحالات التي يمكن فيها للهيئة الإتهامية إستعمال حق التصدّي وذلك في فقرتين مستقلّين.

فقرة أولى: مفهومه وشروطه:

يجد حق التصدّي أساسه القانوني في المواد 140حتى 143 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد حيث تمارس الهيئة الإتهامية حقّها بوصفها سلطة إتّهام في القضايا الجنائية، وقد حدَّد المشرع فصلاً خاصاً بحق التصدّي نظراً لأهميّته في المجال الجزائي (2). إن القراءة الأولية للمادة 140 أ.م.ج. تشير الى الطابع الإستثنائي لحق التصدّي الذي يجيز للهيئة الإتهامية أن تتصدّى لموضوع النزاع بعد فسخها لقرار قاضي التحقيق ودون أن يكون هذا القاضي قد سبق له وبحث أو تطرّق الى الموضوع، الأمر الذي يميّز أثر حق التصدّي الناشئ عن الإستئناف، عن أثره الناشر الذي يفرض على الهيئة الإتهامية النظر في الأوجه التي تناولها الإستئناف دون غيرها.

من أجل اعمال أثر حق التصدّي، يتعيّن الاّ يكون القرار الصادر عن قاضي التحقيق قد فصل في الموضوع وخير مثال على ذلك قبول قاضي التحقيق لدفع من الدفوع الشكلية الواردة في المادة 73 أ.م.ج. كما يتعيّن أن تقضي الهيئة الإتهامية بفسخ قرار قاضي التحقيق. ولا يشترط الفسخ الكامل، بل يكفي أن ينصب على جهة من جهاته. وهذا يعني أن التصدي يمكن أن يطال وجهاً من وجوه القضية من قبل الهيئة الإتهامية عوضاً عن قاضي التحقيق (3). ويتعيّن أيضاً أن تكون الهيئة الإتهامية صاحبة إختصاص بنظر الموضوع، أي أن تكون الدعوى قابلةً للإستئناف ومقدمة من صاحب مصلحة وصفة وأهلية سنداً لأحكام المادة 135 أ.م.ج. (4).

ولا يشترط أن تكون القضية جاهزة لإصدار القرار النهائي فيها كي يمارس حق التصدّي من قبل الهيئة الإتهامية، بدليل ممارسة هذا الحق جراء إستئناف قرار قبول دفع من الدفوع الشكلية. وإذا مارست الهيئة الإتهامية حقّها بالتصدّي للأساس، فلها أن تجري التحقيق الذي تراه مناسباً في سبيل إصدار قرارها في الموضوع، وإتّخاذ إجراءات تحقيقية وقضائية وإدارية كتلك التي يتّخذها قاضي التحقيق. ولها أن تجري هذه التحقيقات مجتمعة أو عن طريق رئيسها أو المستشار الذي ينتدبه الرئيس (5).

1- عبدالله ناصر: "الدعوى العامة أمام الهيئة الإتهامية" – طبعة 1980 – ص 184.

2- حبيب كيروز: "الهيئة الإتهامية" – دراسة مقارنة – الطبعة الولى – مكتبة زين الحقوقية – 2011 – ص 200.

3- أنظر بنفس المعنى: Pierre bouzat: ‘’procédure pénale’’ - op.cit - page 1272 - n: 1328

4- أنظر بنفس المعنى: Merle et vitu: ‘’traité de droit criminel’’ - op.cit. - 1967 - p 987- n: 1050

5- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" - الجزء الخامس - مرجع سابق - ص 269.

غير أن الهيئة الإتهامية ليست ملزمة بأن تمارس حقّها بالتصدّي ولو توافرت مشروطة لديها. وهذا ما يستفاد من النصوص القانونية المتعلّقة بهذا الموضوع (المواد 140 حتى 143 أ.م.ج.) والتي حدّدت بدقّة الحالات التي يجوز فيها التصدّي.

فقرة ثانية: حالات التصدّي:

أصبح حق التصدّي الممنوح للنيابة العامة محصوراً في حالات محدّدة وفقاً لما ورد في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. فالمادة 140 أ.م.ج. أعطت الهيئة الإتهامية حق التصدّي لجميع الجرائم المستفادة من التحقيق بشرط أن تكون متلازمة مع الجناية التي أحيل ملفّها اليها بوصفها سلطة إتهام، ولها أن تتصدّى أيضاًلجميع الأشخاص الذين توافرت في حقّهم أدلة على إسهامهم في هذه الجرائم. وفي هذه الحالة تتصدّى الهيئة الإتهامية دون حاجة لإدعاء من النيابة العامة (1). أما الجرائم غير المتلازمة مع الجرم الأصلي، فيقتضي لتحريك دعوى الحق العام بشأنها إدعاء النيابة العامة، بمعنى آخر عندما تكون الجرائم التي أظهرت لدى الهيئة الإتهامية غير متلازمة مع الجناية التي تنظر فيها بوصفها سلطة إتهام، ففي هذه الحالة لا بُدَّ من إدّعاء النيابة العامة لتحريك الدعوى العامة بشان هذه الجرائم، ومن البديهي هنا أن تدعي النيابة العامة أمام قاضي التحقيق وليس أمام الهيئة الإتهامية.

إذا فسخت الهيئة الإتهامية قرار قاضي التحقيق الذي إمتنع فيه عن إتّخاذ إجراء أو القيام بعمل تحقيقي بناءً لطلب النائب العام، فلها أن تقرر إما القيام بالعمل أو الإجراء بدلاً من قاضي التحقيق ثمّ تعيد اليه الملف لمتابعة التحقيق أو أن تتصدى لأساس الدعوى وتضع يدها عليها برمّتها (م 140 أ.م.ج. فقرة ثالثة).

وأضافت الفقرة الأخيرة من المادة 140 أ.م.ج. أنه إذا قررت الهيئة الإتهامية فسخ قرار قاضي التحقيق المستأنف أمامها، والقاضي بمنع المحاكمة أو بعدم السير بالدعوى لسبب أو أكثر من أسباب الدفوع الشكلية، فلها أن تتصدى لأساس الدعوى، فإذا لم تفعل، تحيل الملف الى قاضي التحقيق الأول لمتابعة التحقيق فيها أو لإحالتها الى قاضي تحقيق آخر. يلاحظ ممّا تقدّم أن حق التصدّي الممنوح للهيئة الإتهامية هو واجب عليها عندما يتعلّق الأمر بجرائم متلازمة مع جناية تنظر فيها بصورة حكمية بوصفها سلطة إتّهام. ويصبح هذا الحق خياراً متروكاً لتقديرها عندما تضع يدها على الملف نتيجة إستئناف قرار قاضي التحقيق أمامها وفي حالات محددة على سبيل الحصر. وليس على الهيئة الإتهامية أن تبرّر لماذا اختارت ممارسة التصدي. وإذا اختارته ليس عليها أن تشير الى ذلك صراحة إذ يكفيها أن تتّخذ إجراءً ينمّ عن إختيارها له (2).

إذا تصدّت الهيئة الإتهامية لأساس الدعوى فتتولّى التحقيقات وإصدار مذكرات الإحضار أو التوقيف بحسب مقتضى الحال، ولها أن تنتدب أحد أعضائها للقيام بهذه الأعمال (م 141 فقرة أولى). تخضع التحقيقات التي يجريها الرئيس أو المستشار المنتدب للأصول عينها التي تنظم التحقيق لدى قاضي التحقيق، لكلّ منهماأن يستنيب قاضي تحقيق أو قاضياً منفرداً للقيام ببعض أعمال التحقيق وفقاً للأحكام التي تنظّم الإنابة الصادرة عن قاضي التحقيق (م 141 فقرة ثانية).

بعد الإنتهاء من التحقيقات التي تجريها الهيئة الإتهامية بذاتها أو بواسطة أحد أعضائها تعيد ملف الدعوى الى النيابة العامة لتبدي مطالعتها مجدّداً في أساس الدعوى. ثمّ تصدر قرارها بعد التدقيق في الدعوى والتحقيقات الإضافية (م 142 أ.م.ج.). بعد الإنتهاء من دراسة حق التصدي المعطى للهيئة الإتهامية يبقى تسليط الضوء على الوظيفة الرابعة للهيئة الإتهامية كمرجع صالح للبتّ في طلبات إعادة الإعتبار (الفصل الرابع).

1- لطفاً تراجع المادة 133 أ.م.ج. لمعرفة متى تكون الجرائم متلازمة.

2- د. حاتم ماضي: "أصول المحاكمات الجزائية" - مرجع سابق - ص 290.

الفصل الرابع: البت في طلبات إعادة الإعتبار: Réhabilitation

خصّ المشرع اللبناني الهيئة الإتهامية بصلاحية البت بطلبات إعادة الإعتبار وذلك في المواد 144 حتى 146 أصول محاكمات جزائية جديد، معطوفة على المواد 159 حتى 161 من قانون العقوبات. وتعتبر إعادة الإعتبار وسيلة يسلكها المحكوم عليه حال حياته، ويهدف من خلالها إزالة حكم الإدانة بعقوبة جنائية أو جنحية عن وثيقة سجله العدلي، بالنسبة للمستقبل، على نحوٍ يؤدي الى محوِ آثاره وإعادته الى وضعية من لم تسبق إدانته، أي مركز الرجل الشريف في المجتمع (1). بمعنى آخر إعادة الإعتبار إجراء من شأنه إعادة الوضع القانوني الطبيعي الى شخص معين، أو الوضع الإجتماعي الذي فقده نتيجة محاكمة وحكم. إنه إجراء تسامح مقابل حُسن سلوك المحكوم عليه الذي يكون قد قضى عقوبته (2). هناك فروقات عديدة بين إعادة الإعتبار والعفو العام:

+ فإذا كان الهدف من العفو العام تهدئة أوضاع إجتماعية عامة، فإن الهدف من إعادة الإعتبار هو تعديل وضع محكوم عليه معين بالذات.

+ صحيح ان العفو العام يمكن أن يحصل قبل الحكم وأحياناً قبل المحاكمة، لكن إعادة الإعتبار لا تتم الاّ بعد الحكم النهائي وبعد تنفيذ العقوبة في أغلب الأحيان.

+ إعادة الإعتبار تُبطِل للمستقبل مفاعيل جميع الأحكام الصادرة وتُسقط العقوبات الفرعية أو الإضافية، أما العفو العام فله مفعول رجعي وليس مستقبلي. تجدر الإشارة الى وجود نوعين من إعادة الإعتبار: الأول وهو إعادة الإعتبار القضائية:

‘’Réhabilitation judiciaire’’ والثاني هو إعادة الإعتبار القانونية: ‘’Réhabilitation légale’’.

فقرة أولى: إعادة الإعتبار القضائية:

وردت هذه الحالة في المادة 159 عقوبات التي أجازت منح هذا النوع من إعادة الإعتبار بقرار قضائي لكل محكوم عليه بعقوبة جنائية أو جنحية، لبنانياً كان أم أجنبياً، إذا توفرت الشروط التالية:

1+ أن يكون قد إنقضى سبع سنوات في الجناية وثلاث سنوات في الجنحة على تنفيذه العقوبة، وما قد يلازمها من تدبير إحترازي مانع للحرية أو على سقوطها عنه بمرور الزمن. وإذا كانت العقوبة المقضي بها هي التجريد المدني جرت المدة منذ اليوم الذي أصبح فيه القرار مبرماً وعند الحكم بالحبس الإضافي منذ إنقضاء أجل هذه العقوبة. إذا كانت العقوبة المقضي بها، هي الغرامة جرت المدة منذ يوم الأداء أو إنقضاء أجل الحبس المستبدل. إذا كان المحكوم عليه مكرراً بالمعنى القانوني أو سبق له أن منح إعادة الإعتبار ضوعِفت المدة. (م 159 ع فقرة ثانية).

2+ ألاّ يكون صدر بحقه حكم لاحق بعقوبة جنائية أو جنحية. كل حكم لاحق بإحدى هاتين العقوبتين يقطع مجرى المدة. (م 159 ع فقرة ثالثة).

3+ أن تكون الإلزامات المدنية التي ينطوي عليها الحكم قد نفذت أو أسقطت أو مرَّ عليها الزمن أو أن يثبت المحكوم عليه أنه كان في حالة لم يتمكّن معها من القيام بتلك الإلزامات. (م 159 ع فقرة رابعة).

4+ أن يتبيّن من سجلات السجن ومن تحقيق عن سيرة المحكوم عليه بعد الإفراج عنه أنه صلح فعلاً (م 159 ع فقرة أخيرة).

1- المحامي الياس أبو عيد: "أصول المحاكمات الجزائية" - الجزء الخامس - مرجع سابق - ص 329.

2- 2- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" - الطبعة الأولى 2013 - مرجع سابق - ص 660.

عندما تتوفر شروط المادة 159 ع السالفة الذكر يحق للمحكوم عليه التقدم بطلب ردّ الإعتبار الى الهيئة الإتهامية. يجب أن يرفق بطلبه صورة عن الحكم الصادر في حقه وسجلاً عدلياً لا يعود تاريخه الى أكثر من شهر من تاريخ تقديم الطلب. تنتدب الهيئة الإتهامية أحد أعضائها للتحقق من إستيفاء الطلب الشروط القانونية فيضع تقريراً يرفعه الى الهيئة. تودع الهيئة الإتهامية الطلب مع التقرير النيابة العامة لتبدي مطالعتها (م 144 أ.م.ج.). إذا قرّرت الهيئة الإتهامية قبول الطلب فتبلغ صورة مصدقة عن قرارها الى النائب العام الإستئنافي الذي يودعها دائرة السجل العدلي لتنفيذه (م 145 أ.م.ج.) إذا قرّرت الهيئة الإتهامية ردّ طلب إعادة الإعتبار فلا يجوز لمقدم الطلب تقديمه مجدّداً قبل انصرام ستة أشهر من تاريخ تبلّغه قرار الردّ (م 146 أ.م.ج.) هذا كل ما يتعلّق بإعادة الإعتبار القانونية في الفقرة الثانية من هذا الفصل.

فقرة ثانية: إعادة الإعتبار القانونية:

عالجت هذه الحالة المادة 160 من قانون العقوبات وهي لم تشترط تقديم تقرير عن حُسن سلوك المحكوم عليه كما هو الحال في إعادة الإعتبار القضائية بل تعطى حكماً De plein droit بمجرّد توفر بعض الشروط وهي:

+ إن كل محكوم عليه بعقوبة جناحية مانعة أو مقيِّدة للحرية، يعاد إعتباره حكماً، إذا لم يقضِ عليه في خلال سبع سنوات منذ إنقضاء عقوبته بحكم آخر بالحبس أو بالإقامة الجبرية أو بعقوبة أشدّ (م 160 أ.م.ج. فقرة أولى).

+ كل محكوم عليه بالغرامة الجناحية يعاد إعتباره حكماً، إذا لم يقضِ عليه بحكم آخر بالغرامة الجنحية أو بعقوبة أشد في خلال خمس سنوات منذ الأداء أو إنتهاء مدة الحبس المستبدل (م 160 أ.م.ج. - فقرة ثانية). إن ما قلناه أعلاه لجهة الأصول المتبعة لطلب إعادة الإعتبار القضائية يمكن تطبيقها هنا فيما يتعلّق بطلب إعادة الإعتبار القانونية سنداً لأحكام المادة 144 أ.م.ج.

يبقى أن نشير الى أن لإعادة الإعتبار بنوعيها نفس المفاعيل المستقبلية، فهي تُبطِل للمستقبل جميع الأحكام الصادرة وتسقط العقوبات الفرعية أو الإضافية والتدابير الإحترازية مع ما ينجم عنها من فقدان أهلية. ولا تعود تحسب الأحكام للتكرار أو لإعتياد الإجرام أو للحؤول دون وقف التنفيذ (م 161 ع).

وبذلك ننهي دراسة القسم الثالث من هذا المؤلف الذي خصَّصنا فيه الباب الأوّل لدراسة سلطات قاضي التحقيق والباب الثاني لدراسة الهيئة الإتهامية، وهذا ما يفسح لنا المجال الإنتقال لدراسة القسم الرابع تحت عنوان سلطات الحكم.

بقلم الدكتور وسام غياض

مدير كلية الحقوق والعلوم السياسية

في الجامعة اللبنانية

مجلة الحياة النيابية

سنة 2005 / عدد 54

Cited

Texts it relies on