الأبحاث

دراسة د. راستي الحاج 16/11/2017

القضاء العسكري اللبناني في زمن حقوق الانسان: عدالةٌ غائبةٌ؟

المؤلف
د. راستي الحاج
تاريخ النشر
16/11/2017
المصدر
الجامعة اللبنانية

القضاء العسكري اللبناني في زمن حقوق الانسان: عدالةٌ غائبةٌ؟

(دراسة منشورة في مجلة الحقوق والعلوم السياسية التابعة للجامعة اللبنانية، العدد الثاني عشر: 1/2017، ص 197-230)

إعداد د. راستي الحاج[1]

أستاذ محاضر ومتفرغ في كلية الحقوق- الفرع الخامس في الجامعة اللبنانية

مقدمة

هناك عدد لا يستهان به من الموضوعات التي يصعب، بل يستحيل، البقاء حيالها في موقع اللامبالاة وعدم الاكتراث؛ يشكل هذا المقال بموضوعه المعنون "القضاء العسكري اللبناني في زمن حقوق الانسان: عدالةٌ غائبةٌ؟"، دون أدنى منازع، جزءاً لا يتجزأ منها إذ إنه أقله يؤجج الفضول للمعرفة في ظل كثرة الحديث عن أداء هذا القضاء لمهامه نسبياً في الغرف المغلقة السوداء وما يثيره من مخاوف لدى المواطنين أدت إلى توسيع الهوة بين مختلف شرائح وأطياف المجتمع اللبناني الواحد المنقسم أساساً سياسياً.

غيضٌ وفيضٌ من الهجمات العنيفة ووابلٌ من الانتقادات الشرسة المتأتية من كل جانبٍ وصوب تعرض لها القضاء العسكري على مر العصور، ناهيك عن التجاذبات الحادة التي شكل موضوعاً لها، لعل أبرزها ما جاء على لسان وزير الحرب الفرنسي الأسبق "جورج كليمنصو[2] Georges Clémenceau" من انه يكفي إضافة عبارة "عسكري" على كلمةٍ ما من أجل افقادها لمعناها وانه انطلاقاً من هذا الواقع فلا القضاء العسكري هو القضاء ولا الموسيقى المصبوغة بذات الصفة هي الموسيقى[3]، وفي صياغةٍ أخرى يشكل القضاء العسكري للجهاز القضائي ما تجسده الموسيقى العسكرية للموسيقى[4].

كما ان هذا الهجوم جاء من أحد رجال القانون والمؤتمنين على إحقاق الحق في لبنان بحيث اعتبر الرئيس "نمور" ان صلاحيات المحكمة العسكرية مرتبطة بنظام الحكم؛ فكلما كان هذا النظام يمارس الأصول الديمقراطية الصحيحة تتراجع وتنحسر سلطات المرجع المذكور وتتّسع حكماً كلما كان النظام يميل نحو الديكتاتورية والتسلط إذ إن هذه المحاكم هي ابنة ووليدة أنظمة الحكم العسكرية مهد الديكتاتورية والبطش وسندهما الأول والأساسي في التاريخ. لهذا السبب، دائماً بحسب الرئيس "نمور"، وجدنا هذه المحاكم واسعة الصلاحيات في أنظمة الشرق التي ظاهرها ديمقراطي وجوهرها استبدادي وتعسفي ومحدودة في أنظمة الغرب التي تمارس الديمقراطية في شكلٍ متقدم[5].

لعل أبرز ما يبرر هذه النظرة القاتمة والتشاؤمية إلى نظام العدالة العسكري ارتباط جهاز القضاء العسكري تاريخياً في غالبية دول المعمورة بالأنظمة الملكية الجائرة والإمبراطوريات المفتقرة إلى الرحمة ونظم الاستبداد والهيمنة والتسلط وإطلاق عليه تسميات مخيفة كالمجالس الحربية Conseils de guerre أو المجالس العسكريةConseils militaires أو حتى المجالس الحربية الدائمةConseils de guerre permanents والمحاكم الثورية العسكرية Tribunaux révolutionnaires militaires وما كانت تتّصف به من قسوة بل حتى تعسف، مع صلاحياتٍ قد تضيق لتقتصر فقط على العسكريين مهما كان جرمهم أو تتّسع لتمتدّ وتشمل المدنيين أيضاً؛ ففي فرنسا على سبيل المثال التي اهتدى مشرّعُنا بقوانينها لإرساء نظام القضاء العسكري، سُجل ظهور أول جهاز له طابع وصفة المحكمة للعسكريين تحديداً في القرن الرابع عشر في عهد ملك فرنسا آنذاك "[6]Philippe VI de Valois" الذي انتزع في بدايات حرب المئة عام في سنة 1347 من المحاكم العادية صلاحية محاكمة العسكريين من رتبة رقيب والجنود المولجين بحراسة وحماية الحصون والقلاع والقصور[7].

في صورةٍ لاحقة، شهدت فرنسا في عهد الملك لويس الرابع عشر في تاريخ 25 تموز/يوليو 1665 ولادة أولى الأصول الجزائية العسكرية الفعلية خاصةً مع مجالس الحرب التي رأت النور آنذاك والتي يدخل ضمن نطاق صلاحياتها النظر في اخلال العسكريين بقواعد الانضباط والجرائم المرتكبة من هؤلاء في حق أقرانهم واخوانهم ورفاقهم بالسلاح[8].

اتّصف القضاء العسكري المقتصر عموماً على محاكمة العسكريين في مرحلة النظام الفرنسي القديم السابق للثورة بصفة القساوة والاجحاف بل حتى التعسف؛ هذه الصفات السلبية التي لم يكن هذا الجهاز بعيداً عنها في مرحلة ثورة 1789 وما بعدها والتي كانت صلاحياته خلال هذه الفترة قد امتدت لتشمل، إضافةً إلى العسكريين، بعض المدنيين خاصةً الجواسيس وسكان البلد المحتل من الجيوش الفرنسية والرازح تحت سيطرتها، هذا الأمر الذي حدا بنابوليون الأول إلى اتّخاذ موقف لا يصب في صالح القضاء العسكري وإلى اتجاه نيته إلى تسخيفه[9].

وأخيراً نشير إلى انه على خلفية قضية إدانة المقدّم "Alfred Dreyfus" في نهاية القرن التاسع عشر في العام 1894 بجرم الخيانة القائم على تسليم مستندات ووثائق سرية فرنسية إلى الامبراطورية الألمانية وذلك من قبل مجلس الحرب في باريس الذي أنزل به عقوبة التحقير العام، قبل ان يتم العفو عنه، هذه القضية التي سلطت الضوء على انحياز وقسوة القضاء العسكري أثناء الجمهورية الثالثة الممتدة من العام 1870 إلى العام 1940، رُصدت في المرحلة ما بين العامين 1894 و1926 عدة اقتراحات قوانين بلغ عددها الثلاثين وتهدف إلى إما إلغاء القضاء العسكري وإما إعادة تنظيمه وإصلاحه والنظر في هيكليته وفي هذا الاطار خرج كليمنصو عن صمته وأدلى بعباراته الشهيرة المشار إليها أعلاه[10].

أكثر من ذلك ما ساهم في تشويه سمعة المحاكم العسكرية أيضاً عبر التاريخ، الانقلاب العسكري الحاصل في البرازيل في 31 آذار/مارس 1964 وإرساء في نتيجته نظام تسلطي، استبدادي وديكتاتوري ترافق مع توسيع دائرة صلاحيات القضاء العسكري لتشمل الجرائم المرتكبة من المدنيين ضد الأمن القومي وأمن الدولة الخارجي وضد المؤسسات العسكرية[11].

انقسمت الآراء في الداخل اللبناني ما بين مؤيدٍ ومعارض لوجود القضاء العسكري، ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية: هل ان وجود قضاء عسكري استثنائي في لبنان يشكل فعلاً ضرورة؟ ما هي الحدود الفاصلة بينه وبين القضاء العادي؟ هل يُعتبر البعض محق في تساؤلاته ما إذا كان بالامكان إطلاق صفة القضاء على جهازٍ يمتدّ اختصاصه ليشمل المدنيين في حالاتٍ محددة ويهيمن عليه عموماً عسكريون في الخدمة يكون استقلالهم وحيادهم في دائرة الشبهات نظراً لنظام التراتبية الذي تمتاز به المؤسسة العسكرية؟ هل يمكن القول ان المطالبة بجعل القضاء بمختلف تشعباته يسير ويعمل وفقاً لذات المبادئ العامة هي شعرية ومثالية أكثر منها واقعية؟ ما هي مكانة القضاء العسكري اللبناني في ظل السياسة الجنائية الحديثة القائمة على حقوق الانسان واحترامها؟ أيُعتبر متوافقاً في صلاحياته والضمانات الممنوحة لخصمي الهجوم والدفاع صوناً لقرينة البراءة مع أحكام القانون الدولي لحقوق الانسان أم ان تنظيمه يشكل بحد ذاته انتهاكاً سافراً لها ويُعتبر لبنان بالتالي مخلاً في الايفاء بالتزاماته على هذا الصعيد؟ هل يستمر القضاء العسكري اللبناني في ترويج وتسويق الصورة السوداء القاتمة اللصيقة بهذه المؤسسة عبر التاريخ أو على العكس من ذلك يمكن القول انه تخلص من الخطيئة الأصلية المرافقة لهذا الجهاز منذ نشأته وعلى مر العصور؟ في حال الايجاب، أين توجد مكامن الخلل وما الحل الأمثل لتفاديها: الالغاء التام أم الاصلاح؟ ما مدى صحة المقولة ان تطوير القضاء العسكري سوف يؤدي إلى التضحية به وزواله الحتمي من الوجود وإلى فقدانه لسبب ومبرر بقائه؟ أيُعتبر القضاء العام العادي مثالياً في تنظيمه وعمله لاتّخاذه كمعيار لإجراء التقارب بينه وبين القضاء العسكري أم ان القيام بالمقارنة والمقابلة بين سيئات الأول المزعومة وحسنات الثاني من شأنه لربما كالمرآة المكبرة، إذا جاز التعبير، ان يفضح ويزيل الستار عن ما يمكن ان يجسده القضاء العادي من رسم هزلي وكاريكاتوري لنظام العدالة الجزائية؟ ما مدى صحة القول بأن القضاء العسكري والديكتاتورية يسيران يداً بيدٍ أو ان هذا الأمر يندرج فقط في إطار المحاولة لشيطنة هذا الجهاز القضائي؟

أسئلةٌ عديدةٌ سوف نحاول الاجابة عنها في إطار هذا المقال في شيء من التفصيل.

المطلب الأول: الجذور التاريخية للقضاء العسكري اللبناني

من المفيد، كما في كل بحثٍ علمي، إلقاء نظرة على ماضي وتاريخ ولادة مؤسسة القضاء العسكري اللبناني بغية التعرف على الأسباب الموجبة لإرسائها والأسس القانونية القائمة عليها والأطر الواقعية المحيطة بها.

عرف اللبنانيون في النصف الأول من شهر تشرين الأول من العام 1945 ولادة أول محكمة عسكرية وطنية لهم بعد الاستقلال بعد ان أُحيل المرسوم رقم 3886/K من الحكومة إلى المجلس النيابي للمناقشة والدراسة، هذه المحكمة التي زفتها لهم السلطات المعنية مبررةً ضرورة وجودها بأنه عندما أقرت جمعية الأمم قيام فرنسا بانتداب لبنان أعطتها الحق بابقاء جيوشها في الأراضي اللبنانية للمحافظة على سلامة الدولة الواقعة تحت الانتداب وعمدت الدولة الفرنسية المنتدبة منذ لحظة دخول جيوشها في سنة 1918 إلى الأراضي اللبنانية إلى إنشاء محاكم عسكرية للنظر في جميع الدعاوى المتعلقة بسلامة هذه الجيوش عبر تطبيق القوانين العسكرية الفرنسية السارية آنذاك. وتابعت السلطات اللبنانية في تلك الحقبة تبريرها مدليةً انه بما ان المحاكم العسكرية الأجنبية كانت لا تزال قائمة حتى الآن ولبنان قد أصبح دولة مستقلة ذات سيادة تامة، هذا الأمر الذي يشكل افتئاتاً على استقلاله وانتقاصاً من سيادته، فإن الحل الوحيد لهذه المسألة يتجسد بإنشاء محكمة عسكرية لبنانية للنظر في قضايا الجيوش الوطنية والحليفة وفي كل المخالفات التي لها صفة عسكرية بمقتضى نص خاص[12]؛ علماً انه احتدم النقاش داخل المجلس النيابي حول مسألة تولي عسكري رئاسة هذه المحكمة التي أدت إلى انقسام الآراء حينها بين مؤيد[13] ورافض[14] لذلك؛ فضلاً عن انه من جملة ما يدخل في اختصاص هذه المحكمة آنذاك وفقاً للمادة الرابعة من قانون 1945 الجرائم العادية إذا كان المدعى عليه أو المجني عليه منتسباً لملاك الجيش أو إذا كانت الجريمة تمس بسلامة الجيش أو بمصالحه، مع اعطاء الحق لوزير الدفاع الوطني بإحالة القضية إلى المحاكم العادية إذا كان المدعى عليه غير منتمٍ ولا صلة له بملاك الجيش وذلك في محاولةٍ للتوفيق بين المبدإ الذي يوجب ان تنظر المحاكم العادية بالجرائم العادية وذاك الذي يفرض محاكمة العسكري أمام محكمة عسكرية بحسب ما جاء في الأسباب الموجبة.

منذ ذلك الحين والقوانين المتعلقة بالقضاء العسكري تتوالى وصلاحياته تتوسع أكثر فأكثر؛ ففي 12 كانون الثاني من العام 1946، صُدّق قانون العقوبات العسكرية وألغى معه قانون العقوبات العسكري العثماني والقانون الذي أنشأ محكمة عسكرية وطنية لأول مرة للعام 1945؛ ثم تمّ تبني قانون مختص بتعديل بعض المواد من قانون العقوبات العسكري المشار إليه في العام 1948، هذا القانون الذي دفع بالأستاذ "عبد الله اليافي" قبل البدء بمناقشته بمطالبة الحكومة بتوضيح الأسباب التي دعت إلى التعديل الرامي، على ما هو ملاحظ، إلى زيادة صلاحيات المحاكم العسكرية وتوسيعها في حين ان المحاكم العسكرية هي محاكم استثنائية ولا تعطى لها صلاحيات واسعة إلا في أيام الحرب بحسب قوله[15].

في صورة لاحقة، رأى النور القانون الصادر بتاريخ 28 شباط/فبراير 1956 والمتعلق بإنشاء محكمة تمييز عسكرية وتعديل بعض مواد قانون العقوبات العسكرية المذكور. ان الأسباب الموجبة لانشاء محكمة التمييز العسكرية كما أُعلنت حينها هي انه "لقد انشئت المحاكم العسكرية عند استلام الحكومة الجيش وكانت ظروف الساعة تقضي بجعل أحكامها مبرمة ونافذة فور صدورها. والآن بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على انشاء هذه المحاكم تبين ان الغاية المتوخاة من هذا النظام الخاص قد لاقت نصيباً من النجاح وعليه ارتأينا العودة إلى النظام الطبيعي الذي يعطي المحكوم الحق بالمراجعة وبالتالي تمييز الحكم الصادر بحقه"[16].

بالإضافة إلى ذلك وإثر أحداث عامي 1957 و1958، أُقر قانون 11/1/1958 وأتى ليعلّق العمل ببعض مواد قانون العقوبات (المادة 308 منه حتى المادة 313 ضمناً، إضافةً إلى المادة 315ع) بصورة مؤقتة واستثنائية، ويشدّد العقوبات في الجرائم المنصوص عنها فيها وهي في صورة أساسية جرائم الفتنة والارهاب، مُدخلا اياها في اختصاص المحكمة العسكرية. مع الاشارة إلى ان هذا القانون الذي أُريد استثنائياً لا يزال ساري المفعول حتى أيامنا هذه بدليل الاشارة إليه بصورة صريحة في المادة 4 من المرسوم الاشتراعي رقم 110/77 الذي سوف نتطرق إلى احكامه لاحقاً ومطبق من قبل المحاكم الجزائية[17] إلى جانب قانون القضاء العسكري الحالي ذي الرقم 24/68 الصادر في تاريخ 13 نيسان/أبريل 1968 الذي ألغى في المادة 177 منه قانون العقوبات العسكري الصادر بتاريخ 12 كانون الثاني/يناير 1946 مع جميع تعديلاته وقانون انشاء محكمة التمييز العسكرية الصادر بتاريخ 28 شباط/فبراير 1956 وجميع القوانين والأنظمة والأحكام الأخرى المخالفة لهذا القانون أو التي لا تأتلف مع أحكامه. ان قانون القضاء العسكري الحالي المشار إليه قد أُدخلت عليه تعديلات عديدة منذ تاريخ صدوره[18] خاصةً لناحية صلاحيات القضاء العسكري الوظيفية التي سنتطرق إليها وإلى مختلف القواعد الراعية لها والسارية المفعول حالياً في المطلب الثاني من هذا البحث.

لا يقتضي إغفال ذكر القانون رقم 2/78 الصادر بتاريخ 5 شباط/فبراير 1978 المتعلق بإنشاء محكمة أمنية خاصة بصورة مؤقتة تنظر بشكلٍ حصري وأساسي، بحسب ما جاء في الفقرة الأولى من المادة الوحيدة من القانون المذكور، بجميع الجرائم التي تمس مصالح وسلامة قوات الأمن العربية في لبنان (عناصر قوات الردع المتواجدون على الأراضي اللبنانية في فترة الحرب الأهلية) وبجميع الجنح والجنايات التي تقع على أفراد وعناصر هذه القوات الموجودة في لبنان أو تلك التي يقترفونها؛ كانت هذه المحكمة المؤلفة من قاضٍ عدلي وضابط لبنانيين وثلاثة ضباط تابعين لقوات الأمن العربية، على ان يترأس الضابط اللبناني هيئة المحكمة، تصدر أحكامها باسم الشعب اللبناني، هذه الأحكام التي لم تكن تقبل أي طريق من طرق المراجعة باستثناء الاعتراض بالنسبة للأحكام الغيابية، وكانت صلاحياتها تشمل كل الأراضي اللبنانية ومركزها بيروت مبدئياً[19] لكنها أُلغيت وأُنهيت مهامها بموجب المرسوم رقم 306 تاريخ 19/5/1983.

وأخيراً نورد في سياق هذا المطلب ان القضاء العسكري اللبناني شكل منذ نشأته الجهاز المؤتمن على إحقاق الحق وتنفيذ أهداف السياسة الجنائية المرسومة من المشترع في مجال التصدي والوقاية من الجرائم الداخلة ضمن اختصاصه؛ السياسة الجنائية عموماً حظيت بقدرٍ كبير من الاهتمام من قبل المهتمين بشؤون الجريمة والوقاية منها والتصدي لها؛ فالطبيعة الانسانية تواقة إلى تحقيق ذاتها واندفاعها نحو هذه الغاية اندفاع مصدره أصلاً أنانية عارمة تصبو إلى بلورة قواها بطرقٍ شتى، مركزةً على إظهار ميزاتها وفرض ظلها على من يحيط بها من أمثالها؛ أليس محقاً القول بأن المرء، بدلاً من قيامه بقياس وتحديد ما فيه خير له متّخذاً كمقياسٍ ما هو نافع للجميع، يفضل المضي في المنحى المعاكس؟[20] من هنا، فإذا ما شطت وبالغت في تحقيق أبعادها تطاولت على حدود أمثالها فاعتدت وأضرت وعبثت بما لا ترضى أن يُعبث به لديها واقعةً في مهاوي الاجرام الذي تهتم السياسة الجنائية بكافة النشاطات المبذولة للوقاية منه والتصدي له.

يُنسب استعمال تسمية السياسة الجنائية لأول مرة إلى المؤلف الجزائي الألماني فويرباخ Feueurbach وذلك في كتابه عن القانون الجزائي الصادر سنة 1803 حيث أطلقها على مجموعة الوسائل القمعية (أي الجزائية) التي تواجه بها الدولة الجريمة[21]؛ إلاّ انه من الثابت اليوم بأن التصدي للجريمة يبقى عقيماً طالما أنه لم يحصل تصدٍ للمشكلات التي تساهم إلى حد بعيد في بروز السلوك الاجرامي واتخاذه مناحي خطيرة؛ فالعمل الوقائي السابق على الجريمة هو السبيل الأنجح في التأثير على العوامل الاجرامية والقضاء عليها؛ فإذا أهمل هذا العمل نصبح وكأننا نداوي ثمار شجرة سامة، ستبقى ثمارها سامة طالما انها لم تُعالج من جذورها[22]. من هنا، يمكن القول ان السياسة الجنائية الحديثة أصبحت تشمل الوقاية من الجريمة والعلاج معاً وأضحت تقوم في زمن حقوق الانسان وتغيُّر النظرة نحو الجريمة والمجرم الذي لم يعد ذاك الفاسق المسكون بالشيطان والأرواح الشريرة، على مبادئ الحرية والمساواة وتستلهم القيم الانسانية التي تشكل أساس الحضارة المعاصرة وتضع أسس ثابتة لتدخل القضاء المستقل والحيادي والمتخصص في حياة المواطنين وتنظيم الطرق الواجب اتباعها في التحقيقات والمحاكمات الجنائية صيانةً لحقوق الفرد، خاصةً حق التقاضي على درجتين، بحيث يتربع على رأسها مبدأ قرينة البراءة؛ مع الاشارة إلى ان القضاء الجزائي لم يعد متمثلاً بتلك الصورة الرمزية للمرأة المعصوبة العينين والتي تحمل الميزان بيد والسيف باليد الأخرى لناحية إحقاق الحق دون الالتفات إلى شخص المتقاضين إذ أصبح مفروضاً على القاضي استبيان أوضاع المدعى عليه الشخصية والاجتماعية والنفسية ويكون من واجبه ان يسأل المجرم "من انت" بدلاً من ان يكتفي بسؤاله "ماذا فعلت"[23].

يبقى بعد كل ما تم استعراضه طرح السؤال التالي: إلى أي مدى يتوافق القضاء العسكري اللبناني بصلاحياته الاستثنائية وبأصول تنظيمه الخاصة وبالقواعد الراعية له والتي تشكل خروجاً على تلك الخاضع لها القضاء العدلي العادي مع متطلبات السياسة الجنائية الحديثة؟ هذا ما سوف نراه في سياق معالجة المطلبين التاليين.

المطلب الثاني: صلاحيات القضاء العسكري: الحدود الفاصلة بينه وبين القضاء العادي

يُخرج بعض الأشخاص نظراً لصفتهم وبعض الجرائم نظراً لطبيعتها الكرة من ملعب القضاء الجزائي العادي ليرموها ويقذفوا بها في المجال العائد للمؤسسة القضائية العسكرية المنتمية إلى فئة القضاء الذي تُطلق عليه صفة الاستثنائي؛ ان القضاء العسكري هو قضاءٌ استثنائي لأن صلاحياته لا تقتصر على العسكريين المخالفين للقانون على ما توحي به تسميته، بل تمتدّ لتشمل المدنيين المقترفين لفئةٍ محددة من الجرائم تؤدّي إلى انتزاعهم من بين يدي قضائهم العادي لتُحيلهم أمام الجهاز المذكور، إنه استثنائي أيضاً لأنه ينفرد بقواعدٍ ترعى تنظيمه وأصول عمله والتحقيق لديه والمحاكمة وطرق الطعن أمامه، هذه القواعد التي تشكل بدورها ومبدئياً خروجاً على تلك المختصّة بالأجهزة القضائية العادية ما لم تكن هنالك إحالة صريحة إليها ولدى عدم تعارضها مع الأولى، حتى قيل وبحق ان هذا الأمر من شأنه المساس بمبدإ "المساواة أمام القانون" على غرار الحصانات العائدة لفئةٍ من الأشخاص والتي إما تعفيهم بصورةٍ مطلقة ومبدئية من الملاحقات الجزائية كسفراء الدول الأجانب وإما تخضعهم وتميزهم بإجراءات وأصول ملاحقة خاصة بهم كما هي الحال بالنسبة للقضاة الذين يكونون على خلاف مع القانون.

هل وُفق المشترع اللبناني في ترسيم الحدود في صورةٍ واضحة، شفافة وبعيدة عن الالتباس بين القضاءَين العادي والاستثنائي عبر تحديد الصلاحيات الوظيفية العائدة لكل واحدٍ منهما؟

بادئ ذي بدء، تقتضي الاشارة إلى ان مهمة تحريك دعوى الحق العام بالنسبة لغالبية الجرائم الواردة في القوانين الجزائية اللبنانية ومتابعتها هي من أبرز واشهر الصلاحيات الممنوحة قانوناً للنيابة العامة الإستئنافية على الإطلاق؛ من هنا يقال ان هذا الجهاز هو صاحب الولاية الأساسية في إطلاق عجلة الدعوى العامة إذ إن هذه الدعوى، الرامية إلى ملاحقة مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها وإلى تطبيق العقوبات والتدابير في حقهم، مُناطة بقضاة النيابة العامة المعنيين في هذا القانون وذلك إستناداً إلى المادة 5 أصول جزائية؛ في المقابل وإن كان نطاق وإطار سلطة النيابة العامة الإستئنافية[24]، المولجة "بالإنتقام" لهيبة القانون المُنتهَك وإعادة فرض سلطته، بتحريك الدعوى العامة هما الأوسع ويشملان غالبية الجرائم الواردة في قانون العقوبات وبعض التشريعات المكملة له إذ تُعتبر المرجع العام والعادي في هذا الصدد، إلاّ انه في حالاتٍ معينة وبالنسبة لنوع محدد من الجرائم أو لفئةٍ خاصة من الأشخاص تُمرَّر الشعلةُ لزاماً إلى نيابات عامة أخرى التي تصبح سيدة اللعبة في حقل الملاحقات الجزائية[25]؛ فاستناداً إلى نص المادة 34 من قانون القضاء العسكري 24/68، يُمارس مفوض الحكومة، القائم بأعمال النيابة العامة لدى المحكمة العسكرية[26]، ومعاونوه وظائف النائب العام الإستئنافي عموماً إلى جانب الأصول والأعمال الخاصة بهم والمحددة في القانون السالف الذكر، وهم مكلفون بملاحقة جميع الجرائم التي هي من صلاحية القضاء العسكري المؤلف وفقاً للمادة الأولى من القانون 24/68 من محكمة تمييز عسكرية يكون مركزها في بيروت، من محكمة عسكرية دائمة يقع مقرها في العاصمة أيضاً، من قضاة منفردين عسكريين في المحافظات تحدد مراكزهم بقرار من وزير الدفاع بناءً على اقتراح السلطة العسكرية العليا، من مفوض الحكومة أو النائب العام العسكري ومعاونيه ومن قضاء تحقيق لا وجود فيه للهيئة الاتهامية ويكون مركز دائرة التحقيق العسكري لدى مركز المحكمة العسكرية على ما أوردته الفقرة الثانية من المادة 12 من قانون القضاء العسكري (ق.ق.ع).

نتابع في ذات السياق لنقول انه، وفقاً للمادة 23 ق.ق.ع، تمتدّ الصلاحية الاقليمية للمحكمة العسكرية الدائمة الموجودة في بيروت لتشمل جميع الأراضي اللبنانية والأراضي الأجنبية المحتلة من الجيش اللبناني باستثناء المناطق التي تشملها صلاحية المحاكم العسكرية المؤقتة الخاصة بالقوات المسلحة. لكن ماذا عن الصلاحية الشخصية لهذه المؤسسة القضائية؟

أ- الصلاحية الشخصية للمحكمة العسكرية: عُنيت المادة 27 ق.ق.ع بتحديد إطار الصلاحية الشخصية لهذه المحكمة وحددت الأشخاص الذين يُحاكمون أمامها نظراً للصفة التي يتمتعون بها، مهما كانت جنسيتهم وأياً كان نوع الجريمة المسندة إليهم، ألا وهم:

- العسكريون والمماثلون للعسكريين: يُقصد بكلمة "عسكري" أو "العسكريين" لتطبيق هذا القانون عسكريو الخدمة الفعلية والعناصر المسلحة الملحقة بالجيش بحسب ما ورد في المادة 102 ق.ق.ع. إن الجرائم التي يرتكبها العسكريون في أي وقت ومن أي نوعٍ كان تدخل في اختصاص المحكمة العسكرية الشخصي ولا ضرورة لارتباطها بالوظيفة، خلافاً لما كان عليه الوضع بالنسبة للمجندين قبل إلغاء خدمة العلم بموجب المادة الأولى من القانون رقم 665/2005 بصورة نهائية بعد مرور سنتين على نشر القانون المذكور في الجريدة الرسمية. نقول في هذا الاطار ان اختصاص القضاء العسكري يتحدد بالنظر للصفة العسكرية للشخص الملاحق وقت حصول الجرم وارتكابه وليس بتاريخ محاكمته؛ قُضي على هذا الصعيد بأن جرم استعمال المزور المنسوب إلى المدعى عليه يكون متحققاً ومكتملاً في تاريخٍ سابقٍ لاكتسابه الصفة العسكرية، ما ينفي اختصاص القضاء العسكري للنظر في القضية[27]. كما قُضي ببقاء الجرم المقترف من الجندي أثناء خدمته العسكرية من صلاحية المحكمة العسكرية وإن ترك الخدمة العسكرية فيما بعد لسببٍ من الأسباب إذ إن الصلاحية تُحدد بالنظر إلى وقت ارتكاب الجرم وليس إلى حالة الشخص عند المحاكمة[28].

- الأسرى

- رجال قوى الجيوش الأجنبية والموظفون المدنيون فيها، ما لم يكن هناك إتفاق مخالف على الصلاحية بهذا الشأن بين الحكومة اللبنانية والسلطات التابعة لها هذه الجيوش الأجنبية: قُضي في هذا الاطار بعدم اختصاص القضاء العسكري-اللبناني للنظر في الدعوى الموجهة ضد المستدعى ضده، وهو أحد عناصر قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، لإقدامه عن اهمال وقلة احتراز على صدم طفل وقتله وذلك أثناء وظيفته وبينما كان يقود صهريجاً تابعاً لهذه القوات إذ إنه وبمقتضى المادتين 46 و47 من الاتفاقية الموقعة بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة بتاريخ 15/12/1995 فإن عناصر قوات الطوارئ الدولية يتمتعون بالحصانة من الملاحقة القانونية بالنسبة للجرائم التي يرتكبونها خلال عملهم الرسمي بحيث تعود صلاحية البت بها إلى محاكم دولهم وليس للقضاء اللبناني[29].

· ماذا بالنسبة لعناصر قوى الأمن الداخلي والأمن العام والمديرية العامة لأمن الدولة؟

إذا كانت الصفة العسكرية للمدعى عليه تعطي الصلاحية مباشرةً للقضاء العسكري للنظر بالجرم بغض النظر عن ماهيته، فإن الوضع يختلف لدى انتماء الشخص إلى إحدى القوى المعددة أعلاه؛ جاء المرسوم الإشتراعي ذو الرقم 110 الصادر في تاريخ 30/6/1977 ليحدد القضاء المختص بالنسبة للجرائم المرتكبة من وعلى عناصر قوى الأمن الداخلي والأمن العام والمديرية العامة لأمن الدولة والموظفين المدنيين التابعين لهذه القوى؛ جاء في المادة الأولى منه انه يُحاكم رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام والمديرية العامة لأمن الدولة والموظفون المدنيون لديها أمام القضاء العسكري من أجل:

1- الجرائم العسكرية المنصوص عنها في الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون القضاء العسكري (التخلف، الفرار، الجرائم المخلة بالشرف والواجب، الخيانة والتجسس والمؤامرة، الجرائم المخلة بالانضباط العسكري (مخالفة التعليمات العسكرية[30])).

2- الجرائم المرتكبة أثناء الخدمة او في معرضها.

كما جاء في المادة 2 من المرسوم المذكور انه تُحال أمام القضاء العسكري:

1- الجرائم الواقعة على رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام والمديرية العامة لأمن الدولة والموظفين المدنيين لدى هذه القوى أثناء الخدمة وبسببها.

2- الجرائم الواقعة على مراكز قوى الأمن الداخلي والأمن العام وامن الدولة، الدائمة أو المؤقتة، أو الواقعة داخل هذه المراكز بما فيها السجون.

3- الجرائم التي تمس المنشآت والأعتدة واللوازم والأموال والمصلحة المعنوية لهذه القوى؛ كما يُحاكم أمام القضاء العسكري، بمقتضى المادة 3 من المرسوم 110/77، كل فاعل أصلي أو شريك أو متدخل أو محرض في جريمة محال بها أمام القضاء العسكري أحد الأشخاص المذكورين في المادتين الأولى والثانية السالفتي الذكر من هذا المرسوم الاشتراعي.

وأخيراً في هذا الصدد، حددت المادة 5 من المرسوم المذكور الجرائم التي يرتكبها أفراد قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والموظفون المدنيون لدى هذه القوى والتي تخرج عن صلاحية القضاء العسكري على الشكل التالي:

1- الجرائم التي يرتكبها رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والموظفون المدنيون لدى هذه القوى ولا علاقة لها بالوظيفة.

2- الجرائم التي يرتكبها رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة أثناء التحقيقات العدلية العادية وبسببها.

3- الجرائم التي تقع على رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والموظفين المدنيين لدى هذه القوى ولا علاقة لها بالوظيفة.

4- الجرائم التي يرتكبها رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة داخل قاعات المحاكمة أثناء إنعقاد الجلسات لدى المحاكم العادية أو المرتكبة منهم أثناء مثولهم أمام قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق.

لا يقتضي إغفال ذكر انه أعفت المادة 40 من المرسوم الاشتراعي رقم 1460 تاريخ 8/7/1971 كل من النائب العام الاستئنافي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، كل في نطاق صلاحياته، من الاستحصال على إذنٍ مسبق أو لاحق من الادارة المعنية لملاحقة جميع رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام والموظفين المدنيين لدى هذه القوى وذلك بالنسبة لجميع الجرائم غير الناشئة عن الوظيفة وجميع الجرائم المشهودة الناشئة أم لا عن الوظيفة[31]. مع العلم انه خارج حالات المادة 40 المذكورة وبالنسبة لعناصر الضابطة العدلية ولناحية الجرائم الوظيفية المرتكبة من قبلهم في نطاق أعمالهم بوصفهم مساعدين للنيابة العامة والتي توجب الاستحصال على إذن لملاحقتهم، أوردت المادة 15 أصول جزائية انه يعود لمدعي عام التمييز ان يطلب من النائب العام الاستئنافي أو النائب العام المالي أو مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية ان يدعي بحق من يرتكب منهم جرماً جزائياً في أثناء قيامه بوظيفته أو في معرض قيامه بها دون ان يطلب إذناً بملاحقته، على ان يكون القضاء العدلي هو الصالح للنظر في هذا الجرم رغم كل نص مخالف.

وأخيراً نلفت الانتباه إلى انه بمقتضى المادة 79 من القانون المنفذ بالمرسوم رقم 1802 تاريخ 27/2/1979 (قانون تنظيم الضابطة الجمركية) تُطبق على رجال الضابطة الجمركية أحكام الكتاب الثالث من قانون القضاء العسكري (المتعلق بالعقوبات والجرائم العسكرية) وتسري عليهم فيما خص المحاكمات الجزائية الأحكام النافذة في قوى الأمن الداخلي؛ علماً ان القانون النافذ بالنسبة لقوى الأمن الداخلي بتاريخ صدور القانون المنفذ بالمرسوم رقم 1802، هو المرسوم الاشتراعي رقم 110 تاريخ 30/6/1977 المعدل فيما بعد بالقانون رقم 148/92 وهو ألغى في المادة 11 منه جميع الأحكام المخالفة أو غير المتفقة مع مضمونه ونص في المادة الأولى المعدلة منه على اختصاص القضاء العسكري لمحاكمة رجال قوى الأمن الداخلي بالنسبة للجرائم المرتكبة منهم أثناء الخدمة أو في معرضها. قُضي تطبيقاً لذلك بكون القضاء العسكري صاحب الاختصاص للنظر بما هو منسوب للخفير الجمركي بالمساعدة على تسهيل إخراج السيارات المسروقة والمستقدمة من خارج لبنان من إحدى مافيات السيارات من المرفأ وإيداعها محطة المحروقات العائدة لأحد المدعى عليهم لقاء مبالغ مالية يقبضها وذلك ضمن وأثناء قيامه بوظيفته الرسمية[32].

- الموظفون المدنيون لدى وزارة الدفاع الوطني والجيش والمحاكم العسكرية... إذا كانت جرائمهم ناشئة عن الوظيفة أو واقعة تحت طائلة قانون القضاء العسكري.

- كل فاعل أصلي أو شريك أو متدخل أو محرّض في جريمة مُحال بها أمام القضاء العسكري أحد الأشخاص المذكورين أعلاه: هل يُعتبر قاضي التحقيق العسكري مختصاً للنظر بجرمٍ مُرتكب من قاصرٍ لدى تلازم هذا الجرم مع جرم راشد داخل أصلاً في إختصاصه أو لدى اشتراكه في الجرم الأخير؟

جاء في المادة 33 من القانون 422/2002 المعنون "حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر" ما يلي: " إذا كان الحدث مشاركاً مع غير الأحداث في جرم واحد أو في جرائم متلازمة يخضع الحدث مع الراشدين إلى إجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة أمام المرجع العادي. يكون على هذا المرجع أن يطبق بالنسبة له الضمانات الإجرائية المنصوص عليها في هذا القانون ومن ضمنها سرية المحاكمة عند إستجواب الحدث. ينحصر دور المحكمة العادية هنا بتحديد نسبة الجرم إلى الحدث ومسؤوليته والوصف القانوني والإلزامات المدنية على أن يعود إلى محكمة الأحداث بعد إنبرام حكم المحكمة العادية بحق الحدث الإستماع إليه وفرض التدابير والعقوبات بحسب ما يقتضيه هذا القانون. تخضع الأحكام الصادرة في قضايا الأحداث عن المحاكم العادية لنفس طرق المرجعة المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية، أما القرارات الصادرة عن محاكم الأحداث بشأن التدابير والعقوبات وفقاً لأحكام هذه المادة فتخضع لطرق المراجعة المنصوص عليها في هذا القانون".

بالرغم من ورود عبارة "المرجع العادي" في النص القانوني التي لا يُفترض فيها ان تشمل المحاكم والمراجع القضائية الإستثنائية ومن بينها القضاء العسكري، إلاّ ان إجتهاد محكمة التمييز اللبنانية قد أحل عبارة "المرجع المختصّ بالراشد" مكانها وجعل من القضاء العسكري، وتبعاً لذلك قاضي التحقيق العسكري، صالحاً للنظر بجرمٍ مرتكب من قاصرٍ لدى تلازم هذا الجرم مع جرم راشد داخل أصلاً في إختصاصه[33].

ب- الصلاحية النوعية للمحكمة العسكرية: عُنيت المادة 24 ق.ق.ع. المعدلة بموجب القانون رقم 306 تاريخ 3/4/2001، في صورةٍ أساسية، بتحديد الجرائم الداخلة ضمن الاختصاص الموضوعي أو النوعي للمحكمة العسكرية؛ والجرائم الواردة فيها والتي تختص المحاكم العسكرية بالنظر بها هي التالية:

- الجرائم العسكرية المنصوص عليها في الكتاب الثالث من قانون القضاء العسكري: وهي تشمل جرائم التملص من الواجبات العسكرية كالتخلف، والفرار، والتشويه الذاتي، والجرائم المخلة بالشرف والواجب كالتسليم والخيانة والمؤامرة العسكرية والتجسس والتدمير والسلب والإتلاف والتزوير والغش والسرقة والإختلاس وغيرها وكذلك الجرائم المخلة بالانضباط العسكري كالتمرد والعصيان وما شابه.

- جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو المنصوص عليها في المواد 273 حتى 287 من قانون العقوبات وفي المادتين 290 و291 منه أيضاً وفي القوانين الخاصة التي تعاقب على هذه الجرائم: هذه الأفعال تندرج في عداد الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي؛ مع الإشارة إلى ان هذه الجرائم المنصوص عليها في البند الثاني من المادة 24 ق.ق.ع، إضافةً إلى جرائم الارهاب والفتنة هي من إختصاص المحكمة العسكرية ما لم يصدر مرسوم حكومي بإحالتها إلى المجلس العدلي[34].

- الجرائم المتعلقة بالأسلحة والذخائر الحربية المنصوص عليها في قانون الأسلحة وذلك ضمن الشروط المحددة فيه وفي هذا القانون: إن جريمة حمل أو نقل أو استعمال السلاح الحربي، كالرشاشات والمدافع، غير المُرخص المنصوص عليها في المادة 72 من المرسوم الإشتراعي رقم 137 الصادر في تاريخ 12/6/1959 والمتعلق بالأسلحة والذخائر تدخل في الأصل في إختصاص القضاء العسكري بالإستناد إلى الفقرة الأولى من المادة 79 من المرسوم الإشتراعي المذكور[35] والفقرة الثالثة من المادة 24 ق.ق.ع؛ لكنه قُضي في هذا الاطار بأنه إذا كانت الأسلحة الحربية منقولة لصالح المقاومة الوطنية في معرض تنفيذ عملية عسكرية ضد العدو الاسرائيلي في المناطق اللبنانية المحتلة منه، فتكون حيازتها عن طريق نقلها حيازة عارضة ينتفي معها جرم المادة 72 أسلحة[36]. أما إذا كان جرم السلاح الحربي متلازماً مع جرمٍ من إختصاص القضاء العادي كقتل إنسان بواسطة سلاح حربي غير مرخص، فيعود لهذا القضاء أمر النظر به مع الجرم الداخل في دائرة صلاحيته[37] ما لم تكن الدعوى العامة فيه قد سقطت عن طريق الصفح والتنازل عن الحقوق الشخصية كما في حالة الإيذاء مع تعطيل لأقل من عشرة أيام بواسطة سلاح غير مرخص[38]؛ ومن التطبيقات القضائية لهذا الأمر قيام القاضي المنفرد الجزائي في جب جنين التابع للقضاء العادي بالنظر في قضيةٍ أقدم فيها المدّعى عليه على إستعمال سلاح حربي غير مرخص من نوع كلاشينكوف وإطلاق الرصاص منه بغزارة في وسط حشد من الناس وفي مكانٍ سكني مأهول قرب المنزل الذي تسكنه المدّعية في الدعوى، ما أدّى إلى إصابة الأخيرة برصاصة وتعطيلها عن العمل لمدة شهر ونصف وتوصل القاضي المذكور إلى إدانة المدّعى عليه بجنحة الإيذاء القصدي المنصوص عليها في المادة 556 عقوبات بالإستناد إلى القصد الإحتمالي، إضافةً إلى تطبيق أحكام المادة 72 أسلحة المُشار إليها أعلاه بحقه[39].

مع الاشارة استطراداً إلى ما ورد في قانون القضاء العسكري لناحية إمتداد صلاحية القضاء العسكري للنظر بالجرائم المتلازمة مع جناية من إختصاصه وليس جنحة؛ نصت المادة 28 ق.ق.ع على ما يلي: " إذا لوحق شخص في آنٍ واحدٍ بجرمٍ من صلاحية المحكمة العسكرية وبجرمٍ من صلاحية المحاكم العادية (أي حالة الإجتماع المادي للجرائم دون أية رابطة بين الجرائم) فإنه يُحاكم بكل جرمٍ على حدة من قبل القضاء الصالح. وعلى المحكمة التي تنظر بعد الأولى بالجرم الذي هو من صلاحيتها، ان تبتّ عند الإقتضاء، بجمع العقوبات أو بدغمها.

إذا كان الجرم جناية من صلاحية المحكمة العسكرية فإنها تنظر تبعاً للجناية بسائر الجرائم المتلازمة معها..."[40].

- الجرائم المرتكبة في المعسكرات وفي المؤسسات والثكنات العسكرية.

- الجرائم الواقعة على شخص احد العسكريين، على ان تستمر هذه الصلاحية بعد تسريحهم: اختلف الاجتهاد في تفسير عبارة "على شخص أحد العسكريين"؛ فاعتبر جزء منه وهو الرأي الراجح ان الاختصاص النوعي للقضاء العسكري يشمل الجرائم الواقعة على الكيان الجسدي والمعنوي للعسكريين دون تلك التي تطال ما تحتويه ذمته المالية من أموال وموجودات لا شأن لها بهذا الكيان لأن المساس بشخص العسكري من شأنه الاضرار بشكل مباشر أو غير مباشر بمصالح المؤسسة العسكرية المنتمي إليها، ما لا يتوافر عندما يتناول الجرم الأموال الخاصة بالعسكريين ولأن القضاء العسكري هو قضاء استثنائي بالنسبة للقضاء العدلي وهو القضاء العام لذا فإن أي تفسير للنصوص المتعلقة بصلاحية القضاء العسكري يجب ان يتم بصورةٍ حصرية ودائماً لصالح القضاء العدلي[41]؛ لكننا نجد ان جزء آخر من الاجتهاد قد اتخذ منحاً مغايراً[42].

- الجرائم الواقعة على الموظفين المدنيين في وزارة الدفاع الوطني والمحاكم العسكرية أو لدى الجيش إذا كان لهذه الجرائم علاقة بالوظيفة وتستمر هذه الصلاحية بعد تسريح هؤلاء.

- جميع الجرائم، مهما كان نوعها، التي تمس مصلحة الجيش أو قوى الأمن الداخلي أو الأمن العام: قُضي في هذا الاطار ان الجرم المنسوب إلى المدعى عليه والمتمثل باستعمال جواز سفر لبناني مزور ليس من شأنه المساس بمصالح الأمن العام المباشرة لا المادية ولا المعنوية وان هذا الجرم لا يتعدى كونه من الجرائم العادية المعاقب عليها بسبب تعرضه لمصداقية سند رسمي وان التوسع بمفهوم المصلحة المقصودة في المادة 24 ق.ق.ع فقرة 8 منها يؤدي إلى إعطاء القضاء العسكري صلاحية لم يمنحه إياها القانون، فتصبح بذلك جرائم دخول البلاد خلسة وجرائم عدم تجديد إقامة الأجانب في الأراضي اللبنانية عائد أمرها للقضاء العسكري بالرغم من كونها جرائم عادية وذلك تحت ستار اعتبارها تمس بمصالح الأمن العام[43].

- الجرائم الواقعة على شخص أحد رجال الجيوش الأجنبية أو التي تمس بمصلحتها ما لم يكن هناك اتفاق مخالف على تحديد الصلاحية بين الحكومة اللبنانية والسلطة التابعة لها هذه الجيوش.

- ناهيك عن جرائم الفتنة والارهاب.

في ختام هذا المطلب، نشير إلى انه إلى جانب المحكمة العسكرية الدائمة، يوجد قضاة منفردون عسكريون ينظرون في زمن السلم، بموجب المادة 30 ق.ق.ع، بالمخالفات كافة والجنح المنصوص عليها في قانون السير التي يرتكبها ضمن نطاق المحافظة أشخاص يخضعهم هذا القانون للقضاء العسكري، فضلاً عن الجنح الأخرى التي هي من صلاحية القضاء العسكري، إذا كانت عقوبتها لا تتعدّى الغرامة او السجن حتى سنة أو هاتين العقوبتين معاً.

يبقى ان نعرف ما إذا كانت أبرز الخصوصيات ومن بينها الصلاحيات التي ينفرد بها القضاء العسكري اللبناني حتى أيامنا هذه تشكل سمة من سمات التميز أم وصمة عار في زمن حقوق الانسان ومن منظارها، هذا الأمر الذي سوف يكون مدار دراستنا في المطلب الثالث والأخير.

المطلب الثالث: أبرز خصوصيات القضاء العسكري: سمةُ تميُّزٍ أم وصمةُ عارٍ؟

تُجسد حقوق الانسان، بحسب الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة "كوفي عنان"، الأساس والقاعدة الصلبة للوجود البشري وللتعايش والتآلف بين البشر وان قوة هذه المزايا تكمن في عالميتها إذ لا توجد أية حدود ولا أسوار أو عوائق ومطبات لا يكون باستطاعتها وبمقدورها تجاوزها وتخطيها[44]. إن نظرية حقوق الانسان التي شهدت تطوراً عجائبياً وهائلاً منذ الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص، أصبحت ظاهرةً وحقيقةً راسخةً في عالمنا اليوم؛ فبعد قرونٍ من الظلمات التي خيمت على المجتمع البشري، تتابعت الحركات الاصلاحية وأخذ التجدد الاجتماعي والثقافي يتبلور شيئاً فشيئاً وألقى أضواء على تلك الظلمات وقاد الانسان نحو مجتمعٍ أفضل يحفظ له كرامته الانسانية ويحمي حريته الشخصية من الظلم والتعسف؛ تسعى الكثير من الدول اليوم، أقله المتحضرة منها، إلى جعل قوانينها وتطبيقاتها متوافقة مع الشرعات العالمية لحقوق الانسان. نتيجةً لكل هذه التطورات، أمست القوانين الجزائية بمختلف تشعباتها مبنيةً على مبادئ معاصرة تقوم على تخصص القاضي وضرورة استقلاله وتجرده وحياده ونزاهته في تأدية رسالته السامية المتجسدة بإحقاق الحق على أساس العدل والمساواة والانصاف والانسانية وعدم تعريض كرامة الانسان للهدر والنكران.

من هنا وعلى ضوء تأثيرات حقوق الانسان على نظام العدالة الجزائية، هيئاتٌ دولية ومحليةٌ متعددة دقت ناقوس الخطر وقرعت جرس الانذار تجاه الصلاحيات الواسعة العائدة للقضاء العسكري اللبناني وتمدد أذرعه مع النقص في الضمانات المقرة لصالح قرينة البراءة على وجه الخصوص؛ على هذا الصعيد، أعربت اللجنة الدولية المعنية بحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة في تقريرها للعام 1997 عن قلقها من الصلاحيات الواسعة المنوطة بالمحاكم العسكرية في لبنان، لا سيما أنها تتجاوز المسائل التأديبية لتطال المدنيين، كما عبرت عن عدم ارتياحها للأصول التي تتبعها تلك المحاكم وغياب الرقابة المعمول بها في المحاكم العادية على أعمالها وأحكامها وأوصت اللجنة في النتيجة الدولة المتعاقدة لبنان بإعادة النظر في صلاحيات المحاكم العسكرية وبنقل تلك الصلاحيات إلى المحاكم المدنية (أي المحاكم العادية) في ما يتعلق بمحاكمة المدنيين أو بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها عسكريون[45]؛ هذا التقرير الذي ألقى بظلاله على لجنة حقوق الانسان النيابية في لبنان بعد مدة من الزمن التي أعلنت انه في مجال القضاء العسكري ما زال القانون يتيح محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية التي لا توفر الضمانات القضائية اللازمة، ولا تعللّ قراراتها، الأمر الذي يجعلها خارج مفهوم الرقابة القانونية على عمل القضاء[46]؛ إلى أي مدى يمكن الاعتراف بهشاشة احترام حقوق الانسان في نظام القضاء العسكري اللبناني؟ أمِنَ العدل القول بأن هذه المؤسسة تجسد عالماً بذاتها يعلو على القواعد القانونية ويخرج عن القانون العام وتشكل قضاءً استثنائياً لا يخضع لأية رقابة أو روادع ويفتح الباب أمام التجاوزات والتعسف ولا يُعتبر بالتالي قضاء إلاّ بالاسم أم ان ذلك من قبيل المبالغة؟

في الواقع، ان استقلال الأمم لا تحميه سوى الجيوش التي ليس باستطاعتها الاستمرار في الوجود إلاّ من خلال إنجاز وإتمام الموجبات والفرائض الخاصة بها في شكلٍ صارمٍ؛ من هنا وبغية تأمين التنفيذ المطّرد والثابت لهذه الالتزامات ذات الطابع العسكري، يقتضي ان تكون هنالك عدالة حازمة ومتّسمة بالسرعة تطال وتضرب أولئك العسكريين المخلّين بالواجبات الملقاة على عاتقهم والتي تعاقدوا عليها وارتضوا بها، ومن أفضل من جهاز القضاء العسكري لتولي هذه المهمة لأنه باستطاعة القيمين عليه وحدهم فهم وإدراك الالتزامات الواجب احترامها وظروف التجاوزات التي من شأنها الاخلال بها؛ إذاً يكون هذا القضاء الاستثنائي قائماً قبل كل شيء على ضرورة تأمين أداء مهمة الطاعة وبذل التضحيات التي نذرت الجيوش أنفسها لها ومبنياً بالتالي من جهةٍ أخرى على مبدإ العدالة الضرورية إذ إنه أمام المحاكم العسكرية فقط يمكن إحقاق الحق في صورةٍ جيدة، أكيدة ومضمونة في موضوع جرائم السلوك والانضباط.

مع العلم انه خارج صفوف الجيش والعسكر، فإننا نرى ان المنطق يقضي بأن لا يخضع أي شخص لصلاحية القضاء العسكري الاستثنائي أقله في زمن السلم وخارج حالات الطوارئ؛ وما هذا سوى تكريس للمبدإ الذي قضت به محكمة التمييز الفرنسية، منذ فترةٍ بعيدة في زمنٍ كانت فيه سلطة المحاكم العسكرية لا يُستهان بها، بأنه لا يمكن تحت أية ذريعةٍ كانت انتزاع المواطنين العاديين من أمام قضائهم وقضاتهم الطبيعيين[47]. المواطن المدني ينتمي إلى القضاء العدلي العام وحصانته يجب ان تكون جدّ كبيرة بحيث انه على فرض تحقق إحدى حالات المساهمة الجرمية بينه وبين عسكري فإن ذلك يؤدي إلى إحالة الأخير أمام القضاء العادي ولا يهم إذا كان التعاون بينهما قد حصل في إطار جرم عسكري أو عادي إذ إن العسكري هو مواطن قبل أن يكون في سلك الجيش؛ لا يجدر بالمشترع اللبناني التسليم بصلاحية القضاء العسكري الاستثنائي إلاّ إزاء الأشخاص الذين، بحكم منصبهم وموقعهم أو بحكم الضرورة أو بالنظر إلى خيارهم، يجسد هذا الجهاز القضاء العادي والطبيعي بالنسبة إليهم إذ حري به وضع حدود فاصلة وحواجز لا يمكن تخطيها مهما كانت الظروف بين المجتمع المدني وعائلته العسكرية.

من هذا المنطلق، من الواجب في لبنان إعادة صلاحية النظر بكل جرائم القانون العام دون استثناء، حتى المرتكبة من العسكريين ولا علاقة مباشرة لها بوظيفتهم وبخدمتهم العسكرية[48] وغير مرتكبة في أثنائها، إلى المحاكم العادية إذ إن المجتمع لا يعود بأمانٍ عندما لا تُمنح صلاحية رؤية جميع هذه الجرائم التي تمس وتخدش النظام المدني إلى القضاة العاديين المولجين بتأمين الحماية له ولكافة مكوناته. ألم يعتبر البعض[49] من قبيل التناقض الغريب والمستغرب اعتراف المشترع بالطابع العام للجرائم وتوليته في الوقت ذاته المحاكم العسكرية الاستثنائية صلاحية النظر بها؟

أكثر من ذلك، ان مناداتنا بإخراج المدعى عليهم المدنيين في صورةٍ خاصة من دائرة صلاحيات القضاء العسكري، مهما كان نوع الجرم المنسوب إليهم، لها ما يبررها عملياً من منظار حقوق الانسان؛ بادئ ذي بدء، نشير إلى انه أسفرت الأعمال التي باشرتها اللجنة الفرعية لتسويق وحماية حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة في الدورة الثامنة والخمسين المنعقدة في آب من العام 2006 وذلك في مجال إقامة العدل من قبل المحاكم العسكرية، عن سلسلة من المبادئ في هذا الاطار وهي تضع الحد الأدنى لما يجب ان تكون عليه المحاكم العسكرية في تنظيمها وصلاحياتها[50]؛ إن هذه المبادئ، على الرغم من طابعها العام والمجرد ومن عدم إلزاميتها، سوف تكون السند لنا في الاقتراحات المقدمة من قبلنا، إلى جانب الشرعات العالمية لحقوق الانسان، لأننا نؤمن بأنها تضع تصوراً علمياً لوظائف المحاكم العسكرية وبأنها تفرض نفسها، بقوتها المنطقية وطابعها الموضوعي، ويقتضي إعمالها كسندٍ لكل القوانين الواضعة للمبادئ العامة المحددة لأطر الادارة القضائية الحسنة والجيدة. ان المبدأ الخامس من المبادئ المذكورة يندرج في إطار تأمين الحماية للأفراد بجعل القضاء العسكري غير مختص كقاعدة عامة بالجرائم المرتكبة من هؤلاء مهما كانت طبيعتها وانحصار صلاحيته بالجرائم المحض عسكرية والمرتكبة من أفراد الجسم العسكري، على ما جاء في المبدإ الثامن.

إضافةً إلى ذلك، يتمحور المبدأ الثالث عشر حول حق أساسي ألا وهو الحق العائد لكل متقاضي بمحكمة مختصّة، مستقلة وحيادية، هذا الحق المكرس أيضاً في المادة العاشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[51]؛ مع الاشارة إلى ان استقلالية القضاء لطالما شكلت محور اهتمام المجتمع الدولي بدليل المبادئ الأساسية المتعلقة بها والمتبناة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1985؛ لكن هذه الاستقلالية تثير الشكوك حولها في ظل تنظيم الهيئات الحاكمة في المحاكم العسكرية اللبنانية (محكمة التمييز العسكرية والمحكمة العسكرية الدائمة) المؤلفة في الغالبية الساحقة منها من عسكريين، حتى ان المحكمة العسكرية الدائمة يترأسها شخص من السلك العسكري والأعضاء العسكريين الأعضاء فيها هم دائماً من رتبة دون رتبة الرئيس وذلك في الدعاوى الجنائية والجنحية على السواء، ما يدفعنا إلى التساؤل عن مدى استقلالية القضاة العسكريين في ظل نظام التراتبية وحق الامرة القائمة عليهما المؤسسة العسكرية خاصةً استقلاليتهم عن الادارة العسكرية العليا؛ وما يبرر هذا التساؤل ومخاوفنا على هذا الصعيد هو واجب الطاعة الملقى كمبدأ عام على كاهل أفراد وعناصر الجيش تجاه قائدهم لدرجة أنه يكون فعلهم عموماً المتجسد بتنفيذ الأمر غير الشرعي الصادر إليهم مبرراً أي تنتفي عنه صفة الجريمة بحسب الفقرة الثانية من المادة 185 من قانون العقوبات اللبناني إذ إن القانون لا يجيز لهم التحقق من شرعية الأوامر الصادرة إليهم ولا يتصور إقدام العسكري على مناقشة هذه الأوامر وإلاّ عمت الفوضى[52]. أضف إلى ذلك ان فكرة الحياد تصبح أكثر تعقيداً في مواجهة ومن منظار نظرية المظاهر، بالتوافق مع الحكمة والقاعدة الانكليزية وفحواها انه لا يقتضي فقط ان تكون العدالة متحققة بل من الضروري ان تتم رؤية الأخيرة ليُصار إلى تحقيقها“Justice should not only be done, but should be seen to be done” [53]، إذ إن ذلك يبرر إمكانية ان يرى المتقاضي في القاضي العسكري ضابطاً قابلاً لأن يكون "حكم وخصم" في الوقت ذاته خاصةً في كل قضيةٍ تتعلق بالمؤسسة العسكرية أكثر منه قاضياً متخصصاً.

ان الهدف البعيد لهذه الدراسة يتجسد بإلغاء القضاء العسكري بصيغته الحالية ووضعه الراهن وبجعله، في زمن السلم أقله، مختصاً للنظر فقط بالجرائم العسكرية المرتكبة من العسكريين وعناصر القوات المسلحة الأخرى كمبدإ عام وكف يده عن محاكمة المدنيين وعن النظر والفصل في جميع جرائم القانون العام بما فيها تلك المرتكبة من العسكر خارج إطار ممارستهم لمهامهم ولا علاقة للخدمة العسكرية بها؛ لكن وفي ظل اعلان وزير الدفاع اللبناني الحالي في أكثر من مناسبة ضرورة الابقاء على القضاء العسكري بصيغته الحالية ولكي لا يُفهم إلغاؤها أو إبقاؤها على انه انتصار لطرف سياسي على آخر أو انهزام لفريق في وجه الثاني، ارتأينا اقتراح الابقاء على صلاحيات هذا الجهاز القضائي على حالها مع إدخال بعض التعديلات على نظام هذا القضاء للتقليل من مساوئ مكامن الخلل المتعددة التي تعتريه في الأصول الراعية له خاصةً على صعيد ضمانات المتقاضين؛ علماً ان هذه التعديلات المقترحة فيما يلي يقتضي ان يتم إجراؤها فيما يختص بحقوق المتقاضين وضماناتهم حتى ولو أصبحت صلاحية هذا الجهاز القضائي مقتصرة على العسكريين وجرائمهم العسكرية إذ لا يقتضي السماح بأن يكون المدافعون عن الوطن خاضعين، أكثر من المواطنين الآخرين، لأحكام قمعية، تعسفية وجائرة[54]، فضلاً عن انه من الواجب جعل متطلبات الانضباط الذي بدونه لا وجود للجيش متوافقة مع ما يفرضه القانون الذي بانتفائه تنتفي العدالة[55].

- أبرز مكامن الخلل في القضاء العسكري من منظار حقوق الانسان

إذا كان ما أوردناه أعلاه يؤدي إلى القول بعدم شرعية بقاء القضاء العسكري بوضعه الحالي وصلاحياته الواسعة الممتدة لتشمل المدنيين في حالات محددة على ما سبق ان رأيناه في معرض هذه الدراسة، إلاّ انه لا يمكن لأحدٍ القول بعدم قانونية هذا الجهاز إذ أرساه قانون القضاء العسكري رقم 24/68 الصادر عن السلطة الاشتراعية بالطرق القانونية السليمة، هذا الأمر المتوافق مع المبدإ الأول من المبادئ المعتمدة من قبل اللجنة الفرعية لحقوق الانسان والمشار إليها أعلاه القاضي بوجوب انشاء المحاكم العسكرية لدى وجودها بموجب الدستور أو بمقتضى القانون.

- لجهة وضعية المتضرر أمام القضاء العسكري اللبناني: إن المشترع اللبناني قد أخذ بالمبدإ العام المتمحور حول حق الخيار المعطى لكل من يعتبر نفسه متضرراً من جريمة بين طريقين للإدعاء للمطالبة بالتعويضات الشخصية، فإما ان يتقدم بدعواه أمام القضاء المدني وإما أمام القضاء الجزائي؛ علماً انه يُمنع عليه مبدئياً، بعد ان يكون قد اختار المرجع المدني للمطالبة بحقوقه، ان يعود ويعدل عنه ليذهب إلى القضاء الجزائي ويدق بابه على ما جاء في الفقرة الأولى من المادة 8 أ. جزائية وذلك ما هو سوى تطبيق للقاعدة الرومانية Electa una via, non datur recursus ad alteram. هو يتمتع على هذا الصعيد وكقاعدة عامة بحرية مطلقة في الخيار.

في هذا الاطار نذكر من بين مكامن الخلل في نظام القضاء العسكري ان هذا الجهاز، بالنظر إلى وضع المتضرر من الجرم الداخل في صلاحيته، يندرج في خانة المؤسسات القضائية التي لا تقبل أصولها إطلاقاً بالتقدم بالدعوى المدنية من قبل المتضرر للمطالبة بالتعويض لا مباشرةً محركاً بذلك دعوى الحق العام ولا انضماماً الى الدعوى العامة المحركة مسبقاً من النيابة العامة العسكرية؛ القضاء العسكري، على غرار المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء[56]، لا ينظر في الحق الشخصي لا من قريب ولا من بعيد وذلك سنداً إلى المادة 25 ق.ق.ع، على ان تقام دعوى الحق الشخصي أمام المحكمة المدنية الصالحة ويتوقف صدور الحكم فيها حتى فصل دعوى الحق العام نهائياً بحكمٍ مبرم عملاً بقاعدة الجزاء يعقل الحقوق. نشير إلى انه إذا كان "Robert Badinter"، وزير العدل الفرنسي السابق، قد برر في العام 1982 هذا المنع المحصور بإمكانية قيام الفريق المدني بتحريك دعوى الحق العام بإدعائه في ظل قانون 21 تموز/يوليو 1982 فيما يخص الجرائم العسكرية وجرائم القانون العام المرتكبة أثناء الخدمة من قبل العسكريين، بقطع الطريق على الضحايا الوهميين والدجالين ومنعهم من زعزعة استقرار جيش الجمهورية عبر اتهامات كاذبة وعشوائية ترد من هنا وهناك بحق عناصر القوى العسكرية[57]، فإن هذه الذريعة غير سارية في لبنان إلاّ جزئياً في ظل امتداد صلاحية القضاء العسكري لتشمل المدنيين والعسكريين أكان جرمهم متصل بالخدمة أم لا؛ فما المانع من اعطاء الحق بتحريك الدعوى العامة أو الانضمام اليها أمام القضاء العسكري لكل متضرر من جرم مرتكب من مدنيين أو عسكريين ولا علاقة له بالخدمة بالنسبة لهؤلاء الأخيرين والداخل في صلاحية الجهاز المذكور؟ ان العدالة والانصاف يفرضان ذلك.

من هنا يمكن القول ان ضحية أي جرم يدخل ضمن صلاحية القضاء العسكري وغير المرحب بها إطلاقاً أمامه والممنوعة منعاً باتاً من ولوج الصرح الخاص به هي قد وقعت ضحية قدرها الذي شاء لها ان تُبلى بهكذا جرم ووقعت في الوقت ذاته فريسة قانونٍ يمنعها من المطالبة بحقوقها المدنية على النحو الموضح من قبلنا آنفاً وذلك خلافاً لأهداف السياسة الجنائية الحديثة وفي زمن ترسخت فيه حقوق الانسان ولم يعد الاهتمام محصوراً بالجريمة والمجرم على صعيد علم الاجرام بل امتدّ ليشمل الضحية وخير دليل على ذلك بروز ما يعرف بعلم الضحية، ناهيك عن تصاعد نسبة الأخذ في الاعتبار لضحايا الارهاب على وجه الخصوص على الصعيد الدولي وتحديداً في إطار الأمم المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بدءاً بقرار مجلس الأمن 1566/2004 في تاريخ 8 تشرين الأول/أوكتوبر 2004 الذي ينشئ فيه فريق عمل لدرس إمكانية خلق وإيجاد صندوق دولي للتعويض على ضحايا الارهاب وصولاً إلى المؤتمر العالمي الأول المتعلق بدعم ضحايا الجرائم الارهابية والمنعقد في 9 أيلول/سبتمبر 2008 بدعوة من الأمين العام الحالي للأمم المتحدة "بان كي مونBan Ki-moon "[58].

في هذا السياق، حريٌ بنا طرح السؤال التالي: ماذا لو ارتكب عسكريٌ جرم من الجرائم التي يكون تحريك دعوى الحق العام في شأنها مرهوناً بالإدعاء الشخصي المباشر؟

أوردت المادة 35 من قانون القضاء العسكري الإجابة على هذا السؤال في نصٍّ واضحٍ وصريحٍ وهو التالي: "عندما تتوقف إقامة دعوى الحق العام على إتّخاذ الشاكي صفة المدّعي الشخصي (كما في حالة جرمي الزنا والقدح والذم والتحقير)، يحق لمفوض الحكومة ان يجري الملاحقة بناءً على شكوى المتضرر". من هنا، أصبح بإمكان النيابة العامة العسكرية القيام بتحريك الدعوى العمومية في جرائمٍ يرتبط فيها هذا الإجراء بالإدعاء الشخصي المُباشر من المتضرر في صورةٍ مُطلقة وحاجبة لأية صلاحيةٍ أخرى في هذا المجال وذلك بمجرد ورود شكوى إليها من الشخص المعني، ما يشكل خروجاً على المبدأ العام يُبرره التغييب القسري والمُطلق للفريق المدني ومنعه من المطالبة بحقوقه أمام القضاء العسكري. لكنه من الأفضل للمتضرر الذي يرغب في الحصول على التعويضات عن الضرر الذي مُنِيَ به في أسرع وقتٍ ممكن ان يتّجه إلى القضاء المدني للمطالبة به وان يغض الطرف عن تقديم الشكوى إلى مفوض الحكومة، إذ في حال قرر الأخير تحريك الدعوى العامة في حق العسكري بعد وصول الشكوى إليه، يكون من شأن ذلك ان يؤدّي إلى توقف المحاكم المدنية عن البت بدعوى التعويضات إلى حين صدور الحكم المبرم في الدعوى العامة عن القضاء العسكري.

- لجهة حقوق الدفاع في مرحلة التحقيق الابتدائي: تبرز الثغرة الكبرى في ظل غياب الهيئة الإتّهامية كمرجع ثانٍ للبتّ في مسألة الإتّهام ما يشكل افتئاتاً على حقوق الدفاع التي يقتضي ان تكون مصانة بحسب ما جاء في البند الأول من المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان؛ بموجب المادة 44 ق.ق.ع إذا تبيّن لقاضي التحقيق ان العمل المنسوب إلى المدّعى عليه يُشكل جناية، يُصدر حينها قرار إتهام ويُحيل الدعوى فوراً إلى مفوض الحكومة مع مذكرة إلقاء القبض على المتهم لإحالتها إلى المرجع القضائي الصالح للحكم بها. هذا الأمر يدل على ان التحقيق القضائي العسكري يتمّ على مرحلةٍ واحدة ودرجة تقاضي واحدة هي أمام قاضي التحقيق العسكري[59] لعدم وجود هيئة إتّهامية خاصة بالقضاء العسكري التي تُعتبر قانوناً بمثابة سلطة رقابة قضائية هامة لا سيّما في الإتّهام بجناية، مما سيكون له بالتأكيد نتائج بالغة الخطورة على حرية الإنسان وكرامته وحياته ومصالحه لأن المنع المُقرر عموماً في قانون الأصول الجزائية لقاضي التحقيق في المواد الجنائية بعدم إحالة المدّعى عليه إلى قضاء الحكم دون المرور بالهيئة الإتهامية، ليس سوى إجراء شكلي هدفه تمكين هذه الأخيرة من وضع يدها على الدعوى بصورةٍ آلية دون توخي أية مبادرة من أطرافها بهدف تأمين ضمانات إضافية للمدّعى عليه كون الإتهام بالجناية هو أمر خطير يستدعي التدقيق به من قبل مرجعَين نظراً لشدّة العقوبات الجنائية عموماً، فيعود للهيئة آنذاك مراقبة ما تضمنه قرار قاضي التحقيق لجهة الواقعات والأدلة والقانون وما انتهى إليه من وصف قانوني ونتيجة فتأخذ بما ورد فيه أو تعدل ذلك وفقاً لقناعاتها، فتلغي ما تعارضه وتتبنى منه ما يتوافق معها.

من ناحيةٍ أخرى وفيما يختص بالطعن بالقرارات الصادرة عن قاضي التحقيق العسكري، منحت المادة 78 ق.ق.ع لمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الحق بطلب نقض قرارات منع المحاكمة وتلك المتعلقة بالصلاحية وكل القرارات المخالفة لمطالعته[60] الصادرة عن قاضي التحقيق العسكري وذلك أمام الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز العادية[61] في مهلة أربع وعشرين ساعة من تاريخ صدورها[62]، بينما ليس باستطاعة المدعى عليه بموجب المادة المذكورة سوى طلب نقض القرارات المتعلقة بالصلاحية[63] أمام المرجع ذاته وخلال المهلة[64] نفسها المعطاة لمفوض الحكومة[65] على ان تبدأ بالسريان من تاريخ التبليغ بالنسبة للمدعى عليه؛ هذا النص يخالف المبادئ التي تحكم نزاهة وعدالة المحاكمات الجزائية إذ إنه يُطيح من جهة بمبدإ تعادل الأسلحة ما بين سلطتي الادعاء والدفاع الذي هو أساساً غير مؤمن في صورةٍ كاملة في الأصول الجزائية العادية في ظل ضرورة اقتران قرار استرداد مذكرة التوقيف من قبل قاضي التحقيق بموافقة النيابة العامة المسبقة تحت طائلة الإبطال مثلاً، ومن جهة أخرى يتعرض ويمس بمبدإ التقاضي على درجتين القائم على وجوب الافساح في المجال أمام كل شخص يعتبر نفسه متضرراً من حكم أو قرار قضائي معين بالطعن فيه أمام مرجع قضائي أعلى درجة من المرجع الذي أصدره والمكرس في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان.

بالإضافة إلى ذلك وبحسب المادة 45 ق.ق.ع التي أُعيد العمل بها بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 142 الصادر بتاريخ 16 ايلول/سبتمبر 1983، تقبل قرارات قاضي التحقيق العسكري المتعلقة بإخلاء سبيل المدعى عليه الاستئناف أمام محكمة التمييز العسكرية التي تفصل بالأمر خلال أربع وعشرين ساعة، على ان يتم تقديم الاستئناف في مهلة 24 ساعة بالنسبة لمفوض الحكومة والمدعى عليه (لجهة قرار رد طلب تخلية سبيله) على السواء محسوبةً من تاريخ التبليغ؛ من الطبيعي القول ان هيئة محكمة التمييز الناظرة بالطعون بقرارات إخلاء السبيل الصادرة عن قضاة التحقيق العسكريين يقتضي ان تكون مختلفة عن هيئة هذه المحكمة الناظرة بالمراجعات المقدمة ضد الأحكام والقرارات الصادرة عن المحكمة العسكرية لكي لا يكون هنالك مخالفة لمبدإ الفصل بين قضاء الحكم وقضاء التحقيق؛ في هذا الاطار من المشروع طرح السؤال التالي: هل يمكن استئناف قرار قاضي التحقيق العسكري بتوقيف المدعى عليه احتياطياً؟ ردّ البعض[66] بالايجاب على هذا السؤال واعتبروا ان ذلك ممكن أمام الهيئة الاتهامية في بيروت إذ انه من غير المنطقي ان يُسمح بالطعن بقرارات تخلية السبيل فيما تكون قرارات التوقيف غير قابلة للمساس بها؛ رأي محق خاصة في ظل وجود المادة الثالثة والأربعين من المرسوم الإشتراعي ذو الرقم 1460 الصادر في تاريخ 8/7/1971 السالفة الذكر التي تضمنت في شقها الأول انه "تعديلاً لكل نص مخالف، تنظر الهيئة الإتهامية لدى محكمة إستئناف بيروت في إستئناف القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق لدى المحكمة العسكرية في الأحوال التي يجوز فيها إستئناف هذه القرارات..." وفي ظل تطبيق قانون الأصول الجزائية في كل ما لا يتعارض مع قانون القضاء العسكري الذي لم يتطرق إلى مسألة الطعن بقرار التوقيف، علماً ان هذا الحل يتوافق مع ما ورد لهذه الجهة في البند 4 من المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومع المبدإ الثاني عشر من المبادئ المعتمدة في مجال إقامة العدل من قبل المحاكم العسكرية والمشار إليها أعلاه.

- لجهة تأليف وتشكيل القضاء العسكري: اقترح البعض[67] على هذا الصعيد خضوع القضاة العسكريين لتدرج في معهد القضاء بعد أن تقوم السلطات المختصّة باستحداث قسم في المعهد لتدريب هؤلاء الضباط العسكريين المجازين في الحقوق[68]. إننا نرى ان هذا الرأي ليس بالبعيد عن المنطق إذ أُنشئت معاهد الدروس القضائية المساهمة في وضع السياسات الجنائية تجاوباً مع النهضة العلمية وإدراكاً لأهمية التأهيل الوظيفي للعاملين في ميدان العدالة الجنائية، خاصةً في ظل اعتماد أغلب التشريعات الحديثة على مبدإ تخصص القاضي وتمكينه من إجراء التحقيقات الاجتماعية والشخصية عن المتهم ما يجعله يمارس فعلاً قضاءً متخصصاً وبالتالي قضاءً فاعلاً في حقلي الوقاية والعلاج. لكنه يُخشى من أن تنشأ الخلافات حول الادارة التي يخضع لها هذا القسم في المعهد وتدخل السياسة في الموضوع. في نتيجة ذلك، نقترح خلق هيئة اتهامية تابعة للقضاء العسكري كمرجع استئنافي لقرارات قاضي التحقيق وكمرجع اتهامي إلزامي في القضايا الجنائية والاسترشاد بالمبدإ السابع عشر من المبادئ المعتمدة في مجال إقامة العدل من قبل المحاكم العسكرية والمذكورة آنفاً والقاضي بضرورة ان تكون صلاحيات القضاء العسكري لدى استمرار وجوده محصورة بالدرجة الأولى فقط وبوجوب ممارسة طرق الطعن بالقرارات أمام المحاكم والهيئات القضائية العادية؛ إلاّ اننا وفي مرحلةٍ أولى وتخفيفاً من وطأة هذا المبدأ نرى ان نجعل مهمة مراقبة القانون بين يدي محكمة التمييز الجزائية العادية، خاصةً في القضايا الجنائية نظراً لما يمكن ان يتعرض له المدعى عليه في نتيجتها من إنزال لعقوبة الاعدام به، وبذات الشروط المحددة في قانون أصول المحاكمات الجزائية بحيث تصبح قرارات الاتهام الصادر عن الهيئة الاتهامية قابلة للتمييز أمام الغرفة الجزائية لمحكمة التمييز التي إن لم يصلها الملف لعدم توافر شرط الاختلاف حول الوصف القانوني للفعل بين الهيئة وقاضي التحقيق، يكون هناك إمكانية لأن يصلها لدى الطعن بقرارات المحكمة العسكرية الدائمة بهيئتها الجنائية دون حاجة لتوافر شرط الاختلاف.

لا يقتضي إغفال تسليط الضوء على ضرورة إلغاء النصوص[69] التي تسمح بتعيين محامين عسكريين للمدعى عليه إذ هنالك مؤسسة واحدة تُعنى بشؤون مهنة المحاماة ألا وهي نقابة المحامين ولا يقتضي ان نشهد على ولادة محامٍ للدفاع عن المواطنين، مهما كانت صفتهم، من غير رحم هذه النقابة، علماً ان المحاماة هي صوت الحق ورسالة ينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة الذين يحملون راية العدل في صدقٍ وأمانةٍ ووقارٍ في سبيل درء الظلم والغبن.

من المفيد ان نشير استطراداً وعلى سبيل المعرفة القانونية إلى انه لا يوجد أي محامٍ لم يُطرح عليه السؤال التقليدي والكلاسيكي التّالي: "كيف يُمكن الدفاع عن مجرم؟ "؛ هذا السؤال الذي يُصاغ بإلحاحٍ أكبر وأعظم عندما يتعلق الأمر بجرمٍ فادح وخطير ومن شأنه أن يُشكل موضوعاً للإستهجان والسخط الإجتماعيين العارِمَين ألا وهو الارهاب الذي يدخل ضمن اختصاص القضاء العسكري في لبنان كقاعدة عامة.

ما أكثر من الإرهاب إثارةً للنقمة الشعبية كونه الوجه الأكثر خطورةً ودمويةً للإجرام وخير دليل على ذلك ما أورده "جان براديلJean Pradel " عن الإرهاب والمُتجسد بالتّالي: "انه مجموعة من المُمارسات المُميتة والقاتلة لحضاراتنا والإرهابي، باستعماله في صورةٍ منهجية للوسائل التي من شأنها إثارة الرعب والخوف بين الجماهير من أجل التوصل إلى تحقيق أهدافه، خاصةً السياسية منها، وبالتّالي الضغط والتأثير على عجلة التاريخ، يتّخذ كمبدأ له الغاية تُبرر الوسيلة".

« Jean Pradel écrit : « Le terrorisme est un adage mortel pour nos civilisations. En employant de manière systématique des moyens ayant pour effet de provoquer la frayeur des populations pour parvenir à ses fins, notamment politiques, et alors pour pouvoir peser sur l’Histoire, le terroriste fait sien le principe que la fin justifie les moyens »[70].

تُشكل حقوق الدفاع، خاصةً الحق في الإستعانة بمحامٍ، في صورةٍ دائمة موضوعاً للبحث، النقاش والتداول لأنها تتعارض مع النزعات والقوى الدافعة إلى الحكم على الأشياء إستناداً إلى مبادئ الخير والشر والمُرسخة في اللاّوعي الإجتماعي الجماعي؛ هذه النزعات التي تكون في الغالب مُستترة وخفية، تُصبح حقيقيةً وظاهرةً في كل مرة يطال إعتداء فادح وخطير في صورةٍ خاصة وإستثنائية كالأعمال الإرهابية قيماً أو مصالح مُعتبرة بدورها أساسية وجوهرية في نظر المُجتمع[71]. في نتيجة ذلك، يُستخلص أن دور المُحامي المؤازر للمُدّعى عليه في مجال الإرهاب على وجه الخصوص امام القضاء المُختصّ مُدان ومُستغرب من قبل شريحة كبيرة من الناس التي تقودها وتتغلب عليها العاطفة لدى رؤية الكمّ الهائل من الضحايا المغدورين.

ونحن فإذا بنا نؤيد شل حركة هذا الداء السرطاني ألا وهو الإرهاب عن طريق علاجات إستثنائية، خارجة عن القواعد العامة للقانون وتتضمن التشدُّد والقسوة إزاء الإرهابيين المزعومين، وحتّى إنزال عقوبة الإعدام بمن يثبت في صورةٍ قاطعة ونهائية تورطه في جرائم صناعة الموت، لكننا نتحفظ لناحية القسوة المُفرطة المؤدّية إلى حرمان المُدعى عليه من حقّه في الإستعانة بمحامٍ للترافع عنه المُعتبر من أبرز حقوق الدفاع التي يفرضها حس العدالة واحترام حقوق الإنسان المُجسدة بدورها للثمرة التي جنتها البشرية بعد كفاحٍ ومطالبة داما قرون طويلة.

ما النفع من إجراء مُحاكمة جزائية للأشخاص المُدّعى عليهم بالإرهاب إذا ما كانوا محرومين من الحق في الدفاع عن أنفسهم والإفصاح عن مكنوناتهم بواسطة مُحامٍ وكيل، لربّما كانوا مظلومين وأبرياء من التُّهمة الموجهة إليهم؛ وحتّى لو لم يكونوا كذلك فلم حرمانهم من الحق في الدفاع عن أنفسهم عبر ممثل قانوني طالما أن العدالة آتية لا محالة بطريقةٍ أو بأخرى؟ في الواقع، إن محاكمة هؤلاء لا يُمكن أن تصبح مصدراً للعدل والحقيقة إلاّ بتسليط الضوء ليس فقط على معاناة وآلام الضحية لكن أيضاً على تلك التي دفعت بهم إلى الفعل الإرهابي، ما يجعل مُحاكمتهم مكاناً للحوار الخصب والبنّاء في صورةٍ خاصة في إطار احترام حقوق الجميع بعيداً عن دائرة وحلقة التدميرات المُتبادلة. هنا تظهر في صورةٍ جلية أهمية دور المحامي الذي يُصبح في هذه المرحلة أساسياً؛ فبين المؤسسة القضائية التابعة للدولة والمؤلِفة لإحدى سلطاتها، والإرهابيين، سجناء عقيدتهم، يُعتبر المحامي الوسيط الضروري الذي بدونه لا يمكن إرساء العدالة التي بدورها إذا ما تجاوزت وتعالت على جميع المصالح الخاصة، لا تتكشف إلاّ عبر مُقابلتهم وعرضهم وجهاً لوجه في شكلٍ حسي وملموس.

قد يُجيبنا البعض بأن المحامي المُساند والمؤازر للإرهابي المزعوم في الكشف عن الحقيقة يكون عرضةً لخطر الموت ربّما في حال لم تأتِ النتيجة مثلاً متلائمة مع مصلحة موكله المُتهم بالإرهاب؛ لكننا نسأل هؤلاء: أوليس القاضي الناظر في قضايا الإرهاب عرضةً للتهديدات والضغوط من قبل المجرمين الإرهابيين لكي يُصدر الحكم لصالحهم خاصةً في حال ضلوع شخصيات رفيعة الشأن في هذه الجرائم؟ أمن المعقول أن يمتنع القضاة عن إحقاق الحق تحت هذه الذريعة وتتوقف عندها الحياة القضائية عند أقل مطبّة وصعوبة تعترضها؟ يقع على كاهل المحامي إذاً، بصفته مُمثلاً للشخص الذي يترافع عنه ومُتكلماً بإسمه، إنجاز ودفع القاضي الى إنجاز التقدُّم الفكري المودي بنا إلى الإنفصال عن العاطفة الفورية، عن مشاعر الدفاع الذاتي والرغبات بالإنتقام حتّى المشروعة منها من أجل جعل الضمائر المُصدرة للحكم تستلهم من قوة ونور القانون.

في الختام نقول أنه كرست القوانين اللبنانية حق المدّعى عليهم، في مجال جميع الجرائم ومن ضمنها الإرهاب، في اللجوء إلى أهل العلم، المعرفة والخبرة في حقل القانون لتمثيلهم والدفاع عنهم أمام القضاء المختصّ بحسب الشروط المُحدّدة قانوناً، حتّى أنه مبدئياً لا تجري المُحاكمات دون وجود محامي إلى جانب المُتّهم في هذا الصدد[72]؛ فبالرغم من فداحة جرائم صناعة الموت وشجبنا إياها إلاّ أن مقتضيات العدالة لا تُبرر إلغاء الحق المذكور في صورةٍ تامّة، ما يعني أنه إذا ما كنا مع زيادة درجة القسوة في هذا المجال إلاّ أننا نرفض إنتهاك حقوق الدفاع وضربها عرض الحائط.

- لجهة الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية الدائمة ووقف تنفيذه: ان الحكم الذي تصدره هذه المحكمة يأتي على أوراقٍ مطبوعة وجاهزة تتضمن عدداً من الأسئلة تحتاج تعبئتها من قبل المحكمة إلى الإجابة على معظمها بكلمة نعم أم لا، وعلى ضوء الإجابات تخلص المحكمة إلى فقرة حكمية تقضي بالتجريم أو بعدمه؛ هذا بالإضافة إلى ان هيئة المحكمة العسكرية تنعقد في أيام الجلسات وتستمر في إنعقادها أحياناً حتى منتصف الليل لتنجز كل الملفات الموضوعة على جدول الجلسات امامها[73]. نشير إلى ان النقص في التعليل أو انتفائه يؤديان عموماً إلى نقض الحكم القضائي، فلماذا التساهل والامتناع عن تطبيق هذه القاعدة في إطار القضاء العسكري؟

يبقى ان ننبه إلى ان الصلاحية المعطاة لوزير الدفاع الوطني، بموجب المادة 96 ق.ق.ع وبعد استطلاع رأي السلطة العسكرية العليا وموافقة مجلس الوزراء، بتقرير وقف تنفيذ الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية لأسبابٍ تتعلق بالمصلحة العامة وعندما يكون المحكوم عليه بعقوبةٍ مانعة من الحرية قد نُفذ به نصف مدتها، تضع استقلال هذه المحكمة عن السلطات السياسية على المحك من جديد، هذه الاستقلالية التي أولتها المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان أهمية كبيرة! فضلاً عن خطورة ما أوردته المادة 14 ق.ق.ع من تعيين القضاة العسكريين من قبل الوزير المذكور، هؤلاء القضاة التابعين مباشرةً للأخير.

وأخيراً من بين مكامن الخلل في نظام القضاء العسكري انه لا وجود للإستجواب التمهيدي أمام المحكمة العسكرية الناظرة في القضايا الجنائية إذ جاء في المادة 52 ق.ق.ق. انه "لا تُطبق لدى القضاء العسكري الأصول المتّبعة في القانون العادي والمتعلقة:

1- بدعوة المتّهم الفار للإستسلام قبل موعد الجلسة (أي ان أصول محاكمة المتّهم الفار من وجه العدالة غير سارية أمام المحكمة العسكرية).

2- بإستجواب المتّهم قبل موعد الجلسة". اعتبر الرئيس العوجي، رحم الله روحه، ان الغاية المنشودة من إجراء هذا الإستجواب التمهيدي الشخصي تتجسد بتعرُّف رئيس محكمة الجنايات على شخصية المتّهم وأوضاعه العائلية والإجتماعية، ما ينزع عن هذه المعاملة صفة الإستجواب التحقيقي وجعلها مقابلة شخصية مندرجة في إطار مخاطبة الإنسان للإنسان ولا يمكن من الناحية النفسية ان نتصور إنساناً يبوح بسهولةٍ عما يختلج في نفسه من مشاعرٍ وان يتكلم عن ظروفه الحياتية والإجتماعية والعائلية إلاّ إذا كان أمام إنسان آخر يُظهر له إستعداداً لتفهم أوضاعه ولإرساء العدالة على أساس الحق والمعرفة[74]؛ كما ان المشترع أورد في المادة 238 أ. جزائية ان الإستجواب التمهيدي يتضمن سؤال المتهم عن وضعه الإجتماعي، ما يدل على إهتمامه بإظهار جميع الظروف التي تؤمن عدالة إجتماعية مبنية على الحقيقة المادية وعلى الحقيقة الإنسانية لأن هدف المحاكمات الجزائية ليس فقط التثبُّت من توفر الأدلة في حق المتهم بغية تجريمه بل أيضاً إتّخاذ التدابير الصالحة والعادلة بحقه.

كل ذلك يبرر انتظارنا لتجلي المقولة لرجل الدولة الروماني شيشرون "L’épée le cède à la toge" على أرض الواقع.

الخاتمة

ان الجنايات الواقعة على أمن الدولة والداخلة عموماً وفي جزءٍ كبيرٍ منها في دائرة صلاحيات القضاء العسكري اللبناني هي مستثناة من منحة تخفيض العقوبة بالنظر لحسن سيرة السجين سنداً إلى قانون تنفيذ العقوبات رقم 463/2002.

إذا كنا نفهم سبب التشدد مع المحكومين بجنايات على أمن الدولة بحرمانهم من منحة التخفيض المذكورة وهم مدانين بصورة قاطعة لا لبس فيها، لكننا نتساءل عن مدعاة هذا التشدد إزاء المحالين أمام القضاء العسكري بحرمانهم من أبرز حقوق الدفاع لدى مقاضاتهم أمامه وهم لا يزالون أبرياء طالما ان قرينة البراءة لا يدحضها سوى الحكم الجزائي المبرم. لنُدخل التعديلات على نظام هذا الجهاز القضائي لكي لا نفتح المجال أمام أي إنسان لنعته بالريح السَموم التي تهب على المجتمع فتصبغ الجو وما يحويه بلونٍ قاتمٍ خبيثٍ ولنجعل العدالة تتجلى بأبهى حللها.

إذا كانت العقوبات القاسية بحسب النظريات الحديثة لعلم الاجرام قد فشلت في القضاء على الجريمة، فهل ان صرامة إجراءات القضاء العسكري اللبناني سوف تنجح في أداء هذه المهمة؟ ما يفتح الباب واسعاً أمام السؤال التالي: مجتمع بلا جريمة: وهم أم حقيقة؟

نبذة عن المؤلِّف

- ديبلوم دراسات عليا في القانون الجزائي من الجامعة اللبنانية

- دكتوراه دولة في الحقوق من الجامعة اللبنانية في العام 2011 مُصادق عليها من قبل المعهد العالي للدكتوراه في الشرق الأوسطEDDMO التابع للوكالة الجامعية للفرانكوفونية AUF

- ديبلوم "سلام وتنمية" من الجامعة اللبنانية بالتعاون مع الجامعة الإيطالية "لا سابيانسا La Sapienza"

- دكتور متفرغ ومُحاضر في الجامعة اللبنانية- الرتبة الأكاديمية: أستاذ مساعد

- عضو في مركز الأبحاث والدراسات في المعلوماتية القانونية التابع للجامعة اللبنانية

- شارك في الدورة التدريبية المُكثفة المُتمحورة حول تنظيم وتسيير الإدارات والمرافق العامة في البلاد الشرق أوسطية والمنعقدة في غرناطة- أسبانيا والمنظمة من قبل المؤسسة الأوروبية- العربية في العام 2007.

للمؤلِّف

- مرور الزمن الجزائي، دراسة مقارنة، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2009.

- الإرهاب في وجه المساءلة الجزائية، دراسة مقارنة، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2012.

- مسيرة الأصول الجزائية: من لحظة وقوع الجريمة حتى الحكم النهائي، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2014.

- دراسة مقارنة مع القانون الفرنسي عن "الاحتجاز بين الواقع والتشريع" بالاشتراك مع الدكتور وسام غياض بالتنسيق والتعاون مع جمعية عدل ورحمة وبتمويل من السفارة الاسبانية في بيروت في العام 2014، غير منشورة.

[1] أستاذ محاضر ومتفرغ في كلية الحقوق- الفرع الخامس في الجامعة اللبنانية.

[2] Ministre de guerre et président du conseil en 1917; Surnommé « Le tigre » puis « Le père de la victoire » pour avoir mené la France à la victoire et pour sa célèbre citation « la guerre est une chose trop sérieuse pour la confier à des militaires ». Il négocia le traité de Versailles (Pierre BRICARD : La justice militaire française à la lumière des récentes reformes, publié sur www.academia.edu/7711173/justice_militaire_en_france, p.3).

[3] « Il suffit d’ajouter « militaire » à un mot pour lui faire perdre sa signification. Ainsi la justice militaire n’est pas la justice, la musique militaire n’est pas la musique » (Pierre BRICARD : op. cit. p.3).

[4] Il existe une autre variante de cette affirmation (celle de Clémenceau) : « La justice militaire est à la justice ce que la musique militaire est à la musique ». Elle est attribuée à l’acteur américain Grouxo Marx qui s’est inspiré des célèbres paroles de Clémenceau (Pierre BRICARD : op. cit. p. 3).

[5] الياس فارس نمور: محكمة الجنايات، الجزء الأول، منشورات صادر الحقوقية، 2005، ص 117.

[6] Roi de France (1328- 1350) (Encyclopédie le petit Larousse, 2009, p. 1595).

[7] Sénat, session ordinaire de 2010-2011, Avis no. 367 présenté par M. Marcel-Pierre CLEACH au nom de la commission des affaires étrangères, de la défense et des forces armées sur le projet de loi relatif à la répartition des contentieux et à l’allègement de certaines procédures juridictionnelles et sur la proposition de loi de M. Marcel-Pierre CLEACH relative à l’aménagement des compétences juridictionnelles en matière militaire et à la simplification de plusieurs dispositions de justice militaire publié sur www.senat.fr/rap/a10-367/a10-3671.pdf, p.11.

[8] Sénat, session ordinaire de 2010-2011, Avis no. 367, Op. cit. p 11.

[9] Napoléon 1er : « La justice est une en France ; On est citoyen français avant d’être soldat. Si, dans l’intérieur, un soldat en assassine un autre, il a sans doute commis un crime militaire, mais il a aussi commis un crime civil. Il faut donc que tous les délits soient soumis d’abord à la juridiction commune, toutes les fois qu’elle est présente » (Procès- verbaux du conseil d’Etat, séance du 21 février 1809 ; Locré, t.15 dans Adolphe CHAUVEAU et Hélie FAUSTIN, théorie du code pénal, Tome 1er, Société typographique belge, Adolphe Wahlen et compagnie, Bruxelles, 1843, p. 42 et M. Damas GINARD, NAPOLEON : ses opinions et jugements sur les Hommes et sur les choses, Tome second, Paris, Duféy, libraire-éditeur, p. 15(.

[10] Sénat, Avis no. 367, op. cit. p. 13.

[11] Article de Kathia Martin-CHENUT, « Les tribunaux militaires et juridictions d’exception au Brésil » dans l’ouvrage collectif « Les juridictions militaires et tribunaux d’exception en mutation, perspectives comparées et internationales » sous la direction de Mme Elisabeth Lambert ABDELGAWAD, Agence universitaire de la francophonie, décembre 2007, p. 56.

[12] محاضر مجلس النواب، الدور التشريعي الخامس، العقد الاستثنائي الأول، محضر الجلسة الرابعة، 2 تشرين الأول 1945، ص 544، www.memoryatwork.org

[13] من الآراء المؤيدة على ما يتبين من المحضر المشار إليه أعلاه، ص 546، السيد "فيليب تقلا" الذي اعتبر "ان رئيس المحكمة العسكرية غير مكلف بتطبيق قوانين مدنية بل قوانين عسكرية وهو بفطرته أوسع اطّلاعاً عليها من الرئيس المدني". كما ان سعادة النائب السيد "أديب الفرزلي" صرح عن عدم إيمانه بسلامة بلد يتسلم محاكمها العسكرية قاضٍ مدني إذ له ألف صلة وصلة بالوزارات فيأتي ويحكم على ضابط عسكري.

[14] من بين الآراء الرافضة لذلك نذكر السيد "عبد الله اليافي" الذي رأى "ان رئيس المحكمة العسكرية لا ينظر في قضايا عسكرية بحت بل ينظر بقضايا مدنية أيضاً ونحن في فترة انتقال توجب علينا ان نضع على رأس هذه المحاكم رجالاً مشهوداً لهم بالنزاهة والمقدرة فالقاضي القدير يجعل للمحكمة ضمانة كبرى وألح في ان يكون رئيس المحكمة العسكرية قاضياً مدنياً في هذه الفترة الانتقالية ريثما يتمرس الرجال العسكريون على القانون". (محضر مجلس النواب المذكور أعلاه ص 546).

[15] محاضر مجلس النواب، الدور التشريعي السادس، العقد الاستثنائي الثاني، محضر الجلسة الأولى، 12 كانون الثاني/يناير 1948، ص 354، www.memoryatwork.org

[16] محاضر مجلس النواب، الدور التشريعي الثامن، العقد الاستثنائي الثاني، محضر الجلسة السابعة، تاريخ 2 شبط/فبراير 1956، ص 807www.memoryatwork.org كما ورد في تقرير لجنة الادارة والعدل (15 أيلول/سبمتبر 1955) على مشروع القانون القاضي بانشاء محكمة تمييز عسكرية والمتضمَّن في المحضر المذكور في الصفحة 811 وما يليها ما يلي: " لقد أدى القضاء العسكري اللبناني المهمة الخطيرة التي أُنيطت به، وكان لا بد تماشياً مع التطور ومع الوضع القضائي المدني العام القائم في لبنان، وتوفيراً للضمانات اللازمة لتأمين وبلوغ أهداف العدالة من إنشاء محكمة تمييز عسكرية في لبنان يرجع إليها في مراجعة الطرق القانونية ضد القرارات التي تصدرها المحاكم العسكرية.... والخلاصة، فإن هذا المشروع يكمل أوضاع القضاء العسكري ويزيد في رقعته وفي مهابته ومناعته وهو بذات الحين يزيد ضمانات إحقاق الحق للمتقاضين أمام القضاء العسكري من مدنيين وعسكريين فيؤمن لهم ذات الضمانات التي يوفرها التنظيم القضائي العام لسائر المتقاضين ويجعل محكمة التمييز الذي يتم بمقتضى هذا المشروع انشاؤها مرجعاً سامياً لرد الظلامات إذا ما وقعت وإصلاح الأخطاء إذا ما ارتُكبت، ولا غرو فالعصمة لله وحده، والحكام يخطئون ويذهلون في قيامهم بمهامها الدقيقة الملقاة على عواتقهم وان قيام محكمة التمييز لدى القضاء العسكري يعزز هذه المؤسسة ويجعل القضاء العسكري ضمن صلاحياته ملاذاً يرجع إليه ومرجعاً استثنائياً للقضايا الداخلة في اختصاصه. ان الجيش هو سياج هذا الوطن والظروف الحاضرة وقيام اسرائيل على حدود وطننا وعلى حدود شقيقاتنا الدول العربية سوريا، والأردن، ومصر، يوجب علينا تقوية مؤسسات الجيش إلى أقصى حد مستطاع، والسهر والتنبيه لضمان سلامة الأمن لهذا الوطن. وغير خاف ما للقضاء العسكري لجزمه ولسرعة محاكمته ما لها من تأثير لردع كل حركة إجرامية ولمنع كل عدوان غادر".

[17] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 279، تاريخ 14/7/2015، مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية.

[18] تم تعديله وإضافة بعض الأحكام إليه وتكملته على سبيل المثال بالمرسوم رقم 1460 تاريخ 7/8/1971 وبالقانون رقم 38/75 تاريخ 6/12/1975 والمرسوم الاشتراعي رقم 110 الصادر بتاريخ 30/6/1977 والقانون رقم 306 تاريخ 3/4/2001.

[19] لرؤية الفقرات 2، 5 و6 من المادة الوحيدة من القانون 2/78 لمزيد من التفاصيل.

[20] « Au lieu de mesurer ce qui est bon pour soi à l’aune de ce qui est bon pour tous, l’homme procède en sens contraire » in Gérard DEMOUGE, Rousseau ou la Révolution impossible, L’Harmattan, 2002, coll. : « Crise et anthropologie de la relation », p. 282.

[21] مصطفى العوجي : دروس في العلم الجنائي، الجزء الثاني، السياسة الجنائية والتصدّي للجريمة، الطبعة الثانية، 1987، مؤسسة نوفل، بيروت، ص 123.

[22] مصطفى العوجي: المرجع أعلاه، ص 16.

[23] مصطفى العوجي: المرجع السابق، ص 575.

[24] يقتضي ان نوضح ان جميع القضاة التابعين لنيابةٍ عامةٍ واحدةٍ يؤلّفون جسماً واحداً غير قابل للتجزئة، يُجسد النائب العام دماغه ويقوم بقيادة وتنسيق تحرُّكاته؛ بمعنى انه على صعيد تحريك الدعوى العامة مثلاً، يعود لكل عنصرٍ من عناصر النيابة العامة الواحدة، بدءاً بالمحامين العامين وصولاً إلى النائب العام الموجود على رأسها، ان يتصرف بإسم الجميع وان يحل محل أحد زملائه في القيام بهذه المهمة أو ان يخلفه فيها؛ من هنا، يمكن القول بأن قضاة النيابة المنتمين إلى دائرةٍ واحدة هم، إذا جاز التشبيه، بمثابة "الأموال المثلية" القابلة للحلول مكان بعضها البعض. من الضرورة بمكانٍ التشديد على انه لا يحق للنائب العام الذي ادّعى في قضيةٍ ما ان يتولى التحقيق أو الحكم فيها؛ ففي حال انتقل أحد أعضاء "القضاء الواقف" إلى جسم "القضاء الجالس" أي قضاء الحكم، فوحدهم عناصر النيابة العامة الذين لم يتدخلوا ولم يتعاونوا في قضيةٍ معينة بصفتهم هذه يمكنهم ان ينظروا ويبتّوا بها بصفتهم الجديدة مُصدرين حكماً فيها. ألم يعتبر جان-جاك ريجي دي كامباسيريس Jean-Jacques Régis de Cambacérès، وزير العدل الفرنسي في العام 1799، وبحق أنه من الخطورةِ بمكانٍ بالنسبةِ للحريةِ الفرديةِ القيام بجمع سلطتي الملاحقة والتحقيق بين يدي قاضٍ واحدٍ إذ يدُبُّ الرعبُ في أوصالِ المواطنينَ في حال كان الرجلُ عينُه حائزاً على السلطتين معاً؟.

« Il serait dangereux pour la liberté individuelle de réunir entre les mains d’un seul juge les pouvoirs de poursuite et d’instruction. Tous les citoyens trembleraient, si un tel homme détenait les deux pouvoirs » (Jean-Jacques Régis de Cambacérès, élu ministre de la Justice en France le 20 juillet 1799).http://lespritdeslois.free.fr/page6.html

[25] كالنائب العام المالي الذي يتولى بموجب المادة 19 أ.ج. مهام الملاحقة في الجرائم الآتية: "أ - الجرائم الناشئة عن مخالفة أحكام قوانين الضرائب والرسوم في مختلف المرافق والمؤسسات العامة والبلديات بما فيها الضرائب الأميرية والبلدية والرسوم الجمركية ورسوم المخابرات السلكية واللاسلكية. ب - الجرائم الناشئة عن مخالفة القوانين المصرفية والمؤسسات المالية والبورصة ولا سيما المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف. ج - الجرائم الناشئة عن مخالفة قوانين الشركات المساهمة وجرائم الشركات المتعددة الجنسية. د- الجرائم التي تنال من مكانة الدولة المالية أو السندات المصرفية اللبنانية أو الأجنبية المتداولة شرعاً أو عرفاً في لبنان وجرائم تقليد وتزييف وترويج العملة والأسناد العامة والطوابع وأوراق الدمغة. هـ - جرائم اختلاس الأموال العمومية. و- جرائم الإفلاس".

[26] بحسب الفقرة الأخيرة من المادة 11 من قانون الأصول الجزائية " يقوم بأعمال النيابة العامة لدى المحكمة العسكرية مفوض حكومة يخضع لسلطة النائب العام التمييزي يعاونه محامٍ عام أو أكثر".

[27] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 6 تاريخ 12/1/1999، صادر في التمييز، 1999، ص 244.

[28] تمييز جزائي، قرار رقم 279، تاريخ 29/11/1951، مجموعة إجتهادات محكمة التمييز للدكتور سمير عالية للعام 1972.

[29] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 40 تاريخ 14/2/2002، صادر في التمييز 2002، ص 479.

[30] المحكمة العسكرية الدائمة: قرار رقم 5827/98 تاريخ 18/12/1998، المتعلق بالحكم على دركي بسبب إقدامه على مخالفة التعليمات العسكرية باللهو بمسدسه الأميري وإطلاق النار من داخل الغرفة؛ هذا القرار المذكور في بشارة هيكل الخوري: المحكمة العسكرية وخصوصياتها، منشورات صادر الحقوقية، 2005، ص 54.

[31] ان الاجتهاد اللبناني مستقر على اعتبار ان المادة 40 المذكورة أعلاه لا تزال سارية المفعول ومطبقة نظراً لعدم إلغائها بنص صريح بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 110/1977 المشار إليه، إضافةً إلى انه وسنداً إلى المادة 11 من هذا المرسوم تُلغى جميع الأحكام المخالفة لأحكامه ومضمونه وهو لم يتطرق إلى مسألة الإذن إذاً لا تعارض؛ تمييز جزائي، غ6، قرار رقم 85/2015 تاريخ 5/3/2015، مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية، هذا القرار الصادر في إطار قضية مساءلة عناصر من الضابطة العدلية لمطالبتهم زوجة المشتبه فيه في قضية مخدرات بإعطائهم مبلغاً من المال مقابل إيرادهم في محضر التحقيق ما يصب في صالح الأخير وحصول الجرم على مسمع النيابة العامة الاستئنافية، ما أدى إلى اعتباره مشهوداً.

[32] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 227 تاريخ 11/10/2001، صادر في التمييز 2001، ص 1045.

[33] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 224، تاريخ 17/10/2002، صادر في التمييز 2002، ص 783.

[34] للنظر إلى المواد 355 أصول جزائية وما يليها لمزيدٍ من التفاصيل عن صلاحيات وطرق عمل المجلس العدلي؛ يدخل هذا المجلس في فئة المحاكم الإستثنائية وارتبط ظهوره في لبنان للمرة الأولى بالفتن الطائفية، إذ تعود نشأته إلى عام 1923 عندما اندلعت في الشوف فتنة طائفية سقط ضحيتها العدد الكبير من القتلى في مناطق لبنانية عديدة، وهذا ما دفع المجلس النيابي إلى إقرار مشروع القانون المتعلق بإنشاء المجلس العدلي بموجب القرار رقم 1905 تاريخ 12/5/1923 الذي أصدره حاكم لبنان الكبير ترابو Trabaud؛ وبتاريخ 24/5/1923 صدر القرار رقم 1915 الذي عاقب كل شريك لمرتكب الجرائم المحالة أمام المجلس العدلي بذات العقوبات التي يعاقب بها الفاعل الأصلي، ثم صدر القرار رقم 2400 تاريخ 28/3/1924 الذي نص بأن إحالة الجرائم إلى المجلس العدلي يتم بموجب قرار صادر عن حاكم لبنان الكبير.

[35] م 79 فقرة 1 من المرسوم 137: "يُحال على المحكمة العسكرية: أولاً: كل من ارتكب جرماً نصت عليه المادة 72".

[36] تمييز جزائي، قرار رقم 166 تاريخ 26/10/2000، الموسوعة الجزائية المتخصصة لبيار اميل طوبيا، الجزء الثاني عشر، المؤسسة الحديثة للكتاب، ص 250.

[37] على ما أوردته الفقرة الأخيرة من المادة 28 ق.ق.ع. في هذا المعنى أيضاً: المادة 80 من المرسوم الإشتراعي رقم 137 الصادر في تاريخ 12/6/1959: "إذا وقع جرم من إختصاص محكمة الجنايات أو المجلس العدلي وكان متلازماً مع إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة 72 أسلحة (جرم حيازة أو نقل او استعمال سلاح حربي غير مرخص)، فإن محكمة الجنايات أو المجلس العدلي... تنظر في الجرمين معاً".

[38] فيلومين نصر: أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة الثالثة، المنشورات الحقوقية صادر، 2002، ص 290.

[39] القاضي المنفرد في جب جنين، حكم رقم 25، تاريخ 26/2/2011، المصنف السنوي في القضايا الجزائية، 2011، منشورات زين الحقوقية، ص 406- 407.

[40] قُضي في هذا الإطار انه "لا مجال لحفظ صلاحية القضاء العسكري الإدلاء بوجود تلازم بين الأفعال المنسوبة للمعاون أول، المظنون به بجنحة إستعمال أوراق خاصة مزورة أي الجنحة المنصوص عليها في المادة 454 عقوبات معطوفة على المادة 471 منه لإقدامه على إبراز مستندات مزورة لغرض إثبات ان والده استلم الأرض المستولى عليها منه منذ ثلاثين سنة، والأفعال المنسوبة للمستدعى ضدّهم بإقدام بعضهم على الإستيلاء على ذات العقار بالإستناد إلى المادة 737 عقوبات وبعضهم الآخر على إستعمال مستندات مزورة لتبرير وضع يده على العقار وذلك بالإستناد إلى المادتين 454/471 عقوبات، لأن هذا التلازم على فرض وجوده لا يولي صلاحية للقضاء العسكري فيما خص المُستدعى ضدّهم ما لم يكن الفعل المنسوب إليهم متلازماً مع جناية من صلاحية هذا القضاء على ما تنص عليه المادة 28 فقرة 3 قضاء عسكري، الأمر غير المتحقق هنا وقد خلص قاضي التحقيق العسكري إلى اعتبار الجرم المنسوب إلى المعاون أول من نوع الجنحة وليس من نوع الجناية ودون ان يُطعن بقراره لهذه الجهة" (تمييز جزائي، قرار رقم 99، تاريخ 18/4/2002، صادر في التمييز 2002، ص 610).

[41] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 9 تاريخ 18/1/2000، صادر في التمييز 2000، ص 379 وتمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 219 تاريخ 15/12/1998، صادر في التمييز 1998، ص 733.

[42] تمييز جزائي، قرار رقم 180 تاريخ 15/10/1996، الموسوعة الجزائية المتخصصة لبيار اميل طوبيا، المرجع السابق، الجزء 12، ص 224.

[43] تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 62 تاريخ 26/3/1996، الموسوعة الجزائية المتخصصة، مرجع سابق، ص 221.

[44] « Les droits de l’Homme sont le fondement de l’existence humaine et de la coexistence. Ce qui fait la force des droits de l’Homme, c’est leur universalité : Il n’est pas de frontière, pas de rempart, pas d’obstacle qu’ils ne puissent franchir » (Kofi Anan, allocution prononcée à l’université de Téhéran à l’occasion de la Journée des droits de l’Homme, 10 décembre 1997, in Article de Hossein RANJBARIAN, « Les tribunaux militaires et juridictions d’exception en Iran : les particularités et les défis » dans l’ouvrage collectif « Les juridictions militaires et tribunaux d’exception en mutation, perspectives comparées et internationales », op. cit. p. 355.

[45] http://www.un.org/press/fr/1997/19970407.DHN208.html

[46] الخطة الوطنية لحقوق الانسان في لبنان (2013-2019) الموضوعة من قبل لجنة حقوق الانسان النيابية، ص 23، المنشورة على www.lp.gov.lb

[47] Cass. 2 Mai 1817, Dalloz, 6, 161 in Adolphe CHAUVEAU et Hélie FAUSTIN : Théorie du code pénal, op. cit. p. 44.

[48] إذ يُخشى من ان تصبح حيادية المحاكم العسكرية في هذه الحالة في دائرة الشبهات نظراً لكون هيئاتها الحاكمة مؤلفة في غالبيتها من المنضوين في السلك العسكري الذين من الممكن ان يُتهموا بالتحيز لاخوانهم ورفاقهم بالسلاح.

[49] Adolphe CHAUVEAU et Hélie FAUSTIN : Théorie du code pénal, op. cit. p. 48.

[50] http://www.ohchr.org/Documents/Issues/AdministrationJustice/Consultation2014/PresentationDecaux.pdf

[51] www.un.org, http://www.ohchr.org/FR/ProfessionalInterest/Pages/CCPR.aspx

[52] مصطفى العوجي: القانون الجنائي العام، الجزء الثاني، المسؤولية الجنائية، الطبعة الثانية، منشورات نوفل، 1992، ص 493، 494.

[53] Emmanuel Decaux, « La dynamique des travaux de la Sous-commission des droits de l’Homme et l’évolution de la position des Etats », » dans l’ouvrage collectif « Les juridictions militaires et tribunaux d’exception en mutation, perspectives comparées et internationales », op. cit. p. 521.

[54] « Les défenseurs de la patrie ne doivent pas être soumis plus que les autres citoyens à une forme de jugement oppressive et arbitraire » (Robespierre) : Sénat, session ordinaire de 2010-2011, Avis no. 367, Op. cit. p. 12.

[55] Il faut « accorder les exigences de la discipline, sans laquelle il n’y a pas d’armée, avec les exigences du Droit, sans lequel il n’y a pas de justice » in Hugueney : Traité théorique et pratique du droit pénal et de procédure pénale militaire, Paris, recueil Sirey, 1933, p.22.

[56] ان المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة 80 من الدستور اللبناني هو محكمة جزائية خاصة تتولى محاكمة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء في حالاتٍ محددة نتناولها في مكانٍ لاحق في إطار الحصانات العائدة لهؤلاء الأشخاص؛ أما لناحية عدم قيامه بالنظر في صورةٍ مطلقة بالدعاوى المدنية لا المقدمة في شكلٍ مباشر ولا تبعاً للدعوى العامة، فأوردت المادة 47 من القانون الصادر في تاريخ 18/8/1990 والمتعلق بأصول المحاكمات أمام المجلس الأعلى ما يلي: " لا يقبل امام المجلس الاعلى اتخاذ صفة الادعاء الشخصي. تقدم دعاوى طلب التعويض عن الاضرار الناجمة عن الجرائم التي ينظر فيها المجلس الاعلى امام المحاكم العادية (أي المحاكم المدنية)".

[57] Sénat, session ordinaire de 2010-2011, Avis no. 367, Op. cit. p.17.

[58] www.un.org

[59] "يقوم بوظيفة قاضي تحقيق لدى المحكمة العسكرية قاضٍ أو عدة قضاة من رتبة قاضي تحقيق في ملاك القضاء العدلي أو ضابط أو عدة ضباط من المجازين في الحقوق" (م 12 ق.ق.ع).

[60] كقرار الظن بجنحة (بدليل: تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 10 تاريخ 23/1/1996، الموسوعة الجزائية المتخصصة، مرجع سابق، ص 219) وقرار الاتهام بجناية (تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 327 تاريخ 5/12/2013، مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية). كما قُضي ان القرار المطعون فيه الصادر عن قاضي التحقيق العسكري اقتصر على ردّ طلب مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الرامي إلى دعوة شاهدَين لإستيضاحهما على سبيل المعلومات بشأن ما ورد في إفادة بعض المدّعى عليهم؛ وحيث ان قرار قاضي التحقيق العسكري لهذه الجهة يتناول رداً لطلب مفوض الحكومة الرامي إلى إتخاذ تدبير تحقيقي في الدعوى وبالتالي فإنه لا يمكن تصنيفه ضمن القرارات المحددة حصراً في المادة 78 من قانون القضاء العسكري والتي يعود لمفوض الحكومة الطعن بها أمام محكمة التمييز وهي قرارات منع المحاكمة والقرارات المتعلقة بالصلاحية وتلك التي تصدر خلافاً لمطالعته؛ وحيث انه لا يُقصد بالمطالعة ما يتقدم به مفوض الحكومة من طلباتٍ لقاضي التحقيق تتعلق بإجراءاتٍ إدارية أو تحقيقية يطلب منه إتّخاذها كتعيين خبير أو الإستماع إلى شاهدٍ (تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 251، تاريخ 13/11/2001، صادر في التمييز 2001، ص 1087، 1088).

[61] وذلك بحسب المادة الثالثة والأربعين من المرسوم الإشتراعي ذو الرقم 1460 الصادر في تاريخ 8/7/1971 التي نصت على ما يلي: " تعديلاً لكل نص مخالف، ... تنظر الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز في تمييز القرارات الصادرة عن قضاة التحقيق لدى المحكمة العسكرية في الأحوال التي يجوز فيها ذلك وتكون القرارات الصادرة بهذا الصدد... (عنها) مبرمة".

[62] بحسب ما جاء في البند الأول من المادة 80 ق.ق.ع؛ قُضي في هذا الاطار ان اعتبار الاستدعاء (استدعاء النقض المقدم من مفوض الحكومة) مقدم ضمن المهلة القانونية، وفقاً لما استقر عليه اجتهاد محكمة التمييز، يستوجب تسجيله ضمن هذه المهلة (24 ساعة من تاريخ الصدور) إما لدى قاضي التحقيق العسكري وإما لدى قلم محكمة التمييز، باعتبار ان مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية هو فريق في الدعوى العامة ويسري عليه ما هو مطبق على المدعى عليه فيها بالنسبة لتاريخ تقديم استدعاء النقض، فلا يؤخذ بعين الاعتبار التاريخ الذي يذيل به مفوض الحكومة الاستدعاء المقدم منه (تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 163/99 تاريخ 21/12/1999، الموسوعة الجزائية المتخصصة، المرجع السابق، الجزء 12، ص 232).

[63] قُضي برد استدعاء النقض المقدم من المدعى عليه لعدم جواز تمييز القرار الصادر عن قاضي التحقيق العسكري من قبله والقاضي برد الدفع بمرور الزمن (تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 190 تاريخ 21/10/2010، مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية).

[64] هذه المهلة المعتبرة من مهل الاسقاط التي لا تخضع مبدئياً لقواعد الايقاف والتعليق التي تخضع لها مهل مرور الزمن ما لم ينص المشترع على خلاف ذلك، لذا فإن تقديم استدعاء تمييز من قبل طالب النقض أمام محكمة التمييز العسكرية غير المختصة نوعياً للنظر في النزاع الحاضر ليس من شأنه ان يوقف مهلة ال24 ساعة الاجرائية (تمييز جزائي، غ 6، قرار رقم 190 تاريخ 21/10/2010، مركز المعلوماتية القانونية في الجامعة اللبنانية).

[65] مع الاشارة إلى انه وبموجب المادة 79 (قضاء عسكري) "لوزير الدفاع الوطني بناءً على اقتراح السلطة العسكرية العليا ان يطلب من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية تمييز الأحكام أو القرارات الصادرة عن المحكمة العسكرية أو قضاة التحقيق لديها القابلة التمييز..."؛ من جديد تدخل للسياسة في عمل القضاء ولا يُفهم من نص المادة المذكورة مدى إلزامية تقيد النائب العام العسكري بهذا الطلب!

[66] دريد بشراوي: أصول المحاكمات الجزائية، دراسة مقارنة، جزئان، المنشورات الحقوقية صادر، بيروت، 2005 ص 385 وما يليها.

[67] د. بول مرقص: رأي له منشور على موقع www.annahar.com

[68] ان المادة 7 من قانون القضاء العسكري تسمح بتعيين القضاة المنفردين العسكريين من الضباط المجازين في الحقوق من رتبة ملازم أول فما فوق أو حتى إذا تعذر ذلك فمن غير المجازين؛ نص قانوني مخيف ويقتضي الغاؤه!

[69] ورد في الفقرة الأولى من المادة 59 قضاء عسكري انه "إذا لم يعين المدعى عليه محامياً (لتعذر ذلك لظرف طارئ أو لعدم امتلاكه المال الضروري) أو إذا تعذر على محاميه الدفاع عنه، فعلى رئيس المحكمة العسكرية ان يعين له محامياً من الضباط أو المحامين المشار إليهم في المادة 21 من هذا القانون أو ان يطلب من نقيب المحامين تعيين محامٍ لتأمين الدفاع عن المدعى عليه"؛ أما المادة 21 المشار إليها فقد جاء فيها ما يلي: " يُعهد بالدفاع عن المحالين أمام القضاء العسكري إذا لم يختاروا محامياً للدفاع عنهم إلى أحد المحامين أو إلى أحد الضباط ويُفضل من هؤلاء من كان منهم مجازاً في الحقوق إذا سمحت الخدمة بذلك (أي نفهم انه يمكن اختيارهم ممن هم غير مجازين في الحقوق!!)؛ للسلطة العسكرية العليا الاتفاق مع محامين مدنيين من نقابة المحامين لتأمين الدفاع. يُعين الضباط الذين يُعهد إليهم في الدفاع بقرار من وزير الدفاع الوطني بناءً على اقتراح السلطة العسكرية العليا في بدء كل سنة ويمكن تعديل هذا القرار في أي وقت كان من السنة. إذا طلب المدعى عليه تعيين أحد هؤلاء الضباط أو المحامين للدفاع عنه فيُجاب إلى طلبه إذا كانت متطلبات الخدمة لا تحول دون ذلك".

[70] La défense des terroristes, Rapports de la commission « Défense de la défense » de l’union internationale des avocats lors du congrès de Barcelone du 11 au 15 Octobre 1988, E.story-scientia, 1991, p.3.

[71] « Les droits de la défense, surtout le droit d’être défendu par un avocat, se trouvent de plus perpétuellement remis en question, car ils s’opposent à des pulsions manichéennes profondément inscrites dans l’inconscient collectif. Le plus souvent latentes, ces pulsions se font actuelles chaque fois qu’une atteinte particulièrement grave est portée à des valeurs ou des intérêts que la société juge essentiels » (La défense des terroristes : op. Cit. p.9 (introduction)).

[72] في لبنان: المادة 57، فقرة 1 من قانون القضاء العسكري و251، فقرة 3 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

[73] بشارة الخوري: المرجع السابق، ص 189.

[74] مصطفى العوجي: دروس في العلم الجنائي، الجزء الأول، الجريمة والمجرم، منشورات نوفل، بيروت، 1987، ص 676.

مُستشهد به

النصوص التي يستند إليها