Study الدكتور وسام غياض 01/01/2007
سلطات الحكم على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد
- Author
- الدكتور وسام غياض
- Published
- 01/01/2007
- Source
- Lebanese University
سلطات الحكم على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد
إذا كان التحقيق الإبتدائي المتّبع لدى سلطات التحقيق (قاضي تحقيق وهيئة إتهامية) يرتكز على مبدأ السرية ومبدأ الكتابة ومبدأ السرعة في التحقيق بعيداً عن المرافعات فإن الأصول المتبعة أمام سلطات الحكم أو ما يعرف بالتحقيق النهائي ‘’Instruction définitive’’ تتّسم بثلاث صفات أساسية مستوحاة من النظام الإتهامي وهي العلانية والشفاهية والوجاهية.
1- مبدأ علنية المحاكمة أي ‘’le principe de la publicité des débats’’ (1) بحيث يسمح للجمهور بحضورها ويشار في محضر الجلسة الى علنيّتها، ويفترض أن تجري المحاكمة بجميع إجراءاتها من تحقيق وإستجواب ومرافعة وغير ذلك بصورة علنية تحت طائلة بطلانها لأن العلنية قاعدة جوهرية تتعلّق بالنظام العام ما لم تقرّر المحكمة خلاف ذلك أي إجرائها بصورة سرية في حالات معينة ترتبط بالنظام العام والأداب العامة والأخلاق العامة وغيرها. وقد تسنّى للإجتهاد الفرنسي تكريس مبدأ العلنية في العديد من أحكامه إذ نقرأ أنه:
‘’Le principe des débats est un principe essentiel de la procédure pénale, c’est une règle d’ordre public qui ne souffre d’exception que dans les cas limitativement détérminés par la loi’’. (2)
وإذا كانت المحاكمة بصورة سرية à huis-clos مسموحة في بعض الحالات الاّ أن الحكم الصادر بشأنها يجب أن يكون بصورة علنية تحت طائلة بطلانه (3). تجدر الاشارة الى أن المادة 40 من القانون رقم 422/2002 أجازت خلافاً لمبدأ العلنية أن تتم محاكمة الأحداث سواء أمام محكمة الأحداث أو أمام المحكمة العادية التي يحاكمون بها تبعاً لمحاكمة الراشد بالصورة السرية.
2- مبدأ شفاهية المحاكمة أي: ‘’Le principe d’oralité des débats’’ ويقصد بذلك إجراء المحاكمة بصوت مسموع من قبل الخصوم والقاضي والشهود والخبراء وكل من له علاقة بالدعوى وكذلك من الجمهور. وهذه القاعدة هي قاعدة أساسية وجوهرية، متعلّقة بالنظام العام كونها تؤمن المناقشة الوجاهية والشفوية لكل ما يجري أثناء جلسة أو جلسات المحاكمة. وهكذا يتوجب على المحكمة الإستماع الى الشهود الذين سبق للضابط العدلي أو قاضي التحقيق أن إستمع اليهم، وأن تعيد إستجواب المدعى عليهم، وأن تستمع الى إفادة الخبراء حول التقارير التي وضعوها...
وتكريساً لمبدأ شفاهية المحاكمة نقرأ ما ورد في المادة 178 أ.م.ج. أنه تجري المحاكمة بصورة علنية وشفاهية والاّ كانت باطلة ويستثنى من ذلك الحالة التي يقرر فيها القاضي المنفرد إجراء محاكمة سرية بحجة المحافظة على النظام العام أو الأخلاق العامة.
3- مبدأ وجاهية المحاكمة أي: ‘’Le principe contradictoire de débats’’ وهو يعني أن تحصل المحاكمة بحضور الخصوم أو ممثليهم في الأحوال التي يجيز القانون ذلك، كما يعني مبدأ الوجاهية أن يتساوى الخصوم في الحقوق أمام المحكمة التي يمثلون أمامها بحيث لا يمنح أحدهم حقاً يحرم منه الآخر وهكذا يتاح للخصوم أن يدلوا ويقدموا ما يشاؤون من إدلاءات ودفوع...
1- لطفاً تراجع المادة 178 أ.م.ج. والمادتين 376 و 484 أ.م.م.
2- Cas. Crim. 17 mars 1970 – Dalloz – 1970, page 406.
3- محكمة التمييز الجزائية –غرفة ثالثة –قرار رقم 219 تاريخ 11/07/2000– صادر 2000-ص249
بناءً على ما تقدّم لا يجوز للمحكمة أن تبني حكمها على دليل لم يطرح في الجلسة، أو طُرِح ولم يطلع عليه الخصوم أو لم يناقشوه أو لم يقبلوه بعد تلاوته. كما لا يجوز قبول دليل جديد من أحد الخصوم بعد قفل باب المرافعة لأنه لن يتاح للخصوم الآخرين مناقشته (1). تجدر الاشارة أنه بالإضافة الى هذه الصفات الثلاث التي يتمتع بها التحقيق النهائي هناك صفة التدوين أي الكتابة (2) بموجب محاضر تثبت فيها جميع إجراءات التحقيق والمحاكمة، وتعتبر هذه المحاضر مستندات رسمية لا يجوز إثبات عكس ما ورد فيها الاّ بالتزوير. وكذلك من صفات التحقيق النهائي خضوعه لمبدأ حرية الإثبات وحرية الإقتناع الشخصي، فالقاضي الجزائي له دور إيجابي في الإثبات بعكس القاضي المدني، فلا يكتفي بالأدلة التي يقدمها اليه أطراف الدعوى بل يتوجب عليه أن يبحث بنفسه عن الأدلة وله سلطة تقديرية في إختيار الأدلة التي يقتنع بها وهو بذلك لا يخضع لرقابة محكمة التمييز. كما تجدر الإشارة أيضاً وقبل الغوص في سلطات الحكم الى أن الإختصاص في المواد الجزائية هو على ثلاثة أنواع:
· الإختصاص الشخصي ويحدَّد على أساس صفة المدعى عليه وقت إرتكاب الجريمة مع الأخذ بعين الإعتبار أن هناك فئة من الأشخاص يحاكمون أمام محاكم خاصة كالرؤساء والوزراء والعسكريين والأحداث وغيرهم.
· الإختصاص النوعي بحيث أنه في المجال الجزائي، إذا كان الفعل من نوع الجنحة أو المخالفة فالنصوص الجزائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية أعطت الاختصاص للقاضي المنفرد الجزائي. أما إذا كانت الجريمة من نوع الجناية فإن الإختصاص يكون لمحكمة الجنايات مع الأخذ بعين الإعتبار لحالة الجرائم المتلازمة والصلاحية الشاملة لمحكمة الجنايات.
· الإختصاص المكاني: وهو ما ورد في المادة 9 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد إذ نصّت على أنه: "تقام الدعوى العامة أمام المرجع الجزائي الذي وقعت الجريمة ضمن نطاق دائرته أو التابع له محل إقامة المدعى عليه أو محل إلقاء القبض عليه".
إن دراسة سلطات الحكم تقتضي منا دراسة القضاء الجزائي العادي في باب أوّل ومن ثمَّ تسليط الضوء على القضاء الإستثنائي في باب ثاني.
الباب الأول: القضاء الجزائي العادي:
وفقاً لأحكام قانون التنظيم القضائي رقم 7855 تاريخ 16/10/1961 ولأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد رقم 328/2001، تتألف المحاكم الجزائية العادية من القاضي المنفرد الجزائي (الفصل الأول) ومحكمة إستئناف الجنح والمخالفات (الفصل الثاني) ومحكمة إستئناف الجنايات (الفصل الثالث) ومحكمة التمييز الجزائية (الفصل الرابع).
الفصل الأول: القاضي المنفرد الجزائي:
بخلاف ماهو معمول به في القضايا المدنية حيث توجد محاكم الدرجة الأولى التي تتكون من غرف مؤلفة من رئيس وعضوين، ومن أقسام يتولاها قضاة منفردون، إن القضاء الجزائي لا يتضمن محاكم بدائية جزائية بل قضاة منفردون فقط وهذا ما كرّسه قانون التنظيم القضائي لعام 1961 وأبقى عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد إذ نقرأ في المادة 150 منه أنه: "ينظر القاضي المنفرد في قضايا الجنح والمخالفات عدا ما إستثني منها بنص خاص. لا تمثل النيابة العامة لديه". وهذا يعني أن الإختصاص النوعي في قضايا الجنح والمخالفات يعود للقاضي المنفرد الجزائي ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، وأن طبيعة الجريمة هنا هي التي تحدِّد طبيعة المحكمة الجزائية المختصّة.
1- د. علي القهوجي: "شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية" –الجزء الثاني – بيروت 2002 – منشورات الحلبي الحقوقية – ص452.
2- لطفاً تراجع المواد التالية: 194 و 189 و 235 و 249 أ.م.ج.
والاختصاص النوعي يتعلق بالنظام العام بحيث يتوجب على القاضي المنفرد الجزائي أن يتأكّد من وصف الأفعال المحالة أمامه تمهيداً لتحديد إختصاصه.
فقرة أولى: كيف يضع القاضي المنفرد الجزائي يده على الدعوى العامة؟
أشارت المادة 151 أ.م.ج. الى الطرق التي يضع القاضي المنفرد الجزائي بواسطتها يده على الدعوى العامة وهي سبع حالات سوف نعالجها تباعاً في البنود التالية.
البند الأول: إدّعاء النيابة العامة:
إن إدعاء النيابة العامة أمام القاضي المنفرد الجزائي قد يكون في حالة الجنحة العادية كما قد يكون في حالة الجنحة المشهودة. فالحالة الأولى وردت في المادة 152 أ.م.ج. التي نصّت على أن: "يدعي النائب العام لدى القاضي المنفرد بالجنحة في حق شخص تحدّدت هويته. يتضمن الإدّعاء وصفاً للجنحة المدعى بها ولمكان إرتكابها ويضم اليه التحقيقات الأولية والشكوى وجميع الأوراق التي تبرّر الملاحقة. للنائب العام أن يدّعي لاحقاً في حق الشخص الذي أغفل الإدّعاء عليه ما دامت الدعوى عالقة أمام القاضي المنفرد. لهذا الأخير أن يلفته الى إغفاله الإدّعاء في حق شخص توافرت الأدلّة ضدّه دون أن يفيده بذلك.
للنائب العام أن يوقّع على الورقة التي تحمل إدّعاءه. ولا يجوز له أن يرجع أو يتنازل عن إدّعائه. لا يجوز له أن يدعي بالجريمة عينها في حق الشخص نفسه أمام القاضي المنفرد إذا كان قد سبق له أن ادّعى بها أمام قاضي التحقيق. وهذا يعني أنه لا يمكن الإدّعاء ضدّ مجهول أمام القاضي المنفرد الجزائي، وفي حالة مجهولية فاعل الجريمة (جنحة أو مخالفة) تكون النيابة العامة ملزمة بإحالة ملف الدعوى الى قاضي التحقيق مشفوعاً بإدّعائها ومطالبها وذلك طبقاً لما ورد في المادة 26 أ.م.ج. أما الحالة الثانية فكرّستها المادة 153 بنصّها على أنه: "إذا قبض على شخص متلبّساً بجنحة مشهودة تستوجب عقوبة الحبس فيتم إحضاره أمام النائب العام الذي يستجوبه ويدّعي عليه ويحيله الى القاضي المنفرد ليحاكم أمامه في الحال أو في اليوم التالي، وذلك مع مراعاة المادة 108 من هذا القانون، وللنائب العام أن يصدر في حقّه، قبل إحالته، مذكرة توقيف تنفذ فوراً. إذا إستمهل المدعى عليه أمام القاضي المنفرد ليستعين بمحامٍ فيمهله مدة ثلاثة أيام على الأكثر لا تقبل تمديداً.
يحدِّد النائب العام في الجنحة المشهودة أسماء الشهود. للقاضي المنفرد أن يقرّر تبليغهم شفاهاً موعد الجلسة بواسطة الضابطة العدلية أو قوى الأمن أو دائرة المباشرين. إذا تمنّع أحدهم عن الحضور فللقاضي المنفرد أن يصدر في حقّه مذكرة إحضار".
نلاحظ هنا ان فحوى النص شبيه جداً بنص المادة 46 أ.م.ج. المتعلّق بإجراءات الضابطة العدلية في الجريمة المشهودة لكن المفارقة أن المادة 46 السالفة الذكر حددت مدة عقوبة الجنحة المشهودة بالحبس سنة على الأقل وهذا ما لم تذكره المادة 153 أ.م.ج، لذلك نقترح إضافة عبارة "مدة سنة على الأقل" منعاً وتجنُّباً لأيّ لغط حول هذه النقطة.
كما أضافت المادة 154 أ.م.ج. أنه: "إذا رأى القاضي المنفرد أن الدعوى، في الجنحة المشهودة، غير جاهزة للحكم فيقرّر إرجاءها الى موعد آخر لا يتجاوز العشرة أيام. له أن يخلي سبيل المدعى عليه تلقائياً عند عدم وجود إدعاء شخصي أو بناءً على استدعاء منه، بكفالة أو بدونها، إذا وجد أن لا ضرورة لإستمرار توقيفه شرط أن يتّخذ المدعى عليه المخلى سبيله محل إقامة له في البلدة أو المدينة التي يقع فيها مركز القاضي المنفرد. يمكنه، في هذه الحالة، أن يقرر منعه من السفر إذا رأى ضرورة لذلك لمدة لا تتجاوز الشهرين.
إذا استدعى المدعى عليه تخلية سبيله فتبلغ نسخة عن إستدعائه الى المدعي الشخصي في محل إقامته الحقيقي ضمن دائرة القاضي المنفرد أو محل إقامته المختار فيها، فيبدي ملاحظاته عليه في مهلة أربع وعشرين ساعة من تاريخ تبليغه. يتّخذ القاضي المنفرد قراره إمّا بإجابة الطلب أو برفضه في خلال مهلة مماثلة.
لكل من المدعي الشخصي ومن المدعى عليه أن يستأنف قرار القاضي المنفرد أمام محكمة الإستئناف خلال أربع وعشرين ساعة من تاريخ تبليغه إياه. للنيابة العامة أن تستأنفه في مهلة أربع وعشرين ساعة من تاريخ صدوره". هذا كل ما يتعلّق بإدعاء النيابة العامة أمام القاضي المنفرد الجزائي أما الإدعاء المباشر أمامه فسنراه في البند الثاني.
بند ثاني: الإدّعاء المباشر:
أعطى المشرّع اللبناني لكل متضرّر من جرم جزائي حق تحريك الدعوى العامة مباشرةً أمام القضاء الجزائي المختصّ إذا ما تقاعست النيابة العامة عن تحريكها، فأجاز له أن يتّخذ صفة الإدعاء الشخصي في الجنح والمخالفات أمام القاضي المنفرد الجزائي، أما في الجناية فألزمه بإتخاذ صفة الإدعاء الشخصي أمام قاضي التحقيق الأول وأعطاه حق الإنضمام الى الدعوى العامة أمام محكمة الجنايات.
إن الإدعاء المباشر من قبل المتضّرر أمام القضاء الجزائي يستفاد من أحكام المواد 7 و 151 و 155 أ.م.ج. فالمادة 155 أ.م.ج. نصّت في فقرتها الأولى على أنه: "لكل متضرر من جنحة أن يتقدّم بشكوى مباشرة يتّخذ فيها صفة الادعاء الشخصي أمام القاضي المنفرد الواقع ضمن نطاق دائرته مكان وقوع الجرم أو محل إقامة المدعى عليه أو مكان إلقاء القبض عليه".
تسجّل الشكوى في قلم القاضي المنفرد الذي يقرِّر تكليف مقدمها بدفع سلفة معجلة تتضمن الرسوم والنفقات القضائية على أن لا تزيد عن واحد في المئة من قيمة الدعوى. علاوة على ذلك، يكلّف الشاكي إذا كان أجنبياً، بأن يقدم كفالة يعين نوعها ومقدارها في قراره (م 155 فقرة ثانية). للقاضي أن يعفي الشاكي من دفع السلفة إذا كان وضعه المالي لا يمكنه من الدفع. له أيضاً أن يعفي الشاكي الأجنبي من دفع الكفالة للسبب عينه بقرار معلّل (م 155 فقرة ثالثة).
إن الشكوى التي يتّخذ فيها الشاكي صفة الإدعاء الشخصي ويدفع ما يكلف به، ما لم يعف منه، تحرّك دعوى الحق العام. إذا لم يتوافر فيها أحد هذين الشرطين، فتعد بمثابة إخبار. على القاضي، في هذه الحال، أن يقرر إحالتها الى النائب العام ليتّخذ موقفاً من تحريك الدعوى العامة (م 115 فقرة رابعة).
للشاكي أن يرجع عن شكواه، إذا فعل ذلك في خلال يومي عمل من تاريخ تقديمها فلا يلزم بالنفقات اللاحقة لرجوعه. لا يؤثر رجوعه على سير الدعوى العامة الاّ في الحالات التي يؤدي فيها إسقاط دعوى الحق الشخصي الى إسقاط دعوى الحق العام (م 155 فقرة خامسة).
يبقى من حق المتضرّر أن ينضم الى الدعوى العامة التي تكون قد حرّكتها النيابة العامة أمام القاضي المنفرد، ويطالب بحقوقه الشخصية (م 155 فقرة سادسة). هذا بإختصار كل ما يتعلّق بالإدّعاء المباشر كآلية لوضع يد القاضي المنفرد الجزائي على الدعوى العامة، وننتقل من بعد ذلك الى دراسة قرار الظن عن قضاء التحقيق كوسيلة لنقل الدعوى العامة أمام القاضي المنفرد الجزائي.
بند ثالث: قرار الظن عن قضاء التحقيق:
يقصد بذلك أنه عندما يعتبر قاضي التحقيق أو الهيئة الإتهامية أن الفعل من نوع الجنحة أو المخالفة، يرسل الملف بواسطة النيابة العامة الى القاضي المنفرد الجزائي، وهذا ما كرّسته المادة 158 أ.م.ج. بنصّها: "إذا قرّر قاضي التحقيق الظن في المدعى عليه بجنحة أو بمخالفة فتحيل النيابة العامة ملف الدعوى على القاضي المنفرد، في خلال ثلاثة أيام من إيداعها إياه، ما لم تستأنف قرار الظن. كما تحيل خلال المهلة نفسها قرار الظن الصادر عن الهيئة الإتهامية. يضع القاضي المنفرد يده على الدعوى بالإستناد الى قرار الظن".
ولا يعتبر القاضي المنفرد الجزائي ملزماً بالوصف القانوني الوارد في قرار الظن وبالتالي أعطاه المشرّع حق التعرّض للظروف والوقائع المرافقة للجريمة المدعى بها، وهذا ما أشارت اليه المادة 176 أ.م.ج. عندما نصّت على أنه: "ينظر القاضي المنفرد في الوقائع الواردة في إدّعاء النيابة العامة أو الشكوى المباشرة أو القرار الظنّي. له أن يتعرّض للظروف والوقائع التي لازمت الجريمة المدعى بها وكان من شأنها أن تؤثر في وصفها. لا يتقيّد القاضي المنفرد بالوصف القانوني المعطى للفعل الجرمي المدعى به. إذا اعتبر أن الجرم المدعى به يشكل جناية فيعلن عدم إختصاصه للنظر في الدعوى".
وعندما يعلن القاضي المنفرد الجزائي عدم إختصاصه لكون الفعل المدعى به من نوع الجناية، عليه أن يحيل ملف الدعوى الى النيابة العامة. وله حق إصدار مذكرة توقيف في حق المدعى عليه إذا كانت الدعوى قد أقيمت أمامه مباشرةً. أما إذا كانت قد أحيلت اليه بموجب إدّعاء النيابة العامة أو إستناداً لقرار ظنّي فيكتفي بإعلان عدم صلاحيّته وبإحالة الدعوى الى النيابة العامة. (م 177 أ.م.ج.). بالإضافة الى قرار الظن الصادر عن قضاء التحقيق هناك دعوى بدل العطل والضرر التي يضع بموجبها أيضاً القاضي المنفرد الجزائي يده على الدعوى العامة.
بند رابع: دعوى بدل العطل والضرر:
نصّت المادة 159 أ.م.ج. على أنه: " إذا قرّر قاضي التحقيق منع المحاكمة، لسبب قانوني أو واقعي، عن المدعى عليه فله أن يطالب، بوجه المدعي الشخصي، ببدل عطله وضرره أمام القاضي المنفرد الجزائي المختصّ وفقاً لأحكام المادة 72 من هذا القانون"... وقد اعتبرت المادة 72 أ.م.ج. أنه إذا تجاوز المدعي الشخصي في دعواه حقّه في التقاضي، يحق للمدعى عليه أن يتقدّم بدعوى تعويض عن عطل وضرر بوجه المدعي الشخصي وذلك أمام القاضي المنفرد الجزائي، وقد أعطاه المشرع مهلة 3 أشهر لتقديم هذه الدعوى تبدأ من تاريخ إبلاغه قرار منع محاكمته وإلاّ يسقط حقّه بذلك.
بند خامس: قرار تعيين المرجع أو نقل الدعوى:
يصدر هذا القرار عن الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز وذلك عند التنازع السلبي على الصلاحية. وقد تضمّنت المادة 160 أ.م.ج حلاًّ لهذه المسألة إذ نصّت على أنه: "يضع القاضي المنفرد يده على الدعوى عندما تحال اليه بموجب قرار صادر عن الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز بنتيجة البتّ في دعوى تعيين المرجع أو نقل الدعوى. إذا قرّرت الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز إبطال قرار القاضي المنفرد بإعلان عدم إختصاصه للنظر في الدعوى فتعيد الدعوى اليه أو الى قاضٍ منفرد آخر ضمن الدائرة القضائية نفسها للنظر فيها".
ولكن المُلفِت للنظر في هذا النص هو إلزام القاضي المنفرد الجزائي النظر في دعوى ليست أصلاً من إختصاصه إذا قرّرت الغرفة الجزائية لدى محكمة التمييز ذلك، وكنا نتمنّى ورود النص بصيغة لا تلزم القاضي المنفرد الجزائي بملف لا يرغب فيه. بعد قرار تعيين المرجع أو نقل الدعوى ننتقل لدراسة حالة جرائم الجلسات أمام القاضي المنفرد الجزائي وكيفية وضعه يده على الدعوى العامة.
بند سادس: جرائم الجلسات:
أشارت المادة 161 الى هذه الحالة بقولها: "إذا وقعت جنحة، أثناء جلسة المحاكمة لدى القاضي المنفرد، فينظّم محضراً في الحال يستجوب فيه الفاعل ويستمع الى الشهود، إذا إقتضى الأمر، ويقضي في الجلسة عينها بالعقوبة التي تستوجبها الجنحة. إذا قضى بعقوبة الحبس فله أن يصدر مذكرة بتوقيف الحكوم عليه تنفذ فوراً. يقبل قراره الإستئناف. إذا كان الفعل المرتكب أثناء المحاكمة ذا وصف جنائي فيتّخذ قراراً بتوقيف الفاعل وينظّم تقريراً بما حدث ويحيله الى النيابة العامة مذيلاً بالإشارة الى توقيف الفاعل". يبقى الحالة الأخيرة من المادة 151 أ.م.ج. وهي وضع القاضي المنفرد يده على الدعوى العامة بموجب محاضر المخالفات المنظمة وفقاً للأصول.
بند سابع: محاضر المخالفات:
يضع القاضي المنفرد الجزائي يده على المخالفات المثبّتة في محاضر ينظّمها من أوكلت إليهم القوانين الخاصة أمر تنظيمها وإحالتها على المحكمة المختصة (م 162 أ.م.ج.) وقد حدّدت المادة 39 أ.م.ج. هؤلاء الأشخاص بدقّة وهم: نواطير القرى، وموظّفي المراقبة في وزارة الصحة، ومرابي الأحراج وحماية المستهلك، والموظفين المختصّين بالرقابة في الجمارك، وإدارة حصر التبغ والتنباك، وفي المرافىء والمطارات، ووزارة السياحة والحرّاس الليليين... وهكذا ننهي الحالات التي يضع فيها القاضي المنفرد الجزائي يده على الدعوى العامة لننتقل لدراسة أصول المحاكمة لديه في فقرة ثانية.
فقرة ثانية: أصول المحاكمة لدى القاضي المنفرد الجزائي:
بعد دخول الدعوى العامة في حوزة القاضي المنفرد الجزائي هناك أصول وإجراءات لا بُدَّ من مراعاتها كمسأله حضور الفرقاء وتمثيلهم القانوني وتأمين حقوق الدفاع (1) وغيرها... وهنا سنكتفي بمسألة الحضور الى المحكمة (بند أول) وسلطة المحكمة بالنسبة للفرقاء والوقائع (بند ثاني).
بند أول: الحضور أمام القاضي المنفرد الجزائي:
فبعد ورود الدعوى الى دائرة القاضي المنفرد ينظّم بها كاتب المحكمة محضراً ويعين القاضي موعد الجلسة ثم ينظم الكاتب أوراق الدعوى لكل من المدعي والمدعي عليه والمسؤول بالمال والضامن ويرسلها لتبلغ منه. يجب أن يتم إبلاغه مذكرة دعوته قبل ثلاثة أيام من بدء المحاكمة. يمكن للقاضي، في الحالات المستعجلة، أن يقرّر تقصير المهلة. إذا حضر أحد ممن ذكر الى المحكمة، بمجرّد علمه بموعد الجلسة، فلا يسعه التذرّع بعدم تبليغه مذكرة الدعوة أو بعدم مراعاة مهلة الثلاثة أيام (م 163 أ.م.ج.). وعلى المدعى عليه أن يحضر شخصيّاً الى المحكمة إذا كان شخصاً طبيعياً، أما إذا كان شخصاً معنويّاً فيتم تمثيله بواسطة وكيله أو ممثله القانوني (م 164 أ.م.ج.). والمبدأ المعمول به أمام القاضي المنفرد الجزائي هو ضرورة حضور المدعى عليه بالذات لجلسة المحاكمة ولكن هناك إستثناءات لهذا المبدأ يُمكن فيها حضور الوكيل بدلاً عنه وهي:
· إذا كان الجرم غير معاقب عليه لأكثر من سنة حبس بحيث تعتبر المحاكمة وجاهية في حقّه، وبالتالي إذا لم يحضر بالذات أو لم يتمثّل بمحامٍ فيحاكم غيابياً (م 165 أ.م.ج.).
· إذا كانت الجلسة المحدّدة أمام القاضي المنفرد الجزائي تهدف لبحث دفع شكلي من الدفوع الشكلية قبل البدء بالإستجواب وهذا ما أفتت به المادة 157 أ.م.ج. بحيث لا يكون حضور المدّعى عليه شخصيّاً أمراً ضرورياً.
· إذا كانت الجريمة المسندة الى المدعى عليه مشمولة بالعفو العام كلياً، فعندها يمكن للمدعى عليه أن يتمثّل بمحامٍ لينوب عنه أمام المحكمة لأن المحاكمة ستقتصر عندها على النقاط القانونية المدنية فقط وهذا إعتمده المشرّع في المادة 167 أ.م.ج.
· التقدم بطلب وقف تنفيذ مذكرة التوقيف الغيابية التي يصدرها قاضي التحقيق بحق المدعى عليه، بحيث أنه عندما يحال الملف الى القاضي المنفرد الجزائي بموجب قرار ظنّي يمكن لهذا الأخير أن يوقف تنفيذ مذكرة التوقيف الغيابية الصادرة عن قاضي التحقيق قبل إحالة الملف اليه، وقد أجاز قانون أصول المحاكمات الجزائية للمدعى عليه أن يتقدّم بطلب وقف تنفيذ مذكرة التوقيف الغيابية بواسطة محامٍ وهذا ما ورد في المادة 157 أ.م.ج. ج.
Brière de l’ isle: ‘’La représentation des parties devant les tribunaux répressifs’’ 1- Dalloz 1961. Page 85.
بند ثاني: سلطة المحكمة:
رأينا سابقاً أن هناك طرق قانونية يضع بموجبها القاضي المنفرد الجزائي يده على الدعوى العامة وبالتالي لا يمكن للقاضي المنفرد الجزائي أن يدعي على أشخاص لم يذكروا في إدّعاء النيابة العامة أو من قبل المدعي الشخصي وهذا خلافاً لما هو الحال بشأن صلاحيات قاضي التحقيق. فالمادة 175 أ.م.ج. نصّت على أنه: "ينظر القاضي المنفرد في الدعوى بصورة شخصية أي بالنسبة للأشخاص المدعى عليهم. لا يحق له أن يتناول غيرهم ما لم يرد في حق هؤلاء إدّعاء لا حق قبل الفصل في الدعوى. عليه عند توافر أدلة في حق أشخاص غير المدعى عليهم، أن ينظم تقريراً بالأمر ويحيله الى النائب العام دون تأخير".
وهذا الأمر لا يقتصر فقط على الأشخاص بل يمتدّ ليشمل الوقائع أيضاً بحيث نقرأ ما ورد في المادة 176 أ.م.ج. التي أضافت على أنه: "ينظر القاضي المنفرد في الوقائع الواردة في إدّعاء النيابة العامة أو الشكوى المباشرة أو القرار الظنّي. له أن يتعرّض للظروف والوقائع التي لازمت الجريمة المدعى بها وكان من شأنها أن تؤثر في وصفها. لا يتقيّد القاضي المنفرد بالوصف القانوني المعطى للفعل الجرمي المدعى به. إذا إعتبر أن الجرم المدعى به يشكّل جناية فيعلن عدم إختصاصه للنظر في الدعوى". وهذا يعني أنه يمكن للقاضي المنفرد الجزائي أ ن يتطرّق الى ظروف مرتبطة بوقائع الجريمة المدعى بها لكي يتمكّن من إعطاء الوصف القانوني الصحيح، ولكن هذا لا يعني أنه يستطيع التطرّق الى وقائع جديدة بل يمكنه التطرّق الى الأدلّة المتعلّقة بالوقائع المدعى بها.
وإذا كان القاضي المنفرد الجزائي مقيّد بالوقائع وبأشخاص المدعى عليهم، فإنه يبقى له الحق في تغيير الوصف القانوني الذي أعطاه قاضي التحقيق في قرار الظنّ أو النائب العام في إدّعائه أو المتضرّر في الإدّعاء المباشر شرط أن لا يضيف وقائع جديدة.
والآن ما هي القرارات والأحكام التي تصدر عن القاضي المنفرد الجزائي على ضوء قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد (فقرة ثالثة).
فقرة ثالثة: القرارات والأحكام التي يصدرها القاضي المنفرد الجزائي.
يمكن تقسيم القرارات والأحكام التي يصدرها القاضي المنفرد الجزائي الى فئتين: فئة تسمّى قرارات وهي تصدر قبل إختتام المحاكمة (بند أول) وفئة ثانية تسمى بالأحكام وهي تصدر بعد ختم المحاكمة (بند ثاني).
بند أول: القرارات التي يصدرها القاضي المنفرد الجزائي:
نصّت عنها المادتان 192 و 193 أ.م.ج. وهي قرار إخلاء سبيل المدعى عليه وقرار توقيفه في حالات معينة. وهكذا نلاحظ أن المادة 192 أ.م.ج. أعطت القاضي المنفرد الجزائي حق إخلاء سبيل المدعى عليه الموقوف ولكن بعد إستطلاع رأي النيابة العامة. ويقصد هنا بإستطلاع الرأي مجرَّد الإستماع الى موقف النيابة العامة حيال إخلاء السبيل دون أن يكون القاضي المنفرد الجزائي ملزماً برأيها على أساس أنه بإمكانها إستئناف هذا القرار في حال صدر بصورة مخالفة لرأيها.
يقدم المدعى عليه طلب تخلية سبيله الى القاضي المنفرد الجزائي على نسختين. تبلغ نسخة عنه الى المدعي الشخصي (إذا كان هو الذي إدّعى أمام القاضي المنفرد الجزائي) في محل إقامته المختار ما لم يكن له محل إقامة حقيقي ضمن البلدة أو المدينة التي يقع فيها مركز المحكمة. ولكن إذا لم يكن المدعي الشخصي قد إختار مقاماً له فيتم تبليغه في قلم المحكمة. للمدّعي الشخصي أن يعترض على طلب تخلية السبيل المقدّم من المدعى عليه في مهلة 24 ساعة من تاريخ تبليغه إياه.
بعد إنقضاء مهلة ال 24 ساعة يبت القاضي المنفرد الجزائي في الطلب، فإذا قرار تخلية سبيل المدعى عليه فللمدعي الشخصي أن يستأنف قراره أمام محكمة الإستئناف التي يتبع لها القاضي المنفرد في مهلة 24 ساعة من تاريخ إبلاغه إياه. أما إذا قرّر القاضي المنفرد ردّ الطلب فللمدعى عليه أن يستأنف قراره هذا من تاريخ إبلاغه إياه وطبعاً خلال مهلة 24 ساعة.
للنائب العام أن يستأنف قرار القاضي المنفرد في مهلة 24 ساعة من تاريخ صدوره وليس تبليغه لأن النيابة العامة لا تبلغ هكذا قرار ويفترض علمُها به بمجرّد صدوره. تجدر الإشارة الى أن إستئناف المدعي الشخصي أو النائب العام الوارد ضمن المهلة القانونية يوقف تنفيذ القرار أي قرار إخلاء سبيل المدعى عليه لحين البتّ به من قبل محكمة الإستئناف.
بالإضافة الى قرار إخلاء السبيل يمكن للقاضي المنفرد الجزائي أن يصدر مذكرة توقيف بحق المدعى عليه إذا قضى بإدانته وجاهياً بعقوبة الحبس أكثر من سنة على الأقل شرط أن يكون قرار التوقيف معلّلاً، وتبقى مذكرة التوقيف نافذة رغم إستئناف الحكم (م 193 أ.م.ج.).
بند ثاني: الأحكام التي يصدرها القاضي المنفرد الجزائي:
بعد إختتام المحاكمة يصدر القاضي المنفرد حكمه في آخر الجلسة أو في جلسة لاحقة. يجب أن يكون الحكم موقعاً من القاضي ومن الكاتب ومذيلاً بتاريخ صدوره وأن يتضمّن عرضاً واضحاً للوقائع التي إستثبتها القاضي وتنفيذاً للأدلة التي يؤيدها ودقة كافية في الأسباب والعلل الموجبة له والمواد القانونية المنطبقة على الجرم. يجب أن يذكر فيه السند القانوني الذي بموجبه وضع القاضي المنفرد يده على الدعوى العامة (إدّعاء النيابة العامة – الدعوى المباشرة – القرار الظني – دعوى بدل عطل وضرر – قرار تعيين مرجع أو نقل دعوى – جرائم جلسات – محاضر المخالفات)، يتوجب على القاضي المنفرد الجزائي أن يبت في الدفوع والمسائل التي يثيرها أمامه أطراف الدعوى. كما يتوجب عليه أن يبت في الدعوى العامة وفي الدعوى المدنية إذا كانت قد أقيمت تبعاً للدعوى العامة أو بموجب شكوى مباشرة، وأن يصدر حكمه علناً. كما لا يجوز للقاضي المنفرد الجزائي أن يتطرّق في حكمه الى وقائع لم يدّع بها أو الى أشخاص لم يدع عليهم.
تجدر الإشارة الى أنه يمكن إثبات الجرائم المدعى بها أمام القاضي المنفرد الجزائي بجميع طرق الإثبات ما لم ينص القانون على عكس ذلك. ولا يجوز للقاضي المنفرد الجزائي أن يبني أحكامه على أدلة لم تكن موضوع مناقشة علنية. وإذا تبيّن للقاضي المنفرد الجزائي أن الوقائع التي تحقق منها ذات وصف جنائي فيعلن عدم إختصاصه للنظر فيها ويحيل ملف الدعوى الى النيابة العامة، كما أنه إذا تبيّن له أثناء التحقيق جرائم لم يدع بها أو أشخاص لم يدع عليهم فيحيل ملف الدعوى الى النيابة العامة لتدعي بالأفعال أو في حق الأشخاص تبعاً لإدّعائها الأصلي أو في دعوى مستقلة (م 195 أ.م.ج.). إذا تبيّن للقاضي المنفرد أن الجنحة المدعى بها مكتملة الأركان وأن الأدلة كافية على توافر الصلة السببية بينها وبين فعل المدعى عليه فيثبتها ويحدد المواد القانونية المنطبقة عليها ويحكم بإدانة المدعى عليه وبالعقوبة المنصوص عليها، ويقضي بالتعويضات والإلزامات المدنية كافة للمدعي الشخصي إذا طلبها وتوافرت شروط الحكم بها. إذا كانت العقوبة المحكوم بها من نوع الغرامة أو الحبس مع وقف التنفيذ فيحكم بإطلاق سراح المحكوم عليه إذا كان موقوفاً (م 196 أ.م.ج.).
وكذلك الأمر إذا تبيّن للقاضي المنفرد الجزائي أن الأدلة على إسهام المدعى عليه في إرتكاب الجنحة المدعى بها غير كافية فيحكم بإعلان براءة هذا الأخير ويطلق سراحه فوراً إذا كان موقوفاً. يتوجب عليه أيضاً عند الحكم ببراءة المدعى عليه أن يقضي له على المدعي الشخصي بعطل وضرر إذا طلبه في حال تجاوز المدعي الشخصي حقه في التقاضي (م 197 أ.م.ج. فقرة أولى). أما إذا لم يطلب المدعى عليه تعويضاً عن الضرر اللاحق به أثناء السير في المحاكمة الجزائية وحتى ختامها فيبقى له أن يطلبه أمام المرجع نفسه في دعوى مستقلة خلال مهلة 3 أشهر من تاريخ تبليغه حكم البراءة أو القرار القاضي بتصديقه (م 197 فقرة ثانية).
وهنا نلاحظ أن المادة 197 أ.م.ج. السالفة الذكر قد ميّزت بين البراءة ووقف التعقبات. فالبراءة تُلْفظ إذا كانت الأدلة غير موجودة أو غير كافية ضد المدعى عليه، إنما تكون الجريمة واقعة.
أما وقف التعقبات فتكون كلما ثبت أن الفعل لا يؤلف جرماً أو لا يستوجب عقاباً، أو غير معاقب عليه بالحبس أو أن الصفة الجرمية قد زالت عنه لسبب من أسباب زوالها أو أن الدعوى سقطت لسبب من أسباب السقوط(1).
وأضافت المادة 198 أ.م.ج. أنه: "إذا تبيّن للقاضي المنفرد أن الفعل المدعى به لا يؤلف جرماً جزائياً أو أنه معفى من العقاب أو غير معاقب عليه بالحبس أو أن الصفة الجرمية زالت عنه لسبب من أسباب زوالها أو أن الدعوى سقطت لسبب من أسباب سقوطها فيحكم بإبطال التعقبات في حق المدعى عليه ويطلق سراحه فوراً إذا كان موقوفاً...". هذا كل ما يتعلّق بالأحكام التي يصدرها القاضي المنفرد الجزائي في حالة الجنحة وفقاً لتسلسل المواد الواردة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
أما إذا تبيّن للقاضي المنفرد الجزائي أن الفعل المدلى به أمامه يشكل مخالفة فعلية أن يحكم بها ويقضي أيضاً للمتضرر بالتعويض عن العطل والضرر إذا ما طلب ذلك. وإذا كان المدعى عليه موقوفاً فيتوجب على القاضي المنفرد الجزائي أن يقرر إطلاق سراحه فوراً (م 199 أ.م.ج.). ومن البديهي القول أن القاضي المنفرد الجزائي يحكم بنفقات الدعوى على الفريق الخاسر أي غير المحق بدعواه. وقد أجاز له القانون أن يعفي المدعي الشخصي من كامل النفقات أو من جزء منها إذا تبيّن له أنه كان حسن النية ما لم يكن قد حرّك الدعوى العامة بشكواه المباشرة (م 200 أ.م.ج.).
فقرة رابعة: الأصول الموجزة:
لم يكتف المشرع اللبناني بإعتماد الأصول العادية أمام القاضي المنفرد الجزائي بل تبنّى نظرية الأصول الموجزة وذلك بنصِّه عليها في المواد 203 حتى 206 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. وفي الواقع هناك نوعان من الأصول الموجزة: النوع الأول المسمّى في فرنسا:
‘’Système de la perception directe de l’amende’’ يُسمح لمنظّم المخالفة بإستيفاء الغرامة فوراً والنوع الثاني ‘’Système de l’ordonnance pénale’’ ويسمح للقاضي بالحكم ببعض المخالفات بالإستناد فقط الى المحاضر المنظمة من قبل المأمورين المختصّين(2) وقد إعتمد المشرع اللبناني النوع الثاني دون الأول. والحكمة من الأصول الموجزة أن العقوبات الصادرة بشأنها ليست هامة وأن إجراءاتها تقتضي السرعة والإبتعاد عن المماطلة. وقد تحدّث المشرع اللبناني عن الحالات التي تطبق فيها الأصول الموجزة وإجراءاتها (بند أول)، وطرق المراجعة بشأنها (بند ثاني).
بند أوّل: الحالات التي تطبّق فيها الأصول الموجزة وإجراءاتها:
تطبّق الأصول الموجزة على مخالفة الأنظمة البلدية والصحية وأنظمة السير سواء أكانت تستوجب عقوبة تكديرية أو جنحية. عند وقوع مخالفة للأنظمة المذكورة يرسل محضر الضبط الذي يثبتها الى القاضي المنفرد الذي يحكم بالعقوبة التي يستوجبها الفعل قانوناً دون دعوة المدعى عليه، ويتوجب على القاضي أن يصدر حكمه في مهلة 10 أيام ما لم يوجب القانون مدة أقصر (م 203 أ.م.ج.).
تعتبر الوقائع التي يثبتها محضر الضبط صحيحة الاّ إذا تبيّن أن ثمة مخالفة للأصول في تنظيمه. على القاضي أن يصف الوقائع ويحدّد النصوص القانونية المنطبقة عليها وينزل العقوبة بالمدعى عليه. يمكن للقاضي المنفرد الإمتناع عن الحكم بالعقوبة إذا تبيّن له أن الفعل المسند الى المدعى عليه لا يؤلف جرماً أو معفى كلياً من العقاب، أو أنه غير صالح للنظر في المخالفة، أو أن دعوى الحق العام قد سقطت لسبب ما...
1- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – طبعة 2013 – صادر ناشرون – ص 719.
2- د. فيلومين نصر: "أصول المحاكمات الجزائية" – طبعة 2013 – مرجع سابق – ص 731.
وإذا قرر القاضي المنفرد عدم صلاحيته يتوجب عليه إحالة الملف إدارياً الى القاضي المنفرد المختصّ. (م 204 أ.م.ج.). ولكن هل أن الحكم الصادر على طريقة الأصول الموجزة لا يقبل الطعن؟
بند ثاني: طرق المراجعة بشأن الأصول الموجزة:
لقد رأينا أنه وفقاً للأصول العادية تتم المحاكمة بحضور المدعى عليه وأحياناً بغيابه وفقاً للحالات التي سمح فيها المشرّع ذلك. ولكن وفقاً للأصول الموجزة إن المحاكمة تتم بغياب المدعى عليه، لذلك أجاز المشرع الإعتراض على الأحكام الصادرة وفقاً لهذه الأصول فنصّت المادة 205 أ.م.ج. على أنه: "يعتبر القرار الذي يصدره القاضي المنفرد في إحدى المخالفات المذكورة نافذاً ما لم يتقدّم المحكوم عليه، في مهلة عشرة أيام من تاريخ إبلاغه إياه، بإعتراض عليه وفقاً للأصول العادية. للنائب العام أن يعترض على القرار بمهلة عشرة أيام من تاريخ صدوره وفقاً للأصول العادية. إذا قضي برد الإعتراض شكلاً فيحكم بزيادة العقوبة المحكوم بها بمقدار نصفها كحدّ أقصى". ويقصد بالأصول العادية أن الإعتراض يقدم أمام القاضي المنفرد الجزائي الذي ينظر فيه في جلسة علنية وبالتالي لم يعد مقبولاً الإعتراض بتصريح يدوَّن على سند التبليغ كما كان الأمر في قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم (1).
تجدر الإشارة الى أنه في الدعاوى المقرونة بصفة الإدّعاء الشخصي لا يمكن اللجوء فيها الى تطبيق الأصول الموجزة (م 206 أ.م.ج.). بعد أن يصبح الحكم نهائياً ومبرماً، إما لإنقضاء مدة الإعتراض وإما لرجوع المعترض عن إعتراضه وإما لردّ الإعتراض، يرسل الكاتب خلاصة عن الحكم مذيلة بعبارة "صالح للتنفيذ" الى النيابة العامة في مهلة خمسة أيام من إنبرام الحكم. إذا لم يراع الكاتب أحكام هذه المادة فيغرّم، بموجب قرار يصدر عن القاضي المنفرد، بمبلغ يتراوح بين مائة ألف وخمسمائة ألف ليرة. هذا بإختصار كل ما يتعلّق بالأصول الموجزة التي يمكن إعتمادها أمام القاضي المنفرد الجزائي والتي تختلف عن الأصول العادية لجهة السرعة وعدم حضور المدعى عليه وعدم أهمية العقوبات الصادرة بشأنها وكونها تجد الحلول لهذه المخالفات بسهولة أكبر وأفضل من الأصول العادية. يبقى أن نقول فيما يتعلّق بالطعون بأحكام القاضي المنفرد الجزائي الصادرة وفقاً للأصول العادية أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد لم يعد يسمح بالإعتراض الاّ على الأحكام الصادرة بالصورة الغيابية بوجه المدعى عليه وحده من دون المدعي الشخصي أو المسؤول بالمال أو الضامن ولو حصلت محاكمة هؤلاء أو قد تمت بالصورة الغيابية (2).
كما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أجاز إستئناف أحكام وقرارات القاضي المنفرد الجزائي أمام محكمة إستئناف الجنح (الفصل الثاني).
الفصل الثاني: محكمة إستئناف الجنح والمخالفات:
إحتراماً لمبدأ التقاضي على درجتين الذي يعتبر العامود الفِقَري في القوانين الجزائية، كرَّس المشرع اللبناني حق إستئناف الأحكام والقرارات التي يسطرها القاضي المنفرد الجزائي. فأعطى من جهة بعض الفرقاء ممارسة حق الإستئناف (فقرة أولى)، وحدَّد من جهة أخرى الأحكام والقرارات التي يمكن إستئنافها (فقرة ثانية)، بالمقابل فرض المشرع جملة من الشروط لقبول الإستئناف ونظَّمَ إجراءات تقديمه (فقرة ثالثة) وأشار الى مفاعيل الإستئناف (فقرة رابعة).
1- لطفاً تراجع المادة 186 أصول محاكمات جزائية قديم.
2- تراجع المواد 171 حتى 174 أصول محاكمات جزائية لفهم أصول الإعتراض على الأحكام الغيابية الصادرة عن القاضي المنفرد الجزائي.
فقرة أولى: من يحق له الإستئناف؟
أعطى المشرع كل من المدعى عليه والمسؤول بالمال والضامن والمدعي الشخصي والنيابة العامة الإستئنافية والنيابة العامة التمييزية حق إستئناف الأحكام التي يصدرها القاضي المنفرد الجزائي. فللمدعى عليه المحكوم عليه، أن يستأنف الحكم البدائي الصادر عن القاضي المنفرد الجزائي، سواء لجهة قضائه بالعقوبة أو بالتعويض. كما له الحق بإستئناف الحكم القاضي ببراءته إذا ألزمه بدفع كلّ أو بعض النفقات القضائية وكذلك الأمر الحكم الذي قضى له بالتعويض عن تجاوز المدعي حقه في الإدّعاء (م 208 أ.م.ج.).
كما أنه يحق للمسؤول بالمال أو الضامن أن يستأنف الحكم الذي ألزمه بالتضامن مع المدعى عليه المقضي بإدانته، بالتعويض على المدعي الشخصي. له أن يستأنف وحده هذا الحكم ولو رضخ له المدعى عليه. في هذه الحالة الأخيرة يستفيد وحده من إستئنافه (م 209 أ.م.ج.). وكذلك للمدعي الشخصي أن يستأنف الشق من الحكم المتعلّق بالدعوى المدنية. إذا كانت الدعوى المدنية قد رُدت تبعاً لحكم البراءة فله أن يستأنف الحكم القاضي بردّها ولو إنبرم حكم البراءة لعدم إستئناف النيابة العامة (م 210 فقرة أولى أ.م.ج.) كما له أن يستأنف الفقرة من الحكم القاضية بإلزامه بتعويض المدعى عليه (م 210 فقرة ثانية). وأضافت المادة 211 أ.م.ج أنه يحق للنيابة العامة الإستئنافية أن تستأنف الأحكام لجهة ما تعلق منها بالدعوى العامة. وللنيابة العامة التمييزية أن تطلب خطياً من النيابة العامة الإستئنافية إستئناف حكم بدائي قضى ببراءة المدعى عليه أو بإبطال التعقبات في حقه أو بإسقاط دعوى الحق العام عنه أو بإعلان عدم إختصاص المحكمة للنظر في الدعوى (م 211 أ.م.ج. فقرة ثانية).
فقرة ثانية: ما هي الأحكام والقرارات التي يجوز إستئنافها؟
إن جميع الأحكام الصادرة في القضايا الجنحية تكون قابلة للإستئناف سواء صدرت بالصورة الوجاهية أو بمثابة الوجاهي شرط أن تكون قد فصلت في أساس النزاع، لا يَصُح إستئنافها الاّ مع الحكم النهائي. بالمقابل لا تقبل الإستئناف الأحكام الصادرة في المخالفات الاّ إذا قضت:
- بالحبس أو التوقيف التكديري أو بغرامة تزيد على 500 ألف ليرة.
- بعقوبة إضافية أو فرعية أو بتعويضات شخصية تزيد على 500 ألف ليرة.
- برد دفع من الدفوع المنصوص عليها في المادة 73 أ.م.ج.
- بعقوبة لمخالفة متلازمة مع جنحة (م 212 أ.م.ج.).
تجدر الإشارة الى أن هناك فئة من القرارات تصدر عن القاضي المنفرد وتقبل الإستئناف رغم فصلها في أساس النزاع وهي القرارات التي تبت في دفع أو أكثر من الدفوع المنصوص عليها في المادة 73 أ.م.ج. وقرارات إخلاء السبيل والقرارات التي ينهي بها القاضي المنفرد الجزائي الدعوى دون التعرّض لأساس النزاع (م 213 أ.م.ج.).
فقرة ثالثة: شروط الإستئناف وأصول تقديمه:
تحدّث المشرّع اللبناني عن الشروط الشكلية لقبول الإستئناف في المواد 214 حتى 218 أصول جزائية جديد. ووفقاً لمنطوق هذه المواد يشترط لقبول الإستئناف أن يكون قد قُدِّم ضمن المهلة القانونية المنصوص عنها في المادة 214 أ.م.ج. أي مهلة 15 يوم للفرقاء (المدعي الشخصي والمدعى عليه والمسؤول بالمال والضامن) ومهلة شهر واحد للنيابة العامة. كما يشترط أن يكون الإستئناف موقَّعاً من محامٍ بالإستئناف التابع لها القاضي الذي أصدر الحكم المستأنف. والإستئناف إما أن يقدَّم بواسطة محامٍ بالإستئناف وإما بواسطة القاضي الذي أصدر الحكم موضوع الإستئناف وفي هذه الحالة الأخيرة يتوجب على القاضي المنفرد أن يرسل الإستئناف مع ملف الدعوى الى محكمة الإستئناف في مهلة 3 أيام من تاريخ تقديمه (م 218 أ.م.ج.).
فقرة رابعة: مفاعيل الإستئناف:
لا فائدة من إستئناف بدون مفاعيل، لذلك من البديهي القول أن للإستئناف مفاعيل عديدة أهمها المفعول الموقف والمفعول الناشر. وقد تبنّى المشرع اللبناني هذه المفاعيل بنصوص واضحة وصريحة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. فالمادة 219 أ.م.ج. نصّت على أنه: "لا يجوز تنفيذ الحكم البدائي قبل إنقضاء مهلة الإستئناف ولا قبل البت فيه عند إستئنافه. إن الإستئناف يوقف تنفيذ الحكم المستأنف، غير أن ما يقرّره القاضي المنفرد من سلفة مؤقتة من أصل التعويض للمدعي الشخصي يكون معجّل التنفيذ ما لم تقرر محكمة الإستئناف خلاف ذلك في إطار النظر في الحكم البدائي المستأنف. تبقى مذكرة التوقيف التي أصدرها القاضي المنفرد سنداً للمادة 193 من هذا القانون نافذة ما لم تقرر محكمة الإستئناف تخلية سبيل الموقوف". وهذا يعني أن المبدأ هو المفعول الموقف للإستئناف بحيث لا ينفذ الحكم البدائي المستأنف قبل البت بالإستئناف ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك في الحالات التي أجازها القانون.
أما المفعول الناشر للإستئناف فيعني أنه يحق لمحكمة الإستئناف أن تنشر الدعوى أمامها ورؤيتها مجدّداً والحكم بأساسها بعد أن تكون قبلت الإستئناف في الشكل بحيث يمكن لها أن تحكم إما بتصديق الحكم الإبتدائي المستأنف برمّته وإما بتعديله لبعض جهاته وتصديقه لجهات أخرى وإما فسخه برمته والحكم مجدّداً بما يخالفه (1).
ولقد نصّت المادة 220 أ.م.ج. على: "إن إستئناف النائب العام ينشر الدعوى العامة برمّتها لدى محكمة الإستئناف ما لم يرد على جهة منها فيقتصر مفعوله عليها. أما الإستئناف الذي يقدّمه المدعى عليه فيربط محكمة الإستئناف في حدود ما وقع عليه الإستئناف من الحكم المستأنف. ليس لمحكمة الإستئناف أن تنظر في وقائع جديدة من شأنها أن تشكل جرائم ولم تعرض على القاضي المنفرد الذي أصدر الحكم المستأنف". بالمقابل إذا إستأنف المدعى عليه الحكم الإبتدائي دون باقي الأطراف فلا يجوز لمحكمة الإستئناف أن تزيد العقوبة التي حكم عليه بها أو التعويضات المحكوم بها لصالح المدعي الشخصي (م 221 أ.م.ج.).
كما أن إستئناف المدعي الشخصي وحده ينشر أمام محكمة الإستئناف الشق المتعلّق بالتعويضات الشخصية كونه الفريق المدني في الدعوى العامة. كما لا يجوز لمحكمة الإستئناف أن تخفض في التعويضات المحكوم له بها (م 222 أ.م.ج.).
الفصل الثالث: محكمة الجنايات: Le cour criminelle
الى جانب محكمة إستئناف الجنح تبنّى المشرِّع اللبناني نظام "محكمة إستئناف الجنايات" وهي محكمة تتألّف من رئيس ومستشارين وتنعقد بحضور النائب العام أو المحامي العام والكاتب. تضع محكمة الجنايات يدها على الدعوى العامة بموجب قرار إتّهام مشفوع بإدّعاء النيابة العامة. تختص محكمة الجنايات بالنظر في الجرائم ذات الوصف الجنائي وفي الجنح المتلازمة معها. لا يجوز لها أن تنظر في أيّ فعل جرمي لم يتناوله قرار الإتّهام أو ان تحاكم شخصاً لم يتّهم فيه. أعطاها القانون حق تغيير الوصف القانوني للأفعال موضوع قرار الإتّهام (م 223 أ.م.ج).
وتكريساً لمبدأ إستقلالية قضاء الحكم عن قضاء التحقيق وقضاء الإدّعاء حظر المشرّع من أن يشترك في تشكيل محكمة الجنايات كل من سبق له أن مارس في الدعوى عملاً من أعمال الملاحقة أو التحقيق أو كان عضواً في الهيئة الإتّهامية التي سطّرت قرار الإتّهام فيها (م 234 أ.م.ج.). والاّ أدّى ذلك الى نقض الحكم الصادر عنها بحجة أنه صدر عن هيئة لم تشكّل وفقاً لأحكام القانون (م 296 فقرة (1) أ.م.ج.).
1- د. حاتم ماضي: "قانون أصول المحاكمات الجزائية" – صادر ناشرون – طبعة 2002 - ص 378.
فقرة أولى: الأعمال الممهّدة للمحاكمة أمام محكمة الجنايات:
هناك إجراءات تسبق المحاكمة أمام محكمة الجنايات وتمهّد لها بحيث أنه بعد أن تصدر الهيئة الإتّهامية قرار الإتّهام فإنّها تحيل الملف الى النيابة العامة. وهنا يبرز دور كل من النيابة العامة ورئيس محمكة الجنايات لجهة القيام بمعاملات وإجراءات أساسية لتحضير وإعداد الدعوى كما سنرى تباعاً.
البند الأول: دور النيابة العامة:
نصّت المادة 236 أ.م.ج على أنه: "يعد النائب العام قائمة بشهود الحق العام ويتولى تبليغ المتهم صورة عنها وعن قرار الإتهام. بعد إنجاز معاملة التبليغ ترسل النيابة العامة ملف الدعوى الى محكمة الجنايات بعد أن تأمر بإحضار المتّهم الموقوف الى محلّ التوقيف الكائن لديها. إن المحاكمة التي تجري دون التثبّت من تبليغ المتهم قرار الإتهام ولائحة شهود الحق العام تكون، والحكم الصادر بنتيجتها، عرضة للإبطال". وهذا يعني أنه يتوجّب على النيابة العامة إبلاغ قائمة شهود الحق العام “La liste de témoins” الى المتهم لأن من شأن ذلك تمكينه من تهيئة دفاعه بشكل سليم وبالتالي لقد قُضِيَ أن عدم تبليغ المتهم لائحة شهود الحق العام يشكل خرقاً لحق من حقوق الدفاع الذي منحه القانون لكل متّهم دون إستثناء(1).
بالإضافة الى لائحة شهود الحق العام هناك ما يسمى بلائحة شهود الدفاع التي يسمّيها المتهم ويطلب إبلاغها لكل من النائب العام والمدعي الشخصي. ولا شيء يمنع المدعي الشخصي من تسمية شهود والمطالبة بإبلاغهم الى المتهم، وهذا ما يُفهم من أحكام المادة 244 أ.م.ج التي نصّت على أنه: "لفرقاء الدعوى، قبل البدء بالمحاكمة وفي خلالها، أن يطلبوا شهوداً يسمونهم. يجب إبلاغ النائب العام والمدعي الشخصي لائحة بأسماء الشهود الذين يسميهم المتهم قبل 24 ساعة على الأقل من موعد سماعهم. كما يجب إبلاغ المتهم لائحة بأسماء الشهود الذين يسمّيهم المدعي الشخصي أو النائب العام في المهلة عينها...". بالإضافة الى هذا الدور الريادي الذي تلعبه النيابة العامة هناك دور أساسي يقوم به رئيس محكمة الجنايات.
البند الثاني: دور رئيس المحكمة:
يلعب رئيس محكمة الجنايات دوراً رئيسيّاً في إعداد الدعوى وتحضيرها للمناقشة وقد أعطاه قانون أصول المحاكمات الجزائية صلاحيّات واسعة في هذا الإطار تبدأ بالإستجواب الى إستماع الشهود والتحقيقات الإضافية وجمع الأدلّة وصولاً الى النطق بالحكم سواء كانت المحاكمة وجاهية أو غيابية.
إن أوّل عمل تمهيدي يقوم به رئيس محكمة الجنايات هو إستجواب المتّهم بعد إحضاره اليه وقبل جلسة المحاكمة، كما قد يكلِّف أحد مستشاريه القيام بذلك. وإذا لم يكن المتهم موقوفاً فيصدر رئيس المحكمة قرار مهل في حقّه يدعوه فيه الى تسليم نفسه خلال 24 ساعة من بدء المحاكمة. إذا سلّم نفسه ضمن المهلة المذكورة فإنه يبقى موقوفاً حتى صدور قرار بتخلية سبيله. إذا امتنع المتهم عن تسليم نفسه بدون عذر مقبول فيعتبر فاراً من وجه العدالة وتنفّذ بحقّه مذكّرة إلقاء القبض الصادرة بحقّه (م 237 أم.ج.). إن الإستجواب الذي يجريه رئيس محكمة الجنايات يتضمّن سؤال المتّهم عمّا إذا كان قد تبلّغ قرار الإتّهام ولائحة شهود الحق العام وعين محامياً لمعاونته في المحاكمة، كما يتضمّن الإستفسار عن وضعه الإجتماعي وملاحظاته على التهمة الموجهة ضدّه وعلى التحقيقات التي أجريت معه.
تجدر الإشارة الى أنه إذا لم يعيّن المتهم محامياً للدفاع عنه فلرئيس المحكمة أو المستشار المنتدب أن يطلب من نقيب المحامين تعيين محامٍ يتولّى الدفاع عنه خلال 24 ساعة من وقت إبلاغه أو أن يتولّى تعيينه بنفسه. يوقّع محضر الإستجواب التمهيدي من قبل الرئيس أو المستشار المنتدب والمتهم والكاتب (م 238 أ.م.ج.).
1- محكمة التمييز الجزائية – الغرفة الرابعة – قرار رقم 72 تاريخ 13/03/1961 – مجلة العدل لعام 1970 ص 183.
فقرة ثانية: المحاكمة أمام محكمة الجنايات:
يقصد بالمحاكمة أمام محكمة الجنايات المحاكمة التي تحصل بالصورة الوجاهية لأن هناك نوع آخر من المحاكمات تتم بالصورة الغيابية بحيث أن هناك أصول خاصة بمحاكمة المتهم الفار من وجه العدالة ستكون موضوع الفقرة الثالثة من هذا الفصل. تجدر الإشارة الى أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أعطى رئيس محكمة الجنايات دوراً ريادياً وسلطة إستنسابية واسعة في بعض الأمور والحديث عن المحاكمة وأعمالها مكرَّس في المواد 239 حتى 281 أ.م.ج.
ويمكن إختصار أعمال المحاكمة بمرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى وهي مرحلة الإجراءات الشكلية (البند الأوَّل) والمرحلة الثانية وهي مرحلة الحكم (البند الثاني).
البند الأوّل: الإجراءات الشكلية:
ثمّة مجموعة من الإجراءات الشكلية des formalités يقتضي مراعاتها أمام محكمة الجنايات وقد تحدث عنها المشرع اللبناني تحت عنوان: "أعمال المحاكمة" ويمكن إختصارها بما يلي:
1- يقرر رئيس محكمة الجنايات تحديد موعد المحاكمة ودعوة المدعي الشخصي والشهود اليها ويصدر قرار مهل لكي يسلّم المتهم نفسه الى المحكمة خلال 24 ساعة قبل بدء المحاكمة (م242 أ.م.ج).
2- تجري المحاكمة لدى محكمة الجنايات بصورة علنية ما لم يقرر الرئيس إجراءها بصورة سرية حفاظاً على الأمن أو الأخلاق العامة (م 249 أ.م.ج).
3- تجري المحاكمة لدى محكمة الجنايات بصورة شفاهية ويمكن للرئيس أن يأمر تسجيلها بالصورة الصوتية أو البصرية (م 250 أ.م.ج).
4- يَمثُل المتهم أمام المحكمة دون قيد ولكن تحت حراسة قوى الأمن خشية فراره. ويسأله رئيس المحكمة عن سيرته الذاتية وعمّا إذا كان قد كلَّف محامياّ للدفاع عنه. لا تجري المحاكمة في غياب محامي المتهم وإذا لم يعين المتهم محامياً له فلرئيس المحكمة أن يطلب من نقيب المحامين تكليف أيّ محامٍ للدفاع عنه فتجري محاكمته بدون محامٍ (م 251 أ.م.ج).
5- بعد أن ينبّه رئيس المحكمة المتهم الى ضرورة الإصغاء جيّداً الى الوقائع التي سيقوم بتلاوتها أو يكلّف أحد مستشاريه بذلك، لا يمكن للمدعي الشخصي أو للمتهم أو لممثّل النيابة العامة أن يقاطع تلاوة قرار الإتهام. بعد ذلك يعمد رئيس المحكمة الى تلخيص الوقائع و الأدلّة والوصف القانوني، ثم يكرر المدعي الشخصي مآل إدّعائه ويدلي بمطالبه أو يتنازل عن حقوقه، وبعد ذلك يوضح ممثل النيابة العامة أسباب الإتهام ويقدم لائحة شهود الحق العام (م 252 أ.م.ج).
6- قبل أن يستجوب رئيس المحكمة المتهم يأمر بإدخال الشهود الى الغرفة المعدّة لهم حيث يتولى بعض عناصر قوى الأمن حراستهم فيها ومنعهم من الإفصاح عما سيدلون به في إفاداتهم، ثم يباشر الرئيس بسؤال المتهم عما إذا كان يعترف بالتهمة المسندة اليه، فإذا إلتزم الصمت فلا يجوز إكراهه على الكلام. وفي حالة المرض يمكن الإستعانة بالخبرة الطبية لتبيان حقيقة الأمر(1). وبعد الإنتهاء من إستجواب المتهم يحق لكل من مستشاري المحكمة والمدعي الشخصي وممثل النيابة العامة ووكيل الدفاع أن يطرح عليه الأسئلة بواسطة الرئيس الذي يتمتع بحق ردّ كل سؤال يراه غير مُجدٍ أو منتج في كشف الحقيقة (م 253 أ.م.ج).
1- يقصد بذلك المرض الجسدي والنفسي والعقلي وغيرها كما يطال الأمر حالة الأبكم والأصم ومن لا يفهم سوى بلغة الإشارة.
7- بعد الإنتهاء من إستجواب المتهم يستدعي الرئيس كلاً من الشهود ليؤدّي شهادته بمعزل عن الباقيين ثم يحلفه يمين الشهادة (1) وفقاً للصيغة المحددة قانوناً تحت طائلة بطلان الإفادة ويستثنى من ذلك الحالة التي يعفي فيها الرئيس الشاهد من أداء اليمين إذا كان ينتمي الى مذهب يمنع عليه أداءها.
8- المبدأ أنه لا تُقبل شهادة أقارب المتهم (الأصول والفروع والإخوة والأصهر والزوج ولو بعد الطلاق والقاصر دون الثامنة عشرة من عمره والمخبر بأجر...) إلاّ أنه يمكن الإستماع اليهم على سبيل المعلومات (م 256 أ.م.ج).
9- عند التباين بين شهادة الشاهد وبين أقواله في التحقيق الأولي أو الإبتدائي يمكن توقيفه تلقائياً من قبل الرئيس أو بناءً لطلب المدعي الشخصي أو النيابة العامة أو المتهم ويدَّعى عليه بجرم شهادة الزور (م 261 أ.م.ج).
10- إذا تبيّن أن الشاهد لم يحلف اليمين قبل أن يدلي بشهادته فلرئيس المحكمة أن يستدعيه ثانية ويحلّفه اليمين في جلسة علنية ويسأله عما إذا كان يؤيّد شهادته السابقة. إن أيّدها فيكون للمحكمة أن تعتمدها في حكمها (م 266 أ.م.ج).
11- بعد أن تنتهي المحكمة من الإستماع الى الشهود وجمع الأدلّة ووضعها قيد المناقشة تعطي الكلام للمدعي الشخصي فيبدي مطالبه.
ثمّ يترافع ممثل النيابة العامة ويدلي بما يراه من أدلة وحجج وينتهي الى تحديد مطالبه. بعدها يتولى وكيل الدفاع المرافعة عن موكّله ويحدّد مطالبه أيضاً. ثمّ تستمع المحكمة الى الكلام الأخير للمتهم وتقرر ختم المحاكمة (la clôture de débat). ولكل من المدعي الشخصي وممثّل النيابة العامة والمتهم أن يطلب، بعد ختام المحاكمة، فتحها مجدّداً بعد أن يدلي بالأسباب التي تؤيّد طلبه. تقرر المحكمة إجابة الطلب إذا بدا لها جدّيّاً وحريّاً بالقبول أو أنه يتضمّن أسباباً هامة تستوجب المناقشة مجدّداً (م 270 و 271 أ.م.ج).
البند الثاني: الحكم:
نصّت المادة 272 أ.م.ج. على انه: "بعد أن يعلن رئيس المحكمة ختام المحاكمة يختلي ومستشاريه فقط في غرفة المذاكرة ويتداولون في الدعوى ويدقّقون في قرار الإتّهام وفي التحقيق النهائي الذي أجرته المحكمة وفي الأوراق والمحاضر المضمومة الى ملف الدعوى وفي مطالب المدعي الشخصي ومرافعة ممثّل النيابة العامة ومرافعة وكيل المتهم والكلام الأخير للمتهم. ثمّ تتذاكر المحكمة في كل ما دقّقت فيه وتصدر حكمها في اليوم عينه أو في مهلة أقصاها عشرة أيام بإجماع الآراء أو بغالبيّتها موقعاً من الرئيس والمستشارين والكاتب. إن إغفال أحد أعضاء المحكمة التوقيع على الحكم يعرضه للإبطال. إذا خالف الحكم أحد أعضاء المحكمة فيدوّن مخالفته ويوقّعها". وهذا يعني أن ختام المحاكمة هو نقطة الصفر التي تنطلق منها المحكمة للتذاكر وتعطي حكمها في القضية، فإذا ثبت لها وقوع الفعل وإنطبق عليه الوصف الجزائي وتوافرت الأدلّة بحق المتهم فتجرمه وتحدّد العقوبة المناسبة وتحكم بالتعويضات الشخصية إذا طلبها المدعي كما قد تحكم بالمصادرة أو ببعض التدابير الإحترازية.
أما إذا وجدت أن الأدلّة غير كافية لتجريم المتهم فتعلن براءته. وإذا وجدت أن الفعل المسند الى المتهم لا يؤلف جريمة أو لا يستوجب عقاباً فتأمر عندها بكف التعقّبات بحقّه. وكذلك الأمر إذا وجدت أن الفعل المثار أمامها لا يشكّل جناية بل جنحة فقط فعندها تعدل الوصف الوارد في قرار الإتّهام وتحكم بالجنحة عملاً بالقاعدة الكلية: من يستطيع الأكثر يستطيع الأقل: .”Qui peut le plus peut le moins”
1- تكون يمين الشهادة كالتالي: "أقسم بالله العظيم بأن أشهد بالحق كلّ الحق ولا شيء غير الحق".
فقرة ثالثة: محاكمة الفار من وجه العدالة:
إذا مَثُلَ المتهم أمام محكمة الجنايات جرت محاكمته بالصورة الوجاهية ولكن في كثير من الحالات يتعذّر مثوله كونه متوارياً عن الأنظار أو لم يحضر الى جلسة محاكمة عادية بعد إخلاء سبيله أو أنه لم يمتثل لقرار المهل الصادر بحقّه عن محكمة الجنايات.
بناءً عليه هناك حالات يعتبر فيها المتهم فاراً من وجه العدالة (بند أوّل) بحيث أنه هناك مجموعة من الإجراءات الخاصة لمحاكمته نصّت عليها قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد (بند ثاني).
البند الأوّل: حالات إعتبار المتهم فاراً من وجه العدالة:
نصَّ المشرّع اللبناني على هذه الحالات في مواد متفرّقة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد وهي حتماً مستوفاة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الفرنسي تحت عنوان .“Le contumax” فنقرأ مثلاً ما ورد في المادة 242 أ.م.ج التي نصّت على أن: "يقرّر رئيس محكمة الجنايات تحديد موعد المحاكمة ودعوة المدعي الشخصي والشهود إليها كما يصدر قرار مهل يُمهل بموجبه المتهم الذي أخلي سبيله في التحقيق الإبتدائي ليسلّم نفسه الى المحكمة خلال أربع وعشرين ساعة قبل بدء المحاكمة... إذا سلّم نفسه ضمن المهلة فيحاكم وجاهاً وتنفّذ مذكرة إلقاء القبض في حقّه. إذا لم يفعل فيحاكم غيابياً وتطبّق في حقّه الأصول الخاصة بمحاكمة الفار من وجه العدالة". وهذا يعني أن هذا النص ينطبق على كل من كان موقوفاً وأُخلي سبيله أثناء التحقيق الإبتدائي.
كما نقرأ أيضاً عن الحالة التي يكون فيها الشخص موقوفاً حتى وصوله الى محكمة الجنايات فتقوم هذه الأخيرة وتقرّر إخلاء سبيله بحيث أنه إذا تخلّف عن جلسة ما دون عذر مقبول فيعتبر فاراً من وجه العدالة وتطبّق في حقه الأصول الخاصة بمحاكمة الفار من وجه العدالة وهذا ما أفتت به المادة 243 أ.م.ج. والمُلفت للنظر هنا أنه عندما تخلي محكمة الجنايات سبيل المتهم قبل الفصل في موضوع النزاع لا يمكن لأي فريق الطعن بإخلاء السبيل، بينما عندما يقرر قاضي التحقيق إخلاء السبيل في مرحلة التحقيق الإبتدائي فإنه يمكن إستئنافه من قبل النيابة العامة والمدعي الشخصي...
وهناك حالة وردت في المادتين 282 و 283 أ.م.ج ومفادها أنه إذا ما قرّرت الهيئة الإتّهامية إتّهام شخص فتصدر بحقه مذكرة إلقاء قبض بحيث تتولى النيابة العامة تبليغها من المتهم وتحيل ملف الدعوى الى محكمة الجنايات، وعند ورود الملف الى هذه المحكمة يعين رئيسها جلسة ويصدر قرار مهل يسلم المتهم نفسه خلال 24 ساعة قبل بدء المحاكمة وإذا تمنّع المتهم عن تسليم نفسه فتقرر المحكمة محاكمته غيابياً وتصدر بحقه مذكرة إلقاء قبض وتعتبره فاراً من وجه العدالة. ففي هذه الحالة الأخيرة لا يكون الشخص قد ألقي القبض عليه ثمّ أخلي سبيله كما هو الوضع في الحالتين السابقتين أعلاه.
بالإضافة الى ذلك تقضي المحكمة بتجريده من حقوقه المدنية وبمنعه من التصرّف بأمواله ومن إقامة أي دعوى لا تتعلّق بأحواله الشخصية طيلة مدة فراره. ولا بدّ من التذكير أن أصول محاكمة الفار من وجه العدالة هي أصول خاصة وإستثنائية لا تطبق الاّ في الجناية دون الجنحة لأنه يشترط لتطبيقها صدور قرار إتّهام وهو لا يصدر الاّ إذا كنا أمام جناية وليس جنحة. يبقى أن نشير الى الإجراءات الخاصة التي إعتمدها المشرع حيال محاكمة المتهم الفار من وجه العدالة (البند الثاني).
البند الثاني: الإجراءات الخاصة بمحاكمة المتهم الفار من وجه العدالة:
هناك إجراءات خاصة لمحاكمة المتهم الفار من وجه العدالة وردت في نصوص متفرّقة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد. فالمادة 286 نصّت على انه: "بعد أن تقرّر المحكمة محاكمة المتهم بالصورة الغيابية يأمر الرئيس بتلاوة قرار الإتهام وسند تبليغ قرار المهل والمحضر الذي يثبت نشره وتعليقه. ثم تستمع لأقوال المدعي الشخصي ولمرافعة ممثّل النيابة العامة وتختم المحاكمة".
والمادة 287 أضافت أنه: "تحكم المحكمة، بعد تكوين قناعتها، إما بتبرئة المتهم أو بتجريمه وبإنزال العقوبة به وبتأكيد وضع أمواله الثابتة والمنقولة بإدارة القيِّم الذي تعيّنه إن لم يكن معيناً أثناء المحاكمة وتؤكد فيه إصرارها على تنفيذ مذكرة إلقاء القبض في حقه. يبقى المتهم محروماً من حقوقه المدنية منذ تاريخ صدور الحكم وحتى سقوط العقوبة المحكوم بها بمرور الزمن أو تسليم نفسه أو وفاته". كما تتولى النيابة العامة نشر خلاصة الحكم في الجريدة الرسمية وفي إحدى الصحف اليومية المحلية خلال 8 أيام من تاريخ صدوره. تعلّق صورة عنها على باب سكن المتهم الأخير وأخرى في ساحة بلدته وثالثة على باب قاعة محكمة الجنايات. كما تبلغ هذه الخلاصة الى أمين السجل العقاري (م 288 أ.م.ج).
تجدر الإشارة الى أنه إذا وجدت محكمة الجنايات أن التحقيقات غير كافية لتجريم المتهم الفار من وجه العدالة فتكلِّف أحد أعضائها للقيام بتحقيق إضافي وفقاً للأصول العادية، يضم الى ملف الدعوى ثم تصدر حكماً في القضية. إذا تبيّن لها أن الأدلّة غير كافية في حق المتهم فتحكم بإعلان براءته أو بكف التعقبات عنه إذا رأت أن الفعل الذي إتّهم به لا يؤلف جريمة أو لا يستوجب عقاباً، أو بعدم مسؤوليته إذا تأكّدت من أنه يستفيد من سبب من أسباب التبرير. لها أيضاً أن تعدل في وصف الفعل، موضوع قرار الإتهام، فتعتبره جنحة وتفصل في الدعوى وتقضي عليه بعقوبة جنحية (م 290 أ.م.ج).
من مفاعيل الحكم القاضي بتجريم المتهم الفار بجناية أنه لا يقبل الإعتراض ولا الطعن فيه أمام محكمة التمييز. أما إذا كان الحكم قد قضى بوصف الفعل بجنحة عندها يمكن للمحكوم عليه الإعتراض وفقاً للأصول المتّبعة أمام محكمة إستئناف الجنح. كما أعطي المحكوم عليه الذي يعفى من العقاب في جناية ويلزم بالتعويض الشخصي أن يعترض على الحكم لناحية إلزامه بالتعويض ضمن فترة 15 يوم من تاريخ إبلاغه إياه (م 291 أ.م.ج).
يبقى ان نضيف أنه إذا سلم المحكوم عليه الفار نفسه أو قُبِضَ عليه قبل سقوط العقوبة المحكوم بها بمرور الزمن فتقرّر المحكمة إعلان سقوط الحكم الغيابي الصادر في حقّه وسائر المعاملات التي أجرتها إعتباراً من تاريخ وضع يدها على الدعوى. وتقرّر محاكمة المتهم وفقاً للأصول العادية (1). بعد الإنتهاء من دراسة محكمة الجنايات ولو بإختصار شديد ننتقل لرؤية محكمة التمييز الجزائية كمرحلة أساسية من مراحل الدعوى الجزائية.
الفصل الرابع: محكمة التمييز الجزائية:
تعتبر محكمة التمييز رأس الهرم في المحاكم العدلية ومركزها في بيروت وهي تتألف من عدد من الغرف، وتتكون كل غرفة من رئيس ومستشارين وكاتب تمثّل النيابة العامة التمييزية لدى الغرفة الجزائية من محكمة التمييز. وفي الواقع إن طرق الطعن تقسم الى فئتين: طرق طعن عادية وهي الإعتراض والإستئناف وطرق طعن غير عادية وهي التمييز وإعادة المحاكمة.
إن التمييز كطرق طعن غير عادية تتطلّب إجراءات شكلية لا بدّ من توافرها (فقرة أولى)، كما أن للتمييز أسباب تختلف بين الجنايات والجنح والمخالفات وبين القرارات الصادرة عن الهيئة الإتّهامية (فقرة ثانية)، بالإضافة الى أن المشرع قد أولى محكمة التمييز إختصاص النظر ببعض الحالات المحددة قصراً في القانون (فقرة ثالثة).
فقرة أولى: الإجراءات والشروط المتعلقة بطلب التمييز:
أفرد المشرع اللبناني فصلاً خاصاً للحديث عن الإجراءات والشروط المتعلقة بطلب التمييز وذلك في المواد 211 حتى 326 ضمناً من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، وبالتالي إن هذه الإجراءات هي شكلية بإمتياز بحيث أنه يرد طلب التمييز شكلاً إذا لم تراع هذه الإجراءات أو بحيث أنه يرد طلب التمييز شكلاً إذا لم تراع هذه الإجراءات أو الشروط وفيما يلي ملخّص لأهم هذه الإجراءات:
1- لطفاً تراجع المادة 236 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
1- لا يحق لمن لم يكن فريقاً في الدعوى الجزائية أن يطلب نقض الحكم أو القرار الصادر فيها. ويجب أن يكون لطالب التمييز صفة ومصلحة في طلبه تحت طائلة عدم قبوله (م 312 أ.م.ج).
2- إن من يحق له طلب التمييز هو النيابة العامة (التمييزية والإستئنافية والمالية) والمدعي الشخصي والمحكوم عليه والمسؤول بالمال والضامن. ومن البديهي القول أن طعن النيابة العامة ينصب على الشق المتعلّق بالدعوى العامة وطعن المحكوم عليه يقع على ما حُكِم به من عقوبة وتعويضات شخصية ونفقات، أما المدعي الشخصي فينحصر طعنه بالشق المتعلّق بالدعوى المدنية من الحكم، وبالنسبة للمسؤول بالمال والضامن فلهم حق الطعن بكل ما يلزمهم بتعويضات شخصية (م 313 أ.م.ج).
3- إن مهلة النقض أو التمييز تختلف باختلاف الجهة التي تقدمت به وبالتالي فهي 15 يوم من تاريخ صدور القرار أو الحكم بالنسبة لكل من المحكوم عليه والمدعي الشخصي والمسؤول بالمال والضامن. وهي شهر واحد بالنسبة للنيابة العامة المالية والإستئنافية من تاريخ صدور القرار أو الحكم. أما النيابة العامة التمييزية فالمهلة هي شهرين فقط تسري بالنسبة لها من تاريخ صدور القرار أو الحكم (م 316 أ.م.ج).
4- تجدر الإشارة الى أن الحكم الغيابي الصادر في حق المتهم الفار من وجه العدالة لا يقبل النقض. أما الحكم الغيابي الصادر عن محكمة إستئناف الجنح فهو يقبل النقض وتختلف المهلة هنا فيما إذا كان الحكم وجاهياً أم غيابياً (م 316 أ.م.ج).
5- إذا قدِّم طلب التمييز الى قلم محكمة التمييز مباشرة فتطلب هذه الأخيرة إيداعها الملف بواسطة النيابة العامة التمييزية. أما إذا قدِّم الطلب الى قلم المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه فيتوجب عليها أن تحيله وملف الدعوى الى النيابة العامة لديها خلال 15 يوم على الأكثر من تاريخ تقديمه لتودعه النيابة العامة التمييزية والتي بدورها تحيله الى محكمة التمييز (م 317 أ.م.ج).
6- يشترط في طلب التمييز تحت طائلة ردّه شكلاً توفّر عدة شروط مجتمعة وهي التالية:
- أن يتضمن أسماء المتداعين وإسم المحكمة التي أصدرت الحكم والحكم المطلوب نقضه وأسباب التمييز.
- أن يكون موقعاً من محامٍ بالإستئناف ومرفقاً بصورة عن الوكالة وصورة عن الحكم أو القرار المطلوب تمييزه وإيصالاً بإيداع صندوق الخزينة تأميناً بقيمة 200 ألف ليرة. ولا بدّ من الإشارة الى أن النيابة العامة تعفى من إبراز صورة عن الحكم أو القرار المطعون فيه وتعفى أيضاً من رسم التأمين والرسوم القضائية.
7- أعطى القانون طالب التمييز حق التقدّم خلال 5 أيام تلي مهلة النقض بمذكرة يفصِّل فيها أسباب النقض التي أدلى بها ولكن دون إعطائه حق تضمينها أسباباً جديدة.
8- يسجّل طلب التمييز في سجل خاص بحيث يعطى كلّ فريق في الدعوى حق الإطّلاع عليه وأخذ صورةً طبق الأصل عنه.
9- يُرد التأمين الى مقدّم الطلب إذا قبل طلبه أو إذا رجع عنه قبل البتّ فيه ويصادر لمصلحة الخزينة إذا تقرر طلب النقض. ويعفى المدعي الشخصي أو المحكوم عليه من رسم التأمين في القضايا الجنائية، كما يعفى منه في القضايا الجنحية إذا أبرز شهادة فقر حال (م 319 أ.م.ج).
10- يُبَلَّغ المطلوب النقض ضدّه صورة عن الطلب ومربوطاته وصورة عن المذكرة التوضيحية خلال 3 أيام من تاريخ تقديم كل منهما وله أن يقدم ملاحظاته وطلباته في مهلة 10 أيام من تاريخ تبليغه (م 320 أ.م.ج).
11- بعد أن تقبل محكمة التمييز طلب النقض المستوفي للشروط الشكلية السليمة تكون أمام خيارين: إما أن تنقض القرار المطعون فيه أي تفسخه وتقرّر إجراء المحاكمة مجدّداً في جلسة علنية للنظر في الدعوى والحكم في أساسها متبعة نفس الأصول المعتمدة لدى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه. وإما أن ترد الطعن أي تبرم الحكم أو القرار المطعون فيه وتصادر مبلغ التأمين وتلزم مقدم الطلب بغرامة تتراوح بين 200 ألف ومليون ليرة إذا ما تجاوز أو أساء حقه في التقاضي (م 321 أ.م.ج).
12- إذا قضت محكمة التمييز برد طلب النقض شكلاً أو أساساً فينظّم كاتب المحكمة خلاصة هذا القرار ويوقّعها رئيس المحكمة ويحيلها خلال 3 أيام من تاريخ صدوره على النيابة العامة التمييزية التي تودعها النيابة العامة الإستئنافية لدى المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه لتنفيذها (م 325 أ.م.ج).
13- لا تقبل قرارات محكمة التمييز أي طريق من طرق المراجعة. إن دراسة محكمة التمييز الجزائية لا تقتصر على الإجراءات والشروط المفروضة للتمييز أمامها بل تتعداها الى معرفة الأسباب التي يُبنى عليها طلب التمييز.
فقرة ثانية: أسباب التمييز:
قسَّم المشرع أسباب التمييز أمام محكمة التمييز الى ثلاثة أقسام وذلك في ثلاثة فصول متتابعة في قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد، وبالتالي خصص الفصل الأوَّل لدراسة أسباب تمييز الأحكام الصادرة في القضايا الجنائية (البند الأوَّل) وعالج أسباب التمييز في قضايا الجنح والمخالفات في فصل ثاني (البند الثاني) وأفرد فصلاً ثالثاً يتعلّق بأسباب تمييز القرارات الصادرة عن الهيئة الإتّهامية (البند الثالث). ومن البديهي القول أن أسباب التمييز هي أسباب قانونية لأن محكمة التمييز هي محكمة قانون وليس وقائع ولأن هذه الأخيرة متروكة لقضاء الأساس.
البند الأوَّل: أسباب تمييز الأحكام الصادرة في القضايا الجنائية:
ذكرت المادة 296 أ.م.ج. عشر حالات من شأن توافر أحدها أن يجعل الحكم الصادر عن محكمة الجنايات قابلاً للتمييز، وهذه الحالات محصورة فقط بالأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات دون غيرها، فما هي هذه الحالات:
· الحالة الأولى: صدور الحكم عن هيئة لم تشكل وفقاً لأحكام القانون بحيث أن هناك نصوص قانونية كثيرة تحدّثت عن كيفية تشكيل محكمة الجنايات كالمادة 233 أ.م .ج والمادة 234 أ.م.ج ونصوص أخرى أشارت الى ضرورة عدم الجمع بين عضوية محكمة الجنايات ووظائف قضائية أخرى كالمادة 52 أ.م.ج والمادة 235 أ.م.ج. وبالتالي إن عدم مراعاة النصوص القانونية المشار اليها أعلاه لجهة تشكيل محكمة الجنايات من شأنه أن يجعل الأحكام الصادرة عنها عرضة للطعن أمام محكمة التمييز.
· الحالة الثانية: مخالفة القانون أو الخطأ في تفسيره أو في تطبيقه بحيث أنه من واجبات المحكمة الأساسية هو حسن تطبيق القانون وعدم مخالفة النصوص القانونية وتفسيرها بشكل صحيح عند تطبيقها على الوقائع المعروضة أمامها فمثلاً إذا لم يراع الحكم موضوع الطعن قوة القضية المقضية أو أنه أهمل البحث في أركان الجريمة فعندها يكون عرضة للطعن به امام محكمة النقض على أساس مخالفة للقانون.
· الحالة الثالثة: مخالفة قواعد الإختصاص على أساس أن قواعد الإختصاص النوعي والمكاني والشخصي هي قواعد تتعلّق بالنظام العام وبالتالي يمكن إثارتها في جميع المراحل ولو لأوَّل مرة أمام محكمة التمييز، حتى أنه يتوجب على محكمة التمييز أن تثيرها من تلقاء نفسها. ولقد أحسن المشرع اللبناني بجعله مخالفة قواعد الإختصاص أو الصلاحية سبباً من أسباب تمييز الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات والتي لم تراع قواعد الإختصاص بأنواعها الثلاثة.
· الحالة الرابعة: إغفال الأصول المفروضة تحت طائلة الإبطال أو الإخلال بالقواعد الجوهرية في المحاكمة على إعتبار أن هناك الكثير من القواعد الشكلية التي فرضها القانون أثناء المحاكمة أمام محكمة الجنايات ونذكر على سبيل المثال وليس الحصر جواز إخلاء سبيل المتهم دون إستطلاع رأي النيابة العامة (م 243 أ.م.ج) وعدم إجراء المحاكمة بغياب محامي المتهم (م 251 أ.م.ج)...
· الحالة الخامسة: الحكم بفعل جرمي لم يتناوله قرار الإتهام أو في حق شخص لم يتّهم فيه وهذا تكريساً لما ورد في المادة 233 أ.م.ج التي نصَّت على أنه: "... تنظر المحكمة (محكمة الجنايات) في الجرائم ذات الوصف الجنائي وفي الجنح المتلازمة معها. لا يجوز لها أن تنظر في أي فعل جرمي لم يتناوله قرار الإتّهام أو أن تحاكم شخصاً لم يتّهم فيه. لها أن تغير الوصف القانوني للأفعال موضوع قرار الإتّهام". بمعنى آخر نستنتج من ذلك أن محكمة الجنايات تضع يدها على الدعوى العامة بصورة موضوعية لجهة عدم تناولها جرائم لم تذكر في قرار الإتّهام، وبصورة شخصية لجهة عدم التكلّم عن أشخاص لم يأت قرار الإتّهام على ذكرهم.
· الحالة السادسة: عدم البتّ في دفع أو سبب دفاع أو طلب تقدّم به أحد فرقاء الدعوى أو الحكم بأكثر مما طلب بحيث أنه وفقاً لأحكام المادة 243 أ.م.ج أعطيت محكمة الجنايات حق إتّخاذ بعض القرارات قبل الفصل في موضوع الدعوى ومنها القرار الذي يبت في دفع أو أكثر من الدفوع الشكلية التي يدلي بها فرقاء الدعوى والقرار الذي يبت في أسباب الدفاع الموضوعية. وصحيح أنه لا يجوز طلب تمييز القرارات التمهيدية أو السابقة للقرار أو للحكم النهائي الاّ أن هناك إستثناء ورد في المادة 311 أ.م.ج لجهة قبول تمييز القرارات أو الأحكام التي تفصل في دفع أو أكثر من الدفوع الشكلية الواردة في المادة 73 أ.م.ج. ومن المعلوم أنه يتوجب على المحكمة أن تحكم بما هو مطلوب وفقط ما هو مطلوب وبالتالي لا يجوز لمحكمة الجنايات أن تغفل البت بأحد المطالب التي يتقدم بها الخصوم تحت طائلة تعريض حكمها للإبطال أمام محكمة التمييز(1).
· الحالة السابعة: عدم تعليل الحكم أو التناقض بين تعليله وبين الفقرة الحكمية أو التناقض في الفقرة الحكمية ذاتها، فالمادة 274 أ.م.ج أوجبت في فقرتها الأخيرة أنه يتوجب أن يكون الحكم الصادر عن محكمة الجنايات معلّلاً تعليلاً كافياً لا لبس فيه ولا غموض ولا تناقض، وهذا أمر منطقي بحيث يسمح للمحكمة العليا أي محكمة التمييز أن تراقب محكمة الجنايات من خلال معرفة مدى إنطباق الحلّ الذي توصلت اليه في حكمها على الوقائع المثارة أمامها.
· الحالة الثامنة: تشويه الوقائع أو المضمون الواضح للمستندات المبرزة في ملف الدعوى، وهذا يعني أنه يحظر على محكمة الجنايات أن تستند على وقائع ومعطيات ليس لها أي علاقة بالقضية المطروحة أمامها أو أن تستنتج معطيات لا أساس لها في النزاع أو تعتمد على مستندات غير موجودة في ملف الدعوى والاّ كان حكمها عرضة للإبطال عن طريق الطعن به أمام محكمة التمييز.
· الحالة التاسعة: فقدان الأساس القانوني أي الأساس الذي بني عليه حكم محكمة الجنايات، ونحن نرى بأن أي حكم يصدر عن محكمة الجنايات يجب أن يراعي الأصول الجوهرية المفروضة قانوناً وهي كثيرة فمثلاً تعتبر معاملة الإستجواب التمهيدي المذكورة في المادة 258 أ.م.ج معاملة جوهرية مفروضة لحسن سير العدالة وبالتالي إن مخالفتها يؤدي الى فقدان الأساس القانوني للمحاكمة ويكون الحكم عرضة للإبطال أمام محكمة التمييز...
· الحالة العاشرة: الأحكام القاضية بالإعدام بحيث أنه بمجرّد أن تلفظ محكمة الجنايات في طيّات حكمها عقوبة الإعدام يكون قابلاً للتمييز دون ضرورة توفر أسباب خاصة بذلك.
ومن المفيد القول أن المشرع قد أعطى كل من النيابة العامة والمحكوم عليه أن يطعن بأحكام محكمة الجنايات أمام محكمة التمييز وفقاً للأسباب الواردة في المادة 296 أ.م.ج السالفة الشرح وبالتالي إذا نقضت محكمة التمييز الحكم فعندها تنشر الدعوى العامة أمامها وتُتَّبع في المحاكمة الأصول المعتمدة لدى محكمة الجنايات حتى تفصل في الدعوى. كما أن المشرع حصر مفعول طلب النقض المقدَّم من المدعي الشخصي بالشق المدني من الحكم أو القرار المطعون فيه وأعطاه حق الطعن بما قضى به الحكم من تعويضات شخصية تقل عما طلبه.
البند الثاني: أسباب التمييز في قضايا الجنح والمخالفات:
لقد ميَّز المشرع اللبناني بين أسباب التمييز الصادرة في القضايا الجنائية وتلك الصادرة في القضايا الجنحية والمخالفات، ففي هذه الحالة الأخيرة، من البديهي القول أننا أمام أحكام تصدر عن محكمة إستئناف الجنح وليس محكمة الجنايات كما هو الشأن في الحالة الأولى. ولقد إشترطت المادة 302 أ.م.ج توفُّر أحد الشروط لقبول النقض في قضايا الجنح وهي التالية:
1- راجع المادة 274 في فقرتها ما قبل الأخيرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
1- صدور الحكم عن هيئة لم تشكل وفقاً لأحكام القانون.
2- إذا كان الحكم المطعون فيه متعلّق بموضوع الصلاحية.
3- إذا كان الحكم المطعون فيه قاضياً بسقوط الحق العام بمرور الزمن أو بالعفو العام أو بقوة القضية المقضية.
4- إذا توافرت إحدى الحالات المنصوص عنها في المادة 296 أ.م.ج أي إحدى حالات أو أسباب التمييز في القضايا الجنائية ولكن بشرط توافر الإختلاف في الوصف القانوني للفعل بين قضاة الدرجة الأولى وقضاة الدرجة الثانية.
أما فيما يتعلّق بالمخالفات فإن المادة 303 أ.م.ج أعطت النيابة العامة دون غيرها حق طلب تمييز القرارات الصادرة عن محكمة الإستئناف في المخالفات لجهة الوصف القانوني المعطى لها إذا إعتبرت أنها ذات وصف جنحي. ولا يحق لمن يطعن في قرار إستئنافي أن يدلي بأسباب تخرج عن مضمون هذا القرار أو عن نطاق المحاكمة التي أفضت الى صدوره (م 134 أ.م.ج). كما لا يجوز لمحكمة التمييز أن تقرّر وقف تنفيذ قرار قاضي بعقوبة جنحية أو بمخالفة الاّ إذا نقضته (م 305 أ.م.ج).
البند الثالث: أسباب تمييز القرارات الصادرة عن الهيئة الإتّهامية:
كرًّر المشرع نفس الشروط المطلوبة لقبول التمييز في قضايا الجنح والمخالفات عندما عدَّد أسباب تمييز القرارات الصادرة عن الهيئة الإتّهامية(1) وهذه الأسباب أو الشروط المشتركة هي التالية:
1- أن يكون القرار صادراً عن هيئة مشكلة خلافاً للقانون.
2- أن يكون القرار متعلّقاً بالصلاحية.
3- أن يكون القرار قاضياً بسقوط الدعوى العامة بمرور الزمن أو بالعفو العام أو بسبب قوة القضية المقضية.
وطبعاً يشترط هنا تحقق أحد الأسباب الثلاثة التالية لقبول طلب تمييز القرارات الصادرة عن الهيئة الإتهامية، ولكن هل أن هذه الأسباب هي وحدها المشروطة؟ الجواب جاء على لسان المادة 306 أ.م.ج التي أضافت شروطاً أخرى أو أسباباً أخرى لقبول التمييز مشترطة للأخذ بها إختلاف الوصف القانوني للفعل بين قاضي التحقيق والهيئة الإتهامية. وفي الواقع لقد ذكرت المادة 306 خمسة أسباب يكتفى توفر أحدها وهي التالية:
1- مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه.
2- إغفال الأصول المفروضة تحت طائلة الإبطال أو الإخلال بالقواعد الجوهرية في التحقيق.
3- تشويه الوقائع أو المضمون الواضح للمستندات المبرزة في ملف الدعوى.
4- عدم البت في دفع أو سبب من أسباب الدفاع أو في طلب تقدم به أحد الفرقاء في الدعوى.
5- فقدان الأساس القانوني أو النقص في التعليل.
وقد أعطى المشرع المدعي الشخصي حق الطعن في القرار الإتّهامي القاضي بعدم قبول دعواه الشخصية لعلة إنتفاء صفته للإدّعاء، كما أعطى كل من المدعي الشخصي والنيابة العامة حق الطعن في القرارات القاضية بمنع المحاكمة عن المدعى عليه. وفي هاتين الحالتين يمكن الطعن بالقرار الإتّهامي دون إشتراط توافر أسباب أخرى كتلك المذكورة أعلاه.
1- تراجع أحكام المادة 302 أ.م.ج.
تجدر الإشارة الى أنه لا يحق للمتهم الفار من وجه العدالة أن يطعن في قرار الإتهام الاّ بعد أن يسلم نفسه (م 308 أ.م.ج). بعد الإنتهاء من دراسة أسباب التمييز بمختلف فئاتها ننتقل لدراسة إختصاص محكمة التمييز في الفقرة الثالثة من هذا الفصل.
إنّ القضاء الجزائي العادي ليس الطريق الوحيد المعتمد من قبل سلطات الحكم بل هناك القضاء الجزائي الإستثنائي الذي سيكون محور الباب الثاني من القسم الرابع.
الباب الثاني: القضاء الإستثنائي: Les juridictions d’exception
المبدأ والأصل هو إعطاء الولاية الشاملة في القضايا الجزائية الى القضاء الجزائي العادي بإعتبار أن القانون قد منح هذه المحاكم العادية صلاحية النظر في جميع الدعاوى الجزائية بغض النظر عن نوع الجريمة وطبيعتها وصفة مرتكبيها. ولكن لكل مبدأ أو قاعدة عامة إستثناء وهذا يعني أنه في بعض الحالات أوجب المشرع ملاحقة ومحاكمة بعض الجرائم المحددة حصراً أمام محاكم جزائية إستثنائية(1) وذلك بموجب قوانين خاصة تجيز ذلك لأننا أمام إستثناء على القاعدة العامة وهذا يعني أن إختصاص المحاكم الجزائية الإستثنائية هو محصور في قضايا معيّنة ومحدّدة حصراً(2).
وهكذا سنحاول في هذا الباب الحديث بإختصار شديد عن أهم المحاكم الإستثنائية المعمول بها في لبنان والتي نصّت عليها قوانين خاصة نظراً لخصوصية الجرائم التي تنظر فيها. من هذه المحاكم المجلس الأعلى لمحاكمة رئيس الجمهورية والوزراء (الفصل الأول) والمجلس العدلي (الفصل الثاني) والمحاكم العسكرية (الفصل الثالث) وأخيراً محكمة الأحداث (الفصل الرابع). تجدر الإشارة الى أن هناك محاكم إستثنائية أخرى لا مجال للحديث عنها كالمحكمة الناظرة في القضايا الجمركية والمحكمة الناظرة في قضايا الإحتكار والغش والأسعار ومحكمة المطبوعات وغيرها.
الفصل الأول: المجلس الأعلى لمحاكمة رئيس الجمهورية والوزراء: La haute cour de justice
كما تدل عليه تسميته يهدف هذا المجلس الى محاكمة رئيس الجمهورية عن جرائم خرق الدستور والخيانة العظمى والجرائم العادية أيضاً وهذا ما يستمد من أحكام المادة 60 من الدستور اللبناني. كما يهدف أيضاً الى محاكمة رؤساء الحكومة والوزراء عن جريمة الخيانة العظمى والجرائم المتعلقة بإخلالهم بواجبات الوظيفة كما ينهض من أحكام المادة 70 من الدستور.
ويتألف المجلس الأعلى من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة حسب درجات التسلسل القضائي أو بإعتبار الأقدمية إذا تساوت درجاتهم، ويجتمعون تحت رئاسة أرفع هؤلاء القضاة رتبة وتصدر قرارات التجريم عن المجلس الأعلى بغالبية عشرة أصوات. وتحدّد أصول المحاكمات لديه بموجب قانون خاص. (م 80 من الدستور). وبالفعل صدر قانون أصول المحاكمة أمام المجلس الأعلى المنصوص عنه في المادة 80 من الدستور المشار إليها أعلاه وقد حمل الرقم 13 تاريخ 18/08/1990 وهو يتألف من خمسون مادة تتراوح بين تكوين المجلس أي مما يتألف وسلطات الإتّهام والتحقيق لديه وأصول المحاكمة وكيفية صدور الأحكام عنه.
1- لقد تمّ إدخال مادة جديدة بعنوان: "المحاكم الجزائية الإستثنائية" أو القانون الجزائي المتخصص في مرحلة الماستر -1- في برنامج الحقوق وفقاً لنظام ال LMD الجديد.
2- W. Jeandidier: “les juridictions d’exception dans la france contemporaine” – J.C.P. 1985. I. P. 3173.
وفقاً لأحكام القانون رقم 13/1990 يتألف المجلس الأعلى من خمسة عشر عضواً (ثمانية من أعلى القضاة العدليين تعينهم محكمة التمييز بجميع غرفها وسبعة من النواب ينتخبهم المجلس النيابي). (م 1 من القانون 13/90).
يتولى الإدّعاء العام لدى المجلس الأعلى أحد القضاء الذين تعيّنهم محكمة التمييز (م 2 من القانون 13/90).
يفصل المجلس الأعلى بالغالبية المطلقة من أعضائه وبالإقتراع السرّي في طلبات التنحّي والردّ (م 8 من القانون 13/90).
تناط حصراً بالمجلس النيابي سلطة إتّهام رئيس الجمهورية ورؤساء الحكومة والوزراء في الحالات المحددة في الدستور، ويقدم طلب الإتّهام بموجب عريضة يوقع عليها خمس أعضاء المجلس النيابي على الأقل (م 18 + 19 من القانون 13/90).
يمكن للمجلس النيابي أن يقرر بالأكثرية المطلقة إما إحالة الشخص المطلوب إتّهامه الى لجنة نيابية خاصة تسمى "لجنة تحقيق" وإما أن يرد طلب الإتهام (م 22 من القانون 3/90).
يحظر أن يكون أحد أعضاء المجلس الأعلى المنتخبين عضواً في لجنة التحقيق التي تقوم بدور سلطة التحقيق وتتبع إجراءات التحقيق المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات الجزائية (م 23 + 27 من القانون 13/90).
عند الإنتهاء من التحقيق تحيل لجنة التحقيق تقريرها الى المجلس النيابي الذي يجتمع لدرسه والتصويت عليه بحيث يشترط الحصول على ثلثي أعضاء المجلس النيابي لصدور قرار الإتّهام (م 34 من القانون 13/90).
فور إحالة قرار الإتّهام أمام المجلس الأعلى يتوجب على هذا الأخير أن يفصل في القضية خلال مدة شهر من تاريخ تبلّغه الإحالة وهذه المدة قابلة للتجديد لمدة واحدة (م 36 من القانون 13/90).
تكون المحاكمة لدى المجلس الأعلى علنية الاّ إذا قرّر المجلس إجراءها بصورة سرية وتتبع فيها أصول المحاكمة المقررة لدى محكمة الجنايات ويبقى المتهم أمام المجلس الأعلى حرّاً طليقاً حتى صدور القرار النهائي (م 39 من القانون 13/90).
يبت المجلس الأعلى بعد ختام المحاكمة في ثبوت التهمة ويتم التصويت فيما يتعلق بكل متهم على حدة وبشأن كل تهمة من التهم، ويجري التصويت بموجب ورقة سرية. لا يمكن تجريم المتهم الاّ بغالبية عشرة أصوات (م 41 من القانون 13/90).
لا تقبل قرارات المجلس الأعلى الإستئناف ولا التمييز غير أنها تقبل إعادة المحاكمة وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية(1). كما تطبق أمام المجلس الأعلى الأصول المتعلقة بمحاكمة المتهم الفار من وجه العدالة (م 45 + 46 من القانون 13/90).
لا يقبل أمام المجلس الأعلى إتّخاذ صفة الإدّعاء الشخصي، تقدّم دعاوى طلب التعويض عن الأضرار المسببة عن الجرائم التي ينظر فيها المجلس الأعلى أمام المحاكم العادية (م 47 من القانون 13/90).
الفصل الثاني: المجلس العدلي: La cour de justice
نظراً لأهمية وإنعكاسات بعض الجرائم التي تمس أمن الدولة بكل فروعها وعدم قدرة المحاكم العادية على معالجتها والبت فيها بسرعة وفعالية، عمدت غالبية دول العالم الى إنشاء هيئة خاصة لمعالجة هذه الجرائم الخطيرة إختلفت تسميتها بين دولة وأخرى.
1- لطفاً تراجع المواد 328 حتى 334 أصول محاكمات جزائية.
ففي فرنسا يسمى المجلس العدلي بمحكمة أمن الدولة “La cour de sûreté de l’Etat” ، وقد تمّ إنشاؤها بموجب القانون الصادر بتاريخ 15/01/1963 على أثر حرب الجزائر التي خاضتها قوات الجيش الفرنسي ضد الثورة الجزائرية، الاّ أنها ألغيت فيما بعد بالقانون الصادر عام 1981 إبّان عهد الرئيس الراحل فرنسوا متيران، وذلك كونها كانت تشكل إنتهاكاً لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وخاصة حقوق الدفاع وقاعدة إستقلال المحاكم الجزائية بإعتبار أن هذا النوع من المحاكم كان يخضع للسلطة السياسية والأمنية في ذلك الوقت(1).
أما في لبنان فيعتبر المجلس العدلي من أهم المحاكم الجزائية الإستثنائية وذلك نظراً لأهمية وخطورة الجرائم التي ينظر فيها. وقد تمّ إنشاؤه بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم الصادر بتاريخ 18/09/1948. كما أن قانون أصول المحاكمات الجديد رقم 328 تاريخ 02/08/2001 قد أفرد باباً خاصاً للمجلس العدلي (من المادة 355 حتى المادة 376 ضمناً). فالمادة 357 أ.م.ج نصّت على انه: "يؤلف المجلس العدلي من الرئيس الأوّل لمحكمة التمييز رئيساً ومن أربعة قضاة من محكمة التمييز أعضاء يعينون بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على إقتراح وزير العدل وموافقة مجلس القضاء الأعلى. يعين في المرسوم قاضٍ إضافي أو أكثر ليحلّ محل الأصيل في حال وفاته أو تنحيته أو ردّه أو إنتهاء خدمته. يمثّل النيابة العامة لدى المجلس العدلي النائب العام التمييزي أو من ينيبه عنه من معاونيه".
وهنا يمكن القول أن هذه المادة لم تراع مبدأ إستقلالية السلطة القضائية التي كرّستها المادة 20 من الدستور، فالسلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء هي صاحبة الكلمة الفصل في مسألة تأليف المجلس العدلي، وإن إشتراط موافقة مجلس القضاء الأعلى لتعيين أعضاء المجلس العدلي لا يشكّل ضمانة كافية تحول دون تعسّف السلطة السياسية في مسألة التعيين، خاصة إذاما أخذنا بعين الإعتبار أن أعضاء مجلس القضاء الأعلى يتم تعيينهم أيضاً من قبل السلطة السياسية وبالتالي قد يكونون أعضاء يدينون بالولاء لها.
كما ان المادة 360 أ.م.ج نصّت على أن: "يتولى النائب العام التمييزي أو من ينيبه عنه من المحامين العامين لدى النيابة العامة التمييزية مهام تحريك الدعوى العامة وإستعمالها. يتولى التحقيق قاضٍ يعيّنه وزير العدل بناءً على موافقة مجلس القضاء الأعلى". فالمحقق العدلي يتم تعيينه أيضاً من قبل وزير العدل وهذا ما يشكّل تدخلاً في شؤون التحقيقات القضائية من قبل السلطة السياسية.
تجدر الإشارة الى أن المجلس العدلي لا يضع يده على الدعوى الناشئة عن الجريمة من تلقاء نفسه، بل لا بدّ من إحالتها إليه بموجب مرسوم إحالة من قبل مجلس الوزراء تستند إليه النيابة العامة التمييزية للإدّعاء لدى المحقق العدلي وهذا ما كرّسته المادة 355 أ.م.ج بقولها: "تحال الدعاوى على المجلس العدلي بناءً على مرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء". وهذا يعني أن مرسوم مجلس الوزراء لا يكفي ليضع المجلس العدلي يده على الدعوى أو الملف بل لا بدّ من ورود إدّعاء من النيابة العامة التمييزية بالجريمة المحالة أمام المحقق العدلي مرفقاً بملف التحقيقات الأولية.
أما فيما يتعلّق بإختصاص المجلس العدلي فإن المادة 356 أ.م.ج قد عددت الجرائم التي تدخل ضمن صلاحياته وهي التالية:
· الجرائم المنصوص عليها في المواد 270 حتى 336 من قانون العقوبات، ويقصد بها الجرائم التي تمسّ بأمن الدولة الخارجي والداخلي وكذلك الجرائم الواقعة على السلامة العامة.
· الجرائم المنصوص عليها في القانون 11/01/1958 وهي تلك المتعلقة بالفتنة والإرهاب وهي تعتبر من فئة الجرائم التي تمسّ أيضاً بأمن الدولة الداخلي.
1- لمزيد من التفصيل لطفاً تراجع مقالة للمؤلف بعنوان: "إستقلالية المجلس العدلي ومبدأ التقاضي على درجتين" – مجلة الحياة النيابية – العدد 63 – تاريخ 2007 – ص 125 وما يليها.
· جميع الجرائم الناتجة عن صفقات الأسلحة والأعتدة التي عقدتها أو تعقدها وزارة الدفاع الوطني والجرائم المرتبطة بها أو المتفرعة عنها، وهنا نلاحظ بأن هذه الجرائم كانت من صلاحية المحكمة العسكرية الاّ أن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أدخلها ضمن صلاحية المجلس العدلي... وفي الواقع إن هذا الأمر مستغرب لأن المنطق يقتضي أن يقلّص المشرع تدريجيّاً من صلاحيات المحاكم الإستثنائية عوضاً أو بدلاً من توسيعها وصولاً الى مرحلة إلغائها كليّاً كما هو الحال في الدول الديمقراطية المتطورة.
في الواقع لا يمكن إتّخاذ صفة الإدّعاء الشخصي أمام المجلس العدلي بهدف تحريك الدعوى العامة كما هو الحال في القضاء الجزائي العادي. ومن المعلوم أن الإدّعاء أمام المجلس العدلي محصور بالنيابة العامة التمييزية وحدها وذلك بعد صدور مرسوم إحالة القضية الى المجلس العدلي من قبل مجلس الوزراء. ولكن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد أجاز للمتضرّر من جرم يدخل ضمن إختصاص المجلس العدلي أن ينضم بدعواه الشخصية الى دعوى الحق العام بعد أن تكون قد حرّكتها النيابة العامة التمييزية وفقاً للأصول (363 أ.م.ج).
أما بالنسبة للمجلس العدلي فهل يمكن الطعن بأحكامه؟
إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي منّا توضيح بعض الأمور تباعاً:
· إن قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد الصادر عام 2001 تضمّن نصّاً هو نص المادة 366 الذي جاء مخالفاً بصورة فاضحة لمبدأ التقاضي على درجتين:
Le principe du double degré de juridiction الذي يعتبر من القواعد الأساسية التي تقوم عليها المحاكمات القضائية بهدف تأمين عدالة مثالية للمتقاضين. فهذا النص قبل تعديله كان يقضي بأن قرارات المجلس العدلي غير قابلة لأي طريق من طرق المراجعة العادية أو الإستثنائية وهذا ما يعتبر كما ذكرنا مخالفاً لأبسط قواعد ومبادئ الأصول الجزائية لأن من شأنه حرمان المحكوم عليه من عرض قضية أمام مرجع قضائي أعلى في حال شعوره بعدم إحقاق الحق من قبل المجلس العدلي، فلو سلّمنا جدلاً أن المجلس العدلي قد قضى بعقوبة الإعدام، فهل يعقل الاّ يترك المجال أمام المحكوم عليه للطعن بهذا الحكم وعرض قضيته أمام مرجع قضائي آخر أعلى درجة؟ وما هو الحلّ إذا ما ظهرت أدلّة جديدة بعد تنفيذ عقوبة الإعدام من شأنها أن تبرئ المحكوم عليه أو تجعله يستفيد من الأسباب المخففة؟
· أمام هذه التساؤلات، ونظراً لكون لبنان يعتمد ويتباهى بنظامه الديمقراطي كانت هناك مطالبات عديدة لتعديل نص المادة 366 أ.م.ج وبالتالي إنشاء مجلس عدلي على أساس درجتين من المحاكمة: درجة أولى تنظر بالنزاع ودرجة ثانية يمكن عرض النزاع عليها للتظلّم إن توفرت شروطه. وكان أبرز هذه المطالبات مشروع القانون الذي تقدّم به النائب المرحوم وليد عيدو والذي ورد في أسبابه الموجبة ما يلي: "حفظت الشرائع كافة، إحترام التقاضي وحقوق المتقاضين بما يؤمن أكبر قدر من العدالة بين البشر. وحرصت دول العالم على وضع قوانين للمحاكمات تمارس من خلال حقوق الدفاع كاملة، بحيث وضعت درجات عدة للمحاكمة في محاولة لنفي أي مكان لخطأ أو تجاوز قضائي. وإتّجهت دول عدّة في العالم لإلغاء المحاكمات التي تتم على درجة واحدة، أيّاً كانت طبيعة المحاكمة، وكذلك نوع الجرم الذي تتم بسببه المحاكمة" (1).
1- د. وسام غياض: "إستقلالية المجلس العدلي ومبدأ التقاضي على درجتين" – مجلة الحياة النيابية –العدد 63 – ص 128
· حيال ذلك أصدر المشرع اللبناني القانون رقم 711 تاريخ 15/12/2005 وفيه قضى بتعديل المواد 328 و 329 و 366 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد(1). وهكذا أصبحت المادة 366 (بعد تعديلها) تنصّ على ما حرفيته: "تجري المحاكمة أمام المجلس العدلي، وجاهية كانت أم غيابية، وفقاً لأصول المحاكمة لدى محكمة الجنايات. يصدر المجلس حكمه وفقاً لأصول المحاكمة لدى محكمة الجنايات. يصدر المجلس حكمه وفقاً للأصول ذاتها. لا تقبل أحكام المجلس العدلي أي طريق من طرق المراجعة العادية وغير العادية بإستثناء الإعتراض وإعادة المحاكمة. إن المجلس العدلي هو المرجع المختص بالنظر في طلب إعادة المحاكمة للأحكام الصادرة عنه". وهكذا أصبح بالإمكان إعادة النظر بالأحكام التي تصدر عن المجلس العدلي إذ لم تعد جميع طرق المراجعة مقفلة أمام المتقاضين أو المحكوم عليهم، بل أصبح هناك طريقان من طرق المراجعة هما الإعتراض وإعادة المحاكمة.
· إن الملاحظة الأولية التي يمكن أن نبديها حيال هذا النص القانوني الجديد هو أن معالجة الخلل الذي ساد نظام التقاضي أمام المجلس العدلي لم تتم بشكل جذري وكامل، فصحيح أن باب المراجعة ضد أحكام المجلس العدلي أصبح ممكناً الاّ أن هذا التعديل الخجول لا يشكل سوى بداية لتصحيح جميع الثغرات التي تعتري آلية تأليف المجلس العدلي والمحاكمة أمامه والأحكام التي تصدر عنه وحقوق المحكومين وما الى ذلك... بالإضافة الى المجلس العدلي هناك المحاكم العسكرية التي تعتبر جزءاً أساسياً من القضاء الجزائي الإستثنائي(2) (الفصل الثالث).
الفصل الثالث: المحاكم العسكرية: Les tribunaux militaries
لقد نُظِّم القضاء العسكري بموجب قانون القضاء العسكري(3) رقم 24 الصادر في 13 نيسان 1968 والذي عُدّلَ أكثر من مرة أهمها التعديل الحاصل في 08/07/1971 وفي 06/12/1975 وفي 30/06/1977. وقد تحدث هذا القانون عن هيكلية القضاء العسكري وصلاحياته وطرق الطعن بالأحكام الصادرة عنه والأصول المعتمدة أمامه. إن المتعارف عليه عالمياً هو إعطاء القضاء العسكري صلاحية ملاحقة ومحاكمة الجرائم المرتكبة من قبل العسكريين أو الواقعة عليهم أثناء فترة الحرب، حتى أن بعض الدول كفرنسا مثلاً ألغت المحاكم العسكرية الدائمة في زمن السلم وبالتالي أناطت صلاحية هذه المحاكم بالقضاء العدلي العادي. أما الوضع في لبنان فإنه يختلف بحيث أعطى القانون رقم 24/1968 المحاكم العسكرية صلاحيات واسعة لجرائم كثيرة سواء حصلت في زمن الحرب أو في زمن السلم، كما أنه يتألف من الأجهزة التالية:
+ محكمة تمييز عسكرية ومركزها في بيروت.
+ محكمة عسكرية دائمة مركزها في بيروت أيضاً.
+ قضاة منفردون عسكريون في المحافظات.
+ مفوض حكومة ومعاونيه.
+ قضاة تحقيق.
1- لطفاً تراجع المادة 328 والمادة 329 أ.م.ج.
2- لقد ألغى هذا القانون قانون العقوبات العسكري الصادر عام 1946 وقانون إنشاء محكمة التمييز العسكرية وجميع القوانين والأنظمة المخالفة له.
3- لطفاً يراجع قانون القضاء العسكري الفرنسي الصادر في 21/تموز/1982.
فمحكمة التمييز العسكرية يترأسها قاضي عدلي وهي تتألف من 4 ضباط من رتبة مقدم وما فوق في الجنايات، أما في الجنح فتتألف من قاضٍ عدلي وضابطين برتبة مقدم وما فوق. وقد أعطاها القانون رقم 24/1968 حق نقض الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية الدائمة في الجنايات وكذلك حق النظر في الخلاف الذي يقع على نقطة قانونية بين المحكمة العسكرية الدائمة والقاضي المنفرد في الجنح، ولا تقبل هذه المحكمة من طرق المراجعة سوى الإعتراض (م 5 من القانون 24/1968). أما المحكمة العسكرية الدائمة فهي تتألف في الجنايات من ضابط برتبة مقدم كرئيس لها وأربعة أعضاء أحدهم قاضٍ عدلي، وفي الجنح الخارجة عن صلاحية القاضي المنفرد العسكري أو عندما تنظر كمرجع إستئنافي لقراراته، فهي تتألف من ضابط برتبة مقدم ومن عضوين أحدهما عدلي. إن الأحكام التي تصدر عنها بالصورة الغيابية تكون قابلة للإعتراض أما الأحكام الوجاهية فتكون قابلة للإستئناف (المادة 6 من القانون 24/1968). وفيما يتعلّق بالقاضي المنفرد العسكري فهو موجود في كلّ محافظة ولقد أجازت المادة 7 من القانون 24/1968 إمكانية تعيينه إما من القضاء العدلي وإما من الضباط المجازين في الحقوق وبرتبة ملازم وما فوق، وأضافت المادة 8 من نفس القانون أن رجال قوى الأمن الداخلي والأمن العام يحاكمون أمام محكمة التمييز العسكرية أو المحكمة العسكرية الدائمة وعند ها يجب أن تشكل المحكمة العسكرية بالتساوي من ضباط الجيش وضباط سلك المدعى عليه. إن القضاء العسكري في لبنان غير محصور فقط بقضاء الحكم بل شأنه شأن القضاء العدلي هناك نيابة عامة وقضاء تحقيق.
فالنيابة العامة العسكرية لدى محكمة التمييز العسكرية محصورة بالمدعي العام التمييزي أو من ينتدبه من معاونيه لهذه الغاية، أما المحكمة العسكرية الدائمة فيقوم بدور النيابة العامة مفوض الحكومة وهو قاضٍ من الدرجة 11 وما فوق ويعاونه قاضٍ أو عدّة قضاة أو ضابط أو عدّة ضباط مجازين في الحقوق على أن لا تقل رتبته عن رتبة نقيب فما فوق وفقاً لأحكام المادة 11 من قانون القضاء العسكري رقم 24/1968. ومن البديهي القول أن مفوّضي الحكومة لدى المحكمة العسكرية ومعاونيهم يخضعون لسلطة النائب العام لدى محكمة التمييز ولمراقبته وهذا ما يستمد من أحكام المادة 13 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
ولقد نصّت المادة 25 من القانون 24/1968 على مسألة حصر صلاحية المحكمة العسكرية من أيّة درجة كانت بدعوى الحق العام دون الحق الشخصي، وهذا يعني أن الإدّعاء الشخصي أمام القضاء العسكري ليس من شأنه تحريك الدعوى العامة كما هو الحال لدى القضاء العدلي، بمعنى آخر أن المتضرّر من جريمة معينة من إختصاص المحاكم العسكرية لا يعتبر طرفاً من أطراف النزاع وَجُلَّ ما في الأمر أن المحكمة العسكرية لها حق إعادة الأشياء المضبوطة الى أصحابها إذا كان القانون لا يوجب مصادرتها والاّ فتصادر لمصلحة الجيش (م 25 من القانون 24/1968).
أما بالنسبة لقضاء التحقيق العسكري فإنه يقوم بوظيفة قاضي التحقيق لدى المحكمة العسكرية قاضٍ أو عدّة قضاة من رتبة قاضي تحقيق في ملاك القضاء العدلي، أو ضابط أو عدّة ضباط من المجازين في الحقوق. إن ما يمكن قوله هنا هو حصر قضاء التحقيق العسكري بدرجة واحدة بعكس ما هو عليه الحال أمام القضاء العدلي، فلا وجود للهيئة الإتّهامية وبالتالي إن قرار الإتّهام يصدر عن قاضي التحقيق العسكري ولا يخضع لثنائية درجات التحقيق المكرسة في الإتفاقات والمواثيق الدولية وفي المادة 128 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد.
أما لجهة طرق المراجعة أمام المحكمة العسكرية فقط أجاز قانون القضاء العسكري رقم 24/1968 إستعمال طرق المراجعة العادية أي الإعتراض والإستئناف وطرق المراجعة الإستئنافية أي التمييز وإعادة المحاكمة(1). يبقى أن نشير الى أن الصلاحية الإقليمية للمحكمة العسكرية الدائمة تشمل جميع الأراضي اللبنانية والأراضي الأجنبية المحتلة من الجيش اللبناني باستثناء المناطق التي تشملها المحاكم العسكرية المؤقتة الخاصة بالقوات المسلحة (م 23 من القانون 24/1968).
بقلم الدكتور وسام غياض
أستاذ محاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية
مجلة الحياة النيابية
سنة 2007 / عدد 63
Cited