Research

Study د. وسام غياض 20/03/2018

قانون العنف الأسري 293/2014 - نقاط الضعف ونقاط القـوة

Author
د. وسام غياض
Published
20/03/2018
Source
Lebanese University

قانون العنف الأسري 293/2014

نقاط الضعف ونقاط القـوة

بقلم الدكتور وسام غياض

أستاذ محاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية

جذب تنظيم أحوال الأسرة و شؤونها إهتمام العديد من الباحثين منذ زمن، في سبيل مفهومها وتأمين الحماية اللازمة لأفرادها ، بصفتها النواة الأساسية في كل مجتمع .

ولما كان العنف الأسري يُشكل أحد أبرز وأخطر الأسباب التي تخل في توازنها وإستقرارها وأمن أفرادها،

ولما كان التقدم الهائل الذي شهدته البشرية في كافة الميادين لم يشفع في تضمحل جرائم العنف الأسري، بل على العكس شهدنا في السنوات الأخيرة إرتفاعاً ملحوظاً ومخيفاً في عددها وبشكل خاص حالات القتل ضد النساء.

لذلك، فقد توجهت عناية الحقوقيين ومختلف فعاليات المجتمع المدني نحو التوعية من مخاطره، و تكثفت الجهود في سبيل إقرار قانون يكفل الحماية الفعلية إزاء العنف الأسري .

وبالفعل فقد تُوجت المساعي المذكورة بأن صدق مجلس النواب اللبناني على مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 4116 تاريخ 8 أيار 2010 الرامي إلى حماية النساء من العنف الأسري، وبالنتيجة أُقر القانون رقم 293 / 2014 إنما بصيغة تشمل بالحماية القانونية "النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري".

ويكاد لا يُخفى على أحد أن إقرار القانون المذكور قد لاقى ردات فعل جد متباينة في أوساط الحقوقيين والجمعيات المعنية. ففي حين رحبت بعض الجهات بإقراره، علت أصوات اخرى ناقدة وأحياناً شاجبة لمضمونه. ولعل ذلك خير دليل على تأرجُح مواد القانون بين الإيجابية التي تضمنتها بعض مواده والنقص الذي شاب مواد أخرى منه، وبعبارة أخرى بين نقاط القوة ونقاط الضعف.

ونظراً لتعدد مواد القانون (23 مادة)، إرتأينا التطرق إلى أربع نقاط أساسية تختصر أهم ما جاء فيه و تشتمل بذاتها على الناحيتين السلبية والإيجابية من أحكامه.

ونتولى تفصيل ذلك في المباحث الأربع ادناه:

المبحث الأول: المفهوم المعتمد للعنف الأسري:

تتنوع التعريفات التي يمكن إعطاؤها للعنف الأسري لأن النظرة إليه كموضوع تختلف من مجال إلى آخر، فهناك النظرة الفلسفية والاجتماعية والنفسية... إلخ. أما ما يهمنا هنا فهي الناحية القانونية التي تعتبر أن العنف الحاصل ضمن الأسرة هو فعل جُرمي يقع تحت طائلة النصوص الجزائية. وبالفعل فقد أعطى المشرع مفهوماً محدداً للعنف الأسري في المادة 2 من ق. 293/2014 وذلك عبر تعريف المصطلحين المكونين له أي الأسرة والعنف وذلك بقوله: "يقصد بالمصطلحات الآتية، أينما وردت في القانون، ما يأتي:

• الأسرة: تشمل أي من الزوجين والأب والأم لأي منهما والأخوة والأخوات والأصول والفروع شرعيين كانوا أم غير شرعيين ومن تجمع بينهم رابطة التبني أو المصاهرة حتى الدرجة الثانية أو الوصاية أو الولاية أو تكفل اليتيم أو زوج الأم أو زوج الأب.

• العنف الأسري: أي فعل أو إمتناع عن فعل أو التهديد بهما يرتكب من أحد أعضاء الأسرة ضد فرد أو أكثر من أفراد الأسرة وفق المفهوم المُبيّن في تعريف الأسرة، يتناول أحد الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ويترتب عنه قتل أو إيذاء جسدي أو نفسي أو جنسي أو إقتصادي." ولعل أول ما يلفت نظر القارئ إعتماد المشرع مفهوم واسع للأسرة بحيث تشمل الأشخاص المذكورين أعلاه من الذكور والإناث، خلافاً للغاية المنشودة في الأساس من القانون والمتمثلة بضرورة إقتصاره على النساء على إعتبار أنهن يُمثلن الفئة الأكثر تعرضاً للعنف في الأسرة. ولا بد لنا هنا من الترحيب بهذه "الشمولية" لأن تخصيص القانون للنساء فقط كان ليقصر الحماية القانونية عليهن على حساب الفئات الأخرى من ضحايا العنف ضمن الأسرة و على وجه التحديد الأطفال من فتية وفتيات على حدٍ سواء.

وبالمقابل ، نجد أن مفهوم العنف – ولئن حمل في طياته أهمية كُبرى لكونه إشتمل كذلك على العنف النفسي و الاقتصادي اللذان لا يقلان خطورة عن العنف الجسدي والعنف الجنسي – قد تمّ الحد من نطاقه بإشتراط المشرع أن "يتناول أحد الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون" أي: دفع القاصر إلى التسول، الحض على الفجور أو الفساد، الدعارة السرية، كسب المعيشة بالاعتماد على دعارة الغير، الزنا، الإيذاء والقتل، وهذا الشرط يستثني تطبيق أحكام القانون 293 / 2014 بالنسبة لجرائم عديدة منصوص عليها في قانون العقوبات ووقوعها جد شائع في الأسرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر : القدح والذم، التشهير، الإغتصاب والإعتداءات الجنسية الأخرى، حجز الحرية، التهديد...

المبحث الثاني: المساواة في التجريم والعقاب بين الرجل والمرأة:

لطالما حكمت العلاقة بين الرجل والمرأة سيما في مجتمعاتنا الشرقية، مفاهيم سلطوية تخضع المرأة إلى سلطة الرجل في كافة جوانب حياتها في إطار علاقة غير متكافئة كان أخطر مفاعيلها سعي الرجل إلى ممارسة سلطته هذه ولو بالعنف.

إلا أن وعي المرأة لحقوقها مؤخراً والمبادرة والسعي إلى تحصيلها بدا يُساهم نوعاً ما في تغيير الثقافة الاجتماعية المبيحة للعنف ضدها.

وبما أن ذلك لا يكتمل إلاّ بإقرار وتفعيل القوانين لحمايتها، فكان القانون 293 /2014 الذي يشكل خطوة كبيرة في مجال مناهضة العنف القائم ضد المرأة، لا لسبب إلاّ لكونها إمرأة، فعلى الرغم من أن القانون المذكور لم يقتصر على حماية النساء إزاء العنف الأسري بل أفاد من أحكامه النساء والرجال في الأسرة على حد سواء، فإنه قد تضمن نصوصاً جد مهمة جاءت تكرس المساواة بين الرجل والمرأة، لجهة التجريم والعقاب، وعلى وجه التحديد فيما يتعلق بالأحكام التي ترعى جرم الزنى و التي كانت تعكس بشكل "فاضح" الجوهر الذكوري للقوانين.

فمن ناحية أولى، كان يشترط لقيام الزنى بحق الرجل وفقاً للمادة 488 ع. قديمة أن يحصل فعل الزنى أي الإتصال الجنسي مع غير الزوجة في منزل الزوجية، أما إذا حصل خارجه فيجب أن يكون الرجل قد إتخذ له خليلة جهاراً في أي مكان، و إلاّ فلا جرم عليه. وكأن المشرع قد يسّر على الرجل ان يتخذ صفة زير النساء فينتقل من إمراة إلى اخرى ويُبّرئ من جرم الزنى. أما المرأة الزانية فيعاقبها عن الزنى ولو زنت مرة واحدة وفي أي مكان كان سنداً للمادة 487 ع. قديمة.

ومن ناحية ثانية، فقد ذهب المشرع أبعد من ذلك في توسيع الهوة القائمة بين النظرة إلى زنى الرجل والنظرة إلى زنى المرأة، بأن جعل عقوبة المراة الزانية (الحبس من 3 أشهر إلى سنتين) تفوق عقوبة الرجل الزاني (الحبس من شهر إلى سنة) عن فعل واحد إرتكباه!

أما اليوم، وبتعديل المواد 487 إلى 489 ع. المتعلقة بأحكام الزنى بموجب م. 3 من ق. 293 / 2014 فقد ألغيت كافة "الفروقات الجزائية" بين الرجل والمرأة فقد تم إخضاعهما لنفس شروط التجريم المتعلقة بالزنى وإتخاذ خليل جهاراً، وكذلك لنفس العقوبة المقررة لكل منهما (الحبس من 3 أشهر إلى سنتين عن الزنى والحبس من شهر إلى سنة عن إتخاذ خليل جهاراً) وكذلك لنفس قواعد الإثبات بوجه شريك وشريكة الزنى.

من جهة أخرى، و بمقابل هذه المساواة الإيجابية المستحدثة، جاء القانون 293 / 2014 مخيباً لآمال العديد من القيمين على الجمعيات المهتمة بحقوق المرأة وذلك لجهة عدم تضمنه لأي نص يُجرم الاغتصاب الزوجي، بل على العكس جاء يُكرس لأول مرة" حقوق الرجل الزوجية في الجماع" بنصه على معاقبة" من أقدم بقصد إستيفائه الحقوق الزوجية في الجماع أو بسببه على ضرب زوجه او إيذائه ..." و " من أقدم على تهديد زوجه ( بقصد الجماع أيضاً أو بسببه...) " ( ف . 7 – م.3 من القانون )، وفي ذلك تحوير جلي لمفهوم العنف ومحاولة للتهرب من تكريس نص فانوني صريح يجرم الاغتصاب الزوجي.

المبحث الثالث : الأصول الإجرائية الخاصة بجرائم العنف الأسري:

من البديهي أن جرائم العنف الأسري لا تختلف عن غيرها من الجرائم المنصوص عليها في ق.ع من حيث خضوعها للأصول المتعلقة بالملاحقة والتحقيق والمحاكمة وفقاً لقانون أ م ج، مع ذلك فقد تضمن ق. 293 /2014 بعض القواعد الإجرائية التي إقتضتها طبيعة تلك الجرائم بحيث تكون منطبقة عليها دون سواها.

ومن أبرز تلك الاجراءات تعيين نائب عام إستئنافي يتولى تلقي الشكاوى المتعلقة بإحدى جرائم العنف الأسري ومتابعتها (المادة 4).

كما قد أولى المشرع إهتماماً لدور الضابطة العدلية في جرائم العنف الأسري (م 4 حتى 10 من القانون)، ولعل ذلك راجع إلى وظيفة رجال الضابطة العدلية وكونهم الجهة الرسمية والأمنية الأولى التي تتعامل مع ضحايا العنف الأسري.

ونشير في هذا السياق إلى تخصيص قطعة تتولى إجراء أعمال الضابطة العدلية في حالات العنف الأسري على أن تضم عناصر من الإناث وأن يكون عناصرها مدربين على حل النزاعات، مما يدل على أن المشرع قد إعتمد على "التخصيص" كضمانة لحُسن وفعالية تطبيق القانون.

وفضلاً عن أصول التحقيق الأولي المرعية الاجراء وفق نصوص أ م ج، فقد أوجبت المادتان 5 و 9 من القانون حضور المندوب الاجتماعي أثناء التحقيق لكونه يعرف بالشؤون الأسرية وبطرق حل النزاعات المرتبطة بها، الأمر الذي من شأنه أن يُيسّر إجراء وسير التحقيق.

أما "الجديد" الأهم الذي جاء به ق. 293 / 2014 فيما خص الإجراءات المعمول بها أمام القضاء بشأن دعاوى العنف الأسري، فهو يكمن في فتح المجال أمام تطبيق آليات ذات طابع حمائي تهدف إلى حماية الضحية من العنف ( م. 12 إلى 18 من القانون) وتتمثل بتدابير معينة أعطي للنائب العام المختص حق إتخاذها فضلاً عن التدابير التي يتضمنها ما سُمي بــ "أمر الحماية " الذي يصدر عن المرجع القضائي المختص (قاضي التحقيق – المحكمة الجزائية المختصة – قاضي الأمور المستعجلة) بمناسبة النظر في قضايا العنف الأسري.

وتتراوح التدابير المذكورة من: الحصول على تعهد من المشكو منه بمنع التعرض للضحية وأطفالها و سائر المقيمين معها إذا ما كانوا معرضين للخطر و المساعدين الإجتماعيين والشهود وأي شخص آخر يقدم المساعدة لها وذلك لمنع إستمرار العنف أو التهديد بتكراره، منع المشكو منه من دخول البيت الأسري مؤقتاً أو إحتجازه، أو نقل الضحية والأشخاص الآخرين إلى مكان آمن وإلزام المشكو منه بنفقات العلاج إذا نتج عن العنف ما يستلزمه...

إنما اللافت في هذا الصدد أن هناك شرطاً وضعه المشرع في شأن شمول الأطفال في التدابير الحمائية، فإشترط أن يكون هؤلاء في سن الحضانة القانونية وفق قوانين الأحوال الشخصية وسائر القوانين المعمول بها ومن المؤكد أن من شان هذا الشرط أن يحد من تفعيل القانون تبعاً لامتناع ضحية العنف عن المطالبة بالحماية عندما يكون من بين فروعها أطفالاً تعدوا سن الحضانة القانوني.

المبحث الرابع : مفهوما مساعدة الضحية وتأهيل المجرم:

إذا كانت الغاية الأساسية لدى ضحية العنف الأسري تكمن في توقف العنف الممارس ضدها، فإن أثر وضع حد للعنف لا يمكن أن يكتمل إلاّ بمد يد العون للضحية ومساعدتها من أجل تخطي ما تعرضت له و تعويض الأضرار اللاحقة بها.

هذا من جهة، من جهة أخرى، وإذا كانت الغاية من وراء مساءلة مرتكب العنف الأسري هي نيله للعقاب الذي يستحقه، فإنه لا بد من توجيه الاهتمام نحو الغرض الأهم للعقوبة والمتمثل بتأهيل المجرم تمهيداً لإعادة دمجه في الأسرة والمجتمع.

وقد أخذ المشرع بذلك بالفعل وكرس مفهومي مساعدة الضحية وتأهيل المجرم في نص المادة 20 من ق. 293/ 2014 التي نصت على أنه: "بالإضافة إلى العقوبات المقررة وفق أحكام هذا القانون، للمحكمة أن تلزم مرتكب الجرم العنف الأسري، بالخضوع لدورات تأهيل ضد العنف في مراكز متخصصة"، وفي الفقرة الأولى من م. 21 منه والتي جاء فيها أنه: "ينشأ صندوق خاص، يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المال والاداري، يتولى مساعدة ضحايا العنف الأسري وتأمين الرعاية لهم ..."

والنصان المذكوران أعلاه إنما يحملان دلالة على حرص المشرع على حماية القيم التي تسود العلاقات الأسرية عبر القيام بالجهود اللازمة لضبط سلوك المعنّف وتقويمه.

وننوّه، في السياق عينه، بالمؤسسات غير الحكومية التي تُعنى بمكافحة العنف الأسري لأنها لعبت دوراً كبيرأ في تقديم الخدمات في مجال تأهيل المعنف، ونذكر على سبيل المثال: إفتتاح مركز نوعي لتأهيل الرجال ضد العنف الأسري بمبادرة من جمعية "أبعاد" وبالاشتراك مع "الهيئة الطبية الدولية "يضم خبراء نفسيين ويقدم الدعم لهم بشكل سرّي ومجاني، وكذلك في مجال مساعدة الضحايا ونذكر في هذا الاطار أن القيمون على منظمة "كفى" قد أسسوا مركزاً

للإستماع والإرشاد يستقبل ضحايا العنف الأسري من النساء والأطفال ويقدم لهم المأوى والإرشاد والدعم والاستشارات القانونية المجانية .

ويبقى السؤال، هل سيحفز تكريس الحماية القانونية إزاء العنف الأسري الضحايا على تجاوز ثقافة "العيب" و "التستر" على الأخطاء الحاصلة ضمن الأسرة؟ أم أن هكذا إعتبارات إجتماعية ستشكل حاجزاً امام تقديم الشكوى أمام القضاء؟

أ.د وسام غياض

Cited

Texts it relies on