المادة 4
ثانيا: إعادة النظر بأنظمة الخدمة العامة ووجوب تحديثها لا ريب أن الشكل التقليدي للتوظيف، لم يعد مؤتلفا وروح الريادة والمبادرة المطلوبة من الإدارة فما ينبغي اعتماده نظام توظيف جديد ولفترة محدودة، يتم من خلاله استقطاب أشخاص ذوي معارف خاصة يمكن جلبهم من خارج الإدارة عن طريق المباراة، ودفعهم لتولي مراكز قيادية وكذلك ترفيعهم إلى مراكز مهمة، وعلى هذا الأساس، تتحرر الإدارة من عبء الإلتزام بأشخاص غير كفؤين لغاية بلوغهم السن القانونية (64 عاما)، وتصبح أمام خيارات عديدة وفقا لمهارة الأشخاص وإنجازاتهم، فهي إما أن تقوم بإلغاء التعاقد معهم، أو بتجديده، أو بالنقل إلى الملاك الدائم لمن تثبت كفاءته وصفاته القيادية المسلكية، وبهذه المنهجية نصل إلى إدارة عصرية تواكب متطلبات مجتمع أصبح حافلا بتطورات سريعة. ونرى في هذا المجال أن على السلطة السياسية التجاوب مع تلك المتغيرات، والعمل على إعادة الثقة في قدرتها على صنع الحلول، والتصدي للتحديات المقبلة إذا ما أرادت التأسيس لتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، ويرى مجلس الخدمة المدنية، في هذا الإطار تعميم الاختيار على أساس المباراة بحيث يكون شاملا الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات إعمالا للمادة /12/ من الدستور، بحيث يكون الاستحقاق والكفاءة والجدارة هي وحدها معيار القبول للإنخراط في الوظيفة العامة، تمهيدا لإغلاق منافذ التوظيف بجميع أشكاله (تعاقد، أجراء، استخدام بالفاتورة) خارج ميدان المنافسة المشروعة أي ضمن رحاب المباراة، التي يجب أن تكون سبيلا وحيدا بهذا المنحى الذي ينبغي أن تحشد الدولة كل سلطتها باتجاهه، لتستقيم الأوضاع الإدارية وتسود دولة القانون والمؤسسات تحت لواء المساواة والعدالة، ويتحقق للمواطن حلمه. هذا الواقع، يفرض أيضا إدخال تعديلات جذرية ومباشرة على نظام الموظفين، وسائر الأنظمة المتعلقة بالوظيفة العامة، فلا تبقى هذه الوظيفة، كما سبق وأشرنا، مضمونة حتى بلوغ سن التقاعد سواء قام الموظف بكامل مسؤولياته أم لا، ما بقي في حمى المظلة السياسية أو المذهبية أو الطائفية التي تؤويه، ولذلك لا بد من ربط البقاء في الخدمة أو تجديد التعاقد بنتائج تقييم الآداء وبموافقة مجلس الخدمة المدنية على ذلك، وعدم تجديده تلقائيا عبر القرارات السنوية التي تصدر بهذا الشأن. وهنا لا نرى ضيرا في التذكير بالخطوات التي تم إنجازها على هذا الصعيد: 1 ـ أحال مجلس الخدمة المدنية إلى مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية بموجب كتابه رقم 52/ص 1 تاريخ 28/2/2003 مشروع قانون تضمن إدخال تعديلات أساسية وجوهرية على نظام الموظفين الحالي، سيخضع من خلاله الموظفون الإداريون لأحكام أكثر ليونة ولحوافز أكبر وفقا لمهاراتهم وإنجازاتهم واختصاصاتهم وشهاداتهم العلمية وفقا لمتطلبات التغيير المطلوبة. هؤلاء الأشخاص سيتم تجنيدهم من داخل القطاع العام ومن خارجه. ومن أجل الارتقاء إلى هذا النظام بسلاسة، يجب إغراء الأشخاص الملائمين للاضطلاع بعبء هذه المهام عن طريق إعطاء «الأجر الملائم على قدر المشقة»، وهذا يفرض حكما إدخال تعديل سريع على سلاسل الرواتب الحالية بعد مضي أكثر من خمس سنوات على آخر تعديل أدخل عليها والتي بدأ نفاذها في 1/1/1999، لكي يكون الإصلاح أكثر فعالية وقادرا على جذب العناصر المبدعة. وهنا لا بد من التوقف أزاء الرواتب والأجور والمخصصات في بعض المؤسسات العامة التي ترعاها أوضاع ومناخات طائفية ومذهبية والتي لا تتناسب ولا تأتلف والأصول قياسا على وظائف أخرى في الإدارات العامة، بحيث يتبين بشكل جلي وواضح الإجحاف وسوء التوزيع بما يخالف أبسط مقتضيات العدالة والإنصاف (مجلس الجنوب، مجلس الإنماء والإعمار، الكازينو بالمقارنة مع التفتيش المركزي، مجلس الخدمة المدنية، الهيئة العليا للتأديب). ويثور التساؤل: ما هي المهام التي يقوم بها رؤساء وأعضاء ومجالس إدارة المؤسسات المذكورة، مقارنة بالمهام التي تتولاها هيئة كل من مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، والهيئة العليا للتأديب، علما أن الرواتب والأجور والمخصصات العالية التي يتقاضاها رؤساء وأعضاء مجالس إدارة المؤسسات المذكورة، هي في أصلها رضائية تؤدي إلى إفادة أشخاص معدودين ولا تستفيد منها مباشرة السياسات والمذاهب والطوائف التي كانت وراء تعيينهم. وعليه من الواجب إعادة النظر بموضوع الرواتب العالية وتصحيحها واعتماد معيار واحد تندرج تحته، بحيث تستقر على أساس من روح الإنصاف والعدالة، وفي ضوء طبيعة مهام وخصائص الوظائف أو المهام التي تسند إلى كل مستفيد. وفي سياق الفقرة السابقة، نرى ما يلي: أولا: في ما خص التعيين في الملاك الدائم: رفع معدلات النجاح لوظائف الخدمة العامة لتصبح 12/20 كمعدل عام على الأقل، وتعديل أساليب الانتقاء بحيث يجري التركيز أكثر على المهارات التحليلية لدى المرشحين، مع التأكيد على ضرورة اتقان المرشح لإحدى اللغات الأجنبية على الأقل، وقدرته على استعمال الحاسوب الآلي كأحد الشروط الأساسية في عملية الانتقاء. وثانيا: وفي ما خص التعاقد: إصدار قانون يجيز التعاقد على الوظائف الشاغرة في الملاك الدائم للإدارات العامة كافة على قاعدة المباراة وربط تجديده بنتائج تقييم الأداء وبموافقة مجلس الخدمة المدنية. أما بالنسبة للتعاقد على مهام: فيجب أن يقتصر على أصحاب المعارف والمؤهلات الخاصة حاملي الشهادات الجامعية العليا التقنية منها والفنية دون سواها، والتوقف عن التعاقد على مهام في وظائف الفئة الرابعة وما دون أو مع أشخاص ممن يحملون اختصاصات متوفرة ضمن شروط التعيين الملحوظة للوظائف الدائمة (إلا في حالة التعاقد على وظيفة)، مع ضرورة تحديد سقف للمتعاقدين على مهام بما لا يتجاوز نسبة الـ 20% من مجموع الموظفين الدائمين في كل إدارة كحد أقصى، على أن تطبق ـ في مطلق الأحوال ـ على المتعاقدين على مهام، في ما خص تعويضاتهم، سلسلة الرواتب المطبقة على موظفي الإدارات العامة ووفقا لذات الأسس المعمول بها عند تحديد الراتب. فهناك اليوم من هؤلاء المتعاقدين من يفوق تعويضه الشهري راتب رئيس مجلس الخدمة المدنية أو راتب رئيس مجلس شورى الدولة...، لا بل إن عددهم الإجمالي طغى على عدد الموظفين الدائمين، إلا في حال كان التعاقد يجري على مهام فنية وتقنية تتطلب كفاءات علمية عالية ومتميزة فإنه يمكن تخصيصه بتعويضات إنما في حدود سقف يتم اقتراحه من قبل الإدارة المعنية ويوافق عليه مجلس الخدمة المدنية. ثالثا: إعطاء فعالية ودور أكبر لنتائج تقييم الأداء، واستثمارها بشكل أفضل من خلال اتخاذ إجراءات بحق الموظفين (والمتعاقدين) الذين يحصلون على نتيجة «وسط» وما دون في تقييم أدائهم، تبدأ من النقل إلى وظائف أخرى أو إنزال الفئة أو الرتبة، وتنتهي بإنهاء الخدمة، بما يعزز مبدأ «القلة والنخبة» داخل الإدارة، ويربط بين الحوافز والأداء المتميز. 3 ـ إحكاما لسلامة الاختيار للوظيفة العامة وتحصينه من جميع الشوائب، لا بد من وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتكون ذلك باعتماد «مبدأ التخصص الوظيفي «لتولي الوظائف العامة، وذلك عن طريق تحديد الشهادات العلمية وشروط التعيين الإضافية لكل وظيفة من الفئتين الثالثة والثانية، وبحسب طبيعة المهام العائدة لها، وهذا ما بدأ اعتماده فعلا في المباراة التي جرت في 6/3/2004 للتعيين في وظائف الفئة الثانية الإدارية، وهنا نقترح إصدار نص تنظيمي موحد يشمل كافة الوظائف المتماثلة في الإدارات العامة تحدد بموجبه شروط التعيين الإضافية لكل نوع من وظائف الفئات الأولى والثانية والثالثة بعد تقسيمها إلى مجموعات بحسب طبيعة المهام العائدة لكل منها. وهذا يجب أن يترافق مع إلغاء نص المادة الثانية من مشروع القانون الصادر بالمرسوم رقم 3169 تاريخ 23/4/1972 التي تلغي الشروط الخاصة والإضافية المفروضة للتعيين في وظائف الفئة الأولى. كما أن مجلس الخدمة المدنية أعد مشروع قانون، يرمي إلى التعيين في الوظائف العامة على أساس شهادات علمية محددة تتناسب مع مهام الوظيفة المطلوب إشغالها، وقد أحيل هذا المشروع إلى رئاسة مجلس الوزراء بموجب الكتاب رقم 217/ص 1 تاريخ 5/10/2001 كما أنه توجد ضرورة لإعادة النظر والتدقيق في العديد من الشهادات والاختصاصات التي يحملها غير موظف أو قائم بخدمة عامة (...) في مؤسسات عامة إدارية أو استثمارية أو أكاديمية، وذلك بهدف التأكد من سلامة تلك الشهادات من جهة، والنظر في مدى تناسبها مع المهام أو الأعمال المكلف بها من جهة أخرى. 4 ـ في موازاة تعديل نظام الموظفين، بما في ذلك وجوب تعديل الأنظمة العائدة لأجهزة الرقابة، بحيث تشمل عملية التصحيح كافة الجوانب التقنية والبنيوية للإدارات العامة، تم مؤخرا بموجب مشروع قانون أعده مجلس الخدمة المدنية، إدخال إصلاحات جذرية على بنيته وهيكليته، وصولا لإدارة مبسطة ولكن بشروط ومعايير من شأنها جذب الأشخاص من ذوي القدرات العالية، فلا تبقى الإدارة مركزا يتسرب إليه عناصر غير كفوءة تفتقر إلى المستوى العلمي المطلوب، وجرى بموجب المشروع المذكور ربط العطاءات بالإنتاجية تحت طائلة الصرف أو النقل إلى مراكز أخرى. واستكمالا لتعزيز دور مجلس الخدمة المدنية في مراقبة النصوص المتعلقة بالخدمة العامة وبالموظفين فيها، وحفاظا
على مبدأ الشرعية، نرى ضرورة إعطاء هيئة المجلس «الصفة والمصلحة» أمام القضاء الإداري لتقديم دعوى إبطال للنصوص والقرارات المخالفة للقوانين النافذة ذات الصلة بالإدارة.