Study د. محمود جبور 01/06/2017
الحق في الوصول الى المعلومات
- Author
- د. محمود جبور
- Published
- 01/06/2017
- Source
- Lebanese University
الحق في الوصول الى المعلومات
د. محمود جبور
أستاذ في العلوم السياسية
محاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية
+961 (70) 103328
بيروت – لبنان
ايلول (سبتمبر 2010)
مقدمة
من مظاهر تعزيز العلاقة بين الادارة والمواطن، وضمان التعاون بينهما، اعطاء هذا الاخير الفرصة، للتعرف عن كثب، على حقيقة ما يجري داخلها، ومعاينة ادائها؛ بتعبير آخر: الوصول الى المعلومات والمستندات، ذات الصلة بها.
وقد يتجلى هذا الامر، بارقى أشكاله، في اقراره حقا من حقوق الانسان الاساسية، مع ما يترتب عليه مفاعيل، بالغة الاهمية.وقد قرر لبنان الالتحاق بالركب، ولو بعد تأخير.
اذ من المفترض ان يشرع مجلس النواب اللبناني، بمناقشة اقتراح قانون، حول الحق في الوصول الى المعلومات، بعد ان يسلك طريقه، بحسب الاصول.
وهذا ما ييستدعي الانكباب عليه، وتشريحه، ولو بصيغته الاولية، وتبيان ما له وما عليه، قدر الامكان، وذلك من خلال العناوين الآتية:
الاهتمام بالوصول الى المعلومات
يتزايد الاهتمام بهذا الامر، ان على المستوى العالمي ام على المستوى اللبناني:
أ- على المستوى العالمي:
يبدو ذلك جليا، من خلال نوعية الهيئات التي تعنى به، من جهة، وعدد الدول التي اقرته كحق، من جهة ثانية.
1 نوعية الهيئات:
تشمل الدول، كذلك المنظمات الدولية، والاقليمية.
- من حيث الدول:
ظهر هذا الحق في اوروبا، في العصر الذي اطلق عليه عصر الانوار[1]. ثم أخذ يتوسع خارجها. فقد اقرت فرنسا، سنة 1794، قانونا يضمن حق الوصول الى الارشيف. وكانت أسوج قد سبقتها، عبر اقرار قانون يسمح بالوصول الى الوثائق الادارية.
وفي الولايات المتحدة الاميركية صدر قانون، سنة 1996، تحت عنوان: "حرية المعلومات"[2] ، ولاحقا، سنة 2007، قانون تحت عنوان: "قانون الحكومة المفتوحة"[3].
وفي بريطانيا أقر قانون حول حرية الاستعلام، في تشرين الثاني 2002، على ان يصبح نافذا سنة 2005 [4].
فيما يختص بالبلدان العربية: "فباستثناء الاردن، الذي أقر عام 2007 قانونا، يضمن حق المواطنين في الحصول على المعلومات التي بحوزة الدولة، لا يتوافر في اي دولة عربية قانون بهذا الشأن. بالمقابل هناك بلدان عربيان في طريقهما لاقرار قانون يضمن حق المواطنين في الوصول الى المعلومات. ويتعلق بالامر باليمن والبحرين"[5].
- من حيث المنظمات:
* سنة 2000، اصدر الاتحاد الاوروبي توصية، يحدد فيها مرتكزات السياسة الاوروبية فيما خص الوصول الى المحتويات، تؤكد، من جملة ما تؤكد، على ان معرفة الماضي، حق ثقافي للانسان، يسمح للمواطنين، في مجتمع ديمقراطي، وعبر الوصول الى الوثائق الرسمية، بالوقوف على عرض موضوعي للاحداث التاريخية، ما يمنع العودة الى الايديولوجيات التي سادت في القرن العشرين، وما تسببت به، من خروقات خطيرة لحقوق الانسان[6]".
* تبنت الجمعية العامة للامم المتحدة، في جلسة عقدتها سنة 1946، قرارا يحمل الرقم 59، ينص على ان حرية الوصول الى المعلومات، حق اساسي للانسان…وانها محك لجميع الحقوق التي كرست الامم المتحدة نفسها لها[7].
- جاء في احدى الوثائق الصادرة عن قمة المعلومات المنعقدة في تونس، سنة 2005: " نشجع جميع اصحاب المصلحة، وخاصة الحكومات، على التأكيد، من جديد، على حق الافراد في النفاذ الى المعلومات، وفقا لاعلان المبادىء الصادر في جنيف، وغيره من الصكوك الدولية المتفق عليها، والى التنسيق على المستوى الدولي عند اللزوم [8].
* أكدت المحكمة الاوروبية العليا لحقوق الانسان، على ان الحق في الوصول الى المعلومات، من الجهات الحكومية، هو جزء من الحق الجوهري لحرية التعبير، وهو اساسي للاعلام والمنظمات غير الحكومية... لتفعيل الرقابة ومساءلة الحكومات [9] .
* أعد المركز البريطاني المسمى المادة 19[10] (أخذ اسمه من المادة 19 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان، التي تكرس الحق في التعبير والمعرفة...) وثيقة تحت عنوان: حق الجمهور في المعرفة[11].
2 من حيث عدد الدول:
ليس هنالك من تعداد رسمي وشامل. وتختلف الارقام في هذا المجال، تبعا للجهات التي أصدرتها، وهذا بعض ما جاء فيها:
* جرى اعتماد هذا القانون في 90 دولة على الاقل، وذلك بحسب السيدة مارلين زيلن: مديرة البرامج بالوكالة لدى "جمعية المحامين والقضاة الاميركيين – مبادرة سيادة القانون [12]".
* أقرت أكثر من 50 دولة، تشريعات خاصة حول حق المواطن في الوصول الى المعلومات، المعروف بقانون حرية المعلومات، بحسب النائب غسان مخيبر [13].
- شهد القرن الماضي ازدياد انفتاح الحكومات على الناس، في مختلف ارجاء العالم. فقد تخطى عدد الحكومات التي باتت لديها تشريعات دقيقة لتسهيل الوصول الى سجلات الحكومة، 50 حتى العام 2003 [14]، التي يدعم فيها برنامج الامم المتحدة الانمائي، مثل هذه البرامج، قوانين تتطلب الكشف عن سجلات الحكومة. هذه البلدان هي: البانيا، ارمينيا، بيليز، البوسنة والهرسك، بلغاريا، كولومبيا، الجمهورية التشيكية، استونيا، جورجيا، المجر، الهند، جمايكا، لاتيفيا، ليتوانيا، المكسيك، مالدوفا، باكستان، باناما، بيرو، الفيليبين، بولند، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، جنوب افريقيا، تايلند، ترينيداد وتوباغو، اوكرانيا، اوزباكستان، وزيمبابوي[15].
واللافت ان الغالبية الساحقة من هذه الدول، انما تصنف، كما لبنان، في خانة الدول النامية، وبعضها متخلف عنه باشواط، في مجال التشريع والمحافظة على الحريات العامة، لكنه متقدم عليه، على مستوى الوصول الى المعلومات، كما يتبين.
ب على المستوى اللبناني
لعل الخطوة الابرز، في هذا المجال، اقتراح القانون الذي اطلق في مؤتمر صحافي[16]، نظمته الشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول الى المعلومات [17]، وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحق المعرفة، وقد عقد في 29 ايلول 2009، في فندق مونرو، بيروت.
وقد قدم الاقتراح الى مجلس النواب، موقعا من النواب (حينه): غسان مخيبر، ياسين جابر، وليد الخوري، عبدالله حنا، اسماعيل سكرية، وجواد بولس.
ومعلوم ان هؤلاء، يمثلون الكتل الكبرى في المجلس، من فريقي 14 و8 آذار، ما يدل على حجم التأييد الواسع لهذا الاقتراح.
وكانت خطوات جزئية، قد اتخذت سابقا في هذا المجال، تمثلت في:
- تقديم وزارة الدولة لشؤون التنمية الادارية، مشروع قانون حول هذه المسألة، الى مجلس الوزراء، في كانون الاول 2001، لكنه لم يقر.
- اقرار مجلس الوزراء اللبناني، في تشرين الثاني 2001، "شرعة المواطن". وقد جاء فيها، في اطار تعداد واجبات الادارة:"انشاء مكاتب استقبال، في الادارات والمؤسسات العامة والبلديات، حيث تدعو الحاجة، لتأمين المعلومات اللازمة للمواطنين، وربط هذه المكاتب، عبر شبكة معلوماتية، بحيث يمكن للمواطن، الحصول على معلومات عن المعاملات الرسمية العائدة له، في مختلف الادارات ...". ومعلوم ان لا صفة ملزمة لهذه الوثيقة.
- وجاء في نص اعلان المبادىء، حول حرية العمل الاعلامي في لبنان، ما يلي:" التشديد على حق وسائل الاعلام والاعلاميين والاعلاميات، في الوصول الى مصادر المعلومات من دون قيود، وبعيدا عن الاحتكار، وبحسب ما تسمح به القوانين، وحمايتهم في ممارستهم لهذا الحق [18].
النصوص الداعمة للمطالبة بالحق
يستند المطالبون بهذا الحق الى نصوص ذات طابع عالمي، وأخرى ذات طابع محلي لبناني.
أ نصوص ذات طابع عالمي، ومن أهمها:
1 الاعلان العالمي لحقوق الانسان، المادة 19، حيث ورد " لكل شخص الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق، حرية اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الانباء والافكار وتلقيها واذاعتها، بأية وسيلة كانت، دون تقيد بالحدود الجغرافية".
2 العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد نصت الفقرة 2 من المادة 19 منه على ما يلي: " يكون لكل انسان حق في حرية التعبير، يوليه حرية في طلب جميع أنواع المعلومات والافكار، وتلقيها واذاعتها..."[19].
3 اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد [20] وذلك من خلال المادتين 10 و 13 واللتين تنصان، على التوالي: تتخذ كل دولة طرف...ما قد يلزم من تدابير لتعزيز الشفافية في ادارتها العمومية...ويجوز أن تشمل هذه التدابير، ما يلي: اعتماد اجراءات ولوائح تمكن عامة الناس، من الحصول عند الاقتضاء، على معلومات عن كيفية تنظيم ادارتها العمومية، واشتغالها، وعمليات اتخاذ القرارات... مع ايلاء المراعاة الواجبة لصون حرياتهم وبياناتهم الشخصية (المادة العاشرة).
"تتخذ كل دولة طرف تدابير مناسبة... (ل) المشاركة النشطة في منع الفساد ومحاربته... وينبغي تدعيم هذه المشاركة بتدابير مثل:
أ- ....
ب- ضمان تيسير حصول الناس فعليا على المعلومات (مادة 13)
ب- نصوص لبنانية
وقد وردت بصورة متفرقة، في الدستور وبعض القوانين.
1- مقدمة الدستور، فقرة ب "لبنان ... عضو مؤسس وعامل، في جامعة الدول العربية، وفي منظمة الامم المتحدة، وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان". ونشير هنا، الى المبدأ القانوني، الذي يوجب على المحاكم، ان تطبق احكام المعاهدات الدولية في حال تعارض أحكامها مع احكام قانون وضعي، استنادا الى مبدأ تسلسل القوانين.
2- المادة 86 من قانون انشاء السجل العقاري، رقم 188 تاريخ 15/3/1926، والتي تنص على :" يحق لكل شخص ان يحصل على المعلومات المدرجة في السجل العقاري، لقاء تأدية الخرج النظامي عن الكشف والاستساخ".
3- قانون تنظيم الاتصالات، رقم 431 تاريخ 22/1/2002 ، مادة 12 تحت عنوان "علانية الاتصالات"، حيث جاء: "باستثناء ما يمس السرية التجارية ومبدأ المنافسة، تضع الهيئة بمتناول الجمهور، جميع المعطيات والمستندات والسجلات والبيانات. يحق لكل من يرغب بالاطلاع عليها او الحصول على نسخ او صور عنها..."
4- قانون تنظيم قطاع الكهرباء، رقم 462 تاريخ 2/9/2002 المادة 16 (النص ذاته الوارد في المادة 12 من قانون الاتصالات).
وظائفه أو أهدافه
للقانون هدف مزدوج، كما حددته المادة الاولى من النص: "تعزيز الشفافية في الادارة، والمساعدة على مكافحة الفساد...".
وتعوض هذا الاختصار، شروحات لبعض الذين ساهموا في وضعه، بما يلقي مزيدا من الاضواء، ويوضح عددا من النقاط، التي نعالجها كما يلي:
أ حول الشفافية.
يقول الوزير السابق ابراهيم شمس الدين: "...القضايا المستورة هي القضايا التي نخجل منها. فكل الاتفاقيات العلنية على الصعيد الدولي اتت بنتائج خيرة. أما تلك التي تمت بالسر، فقد أنتجت خيبة وسوء للناس...". وذكر على سبيل المثال، الفرق بين اتفاق الطائف كاتفاق علني، والاتفاق الرباعي واتفاق الدوحة كاتفاقين سريين. وأضاف: "الدولة القوية، هي التي لا تخشى أن تكشف عن نفسها أمام المواطن، بطريقة شفافة[21]."
على أننا لا نجاري الوزير، لجهة المدى الذي ذهب اليه، في تعليقه.
فليست كل القضايا المستورة، مستورة بدافع الخجل، وانما أحيانا بدافع المصلحة العليا، وهذا مغزى ما ورد في هذا النص، لجهة عدم الافساح في المجال للاطلاع على ما سمي معلومات حساسة وسرية.
كما أن ربط الضرر أو النفع بعلانية المعاهدة، لا يجوز تعميمه من جهة، كما تعاكسه الوقائع من جهة ثانية. فاتفاق الطائف، وهو علني، محط خلاف بين اللبنانيين، حول الآثار التي ترتبت عليه حتى الآن. واتفاق الدوحة لم يعد سريا، كذلك الاتفاق الرباعي.
وتعميما للفائدة، فان الاتفاقات التي عقدت بين لبنان وسوريا، منذ بداية التسعينيات، وبصورة علنية، كانت في نظر محللين كثر، مجحفة بحق لبنان. وهذا ما دفع الدولتان، الى اعادة النظر فيها.
أضف الى ذلك، أن الكشف عن المعلومات، ليس مقياسا دقيقا لقوة الدولة. فدول كثيرة، على ما بينت الUNDP، تعتبر من الدول الضعيفة، اقرت نصوصا تكشف فيها عن نفسها أمام المواطن. وهذا لا يعني انتقاصا من قدرة الشفافية، وانما التنبيه الى ضرورة عدم تحميلها أكثر مما تحتمل، لاسيما في الاطار اللبناني. ففضائلها كثيرة، ومنها:
- اعلاء بناء الديمقراطية... فلا ديمقراطية من دون معرفة وشفافية العمل العام[22]. وتذهب الUNDP في الاتجاه عينه: لا يمكن ان تكون هناك مشاركة ديمقراطية في صنع القرار، دون شفافية ومشاركة معلومات[23].
- تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة...
- (وضع) أداة قانونية جديدة بتصرف النواب، في تعزيز صلاحياتهم الرقابية، وحقهم في الوصول الى المعلومات، ومساءلة الحكومة في اعمالها وقراراتها (مخيبر)[24].
ب الوصول الى المعلومات والديمقراطية
من البديهي أن يحتاج من يريد الحكم على أمر ما، الى المعلومات والمعطيات الدقيقة والاصيلة، كخطوة لا بد منها، لكي يقع حكمه في موقعه الصحيح، كذلك بالنسبة الى تحديد خياراته. وما اختياره لممثليه في الندوة النيابية، الا الوجه الابرز لهذه العملية.
لكن معاينة الواقع، تقلل من شأن المعرفة، وان يكن من الصعب تحديد مداه بدقة. فالاعتبارات المذهبية والسياسية، والمصالح الضيقة، غالبا ما تحدد هذه الخيارات. وانطلاقا من هذه القاعدة، يصعب علينا تلمس تغيير كبير ولافت. فهناك وجوه مألوفة تعود الناس مشاهدتها، وفي دورات متتالية. أضف الى ذلك، الدور الذي تلعبه الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، حيث انه، وفي ظل أوضاع صعبة يعانيها لبنان، يضطر الكثيرون الى مبادلة أصواتهم بالمال، فتأتي خياراتهم، معاكسة لقناعاتهم. وهذا ما يفسد اللعبة الديمقراطية، ويشوه صحة التمثيل. فمن شروط الديمقراطية الصحيحة، يجب أن يكون الانسان حرا. ولكي يكون حرا، وجب أن يتحرر من هذه الظروف الضاغطة، والاعتبارات المشار اليها أعلاه.
ج في المساءلة والمحاسبة
هناك سبيلان لمحاسبة الادارة: عبر النواب من جهة، وعبر الآلية المقترحة في النص من جهة ثانية.
1 من خلال النواب
لقد أشار أحد واضعي الاقتراح، النائب غسان مخيبر، الى ان اقرار الحق في الوصول الى المعلومات، يعطي النواب أداة اضافية لمحاسبة الحكومة. وهذا يستدعي الملاحظات التالية:
ان القول بالاداة الاضافية، يعني، استنتاجا، أن الآلية الحالية غير كافية. فاذا صح ذلك، يكون ممثلو الامة، ليسوا في موقع المضطلع كفاية، وبالتالي، فان مهمتهم في المساءلة قاصرة. هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية، فالمتتبع لعلاقة المجلس بالحكومة، يصدمه واقع الانتقادات الكبيرة للحكومات المتعاقبة من جهة، وعدم محاسبتها، من جهة ثانية. وحين تطرح الثقة بوزير، أو بالحكومة، وهذا أمر نادر، فانها لا تحجب. وتستمر الامور، وكأن شيئا لم يكن. ومن المعلوم ان الاحجام عن ذلك، لا يتصل بالضرورة بغياب المعلومات وانما باعتبارات محلية واقليمية متنوعة.
ان النص المقترح، يعطي النائب، كما المواطن العادي، الحق ذاته والامكانية نفسها للوصول الى المعلومات، ويحدد بالتالي، ما يستطيع الحصول عليه، وما لا يستطيع. لكنه، وبالنظر الى الفارق في المسؤولية بين الاثنين، لاسيما على مستوى المساءلة، فانه من المفترض، أن تتوسع مروحة الاطلاع الخاصة بالنائب، وان تشمل، في اطار ضوابط معينة يمكن تحديدها، بعض ما يدرج تحت عنوان المعلومات السرية، لكي يتمكن من القيام بدوره في هذا المجال بفاعلية أكبر.
2 من خلال النص المقترح
أما بالنسبة الى النوع الثاني من المحاسبة (معاقبة المقصرين عن التنفيذ)، فان المرجو منه، قد لا يشفي الغليل. فالحمايات ، سياسية كانت أم طائفية، والتي يتمتع بها بعض الموظفين، لاسيما الكبار منهم، توفر لهم حصانات، وترسم حولهم خطوطا حمرا يصعب اجتيازها. وهذا يفسر الى حد كبير، اقتصار عمليات العقاب على غير المحميين. وفي التاريخ القريب، شواهد ناطقة على ذلك.
وسنكتفي، في هذا السياق، بما ذكره رئيس مجلس الخدمة المدنية، منذر الخطيب، في تقريره حول الاصلاح الاداري لسنة 2004-2008 ، حيث جاء: "لقد بات العديد من موظفي الفئة الاولى (والفئة الثانية ايضا)، يجاهرون بانتماءتهم الحزبية، وتبوٌئهم مراكز قيادية فيها، ومشاركتهم بصورة علنية وموثقة في النشاطات الاساسية والقيادية لتلك الاحزاب، مخالفين بذلك الحظر الوارد في المادة 15 من نظام الموظفين. وهذا يعود في الحقيقة لسببين: غياب المساءلة والرقابة التسلسلية، والمظلة السياسية الداعمة". وأضاف: "ان وقف كل اشكال التدخل السياسي في الادارة... يفترض ايضا، من أجل ضمان تطبيقه، اعتبار ذلك جرما يعاقب عليه القانون".
وتحميل الادارة جزءا من المسؤولية، يشير الى عدم التزامها بالقانون، لا بل خرقها له أحيانا كثيرة. ولطالما راينا القيمين على أجهزة الرقابة، يشتكون من ذلك، ففي تقريره عن سنة 2005، عدد ديوان المحاسبة، القرارات التي تبلغها من مجلس الوزراء، خلافا لرأيه. وعقب على هذا الأمر، كما يلي: "والجدير ذكره، أن قرارات مجلس الوزراء المذكورة، قد اتخذت خلافا لقرارات ديوان المحاسبة، في اطار الرقابة الادارية المسبقة، دون الاستماع الى رئيس الديوان في معظمها، مع العلم، أن ديوان المحاسبة يشير الى هذا الأمر كل سنة، في التقارير السنوية التي تصدر عنه[25].
ميزات النص المقترح
يراعي هذا القانون، مجمل المبادىء، التي تم وضعها، كاطار ناظم للتشريع في هذا المجال، وهي:
أ التوسع في مفهوم الادارة (المادة الثانية)
بحيث يشمل أكبر عدد من مؤسساتها. واذا كنا عاجزين اليوم عن تعداد هذه الاخيرة، فانه يمكننا، متى وضع هذا القانون موضع التنفيذ، القيام باحصاء دقيق، بناء على طلب معلومات، يقدم الى الجهات المعنية.
ويمكن ملاحظة هذا التوسع، عبر أكثر من زاوية:
1- من حيث الجهة القائمة بالنشاط، والمعني بها، بالدرجة الاولى، القطاع العام اضافة الى القطاع الخاص، الذي يشارك احيانا، في بعض الميادين، وصولا الى هيئات خاصة تؤدي خدمة عامة.
2- من حيث طبيعة النشاط، حيث لا يخرج عن هذا الاطار الا ما ندر. وسواء كان هذا النشاط اقتصاديا، سياسيا، اجتماعيا، فنيا، قضائيا، الخ...
ب التوسع في مفهوم المستفيد (المادة الثالثة)
فلا شرط مسبقا، ان لجهة الجنسية (لبناني أو غير لبناني) او لطبيعة الشخص القانونية (طبيعي أو معنوي)، او لجهة ضرورة توافر مصلحة مباشرة.
وهذا من شأنه، جعل الادارة مركز استقطاب، ومرجعية لكل باحث عن معلومة، كائنا ما كانت دوافعه، ومهما تنوعت حاجاته.
ج- شمولية المستندات والوثائق (المادة الرابعة)
وتبرز أهمية هذا المبدأ من زاويتين:
1 لجهة العدد
ذلك أن التعداد لما يسمى بالمستندات الادارية، انما جاء على سبيل المثال لا الحصر. ومن شأن ذلك، تدارك أي سهو قد يحصل، وافساح المجال أمام الهيئة المختصة، للحكم والتقدير.
2 لجهة طبيعة المستندات
من خلال الاخذ بعين الاعتبار، اضافة الى ما جرى ادراجه عادة تحت هذا المفهوم، ما تقدمه التكنولوجيا الحديثة، في مجال الاتصالات والمعلومات، من انواع. لكن ما يلفت الانتباه، ايراد عبارة "التي تحتفظ بها الادارة". وهذا يعني، ان ليس كل ما تنتجه الادارة، تحتفظ به. وما يجب أن تحفظه محدد في المادة الرابعة. وعليه، ان باب الاستنساب ضيق الى الحدود القصوى.
د ضوابط لحق الاطلاع (المادتين الخامسة والسادسة)
خلافا لما كان يجري سابقا، فان القاعدة اليوم، هي الكشف الواسع عن المعلومات، فيما حجبها هو الاستثناء. فقبل، كان الاطلاع عليها مجرد امكانية، وليس حقا. وكان مرهونا باعتبارين:
- رغبة الادارة في اعطاء معلومات، والتي لم تكن غالب الاحيان متوافرة.
- الحجم المتواضع للمعلومات، والمستندات التي كانت تنشر حكما.
لكن لهذه القاعدة استثناءات - وهذا مبدأ تقره غالبية الدول- مع فارق لجهة النوعية والحجم. وهي:
1 مبدأ الخصوصية
حيث يسمح لصاحب العلاقة فقط، بالاطلاع على ما يتعلق بشخصه من معلومات، مع اعطائه امكانية، لتعديلها وتيويمها.
ويتخذ هذا المبدأ أهمية كبرى في مجتمع المعلومات، حيث بات في نظر العديدين من المشرعين والمسؤولين، مرتبطا بالحقوق الاساسية للانسان.
ويعود السبب في ذلك، الى حجم المعلومات، والامكانيات اللامحدودة التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لاستثمارها ومعالجتها. ويشكل دفق المعلومات الحكومية منها والشخصية، اخطارا، ليس اقلها التعرض لحميمية الشخص، والتدخل في ما يريد الاحتفاظ به لنفسه: كوضعه الاجتماعي (الزواج، الطلاق، الابناء، العلاقات الخاصة...) والصحي (الامراض، الخصائص الجينية ...) الخ
ذلك ان بناء قواعد معلومات تحتوي بيانات شخصية، لدى المؤسسات الرسمية، وكذلك الخاصة: كالمؤسسات التعليمية والمستشفيات والمصارف، يكون كما هائلا من المعلومات، التي يمكن استخدامها بطرق شرعية، وغير شرعية.
والملفت في المادة الخامسة من هذا الاقتراح، اشارتها بوضوح الى ما يسمى التقرير التقييمي.
وهذا ما يثير اليوم ضجة، حول ما يشكله من خطورة في التعامل مع الانسان، عبر رسم طيف له، او محاولة تاطيره او تصنيفه ضمن خانة معينة، انطلاقا من سلوكياته واهتماماته، ما يمكن ان يمهد لممارسة نوع من التمييز ضده.
واذا كانت الشركات التجارية، اول من لجأ الى هذه التقنية على الانترنت، لاستهداف مستخدمي الانترنت، لغايات تجارية، فان الحكومات لم تتاخر عن اللحاق بها، تحت عناوين مختلفة، من بينها: الحفاظ على الامن القومي (مكافحة الارهاب) والامن الاجتماعي (ملاحقة المعتدين على الاطفال) ، والامن الاقتصادي (تبييض الاموال) من خلال رصد تحركات الافراد وتحركاتهم على الانترنت أو في الواقع، ووضع تقارير تقييمية نتيجة لذلك.
ويمكن هنا اضافة، ما يعرف بالتقارير التقييمية لشخصيات المشتبه بهم، او المدعى عليهم، والتي يمكن اللجوء اليها في اطار التحقيقات الجنائية.
ويلاحظ ايضا، ان هذه المادة، قد التزمت القواعد والتوصيات العالمية في هذا المجال، والتي شددت على احترام الحياة الخاصة للانسان، من خلال تنظيم معالجة المعطيات الشخصية، وضبط طريقة نشرها وتبادلها والوصول اليها[26].
وفي السياق عينه، اعادت المادة السادسة التأكيد على الحفاظ على الحق في الخصوصية، عبر الوصول الى المستندات، التي يعتبر الاطلاع عليها سببا للنيل من حياة الافراد الخاصة. وهذا ما ذهبت اليه المادة الثانية والعشرون ايضا، عندما حصرت الحق في الوصول الى المعلومات لاهداف تجارية، في المستندات التي لا تتضمن معلومات ذات طابع شخصي.
2 المعلومات الحساسة والسرية
بكلام آخر، مستندات غير قابلة للاطلاع، والتي يؤدي الوصول اليها، الى النيل من: أسرار الدفاع الوطني، الامن القومي، الامن العام، ادارة العلاقات الخارجية للدولة ذات الطابع السري، المصالح المالية والاقتصادية للدولة وسلامة العملة الوطنية، حياة الافراد الخاصة، الاسرار التي يحميها القانون: كالسر المهني والسر التجاري.
لكن السؤال الذي يطرح: متى تكون المعلومة سرية، ومن يحدد طابعها هذا؟ والخشية في غياب النص الصريح، هو الهامش الكبير الذي يترك، للاستنساب في تقرير ما يمكن كشفه، والوصول اليه من معلومات، بما يؤدي الى حجب معلومات كثيرة، قد لا تستحق هذا التوصيف، وتعزز بالتالي، نهجا مضرا، خبره اللبنانيون، يقوم على سياسة التعمية والتمويه، والتعاطي مع معظم الشؤون، من زاوية أولوية الامن، فتتحول بعض الادارات، الى بئر عميق من الاسرار، وتتضاءل بالتالي، الآمال المعلقة على هذا القانون.
لكن حجب هذا النوع من المعلومات، ليس مطلقا، وانما تحده اعتبارات تتصل بالزمان من جهة، لم ينص عليها هذا الاقتراح مباشرة، وانما حددها القانون المتعلق بالمحفوظات الوطنية، ذي الرقم 162 تاريخ 2/12/1997 وهي:
خمسون سنة من تاريخ الانشاء، بالنسبة للوثائق التي تتضمن معلومات، تمس سلامة الوطن، أو تتعلق بالحياة الخاصة، أو الاحوال الشخصية للمواطنين.
اربعون سنة، من تاريخ صدور الحكم، او حفظ او شطب الدعوى، بالنسبة للوثائق، ذات الطابع الشخصي.
كما تختص بالمكان أوالمجال، من جهة ثانية، حيث انها استثنت المحفوظات الخاصة بكل من وزارتي الدفاع والخارجية، والتي تخضع للاحكام الخاصة بكل منهما، وذلك بحسب
المادة 22 من قانون المحفوظات الوطنية. الا انه يمكن للمؤسسة، عدم التقيد الحرفي بهذه المهل، والسماح بالاطلاع عليها "تسهيلا لمقتضيات البحث العلمي، وبعد استشارة الجهة التي انتجت هذه الوثائق، شرط ان لا يؤدي ذلك، الى اي مساس بالنظام العام، او بالحياة الشخصية، بحسب المادة الثامنة من قانون المحفوظات.
وفي اعتقادنا، انه يجب اعادة النظر في هذه المهل، انطلاقا من واقع، ان ليس كل المعلومات، على مستوى واحد من السرية، وبالتالي ، فان مفاعيل بعضها، قد ينتهي بعد فترة قصيرة، من وسمها بهذا الطابع. وليس ما يبرر، والحالة تلك، ابقاءها محجوبة عن الاطلاع. واننا نحبذ، اعطاء الهيئة المستقلة، التي ستشرف على تطبيق هذا القانون، صلاحية اعادة النظر بها، مع الايعاز الى الجهة المعنية، بتصنيف المعلومات المحجوبة الى مراتب: حساسة، سرية، سرية جدا. وتحدد على ضوء ذلك، مهل المراجعة: بين عشرة، عشرين، ثلاثين.
3 الحفاظ على الملكية الفكرية
الملكية الفكرية حق ذو ابعاد اقتصادية ومادية، يعول عليه لحماية الربح الناتج عن عمل ابداعي فكري، لاسيما وانها تختلف عن حقوق المؤلف، التي ترعى الكتب والمصنفات، لتطاول جميع الانشطة الفكرية، التي يمكن تحويلها الى معلومات، وبغض النظر عن القطاع الذي تنتمي اليه، سواء اكان صناعيا، زراعيا، صحيا، ادبيا، او تجاريا الخ...
فالموضوع هو استثمار عائدات هذا الابتكار او الابداع، بالشروط التي يضعها صاحب حق الملكية.
وفي هذا الاطار، وردت الاشارة الى المكلية الفكرية في النص المقترح في مناسبتين: الكلام على الوصول الى المعلومات، وذلك في الفقرة ج من المادة 19 كذلك في المادة 20 المتعلقة باعادة استخدام المعلومات. وعليه، فانه في الحالة الاولى، لا يقع هذا الحرص في اطاره الصحيح. اذ كيف يمكن المس بالملكية الفكرية، عبر الاطلاع على المستند، الا اذا كان المقصود حماية الفكرة من السرقة، عبر منع الاطلاع عليها، لاسيما وان الاطلاع على النص، لا يتيح امكانية استثماره، او استخدامه، ةالتعرض بالتالي لحق صاحبه، ما لم يكن المقصود، هو التقيد برغبة او ارادة واضع المستند في ابقائه سريا.
ه عدم جواز اتلاف المستندات (المادة السابعة)
وانطلاقا من الحرص على وضع الضوابط الكفيلة باتاحة الافادة من المستندات، وبصورة دائمة، حظرت المادة السابعة، اتلاف المستندات الادارية، التي حددها هذا الاقتراح. الا ان اللافت، انه لم تحدد عقوبة رادعة لذلك، علما ان فاعلية النص تتوقف الى حد كبير‘ على ردع المخالفات المرتكبة[27].
و موجب النشر الحكمي
ويمكن مقاربته من الزوايا الآتية:
1 الادارات المعنية: والتي تحددها المادة 2 مع استثناءات محددة: البلديات غير الخاضعة لرقابة مجلس الخدمة المدنية، والهيئات ذات المنفعة العامة.
2 المواد التي تنشر
وتشمل، من جملة ما تشمل، مستندات نصت القوانين السابقة عليها: تقرير سنوي لكل من التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة، ومجلس الخدمة المدنية. لكن موادا أخرى، لا تقل اهمية جرى اغفالها، مثل: التقارير الدورية التي يعدها المدراء العامون في الوزارات، تقرير مفوض الحكومة لدى مجلس الانماء والاعمار، تقرير اللجنة الفنية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
لكن ذلك، لا يعني بحال من الاحوال، عدم امكانية الاطلاع عليها من خلال طلب المعلومات، كما انه يعني أيضا، ان الادارة مخيرة على هذا المستوى، اي انه بمقدورها اذا شاءت، نشر هذه التقارير.
تبقى ملاحظتان من حيث الشكل: اننا لا نرى ضرورة لاضافة كلمة حكمي، طالما اننا نستعمل طلمة موجب، ذلك ان هذه الاخيرة، لا تعطي مجالا لاي استنساب، وتتضمن المعنى الذي تذهب اليه كلمة حكمي وعليه يبدو وضع هذه الاخيرة في الجملة، من باب لزوم ما لا يلزم، علما انها قد تخلق اشكالا عند التفسير.
أما من حيث المضمون، فالسؤال الذي يطرح: هل من ضمانة أن تشمل هذه المستندات، كل الوقائع ذات العلاقة، اليس في دائرة الاحتمال أن يجري اجتزاؤها؟ وهل ان من يضعها، يسلك دائما مسلك الموضوعية، وينأى بنفسه عن التحيز؟ فهل يميط اللثام مثلا عن وقائع ومعلومات، تتعارض ومصلحة الجهة الطائفية، الحزبية او السياسية التي ينتمي اليها؟
أكثر من ذلك، هل يكشف مثلا، عن خلفية المداولات، والتي تجري خلف الكواليس أحيانا، ذات العلاقة بتعيين الوزراء، او المدراء العامين، او الموظفين الكبار؟
وهل أن كل ما يحصل يكتب دائما في تقارير؟
انها اسئلة تغذي الشكوك، التي طالما ساورت من يتتبع الشأن العام، في لبنان، وحيث الوقائع واللمارسات تؤكد مشروعية التشكيك.
3 وسائل النشر
اضافة الى وسيلة النشر التقليدية، أشار النص الى الوسائل الالكترونية. ومعلومم ان معظم ادارات الدولة اضافة الى اخرى معنية بهذا القانون، تملك مواقع خاصة بها على الانترنت. لكن ما ينشر عليها، يتفاوت بشكل ملحوظ سواء لجهة الحجم، أو لجهة النوع، بحيث يكاد يقتصر أحيانا، على بعض الوثائق التاسيسية والتنظيمية. والانطباع الذي يكونه الباحث، بشكل عام، هو عدم الرضى عن اداء ومحتوى هذه المواقع. تجدر الاشارة، الى ان الحكومة اللبنانية، وفي اطار سعيها لانشاء ما يسمى الحكومة الاكترونية، قامت "بتطوير موقع حكومي شامل للمعلومات، تحت عنوان: www.informs.gov.lb ، مع مكتب خدمة مباشرة عبر الهاتف، من شأنهما تزويد المواطنين، بمعلومات مفصلة عن كافة المعاملات الرسمية، تشمل الاستمارات نفسها ووثائق الدعم المطلوبة، والرسوم المفروضة، والاجراءات المتبعة"[28].
ويحتوي هذا المدخل حاليا، على 1700 استمارة، مع كافة الشروحات اللازمة. ويدعم هذا المدخل، غير مستخدمي الانترنت، مكتب خدمة مباشرة، يمكن الاتصال به على الرقم 1700.
على ان الاتصال بشبكة الانترنت، يتفاوت من حيث الجودة والسرعة، الامر الذي يؤثر، بالطبع، على الخدمات التي يحصل عليها المستخدم. ويجري التركيز اليوم، على فضائل ما يسمى الاتصال عبر الحزمة العريضة (BroadBand).
ويتضح من اقوال بعض المسؤولين والخبراء، اننا مقصرون في هذا المجال[29]. لكن التصميم جلي لجهة تجاوز هذا الواقع وتطويره[30]، نظرا لما لهذا النوع من الاتصال، من مردود ايجابي، في اكثر من مجال[31] .
ز موجب تعليل القرارات الادارية
ويتضمن:
1 حق الوصول الى أسباب القرارات الادارية.
لكن اللافت في صياغة المادة، هو عبارة "الحق الفوري" ... فما المقصود منها، ومتى تبدا مهلة ممارسة هذا الحق، ومنى تنتهي؟ ان هذه العبارة مطاطة. وكان الحري بواضعي الاقتراح، تحديد مهلة زمنية واضحة، توخيا للدقة، ودفعا للتأويل والاستنساب.
2 الاسباب الموجبة
وذلك تجنبا للاستنسابية والتعسف.
3 الشكل المطلوب:
أن يكون خطيا، ويتضمن بالتالي، الحيثيات والوقائع، وموقع من المرجع الذي أصدره.
4 استثناءات
حالة الطوارىء والظروف الاستثنائية.
5 عواقب اغفال التعليل:
ابطال القرار
والجدير ذكره، ان التعليل أصبح بمثابة القاعدة، علما انه كان بمثابة الاستثناء سابقا. فقد كان مطلوبا على سبيل المثال، في قرار نقل موظف من مكان الى آخر، بحسب المادة 43 من المرسوم الاشتراعي 112/59 [32]. كما نصت المادة 65 من قانون البلديات، على أنه يجوز للقائمقام او المحافظ، او لوزير الداخلية، في أي وقت شاء، ولأسباب تتعلق بالامن، ان يرجىء مؤقتا تنفيذ قرار مجلس بلدي، ويجب أن يتم ذلك بموجب قرار معلل، يقبل الطعن أمام مجلس شورى الدولة.
كما انه مطلوب ايضا، في حال الرفض الصريح، من قبل وزير الاعلام، للترخيص بمطبوعة صحافية، وذلك بحسب ما جاء في المادة 28 من قانون المطبوعات.
ح آلية واضحة ومحددة
تحدد بموجبها الاجراءات والخطوات الواجب اتخاذها، كذلك المهل والكلفة، والهيئة المولجة السهر على تطببيقه، من أجل ضمان الوصول السريع الى المعلومات. ويمكن ايجازها على الشكل الآتي:
- تعيين موظف خاص بها في كل ادارة
- تقديم طللب خطي من الراغب في الحصول على المعلومات
- مهلة خمسة عشر يوما للرد على الطلب، تجدد لمرة واحدة
- الكلفة مجانية في مكان وجود المستند، ولقاء بدل اذا أراد مقدم الطلب، نسخة أو صورة عنه.
على انه من المفيد التوسع، في بعض العناصر المشار اليها اعلاه.
1- في الطلب
ويستفاد من هذه النصوص، أن تقديم الطلب، وتدوينه واعطاء ايصال للطالب تتم في الدائرة المعنية، ما يقتضي حضور المعني شخصيا، وتستبعد بالتالي، استخدام الوسائل الالكترونية. وهذا يتنافى مع مقتضيات الحكومة الالكترونية، من جهة، كما انه يؤدي الى اضاعة الوقت من جهة ثانية. مع العلم أن النص المقترح، يشير الى امكانية تسليم المستند، الكترونيا، وبصورة مجانية.
واللافت أيضا، اعفاء الادارة، من موجب تلبية الطلبات التعسفية، من حيث عددها، أو طابعها التكراري. على أنه من الصعوبة بمكان، الربط أحيانا كثيرة، بين العدد والتعسف، طالما أن الطالب يلتزم بالشروط التي يتضمنها النص، وهي: أن تكون المعلومة في حوزة الادارة، وان يحتوي الطلب على تفاصيل كافية، وأن يتخذ مقدم الطلب، مكان اقامة فور تقديم الطلب، وان يقدم الايضاحات الكافية.
وكان يمكن للنص، تلافيا للاشكالات، التي يمكن أن تحدث، أن يحدد عددا معينا، في الشهر على سبيل المثال، يتراوح بين حدين: أدنى وأقصى، كأحد الضوابط التي تدفع كل من مقدم الطلب والادارة في آن، الى درس خطواتهما، وتنفيذهما بشكل فاعل.
2- في المهل الخاصة للبت بالطلب والمراجعة به.
لقد حدد القانون في مواد عدة هذه المهل، على الشكل الآتي:
15 يوما للرد على طلب المعلومات تبدأ من تاريخ التقدم به، قابلة للتجديد مرة واحدة، لمدة لا تزيد عن 15 يوما، بحسب المادة 18.
شهران لمراجعة مجلس شورى الدولة، او الهيئة الادارية المستقلة، في حال رفض الطلب من قبل الادارة.
شهران لتصدر الهيئة قرارها خلال شهرين من تقديم المراجعة، فاذا كان ايجابيا، على السلطات الادارية ان تنفذه في مهلة معقولة، بحسب المادة 25.
شهران لمراجعة مجلس شورى الدولة، فيما يتعلق بقرار الهيئة، على ان تتبع الاصول الموجزة، بحسب المادة 25.
ويتبين من خلال هذا العرض، ان طلب الحصول على المعلومات، اذا ما اعتمدت المهل في حدها الاقصى، قد يستغرق حوالي السنة، الامر الذي يخشى معه، ان تصبح المستندات المطلوبة، من دون جدوى، خاصة اذا طاولت مسائل عرضة بطبيعتها لتطورات متسارعة، لاسيما في مجالي الاقتصاد والمال.
وعليه، ان التصدي لهذه الحالة، يستوجب اختصار المهل، من جهة، وتجهيز الادارات، بالوسائل التقنية المتطورة، الكفيلة بحفظ المعلومات واسترجاعها، بافضل ما يمكن وباقصى سرعة، من جهة ثانية. فالعبرة ليست فقط في اقرار الحق، بل ايضا في طريقة تطبيقه، اي الوصول السريع وفي الوقت المناسب. وهذا مغزى التركيز على الوسائل الالكترونية، والمديح الذي يكال للحكومة الالكترونية.
يبقى اخيرا، اننا لسنا من دعاة اللجوء الى مجلس شورى الدولة، بل نفضل حصر امر البت بالهيئة الادارية المستقلة، ذلك انها الادرى بما يحصل في الادارة، او هكذا يفترض. يضاف الى ذلك الى انها قد تكون الاكفأ والانسب، فيما لو وضعت آلية مدروسة وشروط صارمة، لكيفية اختيار اعضائها، وممارسة اعمالهم باستقلالية وتجرد.
3 الهيئة المستقلة
هي الهيئة المكلفة بالسهر على تطبيق القانون، والتي يمكن لمقدم الطلب مراجعتها، اضافة الى مراجعة مجلس شورى الدولة.
واضافة الى البت بالشكاوى، تتولى الهيئة مهام عدة: استشارية، تشريعية وتثقيفية.
واللافت في المهام التثقيفية، ورود فقرة تتناول "الاسهام في تدريب الموظفين، والمسؤولين في الادارة، على كيفية وأهمية تمكين الافراد من الحصول على المعلومات".
فلجهة الكيفية: الامر بسيط جدا. اذ ان الآلية المقترحة سهلة المنال، ولا تتضمن اي امر يصعب استيعابه، علما ان من يكلف به قد يكون من المستويات الادارية الدنيا. اما لجهة الاهمية، فانها ليست بيت القصيد، طالما ان الموظف ملزم تلبية الطلبات، ومعرض للمساءلة اذا ما خالف القانون، وبالتالي، فان حدود التقدير ضيقة جدا امامه. وهذا الامر كان يصح في الوضع السابق لهذا الاقتراح، حيث الاستنساب واسع والاستعداد ضئيل.
وقد حددت لها مهلة شهرين، من تاريخ تقديم المراجعة لتصدر قرارها. وقراراتها ملزمة، وعلى السلطات الادارية، أن تنفذها في مهلة معقولة.
وحبذا لو حددت هذه المهلة المعقولة بدقة، لان كلمة معقولة، هي كلمة مطاطة، ترتكز الى معايير مختلفة، ومن الافضل الالتزام بمعيار واحد، في هذا الاطار.
نصوص تتعارض مع النص المقترح
هناك عدد من النصوص القانونية، التي تتعارض بعض أحكامها، مع مندرجات هذا القانون، ويتوجب بالتالي تعديلها، كما جاء في المادة 26 من هذا الاقتراح، علما انه لم يأت على ذكرها، ومنها:
1 قانون المطبوعات مادة 12 وهي تنص على ما يلي: " يحظر على جميع المطبوعات، ان تنشر:
- وقائع جلسات مجلس الوزراء، ووقائع الجلسات السرية، التي يعقدها المجلس النيابي أو لجانه.
- وقائع تحقيقات ادارة التفتيش المركزي، والتفتيش العدلي، ما خلا القرارات والبلاغات الصادرة عن الادارات المذكورة.
- الرسائل والاوراق والملفات، أو أيا من الملفات العائدة لاحدى الادارات، والموسومة بطابع سري.
2 قانون الموظفين مادة 15
كما تعدلت بالقانون رقم 144 تاريخ 6/5/1992 تحت عنوان الاعمال المحظرة. ومما جاء فيها: يحظر على الموظف أن يقوم بأي عمل تمنعه القوانين والانظمة النافذة، لاسيما: ان يلقي أو ينشر، دون اذن خطي من رئيس ادارته، خطبا أو مقالات، أو تصريحات أو مؤلفات في أي شان كان، أن يبوح بالمعلومات الرسمية، التي اطلع عليها أثناء قيامه بوظيفته، حتى بعد انتهاء مدة خدمته، الا اذا رخصت له وزارته رسميا بذلك.
3المرسوم رقم 2552 تاريخ 1/8/1992
الخاص بتنظيم أعمال مجلس الوزراء. وقد جاء في المادة التاسعة منه: مع مراعاة أحكام المادة 10 (نصاب الجلسات وقانونيتها) من هذا المرسوم، تكون مناقشات مجلس الوزراء سرية، ولا يحضرها سوى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، والوزراء والامين العام ومن يساعده...
أما المادة 22 فتنص على ما يلي: يمسك سجل خاص لدى الامانة العامة لمجلس الوزراء، لقرارات مجلس الوزراء. وتحفظ المحاضر الاصلية، ونسخ عنها، في المكان المخصص لحفظها، وفقا لأنصول وأنظمة الحفظ الحديثة... ولا يجوز اعطاء أي نسخة عنها لأحد، على أنه يحق لكل وزير، الاطلاع شخصيا على محاضر مجلس الوزراء.
خاتمة
وخلاصة القول، ان هذا الاقتراح، ان هو الا نقطة البداية، في مسار طويل وشائك، اذ يفترض استكماله، بعد التصديق عليه، عبر اتخاذ الخطوات الضرورية، لتطبيقه وتنفيذه، ومن بينها:
- اتخاذ المراسيم التطبيقية اللازمة، انشاء الهيئة المستقلة، والتي تفترض الموافقة على القرار الذي نص على انشائها والمتعلق بالفساد، وتعديل القوانين أو النصوص التنظيمية التي تتعارض مع احكامه.
على انه من الاهمية بمكان ايضا، توفير البيئة السياسية والاجتماعية الملائمة، وذلك من خلال الالتزام الفعلي بتطبيقه، لاسيما من قبل الادارة والعاملين فيها. ذلك ان معاينة الواقع، تفيد عكس ذلك أحيانا كثيرة.
فالمطلوب ان يتم التخلص، ولو بخطوات متدرجة، من ثقافة تحدي القوانين والالتفاف عليها، والاستهزاء بالقواعد والاصول، وأن يتم الالتزام بتغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
باختصار، ان المطلوب، فعلا لا قولا، قيام دولة القانون والمؤسسات.
[1] - www.unesco.org/archives/hrgnews/hrgnewsitems_current.php_details=31020084
[2] - Freedom of Information.
[3] - The Open Government Act.
[4] - النهار 6/03/2002
[5] - نهار الشباب، 21/12/2009 ص:10
[6] - UNESCO م.س
[7] - http://www.undp.org/policy/practicenotes.html
تحت عنوان: تشريع حق الوصول الى المعلومات: مذكرة توجيهية تطبيقية، سنة 2003.
[8] - برنامج عمل تونس بشأن مجتمع المعلومات- تونس 2005.
[9] - من البيان الصحافي للشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول الى المعلومات، أيلول 2009، www.khabrouna.net
[10] - “Article 19”.
[11] - النهار 6/03/2002
[12] - من البيان الصحافي م.س.
[13] - المرجع نفسه
[14] - UNDP م.س.
[15] - نفس المرجع
[16] - حضره كل من: الوزير السابق ابراهيم شمس الدين، الوزير زياد بارود، النائب غسان مخيبر، النائب السابق اسماعيل سكرية، وممثلون عن الحكومة والنقابات والمجتمع المدني والاعلام والقطاعين العام والخاص والهيئات الديبلوماسية.
من البيان الصحفي. مرجع سابق
[17] - تأسست الشبكة في 11 نيسان 2008، بمبادرة من: "برلمانيون لبنانيون ضد الفساد" ، "الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية"- لا فساد "- "جمعية الدفاع عن الحقوق والحريات- عدل"، بالتعاون مع "جمعية المحامين والقضاة الاميركيين ..."
من البيان الصحفي. مرجع سابق.
[18] - النهار 21 آذار 2009
[19] - انضم لبنان الى هذا العهد بموجب قانون منفذ بمرسوم رقم 3855 تاريخ 1/9/1972
[20] - انضم اليها لبنان بموجب قانون رقم 33 تاريخ 16/10/2008
[21] - الشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول الى المعلومات. www.a2ilebanon.net – www.khabrouna.net
[22] - الشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول الى المعلومات.
[23] - UNDP مرجع سابق
[24] - الشبكة الوطنية لتعزيز الحق في الوصول الى المعلومات.
[25] - نصت المادة 40 من قانون تنظيم ديوان المحاسبة على ما يلي: "اذا جاء رأي الديوان مخالفا للمشروع المعروض، كان للادارة المختصة أن تعرض الخلاف على مجلس الوزراء".
أما المادة 42 فتنص على :" يبت مجلس الوزراء بالمعاملات التي تعرض عليه، بقرارات معللة، بعد الاستماع الى رئيس الديوان".
[26] - التشريعات الاوروبية: المانيا 1970، السويد 1973، فرنسا 1978، حول حماية المعطيات الشخصية.
التوصية الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 1980
الاتفاقية الصادرة عن المجلس الاوروبي سنة 1981، حول المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي
التوصية 95/46 الصادرة عن البرلمان الاوروبي، حول معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وحماية الحياة الخاصة في مجال الاتصالات، والتي تعدلت سنة 2002
د. منى الاشقر جبور ود. محمود جبور – القانون والانترنت: تحدي التكيف والضبط، منشورات صادر الحقوقية، بيروت – 2008
[27] - نصت المادة 17 من قانون المحفوظات الوطنية، على ما يلي: كل اتلاف او تزوير او تهريب للمحفوظات الوطنية، يعاقب عليه بغرامة يتراوح مقدارها بين عشرة ملايين وعشرين مليون ليرة لبنانية، او بالسجن مدة تتراوح بين ستة اشهر وثلاث سنوات، او بالعقوبتين معا، وذلك بالاضافة الى الثمن المقدر لهذه المحفوظات.
-[28] استراتيجيا الحكومة الالكترونية، مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الادارية، كانون الاول 2002
[29] - الدولة مقصرة جدا في هذا المجال...أسعار هذه الخدمات عالية، ونوعيتها متدنية. – الوزير جبران باسيل-
http://www.iktissad.com/events/atif/9/press
30 - ان لبنان الذي كان يتصدر كل دول المنطقة مستوى، في ميدان الاتصالات، قد اصبح اليوم، في ذيل اللائحة... وفي غياب خدمات متطورة، بتنا نعاني نوعية متدنية، بأسعار مرتفعة. – www.tra.gov.lb
- سيجري...تنفيذ عدد من التسهيلات والتجهيزات، التي يفترض بها ان تسمح بتوفير خدمات الحزمة العريضة – وزير الاتصالات شربل نحاس – المستقبل 12/12/2009
- جاء في البيان الوزاري:
تلتزم الحكومة العمل على تنمية مجتمع المعرفة وتكنولوجيا المعلومات واقتصادها، ولاسيما من خلال تحرير خدمات الحزمة العريضة- المستقبل 9/12/2009
[31] - Broadband is also crucial for e-government. It underpins public administration networks allowing processes to flow more smoothly. This can make e-government more efficient and more accountable enabling it to tackle development challenges more effectively.
E-government… delivered through broadband facilitates citizens access to programs and services and improves the flow and speed of government information to poor and isolated communities.
United Nations Conference on Trade and Development: information economy report 2009, p:21
[32] - ..."وبما ان التعليل، عندما يوجبه نص قانوني صريح، يعتبر من الاجراءات الجوهرية، والمقدمات الاساسية للقرار، لتعلقها بالضمانات المقررة للموظف، في اطار حق الدفاع المعطى له، وفقا للقوانين والانظمة المرعية الاجراء..." مجلس شورى الدولة، قرار رقم 531 تاريخ 12/7/1994 دعوى فؤاد حنا ديب / الدولة اللبنانية.
Cited