المادة 5
ثالثا: تفعيل مبدأ الثواب والعقاب إن من النقاط الجوهرية التي يجب أيضا التركيز عليها لتفعيل إدارات الدولة، هو التأكيد على مبدأ الثواب والعقاب واعتماده عاملا رئيسا ذا أولوية في عمليات التصحيح، وهذا لن يكون إلا بتوافر: ـ حسن الاختيار للنخب الإدارية القيادية. ـ وجود رقابة تسلسلية صارمة جدية ومستمرة. ـ وجود حوافز عادلة (ترفيع ـ ترقية ـ مكافأة). 1 ـ سبق وأشرنا في متن تقريرنا السابق إلى أن المخالفات الناتجة عن الوظيفة العامة ولا سيما مخالفة نص المادتين / 14/ و/15/ من نظام الموظفين، هي بطريقة أو بأخرى مسؤولية أطراف أربعة وبالنظر لأهمية وجوب معالجة موضوع المخالفات في سياق مكافحة الفساد الإداري وإرساء قواعد الإصلاح الإداري المنشود، نعيد التذكير بمسؤولية أولئك الأطراف وهم: «الموظف المرتكب» والرئيس المباشر له والرئيس التسلسلي الأعلى، إضافة إلى المفتش المسؤول عن أعمال التفتيش في الإدارة التابع لها الموظف المعني. ذلك أن من أولى واجبات الرئيس المباشر السهر على حسن قيام الموظفين التابعين له بالمهمات الموكلة إليهم، وتفتيش الدوائر التابعة له، وضبط الحضور اليومي والسهر على حسن علاقة الموظفين بأصحاب المصالح، وبالتالي فهو مسؤول عن أعمال الدوائر والموظفين التابعين له. وعليه، إن المخالفات وكافة أشكال التسيب في إدارة ما تعكس في جانب كبير منها إهمال الرئيس المباشر في السهر على تطبيق القوانين والأنظمة النافذة والتقاعس عن فرض النظام والتردد في قمع المخالفات (مادة 14 ـ اشتراعي 112/59)، فمثلا لقد بات العديد من الموظفين في الفئتين الأولى والثانية وما دون يجاهرون بانتماءاتهم الحزبية وبتبوئهم مراكز قيادية فيها ومشاركتهم بصورة علنية وموثقة في النشاطات الأساسية والقيادية لتلك الأحزاب، مخالفين بذلك الحظر الوارد في المادة /15/ من نظام الموظفين دون حسيب أو رقيب، وهذا ما يمكن رده لسببين: ـ غياب المساءلة والرقابة التسلسلية. ـ المظلة السياسية الداعمة. وبهذا تتقوض دعائم القانون وتخبو صفات الحياد والموضوعية للموظف العام. إذا كان التركيز على اختيار القيادات الإدارية، المتحلين بالقيم والنزاهة والتجرد، بما يكفل دون أي اهتمام للتبعات السياسية وللدعم الذي يتوسله عدد غير قليل من الموظفين المحسوبين على مرجعيات وزعامات. ومن هنا يقتضي تعزيز دور التفتيش المركزي كجهاز رقابة أساسي في مكافحة التسيب الإداري والفساد المهيمن على الإدارة لتأكيد فرضية أن الفساد والتفتيش أمران أحدهما نقيض للآخر، فلا يمكن تصور استمرار التسيب الإداري في ظل وجود جهاز للتفتيش في دولة ما وبهذا لا يمكن تصور مكان للاثنين معا. إن إغفال مبدأ الثواب والعقاب في السابق هو الذي أدى إلى تزهيد الموظفين الشرفاء عن العمل بوحي من ضمائرهم، وشجع المفسدين على الإمعان في الإفساد. 2 ـ إن ترقية الموظف أو ترفيعه من فئة إلى فئة أخرى وإن كان من أهم الحوافز التي تؤمنها الدولة له، إلا أنه يجب التوقف عن الترفيع الآلي المدعوم بالتوصيات إرضاء لجمهور الناخبين، وأن يصبح جزءا من الآلية التي تعتمدها الإدارة لتفعيل مبدأ الثواب والعقاب، المستند إلى نتائج تقييم الأداء أو إلى جدول الترقية والترفيع المنصوص عليه في نظام الموظفين، ونرى هنا ضرورة إدخال نظام تقييم أداء عادل ومتجرد، يتم من خلاله قياس مهارات وإنجازات الأفراد بشكل صحيح وأكثر دقة تمهيدا لاستثماره في وضع بيان بالعلامات التي يتضمنها جدول الترقية لاقتراح ترفيعهم أو ترقيتهم. ولقد أحال مجلس الخدمة المدنية بهذا المعنى بتاريخ 30/1/2002 على رئاسة مجلس الوزراء نظام جديد لتقييم الأداء يكفل تحقيق تلك المبادئ ويعمل على وضعها موضع التطبيق العملي، على أمل إصداره بالسرعة الممكنة، فضلا عن نظام الترقية والترفيع الذي أعده مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية والذي أبدى هذا المجلس رأيا فيه أدى إلى إعادة النظر فيه وفق الملاحظات التي عرضها هذا المجلس في حينه بصدده. 3 ـ دعم تطبيق حازم «لشرعة سلوكية الموظف»، وتفعيل عمل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد التي وافق مجلس الوزراء بقراره رقم /51/ تاريخ 4/10/2000 على إنشائها، من أجل التخلص من كافة أشكال الوساطة والاستعلاء على القانون.