Research

Study د.غنى مواس 08/11/2017

إشكاليات الهبة في القانون اللبناني

Author
د.غنى مواس
Published
08/11/2017
Source
Lebanese University

إشكاليات الهبة في القانون اللبناني

د.غنى مواس

أستاذة محاضرة في الجامعة اللبناتية

كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية-الفرع الثالث

من الصعب الإحاطة بموضوع الهبة من كافة جوانبه في بحثٍ من عدة صفحات، نظراً لارتباط الموضوع بمفاهيم وقواعد أخلاقية، نفسية، قانونية ودينية.

لقد حمى الدستور اللبناني حق الملكية واتاحت القوانين الوضعية اللبنانية للمرء العاقل والراشد حرية التصرف بملكه. بالمقابل، قيّدت مختلف التشريعات الدينية من حرية المرء بالتصرف بأمواله حمايةً لورثته من بعده، فنصت على الحصة المحفوظة ونصاب للوصية.

في الهبة، أخذ قانون الموجبات والعقود بمبدأ حرية المرء بالتصرف بأمواله دون مقابل ولمن يشاء. الا انه نص في بعض مواده على نصابٍ للهبة دون تحديده، مما اثار الجدل في الفقه والاجتهاد حول تطبيق نصاب الوصية على الهبة.

كذلك فرض قانون الموجبات والعقود نظام التسجيل في الهبة العقارية وتسليم المال المنقول للموهوب له لإتمام الهبة. فانقسم الرأي بين من اعتبر التسجيل من خصائص الهبة العقارية و بين من اعتبر ان نصوص قانون الملكية العقارية تطبق على الهبة في هذا المجال.

اما فيما خص هبة المنقول، ان اعتماد التسليم كشرط لصحة الهبة وليس كموجب أداء من شأنه ان يغير من طبيعة الهبة كعقدٍ رضائي الى عقدٍ عيني، علماً ان قانون الموجبات والعقود أخضع الهبة بشكلٍ عام للضوابط العامة المتعلقة بالعقود الرضائية. فالهبة لا تنعقد بإرادة الواهب المنفردة، انما تتطلب ايجاب وقبول متطابقين. لم يكتفِ قانون الموجبات والعقود بتطبيق القواعد العامة للعقد الرضائي على الهبة، بل وضع قواعد خاصة تتلاءم مع مجانية الهبة وإمكانية اضرارها بالواهب واجحاف الموهوب له بعد ان أحسن اليه الواهب ووهبه أمواله. لذلك فرض قانون الموجبات والعقود علم الواهب بقبول الموهوب له بالهبة قبل وفاته، كما فرض أهلية خاصة للواهب تختلف عن أهلية الموهوب له. أجاز ايضاً قانون الموجبات والعقود للواهب الرجوع عن الهبة حتى بعد اتمامها مما يشكل خروجاً على المفاهيم العامة المطبقة لاسيما ان العقد المنشئ يمكن ابطاله، فسخه او الغاؤه وليس الرجوع عنه بعد اتمامه.

هدف المشترع من خلال وضعه نصوص خاصة بالهبة حماية الواهب من نفسه وممن أحسن إليهم. الا ان هذه النصوص أتت غير منسجمة في كثير من الأحوال مع طبيعة عقد الهبة مما خلق إشكاليات تطبيقية كثيرة أبرزها يتعلق بفرقاء العقد وبالمال الموهوب.

القسم الأول: الإشكاليات المتعلقة بالفرقاء

سنبحث في هذا القسم الإشكاليات المتعلقة بانعقاد الهبة بين الفرقاء و في تلك المتعلقة بحق الواهب بالرجوع عن الهبة بعد انعقادها.

الفقرة الاولى: انعقاد الهبة

الهبة عقد رضائي يتطلب لانعقاده اتفاق بين الفرقاء (البند الأول) واهلية خاصة (البند الثاني).

البند الاول: اتفاق الفرقاء

استقر الفقه والاجتهاد على اعتبار ان عبارة "تصرف بين الاحياء" المذكور في المادة 504 م.ع. تعني ان الهبة عقد وبالتالي يتطلب ايجاب من الواهب وقبول من الموهوب له. وما يؤكد ذلك نص المادة 508 م.ع. الذي اعطى الحق للواهب بالرجوع عن عرضه ما دام القبول لم يتم.

أولا": القواعد الخاصة للعرض او الايجاب في عقد الهبة

نصت المادة 508 م.ع. على انه "يبقى للواهب حق الرجوع عن العرض ما دام القبول لم يتم". ان المقصود بعدم إتمام القبول هو عدم وصوله الى علم الواهب المنصوص عنه في المادة 507 م.ع. اي أنه يحق للواهب مبدئياً الرجوع عن عرضه طالما لم يعلم بموافقة الموهوب له. فمجرد قبول الموهوب له لا يلزم الواهب.

ان نص المادة 508 م.ع. لا ينسجم مع المبدأ المكرس في القواعد العامة وهو حق العارض بالرجوع عن عرضه طالما لم يصدر القبول ممن وجه اليه العرض. مما يطرح السؤال عن مدى تطبيق القواعد العامة الأخرى على الهبة لاسيما العرض الضمني للهبة وإلزام صاحب الايجاب بمهلة معينة في بعض الحالات. اولاً، فيما يتعلق بالعرض الضمني نرى ان طبيعة الهبة، وهي تصرف يضّر ضرراً مؤكداً في الذمة المالية للواهب وبالتالي على جانب من الخطورة، تستوجب ان يكون العرض صريحاً وليس ضمنياً. اذاً التعبير عن إرادة الواهب يجب ان تكون صريحة ومؤكدة خاليةً من أي التباس حول موضوعه وشروطه.

ثانياً، فيما يتعلق بإمكانية تقييد الواهب نفسه بمهلة معينة لا يستطيع خلالها الرجوع عن الهبة. اعتبر البعض ان "نص المادة 508 م.ع. جاء مطلقاً ولم يورد أي دليل لتقييد حق الواهب بالرجوع قبل إتمام القبول، وان الهبة هي من عقود التبرع وتجري بلا مقابل فلا يجوز قياسها على العقود بمقابل. واته يجب اخذ المطلق على اطلاقه لعدم قيام دليل للتقييد، ويبقى للواهب حق الرجوع عن عرضه ما دام القبول لم يتم، وان المادة 508 م.ع. لم توجب ان يتقيد الواهب بمدة معينة كما تنص عليه المادة 179 م.ع.[1]

الا اننا نخالف هذا الاتجاه، فالمادة 508 م.ع. لا تتعلق بالنظام العام ويمكن التنازل عنها اما صراحةً او ضمنياً من قبل الواهب. ويكون التنازل الضمني عبر إلزام الواهب نفسه بمهلة معينة.ان هذا الاتجاه لا يتعارض مع طبيعة عقد الهبة وهو عقد رضائي، حيث يعود للواهب التعبير عن ارادته بحرية تامة وله ان يلزم نفسه بمهلة معينة طالما ان حق الرجوع عن العرض هو مبدأ عام موضوع لحماية صاحب العرض ويمكن تقيده. الا ان المهلة لا تسري برأينا في حال وفاة الواهب قبل انتهائها باعتبار ان عقد الهبة هو تصرف بين الاحياء بصراحة المادة 504 م.ع.

وبخلاف ذلك، اعتبر الاجتهاد اللبناني انه "على فرض ان المادة 508 م.ع. تعطل القواعد العامة لجهة استمرار الايجاب، عندما تنص على انه يبقى للواهب حق الرجوع عن العرض ما دام القبول لم يتم، فيبقى ان هذه المادة موضوعة لمصلحة الواهب، ولا يوجد نص يمنع هذا الأخير من التنازل مسبقاً عن حق الرجوع الممنوح له بهذه المادة. ولو شاء المشترع حرمانه من هذا التنازل لما توانى عن النص على ذلك صراحةً كما فعل في المادة 530 بسبب الجحود. وبالتالي إذا تبين ان الواهب أراد إلزام نفسه صراحةً ونهائياً ولا رجوع عنه، فان هذا الايجاب يبقى قائماً بعد وفاته ولا تؤثر هذه الوفاة على استمراره، استرشاداً بنص الفقرة الثانية من المادة 179 م.ع."[2]. "ان العرض يبقى قائماً بعد الوفاة شرط ان تكون ارادته بالزام نفسه صريحة وواضحة، فلا تؤثر الوفاة على استمرار العرض وفقاً للقواعد العامة ونص المادة 179 م.ع."[3]

كذلك اعتبر بعض الفقهاء ان العرض يبقى قائماً ويستمر حتى بعد الوفاة ولكن يطبق على هذا التصرف الاحكام الخاصة بالوصية طالما ان الهبة هي تصرف بين الاحياء ولا يصح ان نكون امام هبة توفي احد اهم أطرافها واستحال وصول القبول الى علمه[4].

الا اننا نخالف الاتجاه المذكور لان طبيعة الهبة وصحتها تختلف عن الوصية وخاصةً لجهة النصاب المطبق وفقاً لما سنعرضه لاحقاً. ونرى انه يجوز ان يلزم الواهب نفسه بمهلة معينة تسقط حكماً بوفاته، لان الهبة هي تصرف بين الاحياء.

يبقى ان نبحث في موضوع العرض او الايجاب، عن مدى قانونية عدول الواهب مسبقاً عن حقه بالرجوع عن عرضه.

اعتبر بعض الفقهاء ان مثل هذا الايجاب المقرون بالعدول المسبق عن حق الرجوع يؤدي الى اعفاء انعقاد الهبة من شرط علم الواهب بقبول الموهوب له. بينما اعتبر فريقٍ آخر ان طبيعة ايجاب الهبة الذي يتناول حقاً شخصياً بدون إجازة الرجوع عنه هو بالحقيقة وعد بالهبة غير قابل للرجوع[5].ولكن البعض خالف هذا الرأي باعتبار ان الوعد هو عقد في الأساس يحتاج الى ايجاب وقبول من الطرفين[6].

بدورنا نرى ان عقد الوعد بالهبة يتطلب شروطاً شكلية فرضتها المادة 511 م.ع. غير مفروضة في الايجاب بشكل عام، لذلك لا يمكننا اعتبار الايجاب المقرون بالعدول المسبق عن حق الرجوع وعد بالهبة. ويبقى حق الواهب بالعدول المسبق والصريح عن عرضه صحيحاَ ولا يتعارض مع طبيعة الهبة ومع الشروط الخاصة المنصوص عنها في المادة 508 م.ع. لحماية الواهب.

اخيراً، لا بد من الاشارة الى ان العرض يجب ان يتضمن الشروط الأساسية للعقد، فيأتي القبول كافياً لإبرامه. اما الشروط الثانوية فيستعين الفرقاء بالقواعد المكملة او المتعارف عليها لإتمام النقص بعد انبرام العقد وذلك وفقاً للنصوص القانونية المعتمدة.

ثانياً: القواعد الخاصة بقبول الهبة

القبول هو موافقة من وجه اليه العرض، بمضمونه وشروطه، ويجب ان يكون مطابقاً للعرض. اما إذا جاء معلقاً على شرط او قيد فيعد بمثابة رفض مع اقتراح عرض جديد وفقاً لنص المادة 182 م.ع.

ويكون القبول بشكل عام كالإيجاب صريحاً او ضمنياً. اما السكوت فيعد قبولاً حينما يكون العرض مختصاً بتعامل كان موجوداً بين الفريقين وفقاً للقواعد العامة المنصوص عنها في المادة 180 م.ع.

في عقد الهبة، القبول الصريح، كالعرض الصريح، لا يطرح اية إشكالية تذكر. فاذا وافق الموهوب له صراحةً على عرض الواهب تتم الهبة مبدئياً.

اما القبول الضمني، فقد اعتبر بعض الفقهاء انه لا يتوافق مع عقد الهبة، بحيث ان التعبير عن قبول الهبة يجب ان يكون صريحاً وثابتاً بعقد خطي[7]. وفي الواقع، ان موقف الاجتهاد متضارب في هذا المجال. فقد اعتبر قسماً منه ان قبول الهبة يمكن ان يكون صريحاً او ضمنياً، كاستلام المال الموهوب وغيرها من التصرفات التي يستفاد منها نية القبول[8].كما اعتبرت بعض المحاكم ان السكوت ينم عن إرادة الساكت بالموافقة وان لم يصدر عنه فعل إيجابي ودون ان يكون هناك تعامل سابق بين الفريقين لان هذا التعامل يوجد عادة في الأمور التجارية وليس الهبات[9].

في المقابل، اعتبرت بعض الاجتهادات انه لم يعين القانون شكلاً خاصاً للقبول، ولكن يجب ان يكون هذا القبول خطياً كالهبة نفسها[10]. وذهبت بعض الاجتهادات الى ابعد من ذلك معتبرة انه يجب ان يعلن قبول الموهوب له بوثيقة رسمية.

ونحن نرى في هذا الصدد ان قبول الموهوب له ممكن ان يكون صريحاً او ضمنياً. وايضاً السكوت يفيد القبول ولو تم خلافاً للقاعدة المنصوص عنها في المادة 180 م.ع. التي تفرض وجود تعامل مسبق بين الفريقين. ان هذا الاتجاه في التوسع بتقدير السكوت تبرره طبيعة الهبة غير المشروطة التي تنفع نفعاً محضاً للموهوب له، واحتمالات رفضها نادرة. اما في حالة الهبة المشروطة فان السكوت لا يمكن ان يفيد القبول ما لم يكن مقترن بأفعال إيجابية يقدر معها القبول.

وبالنتيجة، سواء اكان القبول صريحاً او ضمنياً، فهو لا يكفي ان يصدر عن الموهوب له لانعقاد الهبة كما هي القاعدة العامة بالنسبة لسائر العقود. فالقانون اللبناني اشترط ان يصل القبول الى علم الواهب قبل وفاته لإبرام الهبة والا اعتبرت غير تامة. فاذا توفي او فقد الواهب اهليته قبل ان يصله قبول الموهوب له، لا تتم الهبة حتى ولو كان القبول قد أرسل اليه[11]. اما إذا توفي الموهوب له او فقد اهليته بعد ان وافق على الهبة، فان الهبة تتم بمجرد علم الواهب بالموافقة وتنتج آثارها بوجه الورثة او ممثله القانوني، مع الاحتفاظ بتطبيق الاحكام الخاصة المنصوص عنها المتعلقة بطبيعة المال الموهوب والتي سنبحثها فيما بعد.

البند الثاني: أهلية الفرقاء في عقد الهبة

عرف صبحي المحمصاني أهلية الوجوب "بصلاحية المرء لاكتساب الحقوق والتمتع بها، اما أهلية الأداء فهي القدرة على استعمال الحقوق وتأدية الواجبات".[12]

تختلف أهلية الواهب عن أهلية الموهوب له، اذ يفرض القانون اللبناني ان يكون للواهب أهلية الأداء بينما الاهلية المطلوب توفرها في الموهوب له هي أهلية الوجوب.

اولاً: أهلية الواهب

أهلية الواهب المطلوبة هي أهلية الالتزام الا ان القانون اللبناني قد منع في حالات معينة هبة المالك لأمواله او لمن يمثله قانوناً.

1-أهلية الالتزام

اعتبرت المادة 515 م.ع. ان "كل شخص يستطيع التعاقد والتصرف في ملكه يمكنه ان يهب..." ان الاهلية المطلوبة بمقتضى المادة المذكورة هي أهلية الالتزام أي ان يكون الواهب قد اتم الثامنة عشرة من عمره ما لم يصرح بعدم اهليته في نص قانوني. فالقاصر المميز لا يمكنه ان يهب وذلك لان الهبة تعتبر من التصرفات الضارة ضرراً محضاً لأنها دون مقابل. كذلك هو الوضع بالنسبة للقاصر المأذون له بممارسة التجارة والصناعة فهو يعامل كالراشد في حدود تجارته وصناعته ولا يطال الترخيص الهبة لعدم وجود مصلحة له في هبة أموال دون مقابل. وبديهي القول ان القاصر الغير مميز لا يمكنه ان يهب لان تصرفاته معدومة لانتفاء اهليته.

يسري المبدأ المطبق على القاصر غير المميز على المجنون جنون مطبق، أي المستمر دوماً. اما حالة المصاب بجنون متقطع، تكون تصرفاته معدومة فقط في حال ثبت ان العاقد كان مجنوناً عند اجرائها.

في حين ان العقود التي يجريها في حال صحوته، تكون صحيحة وملزمة، ومن بينها عقد الهبة. بينما اعتبرت حالة المعتوه بحكم حالة الصغير المميز، فتكون الهبة غير صحيحة لأنها ضارة ضرراً محضاً. يبقى ان السفيه وذو الغفلة لا ينطبق عليهم حالة المحجور عليه لذاته، لذلك تكون الهبة قبل صدور الحكم بالحجر صحيحة وغير جائزة بعد صدوره.

2-حالات خاصة تمنع الهبة

يوجد حالات خاصة يجرد فيها الشخص من حقوقه بالتصرف بأمواله ولو كان سليم الادراك والوعي، ومن بينها:

أ-المحكوم عليه بجناية او جنحة شائنة

كل عمل إدارة او تصرف يقوم به المحكوم عليه بجناية او جنحة شائنة يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً وطبعاً من ضمنها عقود الهبة.

ب-المفلس

وفقاً للمادة 507 تجارة تعتبر الاعمال والتصرفات المجانية باطلة حتماً بالنظر الى جماعة الدائنين إذا كان المديون قد قام بها في فترة الريبة أي خلال العشرين يوماً السابقة لتاريخ انقطاعه عن الإيفاء المعين من قبل المحكمة.

ج-المريض مرض الموت؟

نصت المادة 1595 من مجلة الاحكام العدلية على مرض الموت فعرفته بأنه "المرض الذي يغلب فيه خوف الموت، ويعجز معه المريض عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره ان كان من الذكور، ويعجز عن رؤية المصالح الداخلة في داره ان كان من الاناث، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة، سواء اكان صاحب فراش ام لم يكن. وان امتد مرضه، ومضت عليه سنة وهو على حال واحدة، كان في حكم الصحيح، وتكون تصرفاته كتصرفات الصحيح، ما لم يشتد مرضه ويتغير حاله، ولكن لو اشتد مرضه وتغيّر حاله ومات قبل مضي سنة يعد حاله اعتباراً من التغيير الى الوفاة مرض موت. ثم ان إقرار المريض حال كونه في مرض موته بالاستناد الى زمن الصحة في حكم الاقرار في زمن المرض".

اعتبر بعض الفقهاء ان احكام مرض الموت المنصوص عنها في المادة المذكورة آنفاً ملغاة بمقتضى قانون الموجبات والعقود.[13] بينما اعتبر اغلبية الفقهاء ان هذه الاحكام ما زالت سارية لعدم تعارضها مع احكام الموجبات والعقود.[14]

في المبدأ، الاجتهاد اللبناني متضارب حول هذا الموضوع، الا ان اغلبيته يعتبر ان مرض الموت لم يعد مطبق بعد صدور قانون الموجبات والعقود وعدد قليل من القرارات القضائية تؤيد تطبيق احكامه.

اما قانون الموجبات والعقود، فقد تضمن احكام يمكن ان توصف بمرض الموت وذلك في المادة 1030 منه بشأن ابطال الدخل مدى الحياة إذاأنشئ من شخص مصاب بمرض الموت أدى الى وفاته بعد عشرين يوماً من تاريخ انشائه، وكذلك في المادة 516 بشأن حرمان الطبيب في مرض الموت من أهلية القبول إذا لم يكن من أقرباء المريض. الا انه لم يشير الى احكام مشابهة في الهبة.

ان مؤيدي الاتجاه الذي يعتبر ان احكام مرض الموت الغيت بموجب قانون الموجبات والعقود بشكل عام يخلصون الى صحة الهبة ولو تمت من قبل مريض الموت. اما مؤيدي الاتجاه القائل بوجوب تطبيق المادة 1595 من احكام المجلة العدلية لأنها لا تزال سارية المفعول، فيعتبرون ان الهبة الصادرة اثناء مرض الموت تكون بحكم الوصية بمعنى انها لا تبطل انما تطبق عليها احكام القوانين المتعلقة بالوصية ولاسيما النصاب المسموح الايصاء به، فلا تنفذ الهبة الا وفقاً لنصاب الوصية المعتمد في قوانين الأحوال الشخصية للطوائف.[15] الا اننا لا نؤيد هذا الرأي لان الوصية تختلف عن الهبة لجهة انها ايصاء لما بعد الوفاة، اما الهبة فهي تصرف بين الاحياء، ولا يمكن تجزئة بطلان عقد الهبة بالحد من نصابه في هذه الحالة طالما ان تنفيذه لم يؤجل لما بعد الموت.

وطالما ان المادة 1106 م.ع. نصت على انه "الغيت وتبقى ملغاة جميع احكام المجلة وغيرها من النصوص الاشتراعية التي تخالف قانون الموجبات والعقود او لا تتفق مع احكامه". بمعنى ان احكام المجلة التي لا تتعارض مع قانون الموجبات والعقود وتبقى سارية ومن بينها الاحكام المتعلقة بالأهلية التي سبق ان ذكرناها كالجنون والعته ولاسيما احكام مرض الموت. فالأسباب الموجبة لإلغاء تصرف مريض الموت لم تتغير مع صدور قانون الموجبات والعقود، والغاية من وضع النص هو بطلان تصرف الشخص الذي يكون تحت تأثير مرض الموت ويكون عاجز عن اثبات عمله المعتاد وفي حالة خوف من الهلاك، فلا يكون سليم الادراك والإرادة مما يجعل تصرفاته تتأثر بحالته الصحية وبالأشخاص المحيطين به وممن يمكن ان يستفيد من حالته المرضية.

د-الولي

نصت المادة 515 م.ع. على انه "لا يحق للولي ان يتصرف في الأموال التي يتولى ادارتها".

لقد سبق ان ذكرنا ان الهبة هي من الاعمال الضارة ضرراً محضاً لأنها دون مقابل، لذلك لا يحق للولي او الممثل القانوني لفاقد الاهلية او ناقص الاهلية القيام بها.

ه-الوكيل

يمكن للوكيل ان يتعاقد باسم الموكل بهبة مال معين. وتختلف صيغة الوكالة باختلاف موضوعها. فهبة العقار او الحق العيني لا تتم الا بالتسجيل في السجل العقاري، لذلك الوكالة المطلوبة في هذه الحالة هي وكالة خاصة رسمية لا يرجع تاريخها الى أكثر من خمس سنوات وفقاً للمادة 50 من القرار رقم 188/1926. وإذا كان موضوع الوكالة وعد بهبة عقار او حق عيني عقاري فيجب ان تكون الوكالة خاصة ورسمية لان مثل الوعد لا يكون صحيحاً الا بالتسجيل في السجل العقاري وفقاً لأحكام المادة 510 م.ع. بينما إذا كان موضوع الوكالة هبة منقول فان القانون اللبناني لا يفرض شروطاً خاصة للوكالة، اذ يجب ان تكون الوكالة خاصة وخطية ولا يشترط ان تكون رسمية وذلك انسجاماً مع احكام المادة 511 م.ع.

ثانياً: أهلية الموهوب له لقبول الهبة

نص قانون الموجبات والعقود على مبدأً عاماً اعتبر بموجبه ان كل شخص يمكن ان يقبل الهبة بنفسه او بواسطة شخص آخر حاصل على وكالة خاصة او وكالة عامة، ما لم يوجد نصاً خاصاً يقضي بغير ذلك. كذلك أجاز القانون اللبناني الهبة للجنين في المادة 518 م.ع. شرط ان يولد حياً. وفي هذه الحالة يتم قبول الهبة من الشخص الذي له حق تمثيل الجنين بعد الولادة، كالأب مثلاً او الوصي[16].

ويطبق حكم الجنين على الصغير غير المميز والمجنون، بحيث يعود للوصي او الولي ان يقبل الهبة عنهم.

يختلف الامر بالنسبة للقاصر المميز الذي يستطيع ان يقبل الهبة، غير المقيدة بشرط، بنفسه، لأنها تعتبر من التصرفات النافعة له نفعاً محضاً. اما إذا كانت الهبة مقيدة بشرط او تكليف، فإنها تدخل ضمن العقود الدائرة بين النفع والضرر ولا يستطيع القاصر قبولها بنفسه بل بواسطة الولي او الوصي.

تأكيداً على ذلك اعتبرت المادة 517 م.ع. ان "الأشخاص الذين لا يستطيعون التعاقد لا يمكنهم قبول هبات مقيدة بشرط او بتكليف الا بعد ترخيص الذين يمثلونهم شرعاً".

ولكن من يقبل الهبة عن القاصر غير المميز او فاقد الاهلية في حال كان الواهب الولي او الوصي؟

ميّز بعض الفقهاء بين الهبة الممنوحة من الولي والهبة الممنوحة من الوصي. فاعتبروا انه في الحالة الأولى، أي إذا كان الواهب الاب او الجد، تنعقد الهبة بمجرد ايجاب الواهب دون حاجة الى القبول او الرفض، أي ان الولي يتولى طرفي العقد بالإيجاب والقبول معاً. اما في الحالة الثانية، أي الهبة الممنوحة من الوصي، فلا بد من تعييين وصي خاص يقبل الهبة عن القاصر[17].

انتقد البعض[18] التفريق بين الهبة الممنوحة من الولي والهبة الممنوحة من الوصي. معتبرين انه يجوز للولي كما للوصي قبول الهبة عن الموهوب له دون حاجة لتعيين وصي آخر لقبولها. وقد برروا موقفهم بالضمانات التي فرضها القانون لحفظ حقوق واموال فاقد الاهلية الموصى عليه، ومنها المادة 6 م قانون 2 نيسان 1951 وما يوازيها من احكام لدى الطوائف المحمدية، اضافةً الى المادة 131 و135 من قانون الملكية العقارية.

اذاً ان القاصر غير المميز وفاقد الاهلية بشكل عام، كما القاصر المميز بالنسبة للهبة المقيدة بشرط، يحتاج الى من يمثله لقبول الهبة. اما الراشد السليم الادراك يمكنه قبول الهبة بنفسه او بواسطة شخص آخر حاصل على وكالة خاصة او وكالة عامة كافية وفقاً للمادة 520 م.ع.

وقد اعتبر الاجتهاد اللبناني[19] ان "عبارة الوكالة الكافية" الواردة في نص المادة 520 م.ع. يقصد بها بطريق الحصر الوكالة عن فاقدي الاهلية المستمدة من الولاية والوصاية كالأب والام والوصي، وليس الوكالة العامة المعطاة بالتصرف اطلاقاً من قبل شخص راشد. فالوكالة المطلوبة لقبول الهبة عن الموكل هي الوكالة الخاصة ولا يصح لقبول الهبة الوكالة العامة التي تتضمن نصاً خاصاً على قبولها. نورد في هذا المجال التعليل التالي لمحكمة التمييز:" ...يتبين ان مورثة الجهة المميزة كانت بذلك التاريخ ناقصة الاهلية ولا يمكنها ان تنظم وكالة لوالدها او ان تقبل الهبة او ترجع عنها، ولكن يمكنها ذلك بواسطة والدها وليها الشرعي، وقد استندت محكمة الاستئناف الى نص المادة 520 م.ع. كما ورد في النص الفرنسي الذي جاء واضحاً وحدد الشخص الذي يمكنه القبول عن الموهوب له القاصر والناقص الاهلية أي حائز السلطة العامة او الخاصة كالأب والام والولي وليس بواسطة الشخص الحاصل على وكالة عامة او وكالة خاصة طالما ان الوكالة لا يمكن صدورها الا عن شخص ذي أهلية،

Par l’intermédiaire d’une personne munie d’un pouvoir spécial ou d’un pouvoir général suffisant (père, mère, tuteur) [20]

وإذا كان المبدأ العام هو امكانية قبول الهبة لأي شخص غير فاقد الاهلية كما سبق ان رأينا، الا ان الفقرة الثانية من المادة 516 م.ع. نصت على انه "يحرم أهلية القبول حرماناً نسبياً:

1-الوصي بالنسبة الى الموصى عليه.

2-الطبيب في مدة مرض الموت إذا لم يكن من أقرباء المريض".

ان ما يتعلق بالبند الأول من الفقرة الثانية من المادة 516م.ع. والذي نص على حرمان أهلية قبول الهبة للوصي من الموصى عليه هي لزوم ما لا يلزم لاستحالة تطبيق البند المذكور. فالموصى عليه لا يجيز له القانون اللبناني الهبة لأنه اما عديم الاهلية او ناقصها وبالتالي لا تخوله في الأصل اهليته للتعاقد والتصرف وفقاً للمادة 515 م.ع.

اما البند الثاني من المادة المذكورة والمتعلق بأهلية الطبيب المعالج في مدة مرض الموت لقبول الهبة فيتبين انها وضعت شرطين يجب توفرهما لحرمان الطبيب من قبول الهبة وهما:

-ان تكون الهبة للطبيب حاصلة في مدة مرض الموت.

–ان لا يكون الطبيب من أقرباء المريض.

ويلاحظ هنا انه لم يحدد درجة القرابة وللمحكمة او للقاضي اذاً تحديدها. وفي حال تحقق الشرطان يكون البطلان نسبي، أي يمكن ان يطعن بالهبة اما المريض نفسه او ممثله القانوني او ورثته بعد وفاته. وقد اعتبر الاجتهاد ان مرور الزمن على حق الوريث بالطعن يبدأ من تاريخ الوفاة وليس من تاريخ العقد المجرى من الوريث.[21]

الفقرة الثانية: الرجوع عن الهبة

سبق ان بيّنا انه في حال قبل الموهوب له الهبة ووقف الواهب على هذا القبول تعتبر الهبة تامة ولا يمكن الرجوع عنها من قبل الواهب الا في حالات نص عليها القانون بصورة حصرية.

البند الاول: أسباب الرجوع

نص قانون الموجبات والعقود على ثلاث حالات يمكن فيها للواهب الرجوع عن الهبة التامة، سنبحثها فيما يلي.

اولاً: ظهور أولاد للواهب بعد الهبة

يصح الرجوع عن الهبة التي منحها شخص ليس له ولد ولا عقب شرعي في حالتين:

-إذا رزق الواهب بعد الهبة اولاداً ولو بعد وفاته.

-إذا كان للواهب ولداً ظنه ميتاً وقت الهبة ثم ظهر انه لا يزال حيَّا.

أ-ان يرزق الواهب اولاداً بعد الهبة

يحق للواهب سنداً للمادة 524 م.ع. الرجوع عن الهبة في حال رزق بولد بعد اتمامها. فالشروط التي يجب توفرها في هذه الحالة ان لا يكون للواهب عند اجراء الهبة ولد ولا عقب شرعي. ولا يعتبر الحمل ولداً موجوداً وقت الهبة ولو كان الواهب عالماً به. فيبقى من حقه الرجوع عن الهبة عند ولادة الجنين حيًّا. فاذا ولد ولداً ميتاً، لا يحق للواهب الرجوع عن الهبة ويجب ان يبقى الولد حيًّا الى وقت الرجوع عن الهبة، فاذا مات قبل ان يرجع الواهب عن الهبة زال سبب الرجوع.

وبالمقابل، لا يشترط في هذه الحالة ان يولد الولد خلال حياة الواهب بل يمكن ان تحدث الولادة بعد وفاة الواهب، ويحق في هذه الحالة لأولاد الواهب او اعقابه ممارسة حق الرجوع عن الهبة بمجرد اثبات ان الولد هو الابن او الحفيد الشرعي للواهب.

وايضاً، يشترط لتطبيق هذه الحالة ان يكون الولد شرعياً، فاذا كان الولد ناتجاً عن زواج غير شرعي، لا يجوز للواهب ابطال الهبة.

ب-ظهور ولد حيّ ظنه الواهب ميتاً وقت الهبة

قد يهب شخص أمواله بعد ان فقد الامل بالعثور على ولده وظنه ميتاً عند اجراء الهبة. فاذا ظهر الولد بعد إتمام الهبة، سمح القانون اللبناني في المادة 524 م.ع. للواهب الرجوع عن الهبة بعد ان يثبت انه كان يعتقد او ظن ان ولده ميت وقت اجراء الهبة. ويجوز الاثبات بجميع الوسائل القانونية ويعود للمحكمة حرية التقدير.

ثانياً: عدم تنفيذ الموهوب له للشروط او التكاليف

في الهبات المشروطة او المقرونة بتكليف، يحق للواهب الرجوع عن الهبة في حال لم يقم الموهوب له بتنفيذ ما هو متفق عليه في عقد الهبة. يتضح مما تقدم ان هذه الحالة تطبق فقط في الهبات المقيدة بشرط وبتكليف وهي تجيز للواهب الرجوع عن الهبة في حال لم ينفذ الموهوب له الشروط المتفق عليها "او إذا كف عن القيام بأحد الشروط او التكاليف المفروضة عليه" سنداً للمادة 527 م.ع. فالتنفيذ الجزئي لا يكفي، والمطلوب من الموهوب له التنفيذ الكامل للشروط المفروضة من الواهب، كما يجوز للقاضي ان يمنحه مهلة معقولة للتنفيذ.

اخيراً، يشترط لتطبيق المادة 527 م.ع. ان لا يكون عدم تنفيذ الموهوب له للشروط او التكاليف مرده خطأ او اخلال من الواهب بمعنى ان لا يكون الواهب هو من تسبب بعدم التنفيذ. ففي هذه الحالة لا يحق له المطالبة بالرجوع عن الهبة.

ثالثاً: جحود الموهوب له

يحق للواهب الرجوع عن الهبة في حالتين. الحالة الأولى، إذا ارتكب الموهوب له جنحة او جناية على شخص الواهب او على شرفه او ماله. والحالة الثانية، إذا ارتكب الموهوب له اخلالاً هاماً بالموجبات التي يفرضها عليه القانون للواهب او لعائلته.

أ-الحالة الأولى: ارتكاب الموهوب له جنحة او جناية على شخص الواهب او على شرفه او ماله

نصت الفقرة الأولى من المادة 528 م.ع. انه "تبطل الهبة بناءً على طلب الواهب إذا ارتكب الموهوب له جنحة او جناية على شخص الواهب او على شرفه او ماله".

وقد اعتبر بعض الفقهاء ان الجريمة المقصودة بالمادة 528 هي الجريمة القصدية ولو لم ينص على ذلك صراحةً. فبرأي هؤلاء ان القتل او الايذاء غير القصدي لا يعتبر سبباً للرجوع عن الهبة[22].

الا اننا لسنا من هذا الرأي، فنص المادة 528 لم يميز بين جريمة قصدية او غير قصدية، انما شمل كافة الجرائم الجنحية او الجنائية التي يرتكبها الموهوب له بحق الواهب. واشترطت المادة المذكورة ان يقع الجرم على شخص الواهب او على شرفه او ماله. ولا يعتبر سبب للرجوع عن الهبة إذا ارتكب الموهوب له جرماً بحق أقارب الواهب الا إذا كان فعله من نوع جرائم الشرف كجريمة الزنى مثلاً، مما يعتبر فعلاً يطال ايضاً شرف الواهب وسبباً لرجوعه عن هبته.

ب-الحالة الثانية: ارتكاب الموهوب له اخلالاً هاماً بالواجبات التي يفرضها عليه القانون للواهب او لعائلته

نصت الفقرة الثانية من المادة 528 م.ع. على حق الواهب بالرجوع عن الهبة في حال ارتكب الموهوب له اخلالاً هاماً بالواجبات التي يفرضها عليه القانون للواهب او لعائلته.

وفي هذا الاطار، لم يحدد النص المذكور الواجبات المفروضة على الموهوب له تجاه الواهب صراحةً والتي تشكل سبباً للرجوع عن الهبة، انما ترك الامر للقضاء بتطبيق النصوص الخاصة المرعية الاجراء وفقاً لطائفة الواهب والموهوب له.

ومن الواجبات التي يفرضها القانون على الموهوب له للواهب او لعائلته واجب النفقة على الزوج للزوجة، او الأولاد على الآباء، او الأصول على الأولاد. وايضاً الواجبات الزوجية الأخرى كالمساكنة وحسن المعاملة والرعاية وغيرها من الاحكام الخاصة المتعلقة بقانون العائلة والاحوال الشخصية والتي تختلف باختلاف المذاهب. وما يشكل اخلالاً بالواجبات الزوجية لدى طائفة ليس بالضرورة كذلك لدى طائفة أخرى. فزواج المسلم من زوجة ثانية لا يعتبر سبباً للرجوع عن الهبة. وقد اعتبرت محكمة التمييز انه يشكل ممارسة لاحد حقوقه ولا ينطوي بالتالي على الإساءة في كرامة الزوجة الأولى وفي سمعتها ولا يشكل بذاته سبباً لبطلان الهبة[23].

وتستند المحاكم المدنية لتعليل ارتكاب الموهوب له اخلالاً هاماً بالواجبات الزوجية الى القرارات الصادرة عن المحاكم الروحية او الشرعية. فقد اعتبرت محكمة التمييز المدنية ان صدور قرار كنسي في لبنان قضى ببطلان الزواج على مسؤولية الزوجة مؤكداً تصرفاتها العدائية والاضطهادية ضد زوجها الواهب وثبوت عدم تحملها واجبات العائلة، يشكل جحوداً يمنح حق الواهب بالرجوع عن الهبة والمطالبة بإعلان بطلانها[24] .

يستخلص مما تقدم انه يمكن الاستناد الى الاحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الروحية او الشرعية او المذهبية لإثبات جحود الموهوب له والمطالبة ببطلان الهبة. الا انه يعود للمحاكم المدنية تقدير الاخلال ومدى أهميته وان لا يكون الواهب هو من تسبب به.

فاذا ثبت امام المحاكم الروحية ان الزوجة تركت المنزل الزوجي ورفضت العودة الى المسكن الزوجي، لان سبب الترك كان نتيجة تصرفات الزوج القاسية معها. وانه لا يمكن للزوج الذي تسبب بتصرفاته على اقدام زوجته الى ترك المنزل الزوجي التذرع بالجحود وفقاً للفقرة الثانية من المادة 528 م.ع.[25]

ومن خلال دراسة شاملة للاجتهاد حول تطبيق الحالة الثانية من المادة 528 م.ع. يتبين لنا انه من الصعب اثبات الاخلال بالواجبات الزوجية دون الاستناد الى احكام وقرارات صادرة عن المحاكم المذهبية بهذا الخصوص.

ولكن، مجرد صدور حكم طلاق لا يكفي بحد ذاته ليكون سبباً لبطلان الهبة بل يجب ان يستند المدعي الى أسباب تشكل مخالفةً للواجبات الزوجية، ويعود التقدير المطلق في هذا الصدد للمحاكم المدنية. فقد قضي بأن ما تنسبه الزوجة الى زوجها السابق من قيامه بتصرفات عدوانية تجاهها وانه كان دائم اللهو والعبث والمجون وشرب الخمر ومتقلب المزاج ولا يقيم وزناً للعلاقة الزوجية الا وفقاً لأهوائه واغراضه وارتكابه تصرفات أدت الى وقف الاعمال التجارية الناجحة لزوجته وتورطه في أمور تخل بالقوانين وكانت ذات مردود سيء على عائلته، ان كل هذه التصرفات حتى في حال ثبوتها لا تشكل جحوداً واخلالاً هاماً بالواجبات بالمعنى المقصود في المادة 528 م.ع. يتيح لها التذرع به لطلب ابطال الهبة التي تدلي بحصولها[26].

امام هذا التناقض في تفسير الجحود من قبل المحاكم المدنية واستنادها غالباً الى قرارات المحاكم المذهبية وتفسيرها الجحود بحسب طوائف المتقاضين، نرى ضرورة وضع نص واضح يحدد حالات الجحود التي تسمح بالرجوع عن الهبة.

البند الثاني: ممارسة حق الرجوع

لكل حالة من الحالات التي تبرر رجوع الواهب عن الهبة شروط خاصة يجب توفرها لممارسة الدعوى.

اولاً: دعوى الرجوع عن الهبة بسبب ظهور أولاد للواهب بعد الهبة

يحق للواهب ان يتقدم بدعوى الرجوع عن الهبة لظهور أولاد له بعد اتمامها. وقد نصت المادة 526 م.ع. على سقوط الحق بإقامة الدعوى بعد مرور خمس سنوات على ولادة الولد الأخير للواهب او من التاريخ الذي عرف فيه الواهب ان ابنه الذي ظنه ميت ما زال حياً.

وبالفعل، يتضح من المادة 526 م.ع. انها ذكرت صراحةً ان تاريخ بدء مرور الزمن هو ولادة الولد الأخير للواهب، بمعنى انه في حال رزق الواهب عدة أولاد تبدأ مهلة جديدة للرجوع عن الهبة مع كل ولادة. وبالتالي، يمكن ان يتفاجأ الموهوب له في أي وقت بدعوى مقدمة من الواهب بسبب ارتزاقه بولد، وتصبح المهلة مفتوحة وغير محددة لأنها لا ترتبط بتاريخ انعقاد الهبة ولا بتاريخ ولادة الولد الأول، مما يشكل برأينا زعزعة في الاستقرار التعاقدي. لذلك، من الأفضل تحديد سريان مرور الزمن بولادة الولد الأول للواهب وليس الأخير طالما ان ارتزاق الواهب بولد هو المبرر لرجوعه عن الهبة ويكون قد تحقق بالولادة الأولى.

اما في حال ظهور ولد للواهب بعد الهبة فإن نص المادة 526 م.ع. حدد تاريخ بدء سريان مهلة مرور الزمن منذ تاريخ علم الواهب بأن ولده الذي ظنه ميت ما زال على قيد الحياة.

والجدير ذكره، تقبل دعوى الرجوع عن الهبة في حال تقدم بها الواهب نفسه او ورثته من بعده، فحق الرجوع عن الهبة ينتقل الى الورثة. وقد ذهب بعض الفقهاء ابعد من ذلك واعتبروا انه يحق للدائنين ان يستعملوا باسم مديونهم جميع الحقوق وان يقيموا دعوى الرجوع عن الهبة سنداً للمادة 276 م.ع.[27]

ثانياً: دعوى الرجوع لعدم تنفيذ الشروط او التكاليف

انطلاقاً من مبدأ الزامية العقود يحق للواهب طلب الرجوع عن الهبة لعدم تنفيذ الموهوب له التكليف او الشروط المتفق عليها في عقد الهبة. وقد أعطت المادة 527 م.ع. صراحةً الحق للواهب بالمطالبة بالرجوع عن الهبة لعدم التنفيذ المقابل للشروط والتكاليف.

تقام الدعوى من الواهب نفسه او من ورثته، شرط ان لا يكون الواهب قد تنازل عنها صراحةً او ضمنياً بعدم ممارسته لحقه في حياته.

يستدل من المادة 527 م.ع. انها سمحت للواهب بالعدول المسبق عن طلب الرجوع عن الهبة في هذه الحالة، بعكس ما هو الامر في دعوى الجحود وفي حال ظهور ولد للواهب. كذلك يحق لدائني الواهب ولدائني ورثته التقدم بالدعوى المذكورة في حال عدم تنازل الواهب عنها. الا انه لا يحق للغير المستفيد من الشرط او التكاليف التقدم بدعوى الرجوع عن الهبة انما له الحق بإقامة دعوى شخصية لإلزام الموهوب له بتنفيذ الشرط الموضوع لمصلحته وفق القواعد العامة.

ولم تنص المادة 527 م.ع. على مهلة معينة للتقدم بدعوى الرجوع فتطبق مهلة العشر سنوات العادية وتبتدئ بالسريان من يوم وجوب القيام بتنفيذ الشرط او التكليف وهي قابلة للقطع والوقف ولا يمكن للمحكمة اثارتها عفواً.

ثالثاً: دعوى الرجوع عن الهبة بسبب جحود الموهوب له

يعود الاختصاص في دعوى الرجوع عن الهبة للمحاكم المدنية حتى ولو كان سبب الجحود هو ارتكاب الموهوب له اخلالاً هاماً بالواجبات العائلية التي يفرضها القانون. وعلى الواهب اثبات الجحود امام المحاكم المدنية المختصة. الا اننا سبق ان بيّنا ان المحاكم المدنية تستند غالباً الى الاحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الروحية والشرعية للتثبت من الاخلال بالواجبات الزوجية ولتعليل حكمها بقبول دعوى الرجوع عن الهبة بسبب الجحود.

ان مهلة إقامة الدعوى منصوص عنها في المادة 530 م.ع. وهي سنة تبتدئ من يوم علم الواهب بالأمر. وهي مهلة مرور زمن وليست مهلة اسقاط وبالتالي تطبق عليها القواعد المطبقة على مهل مرور الزمن، فلا يحق للمحكمة اثارتها عفواً وهي قابلة للقطع وللوقف. وإذا اثبت الموهوب له مرور سنة على علم الواهب بالجحود فان المحكمة تقضي برد الدعوى لسقوط الحق بإقامتها سنداً للمادة 530 م.ع. فقد اعتبرت احدى المحاكم ان استئناف الحكم الذي قضى برد الدعوى لمرور سنة على علم الواهب بالجحود دون ان يرتكز الاستحضار الاستئنافي الى اثبات العكس، هي مراجعة محض كيدية تلزم المستأنف بالتعويض سنداً للمادة 10 أ.م.م.[28]

كذلك نصت المادة 530 م.ع. على انه لا يمكن العدول مقدماً عن إقامة الدعوى بسبب الجحود. فلا يحق مثلاً للواهب النص على بند في عقد الهبة يعدل فيه عن حقه بإقامة دعوى الرجوع عنها للجحود. فالبند المذكور يعتبر برأينا باطلاً ولا يؤثر على صحة الهبة.

اضافت المادة 530 م.ع. في فقرتها الثانية انه "لا ينتقل حق الواهب في إقامة تلك الدعوى الى ورثته إذا كان مقتدراً على اقامتها ولم يفعل". يفهم من هذا النص ان دعوى الرجوع عن الهبة بسبب الجحود هي دعوى شخصية مقتصرة على الواهب. فاذا لم يتقدم بها في حياته رغم علمه بجحود الموهوب له، فلا يحق للورثة من بعده التقدم بها. اما إذا كان الواهب قد توفي اثناء النظر بالدعوى فيمكن للورثة متابعة الدعوى لان إرادة الواهب كانت صريحة بالرجوع عن الهبة وعبّر عنها بإقامة الدعوى بوجه الموهوب له. ولكن يبقى انه يحق للورثة إقامة الدعوى بعد وفاة الواهب في حال لم يكن مقتدراً على اقامتها في حياته. والمقصود بذلك ان الواهب لم يكن على علم بجحود الموهوب له حتى وفاته، فيحق في هذه الحالة للورثة استعمال حق المورث وإقامة دعوى الرجوع عن الهبة إذا توفرت شروطها القانونية.

اخيراً، نصت الفقرة الأخيرة من المادة 530 على انه لا يصح إقامة الدعوى على وارث الموهوب له إذا لم تكن قد أقيمت على الموهوب له قبل وفاته. يقصد من النص المذكور انه إذا لم تقام الدعوى بوجه الموهوب له في حياته لا يمكن للواهب ملاحقة الورثة وطلب الرجوع عن الهبة.

ويبقى السؤال ماذا لو علم الواهب بجحود الموهوب له بعد وفاته؟

برأينا انه يمكن في هذه الحالة إقامة الدعوى بوجه الورثة لأنه يفهم من المادة 530، أنه في حال لم يتقدم الواهب بالدعوى بوجه الموهوب له عند علمه بالجحود فلا يحق له التقدم بوجه الورثة، أي وبالاستنتاج المعاكس، يبقى للواهب حق التقدم بالدعوى بوجه الورثة في حال علم بجحود مورثهم وخلال مدة سنة تبتدئ من تاريخ علمه.

القسم الثاني: الإشكاليات المتعلقة بالمال الموهوب

يعتمد القانون اللبناني نظام التسجيل فيما يتعلق بالعقود الواقعة على عقار. فلا تعبر العقود العقارية سارية الا من تاريخ التسجيل في السجل العقاري. ولكن يبقى للعقد غير المسجل مفعول بين الفريقين وينشأ عنه حق شخصي بالمطالبة بالإلزام بالتسجيل. فهل يطبق المبدأ نفسه على الهبة العقارية؟

مما لا شك فيه ان التعاقد على منقول لا يحتاج مبدئياً اية شروط شكلية، بمجرد اتفاق المتعاقدين على الموضوع والسبب ينشأ العقد وتترب الموجبات المختلفة، من موجب الأداء، القيام بعمل او الامتناع عن القيام بعمل. هل لهبة المنقول نفس القواعد؟

في الواقع، لان الهبة تصرف مجاني يشبه الوصية، وقع خلاف حول تفسير المادة 512 م.ع. التي تفرض عدم تجاوز الهبة النصاب القانوني. فانقسم الفقه والاجتهاد حول ما إذا كان النصاب القانوني هو نفسه المنصوص عنه في الوصية، بحسب كل طائفة.

سنحاول في هذا القسم الإجابة على كافة النقاط المثارة والمتعلقة بالمال الموهوب.

الفقرة الأولى: طبيعة المال الموهوب

تختلف شروط الهبة باختلاف طبيعة المال الموهوب، عقار ام منقول.

البند الاول: هبة العقار

نصت المادة 510م.ع. على "ان هبة العقار او الحقوق العينية العقارية لا تتم الا بقيدها في السجل العقاري". وكذلك المادة 511 م.ع. اعتبرت ان الوعد بهبة عقار او حق عقاري لا يصح الا بقيده في السجل العقاري".

من جهة ثانية عدد قانون الملكية العقارية في المادة 228 طرق اكتساب حق القيد في السجل العقاري، ومن بينها "الهبة بين الاحياء". وجاء في الفقرة الثانية من نص المادة المذكور " ويكتسب حق القيد فيما يتعلق بالهبة والوصية بمجرد حدوث الهبة ونقل الموصى به".

ان المقارنة بين النصوص المذكورة أعلاه تثير التساؤل التالي: هل هناك تناقض بين قانون الموجبات والعقود والملكية العقارية لجهة الهبة العقارية؟

فالمادتان 510 و511 م.ع. تعتبران التسجيل من الشروط الشكلية الضرورية لانعقاد الهبة. بينما المادة 228 تعتبر انه يكتسب الموهوب له الحق عبر تسجيل الهبة، بمعنى آخر يمكن مطالبة الواهب بالإلزام بالتسجيل،

كما هو الحال في عقد البيع العقاري العادي او الرسمي الغير مسجل[29]. فعقد البيع يولد حق شخصي للمطالبة بالإلزام بالتسجيل. فهل يطبق المبدأ نفسه في الهبة العقارية؟

نشأ في السابق جدل في الاجتهاد اللبناني حول ما إذا كان يجوز للموهوب له او الموعود له بالهبة ان يطالب بالإلزام بالتسجيل.

فبينما اعتبرت بعض المحاكم انه يجوز للموهوب له بسند عادي او بسند رسمي ان يطلب قيد الهبة في السجل العقاري عملاً بالمواد 267 و11 من القرار 188.[30] اتجهت محاكم أخرى الى رد الدعوى بقيد الهبة العقارية استناداً الى ان القانون جعل من قيد الهبة في السجل العقاري عنصراً اساسياً من عناصر تكوينها وذلك نظراً لخطورتها.[31]

ومن ثم صدر قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز مؤيداً الاتجاه الثاني وموكداً على ان الهبة بسند عادي لا مفعول لها ما لم يتم قيدها في السجل العقاري. وان المقصود بالقيد المذكور في المادة 510 م.ع. هو التسجيل في السجل العقاري الذي هو شرطاً اساسياً وعنصراً من عناصر العقد بحيث انه اذا لم يتوافر هذا الشرط تعتبر الهبة غير تامة ومعدومة المفعول.[32]

بعد صدور قرار الهيئة العامة أصبح هناك شبه اجماع في الاجتهاد وكذلك في الفقه ان تسجيل الهبة العقارية شرطاً لصحتها. فقد اعتبرت محكمة استئناف بيروت، انه اذا كانت المادة 507 م.ع. هي من الاحكام الواجب مراعاتها في كتاب الهبة فان المادة 510 م.ع. المخصصة حصراً لموضوع الهبة العقارية هي الواجب مراعاتها اكثر من بين احكام كتاب الهبة التي تشير في المادة 506 في شطرها الأخير الى وجوب مراعاتها. وقد استندت محكمة الاستئناف الى النص الأصلي الفرنسي للمادتين 507 و510 م.ع. معتبرةً ان كلمة "تتم" الواردة في المادة 507 م.ع. وكلمة "لا تتم" الواردة في المادة 510 قد ترجمتا الى اللغة العربية بشكل غير متوافق مع المقصود بها في النص الفرنسي "parfaite" "،n’estparfaite" تعني "تكتمل" و"لا تكتمل" وليس "تتم" و"لا تتم" . ودائماً برأي محكمة الاستئناف "اذا كانت المادة 507 تضع مدماك السند الأول الاساس اكتمال الهبة بالمطلق وعلى العموم، أي سواء تتناول مالاً منقولاً، ام مالاً ثابتاً، فقد جاءت المادة 510 التي اوجبت المادة 507 بضرورة الاحتفاظ بتطبيقها، والتي سبقتها المادة 506 باعتبارها ( أي المادة 510 م.ع.) مع سواها من احكام كتاب الهبة من الاحكام المخالفة الواجب مراعاتها، جاءت المادة 510 م.ع. اذاً لتقضي صراحةً في ما يتعلق بهبة العقار او الحق العيني تحديداً، بأن هبة العقار او الحقوق العينية العقارية لا تتم (والصحيح لا تكتمل وفقاُ لأصل النص الفرنسي) الا بقيدها في السجل العقاري".[33]

ان التعليل الوارد أعلاه يطرح السؤال التالي: إذا كانت الهبة العقارية لا تكتمل الا بالتسجيل العقاري وهبة المنقول بالتسليم، هل تبقى الهبة عقد رضائي يتطلب ايجاب وقبول؟

بعض المحاكم لم تتبنى بشكل واضح موقف الهيئة العامة لمحكمة التمييز. فقد اعتبرت محكمة التمييز في قرارها الصادر في 9-10-1993[34]أنه "بموجب المادة 507 م.ع. تتم الهبة وتنتقل الملكية عندما يقف الواهب على قبول الموهوب له مع الاحتفاظ بالأحكام التي تليها،

وحيث طالما ان المادة 507 تشترط لقيام الهبة على قبول الموهوب له، فليس في ملف الدعوى أي اثبات على ان قبول الموهوب لهما...قد وصل الى الواهب الموجود في اميركا خصوصاً وان طلبهما تنفيذ صك الهبة حصل بمواجهة امين السجل العقاري ومن ثم بمواجهة ورثة الواهب...

وحيث ان عدم ثبوت وصول الموهوب لهما... الى الواهب... قبل وفاته على فرض حصول هذا القبول قبل الوفاة يجعل الهبة غير تامة وفقاً لما سبق بيانه ولا يترتب عليها أي مفعول...

وحيث ان الحكم الابتدائي الذي قضي بتسجيل الهبة الصادرة عن المرحوم...على اسم الموهوب لهما...يكون واقعاً في غير محله القانوني فيما يتعلق بالحصص الارثية لكل من المميز عليهم ويستوجب الفسخ والحكم مجدداً بقيد هذه الحصص الارثية على اسم ..."

ان هذا القرار باعتباره الهبة العقارية غير تامة لعدم وصول القبول الى الواهب قبل وفاته معللاً ان الهبة العقارية لا يكون لها مفعول إذا لم يثبت علم الواهب بقبول الموهوب له قبل وفاته يكون قد خالف قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز المذكور سابقاً. فالمحكمة لم تفسخ الحكم الابتدائي لعدم تسجيل العقار موضوع الهبة على اسم الموهوب له كشرط لانعقاد الهبة، انما لعدم اثبات علم الواهب بالقبول وكنتيجة لذلك لا يكون للهبة " أي مفعول" بحسب تعبير المحكمة. مما يعني بالاستنتاج المعاكس انه لو ثبت علم الواهب قبل وفاته بالقبول، لنتج عن ذلك إمكانية الورثة بالمطالبة بتنفيذ الهبة ونقل الملكية على اسمهم.

الا ان اغلبية المحاكم اتبعت موقف الهيئة العامة لمحكمة التمييز وانطلق تعليلها من المواد 510 و511 م.ع. متجاهلة نص المادة 228 ملكية عقارية الذي برأينا ما زال مطبقاً وهو غير متناقض مع مواد قانون الموجبات والعقود. وذلك بعكس اتجاه بعض الفقهاء، لاسيما د. عفيف شمس[35] الدين الذي اعتبر " الا انه بالنظر لكون قانون الموجبات والعقود يعود تاريخه الى ما بعد صدور قانون الملكية وبالنظر الى ان قانون الملكية لم يتضمن، على غرار ما جاء في المادة 204 المتعلقة بأثر الإرث في نقل الملكية، لم يتضمن أي نص يفيد ان الحق المذكور ينشأ عن الهبة فانه يقتضي تطبيق قانون الموجبات والعقود".

الا اننا نرى انه لا يمكن الاستناد الى تاريخ صدور قانوني الموجبات والعقود والملكية العقارية والاحتجاج بأن الأول احدث من الثاني طالما ان قانون الموجبات والعقود هو قانون عام وقانون الملكية العقارية هو قانون خاص وبالتالي يبقى برأينا قانون الملكية العقارية قابل للتطبيق.

اما التعليل المسند الى ان المادة 204 المتعلقة بأثر الإرث في نقل الملكية لم تشمل الهبة. فإننا نؤيد ان الوارث هو مالك حتى قبل التسجيل سنداً للمادة المذكورة اما الموهوب له او الموعود له بهبة عقارية غير مسجلة فلديه حق شخصي بالتسجيل على غرار عقود البيع العقاري.

اضافةً الى ذلك، وجواباً على اغلبية رأي الاجتهاد والفقه بأن هبة العقار هي من العقود التي ترتدي طابع الخطورة لذلك قيدها المشترع بمراسيم شكلية الا وهو التسجيل في السجل العقاري الذي يعتبر من اركان العقد، فإننا نرى ان هذا التعليل غير كافٍ لتغليب تطبيق المادتين 510 و511 م.ع على المادة 228 ملكية عقارية خاصة ً ان عقد هبة منقول قد تكون احياناً أكثر أهمية من هبة العقار، وايضاً لو كانت نية المشترع من خلال نصه على المادة 510 م.ع. حماية او تنبيه الواهب فكان من الأولى ان يفرض الصيغة الرسمية على عقد الهبة كما فعل القانون الفرنسي والمصري وغيرهما...

البند الثاني: هبة المنقول

نصت المادة 509 م.ع. على ان الهبة اليدوية تتم بتسليم الواهب الشيء الى الموهوب له. والمقصود بالهبة اليدوية هبة المنقولات على اختلافها، فالنص لم يميز بين منقول وآخر بحيث ان كل منقول مادي او عيني يصح ان يكون محلاً للهبة اليدوية.

يستنتج من المادة المذكورة أعلاه ان هبة المنقول هي عقد عيني لا تتم الا بالتسليم الذي يشكل ركناً من اركان الهبة.

وقد استقر الفقه والاجتهاد[36] على انه يختلف التسليم في عقد الهبة عنه في عقد البيع. ففي الحالة الأولى يعتبر شرطاً لانعقاد الهبة، اما في حالة البيع يعتبر بمثابة موجب يقع على عاتق البائع وفقاً للمادة 401 م.ع. والمشتري يمكنه إلزام البائع بتنفيذ موجب التسليم الناتج عن عقد البيع.[37]

يستنتج ايضاً من المادة 509 م.ع. انها لم تحدد طريقة التسليم من الواهب الى الموهوب له. ولا بد هنا من التمييز بين حالتين: حالة يكون فيها المنقول بيد الواهب فيقوم بتسليمه الى الموهوب له. اما إذا وافق الموهوب له على ان يبقى المنقول في حيازة الواهب بعد الهبة ولكن ليس كمالك بل كمستأجر او مستعير او مودع لديه، فان عقد الهبة يعتبر صحيحاً لان هذه العقود تستلزم بطبيعتها نقل الحيازة من المالك الى المستأجر او المستعير او المودع.

ويرى البعض انه في هذه الحالة لا يكفي القبض الحكمي لإتمام الهبة اليدوية لان الواهب لم يتجرد عن الحيازة على وجه ينبهه الى خطر ما أقدم عليه فلا بد اذاً من ان يسلم الواهب المنقول ثم يرده الموهوب له للواهب على سبيل الايجار او الإيداع او العارية.[38]

اما الصورة الثانية للتسليم، عندما يكون المنقول في حيازة الموهوب له قبل الهبة بموجب عقد ناقل للحيازة ثم تقع الهبة فيتفق في هذه الحالة الواهب على بقاء المنقول في حيازة الأخير ولكن بصفته مالك.

بعد ان استعرضنا هبة العقار والمنقول نستنتج أن الرأي الذي توافق عليه اغلبية الفقه والاجتهاد هو أن التسجيل في السجل العقاري لهبة العقار وتسليم الشيء في هبة المنقول يشكلان ركناً من اركان عقد الهبة وليس موجباً ملزماً للواهب.هذا الاتجاه برأينا مخالف لطبيعة عقد الهبة الذي هو عقد رضائي ينشأ بمجرد علم الواهب بقبول الموهوب له للهبة. اما عبارة "تتم" الواردة في المادة 509 م.ع. فهي لا تعني انعقاد الهبة انما تنفيذها.

الفقرة الثانية: نصاب الهبة

هل يحق للواهب ان يهب كل أمواله ام ان هناك نسبة معينة للتبرع؟

الجواب على السؤال المطروح موضوع جدل في الفقه والاجتهاد اللبناني لعدم وضوح النصوص القانونية من جهة، ولوجود نصاب معين للوصية من جهة ثانية.

ان النصوص القانونية المطبقة على الهبة قبل صدور قانون الموجبات والعقود كانت خاضعة لاحكام المجلة. ولم تكن هذه الاحكام تحدد نصاباً معيناً للهبة خلافاً للوصية التي لم تكن تجوز بأكثر من ثلث أموال الموصي لغير الوارث الا بإجازة الورثة.

ومع صدور قانون الموجبات والعقود سنة 1932 أصبحت الاحكام 512، 531 و532 م.ع. هي المطبقة. فقد نصت المادة 512 م.ع. ما يلي: "لا يصح ان تتجاوز الهبة حد النصاب القانوني الذي يحق للواهب ان يتصرف فيه". ووفقاً للمادة 531 م.ع. " ان الهبة التي تتجاوز طبقاً لما نص عليه في المادة 512 حد النصاب المعين بالنسبة الى قيمة الأموال التي تركها الواهب عند وفاته، يجب ان يخفض منها كل ما تجاوز ذلك النصاب على ان هذا التخفيض لا يبطل مفاعيل الهبة، ولا حيازة الواهب للثمار في مدة حياته.

اما المادة 532 فنصت على انه "إذا منحت هبتان او عدة هبات وتعذر اداؤها تماماً بدون تجاوز حد النصاب، فالهبات الاحدث عهداً تبطل او تخفض بقدر تجاوزها حد النصاب".

من مراجعة المواد المذكورة يتبين لنا ان قانون الموجبات والعقود فرض ان لا تتجاوز الهبة نصاب معين. الا انه لم يعين او يبين مقداره مما اثار اختلافاً في الفقه والاجتهاد، وبرزت هناك عدة موافق، منها من اعتمدت على مبدأ موحد يطبق على كافة الهبات ومنها من ميّزت بين هبة وآخرى بالاستناد الى معايير مختلفة.

البند الأول: تطبيق مبدأ موحد للنصاب في عقود الهبة

سنبحث في هذا البند الاتجاهات التي سعت الى تطبيق مبدأ واحد على الهبات دون اي تصنيف يعتمد على طائفة فرقاء العقد او على نوع الهبة. سنتناول أولاً، الاتجاه الذي اعتبر ان نصاب الهبة هو نفسه نصاب الوصية، ومن ثم الاتجاه الثاني الذي اعتبر انه لا يوجد نصاب للهبة.

أولاً: قياس نصاب الوصية على نصاب الهبة

دعم هذا الاتجاه قرارين شهيرين الأول صادر عن محكمة توحيد الاجتهاد والثاني عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز.

وبالفعل، بتاريخ 1-12-1947 بتت محكمة توحيد الاجتهاد[39]إشكالية نصاب الهبة وصدر قرارها بالأكثرية الذي اعتبر ان نصاب الهبة وان لم يحدده المشترع صراحة، الا انه محدد ضمناً بالإحالة الى نصاب الوصاية لدى كل طائفة من الطوائف اللبنانية.

ان قرارات محكمة توحيد الاجتهاد كانت ملزمة للمحاكم الى حين صدور المرسوم الاشتراعي رقم 77 تاريخ 13-4-1953 الذي الغي هيئة توحيد الاجتهاد واعتبر جميع القرارات الصادرة عنها قبل هذا التاريخ بمثابة اجتهاد عادي لا يحتم التقيد به. فعاد الاتجاه الى ما كان عليه سابقاً بأغلبيته وتبنّ الاتجاه السابق المتوافق مع عدم اعتماد نصاب الهبة، الى ان صدر بتاريخ 1964 وبالأكثرية قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز الشهر الذي اعتبر ان اعمال النص خير من اهماله وقضى بوجوب تطبيق نصاب الوصية على الهبة مع تعينيه بالنسبة للمسلمين بثلث التركة، سواء اكانت الهبة لوارث ام لغير وارث، شرط ان تعتبر الهبة لوارث موقوفة على إجازة الورثة[40].

الا أنه لم تتبع كافة المحاكم اتجاه الهيئة العامة لمحكمة التمييز، وبقي الاجتهاد منقسم بين مؤيد لوجوب تطبيق نصاب الوصية على الهبة وبين من ينفي وجوب نصاب للهبة.

ثانياً: لا نصاب للهبة

بعد الغاء محكمة توحيد الاجتهاد سنة 1953 ذهب العديد من الاجتهادات الى اعتبار ان لا نصاب للهبة وحجة الاجتهاد انه لا تخفيض بدون نص فضلاً عن أسباب أخرى [41].

وقد اعتمد قسم من الفقهاء هذا الاتجاه، ومنهم الأستاذ زهدي يكن الذي اعتبر انه لا يوجد نصاب للهبة ولا يمكن تطبيق الوصية على الهبة نظراً للفرق بين الاثنين[42]. وقد صدرت قرارات مؤيدة لهذا الرأي قضت بعدم اعمال القياس في مجال الهبة لتحديد النصاب المطبق على الوصية. فقد اعتبرت محكمة استئناف جبل لبنان في قرارها الصادر عام 1998 " انه بالنظر لاختلاف طبيعة الهبة عن الوصية فلا يكفي ان تجمع بينهما الصفة المجانية لتطبيق قواعد المنطق والقياس واعتماد نصاب الوصية في الهبة. فالهبات تخضع للقواعد العامة المختصة بالموجبات والعقود وتقييدها بنصاب دون تحديده والذي يعني ان المشترع أراد في ما خص هذا النصاب ان يترك تحديده الى نظام الأحوال الشخصية لكل طائفة من الطوائف التي يتألف منها المجتمع اللبناني فيحدد نصابها بالقدر الذي يحق للمرء ان يتصرف به مجاناً في حياته، او لقانون يصدر لاحقاً دون ان يقرر اعتماد أي نصاب آخر سواء نصاب الوصية او الجزء الذي يحق للمرء وقفه من أمواله"[43]. كذلك عللت احدى محاكم التمييز[44]، انه لإعمال القياس يجب المقارنة بين الوضع القانوني لكل من الهبة والوصية. فالهبة عقد متبادل ويندرج في قاعدة حرية الانسان في التصرف بأمواله ولا مجال للقول بالانتقاص من أن ثمة حصة محفوظة غير قابلة للتحديد الا بالوفاة طالما ان أموال المرء تبقى قابلة للزيادة او النقصان طيلة حياته، اما الوصية فهي عمل منفرد وتبقى غير نهائية حتى وفاة الموصي والذي يمكنه الرجوع عنها، ونصابها قابل للتحديد بتاريخ استحقاقها لأنه لم يعد من مجال بعد ذلك لتعديل في مقدار التركة. من هنا تؤكد المواد 504 و505 و506 الاختلاف في الاحكام المطبقة على كل من الهبة والوصية: فالأولى تخضع للضوابط العامة المختصة بالموجبات والعقود والثانية لقواعد الأحوال الشخصية.

كما اعتبر القاضي سميح فياض ان احكام المجلة لا تزال سارية المفعول فيما يتعلق بنصاب الهبة لان المشترع لم يحدد هذا النصاب[45].

البند الثاني: تطبيق معايير مختلفة لتحديد النصاب في الهبات

استند البعض الى قوانين الاحوال الشخصية لتطبيق نصاب الهبة على غير المسلمين فقط. في حين ميّز فريق آخر من الفقهاء بين الهبة المنجزة بين الاحياء والهبة المضافة لما بعد وفاة الواهب.

أولاً: تطبيق نصاب الهبة على غير المسلمين فقط

ميز هذا الاتجاه بين هبة المسلم وهبة غير المسلم. وفقاً لهذا الرأي، فأن هبة المسلم لا تخضع لأي نصاب، وذلك لان نصوص قانون الموجبات والعقود لم تتضمن تعيين نصاب الهبة والاحالة في هذا المجال، ان صحت تكون لقوانين الأحوال الشخصية. ومن العودة الى الاحكام الشرعية المطبقة على اغلبية المذاهب الإسلامية، نرى انها لم تحدد نصاب للهبة انما فقط للوصية. اذاً الهبة جائزة من مسلم على كافة أمواله وهي ايضاً صحيحة وان تمت للوارث. فلا تطبق قاعدة "لا وصية لوارث" على الهبات لان الايصاء يختلف عن الهبة ولعدم امكان القياس على أوضاع قانونية مختلفة. ومن مؤيدي هذا الاتجاه الدكتور صبحي المحمصاني الذي اعتبر ان هذا الرأي موافق لمعنى حق الملكية الفردية ولحرية التصرف ولقوانين الأحوال الشخصية المعترف بها[46].

كما ان الرأي الراجح في الاجتهاد ان الهبة لوارث لا نصاب لها. واعتبرت محكمة التمييز[47] ان هذا الاجتهاد لا يناقض الحديث الشريف "اتقوا الله واعدلوا في اولادكم" حيث للواهب مكافأة احد أولاده او اكثر ممن احسن له بهبة مخصصة.

اما لجهة هبة غير المسلم فقد كانت تطبق عليها نفس الاحكام المذكورة بالنسبة لهبة المسلم قبل صدور قانون الإرث لغير المحمدين في 23 حزيران 1959. ومنذ صدور قانون 1959 رأى أصحاب هذا الاتجاه وجوب تطبيق نصاب الهبة استناداً الى مواده لاسيما 66 و68 معطوفة على المادة 512 م.ع. فالمادتان 66 و68 توجبان إضافة قيمة الأموال التي وهبها الموصي اثناء حياته، حسب ثمنها وقت الهبة، الى أموال المتوفي الصافية بعد حسم ديونه، وذلك لأجل تعيين النصاب القانوني واجراء التخفيض اللازم على الموصى به الزائد على النصاب عند الاقتضاء. وقد نصت المادة 65 من القانون المذكور على ان الوصية التي تتجاوز النصاب القانوني تخفض الى هذا النصاب.

اذاً واستناداً لقانون 1959 تخفض نصاب الهبات والوصايا في حال تجاوزها النصاب القانوني. وقد اعتبر الاجتهاد انه يفضل التخفيض العيني بالنسبة للأموال غير المنقولة[48]. وفي حال تعذر حصول التخفيض عيناً، لحصول بيع المال من الغير مثلاً، يكون التعويض بدلياً أي نقداً وتقدر قيمة المال الموهوب بتاريخ الهبة[49].

ولا بد من الإشارة الى ان تخفيض الهبات لدى الطوائف غير المحمدية لا يتعلق بالنظام العام فلا يمكن ان تثيره المحكمة عفواً. وقد صدقت محكمة التمييز قرار محكمة الاستئناف الذي قضى برد طلب ابطال الهبة ولم تبحث بتخفيض الهبة لان الجهة المستأنفة قد أصرت على ابطال العقود وإعادة العقارات التي تركها مورثها ولم تطبق تخفيض الهبة لحد النصاب القانوني[50].

انتقد البعض هذا الاتجاه لأنه يخلط بين نصاب الوصية ونصاب الهبة. فبرأي هؤلاء المادتين 66 و67 من قانون 1959 يتم تطبيقها عند وجود وصية صادرة عن المورث. ولكن اذا لم يترك هذا الأخير وصية فانه يصعب تطبيقها على الهبات التي تتجاوز النصاب القانوني[51].

الا ان الاجتهاد المؤيد لتطبيق النصاب القانوني على الهبة لم يميز بأغلبيته بين وجود وصية وعدم وجودها. وقد استند الاجتهاد[52]ان نصاب الهبة هو نصاب الوصية لدى الطوائف غير المحمدية انطلاقاً مما تضمنه قانون الموجبات والعقود والذي نص على الأساس والمبدأ والى احكام قانون الإرث لغير المحمدين سنة 1959 والتعليل الذي يعطيه ايضاً أصحاب هذا الرأي هو ان غاية المشترع من اخضاع الهبات الى النصاب بموجب المادة 512 م.ع. هي حماية أصحاب الحصص المحفوظة من تصرف المورث بكامل أمواله مما يلحق الضرر بهم. ولتحديد النصاب في الهبات المنجزة يقتضي الرجوع الى قوانين الأحوال الشخصية المختصة بكل طائفة من الطوائف الدينية المعترف بها في لبنان. وبما ان الهبة اخضعت بمقتضى قانون 1959 الى التخفيض في الحالات التي نص عليها هذا القانون في المواد 66 و68 وجعل نصابها نفس نصاب الوصية، فيكون المشترع قد كرس في معرض تنفيذ الإرث والوصية لدى الطوائف المسيحية المبدأ الذي سبق له وقرره في المادة 512 م.ع. جاعلاً نصاب الهبة كنصاب الوصية في الحالات التي نص عليها الا انه وان لم يتعرض قانون 1959 لنصاب الهبة بصورة مطلقة لان المواد 66 و68 تتعلق فقط في حال وجود وصية، فذلك ينطبق ايضاً على حالة وجود هبة دون وصية اذ في كلتا الحالتين يبقى أصحاب الحصص المحفوظة هم انفسهم وحمايتهم هي واحدة لا تتجزأ وما أراده المشترع لا يمكن ان يختلف في كلتا الحالتين. ففي الحالتين اتجهت ارادته الى حفظ حقوق الورثة أصحاب الحصص المحفوظة بفرض النصاب القانوني ولو كان الامر غير ذلك لما انزل الهبة منزلة الوصية في قانون 1959 وان المشترع بإخضاعه الهبة الى نصاب الوصية في المادتين 66 و68 من قانون 1959 انما كرس بصورة صريحة ما سبق له وقرره في المادة 512 م.ع. من انه لا يصح ان تتجاوز الهبات حد النصاب الذي يحق للواهب ان يتصرف به جاعلاً هذا النصاب نفس نصاب الوصية.

وحيث يقتضي القول اذاً ان قاعدة اخضاع الهبة الى نصاب الوصية مكرسة في القانون الوضعي الذي يسود الأحوال الشخصية لدى الطوائف المسيحية مما يوجب اعتمادها والعمل بها تماشياً مع إرادة المشترع التي اظهرها في القوانين المشار اليها، وان هذا التعليل يتوافق مع المبادئ العامة لتفسير القوانين والتي تنيط بالمحكمة عندما لا تتوفر في النص عناصر التكامل للقاعدة القانونية التي يكرسها ان تحدد ابعاد هذا النص ومضمونه العملي بالاستناد الى المعطيات العامة للقانون الوضعي وبالاستناد الى المنطق القضائي الذي يحتم إعطاء النص القانوني مفعولاً منسجماً مع القوانين الوضعية المعمول بها جاعلاً من هذه القوانين وحدة تشريعية تربط بينها وحدة الغاية التي شرعت هذه القوانين من اجل تطبيقها.

ثانياً: وجوب تطبيق النصاب على الهبات المضافة لما بعد وفاة الواهب دون الهبة المنجزة بين الاحياء

ميّز بعض الفقهاء بين الهبة المنجزة بين الاحياء وبين الهبة المضافة لما بعد وفاة الواهب. فالأولى تخضع للقواعد العامة للموجبات والعقود ويجوز للواهب ان يتبرع عن طريقة الهبة بكافة أمواله سواء اكان مسلم او غير مسلم وذلك استناداً الى المادة 504 م.ع. التي نصت على ان "الهبة تصرف بين الاحياء بمقتضاه يتفرغ المرء لشخص آخر عن كل أمواله او عن بعضها بلا مقابل".

وقد استند الفقهاء في موقفهم الى ان الانسان حر بالتصرف بأمواله ما دام ذلك ينفذ بحقه وليس بحق ورثته. اما الهبة المضافة لما بعد الوفاة فهي من قبل الاعمال الصادرة عن مشيئة المرء الأخيرة وتخضع لقواعد الأحوال الشخصية المختصة بالميراث. ونصابها هو ذات نصاب الوصية الذي يختلف باختلاف قوانين الأحوال الشخصية لمختلف الطوائف اللبنانية. وقد برر أصحاب هذا الرأي موقفهم بأن القول غير ذلك يؤدي الى سلوك دروب الاحتيال عن طريق الباس الوصية ثوب الهبة المضافة لما بعد الوفاة من اجل التهرب من النصاب القانوني الذي تفرضه قوانين الأحوال الشخصية[53] .

الخاتمة

بيّنا في مستهل هذا البحث ان موضوع الهبة هو من المواضيع الشائكة نظراً لفقدان التوازن بين مصالح الفرقاء في العقد وفي نية المشترع من خلال النصوص الخاصة بالهبة حماية الواهب الذي يقوم بعملٍ ضارٍ ضرراً محضاً، باستثناء الهبة المشروطة.

وقد اشترط المشرع لانعقاد الهبة وقوف الواهب على علم الموهوب له بالهبة، الا انه لا شيء يمنع برأينا من تنازل الواهب عن علمه بالقبول صراحةً او ضمناً بتقييد عرضه بمهلة. والمهلة المذكورة تسقط حكماً بوفاة الواهب لان الهبة هي تصرف بين الاحياء. برأينا، يعبر الموهوب له عن قبوله الهبة صراحةً او ضمنياً في الهبة غير المقيدة بشرط ودون التقيد بالحالات المنصوص عتها في المادة 180 م.ع. لان الهبة تنفع الموهوب له نفعاً محضاً.

اضافةً الى أنه لانعقاد الهبة يجب ايضاً ان يتمتع الواهب بأهلية الالتزام وان لا يكون محروماً من التصرف بأمواله بموجب نص خاص. تثير أهلية الواهب التناقضات في حال تمت خلال فترة مرض الموت. وقد خلصنا في هذا المجال ان احكام المجلة لا تزال سارية في كل ما لا يتعارض مع قانون الموجبات والعقود، ولاسيما احكام الاهلية ومن بينها مرض الموت.

وبعد انعقاد الهبة سمح قانون الموجبات والعقود للواهب بالرجوع عن الهبة في حالات خاصة من بينها ارتكاب الموهوب له جنحة او جناية بحق الواهب. فبينما اعتبر البعض ان الجريمة المرتكبة يجب ان تكون قصدية بيّنا ان المشترع لم يميز بين الجرم القصدي او غير قصدي، وبالتالي تصح دعوى الرجوع في الحالتين.

كذلك يثير تطبيق سبب الرجوع عن الهبة لعلة الجحود بعض التناقضات لعدم وجود تعريف واضح للإخلال بالواجبات العائلية التي يفرضها القانون، واعتماد المحاكم المدنية في غالبية الحالات على قرارات المحاكم المذهبية. اما فيما يتعلق بحق الواهب بالرجوع عن الهبة في حال رزق بولد وخلال مدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ الولادة، أوضحنا ان تطبيق هذا المبدأ على اطلاقه من شأنه ان يزعزع الاستقرار التعاقدي لذلك اقترحنا تحديد سريان مدة الخمس سنوات من تاريخ ولادة الولد الأول.

وقد تطرقنا في موضوع البحث الى إشكالية في غاية الأهمية وهي مدى الزامية تسجيل الهبة العقارية لنستنتج ان المادة 228 م.ع. تطبق على كافة العقود العقارية ومن بينها الهبة. وعندما يكون موضوع الهبة مال منقول، فبرأينا تنعقد الهبة بمجرد الاتفاق ويبقى الواهب ملزماً بتسليم المال الموهوب كموجب ملزم بمقتضى عقد الهبة. في حين أن الإشكالية الأخيرة التي عالجناها تتعلق بنصاب المال الموهوب. فقد تعددت الحلول في هذا الصدد، ولا بد من تدخل المشترع لتحديد "النصاب القانوني" المقصود في المادة 512 م.ع.

اخيراً، امام الإشكاليات العديدة التي يطرحها موضوع الهبة والتضارب في المواقف الفقهية والاجتهادية التي حاولنا ابراز جانب منها، اصبح تدخل المشترع ضرورياً للوصول الى قواعد موحدة تطبق على عقد الهبة.

د.غنى مواس

أستاذة محاضرة في الجامعة اللبناتية

كلية الحقوق والعلوم السياسية والادارية-الفرع الثالث

[1]زهدي يكن، شرح قانون الموجبات والعقود مع مقارنة بالقوانين الحديثة والشريعة الإسلامية، جزء 8، ص.67

[2]استئناف بيروت المدنية، غرفة 3، قرار رقم 1421، 31-10-1972: ن.ق.، 1973، ص.92

[3]استئناف بيروت المدنية، غرفة 3، قرار رقم 1421، 31-10-1072: ن.ق.، 1973، ص.92

[4]تادر عبد العزيزشافي، عقد الهبة في القانون اللبناني والمقارن، الجزء الأول، 2002، دراسة فقهية،ص. 229

[5]تعليق البروفسور إبراهيم نجار على قرار لمحكمة استئناف بيروت المدنية، غ.3، قرار رقم 464، 21-3-1973: العدل، 1973، ص.284

[6]نادر عبد العزيز شافي، مرجع سابق، ص. 252

[7]زهدي يكن، جزء 8، مرجع سابق، ص.61

[8]تمييز مدني، الغرفة الثانية، قرار رقم 15، 8-2-1965: باز، 65، ص. 164

[9]استئناف مدني، 16-1-1970: ن.ق.، 1971، ص.339

[10]بداية لبنان الشمالي، قرار رقم 259، 30-6-1945: ن.ق.، 1945، ص.348

[11]تمييز مدني، غ.6، قرار رقم 82، 19-10-1993: كساندر الالكتروني

[12]صبحي المحمصاني، المبادئ الشرعية والقانونية في الحجر والنفقات والمواريث والوصية، 1981، ص.55

[13]موريس نخلة، الكامل في شرح القانون المدني، 2001، ص 76

[14]زهدي يكن، جزء 8، مرجع سابق ص. 48؛ مصطفى العوجى، القانون المدني، الجزء الأول،العقد، ص. 261

[15]نادر عبد العزيز شافي، مرجع سابق، ص. 272 وما يليها

[16]يراجع الاجتهاد التالي: " ...ان الهبة عقد يستلزم عرضاً وقبولاً ووقوفاً من الواهب على قبول الموهوب له وهذه الشروط تسري في حال الهبة لجنين حيث ينيب عنه في القبول ممثله القانوني. وبما ان المستأنف لم يقبل الهبة الا بعد وفاة الواهب

الامر الذي يبني عليه عدم وقوف الواهب على قبول الموهوب له وبالتالي افتقار الهبة الى عناصر اكتمالها.."

تمييز مدني، غ.6، قرار رقم 49، 25-5-1993: كساندر الالكتروني.

[17]زهدي يكن، جزء 8، مرجع سابق ص. 152؛ ادمون كسبار، الوصايا والهبات والارث، ص. 252

[18]نادر عبد العزيز شافي، مرجع سابق، ص. 291 وما يليها

[19]تمييز مدني، رقم 92، 18-10-1952: حاتم، جزء 14، ص. 645

[20]تمييز مدني، قرار رقم 53/2002، 25-7-2002: كساندر الالكتروني

[21]تمييز مدني، 15-6-1971: حاتم، جزء 122، ص. 61

[22]نادر عبد العزيز شافي، مرجع سابق، ص. 470

[23]تمييز مدني، غرفة 3، قرار رقم 4/2000، 11-1-2000: كساندر الالكتروني

[24]تمييز مدني، غرفة 9، قرار رقم 6/2005، 24-2-2005: كساندر الالكتروني

[25]تمييز مدني، غرفة 9، قرار رقم 10/2015، 5-3-2005: كساندر الالكتروني

[26]استئناف جبل لبنان، غرفة 3، قرار رقم 38/2004، 1-4-2004: كساندر الالكتروني

[27]زهدي يكن، مرجع سابق، ص.29

ادمون كسبار، مرجع سابق، ص. 277

[28]محكمة استئناف جبل لبنان، غرفة 11، قرار رقم 2004/315، 30-3-2004: كساندر، الالكتروني

[29]اعبرت محكمة استئناف جبل لبنان، الغرفة الثالثة، قرار رقم 105- تاريخ 28-5-1998: كساندر الالكتروني انه: "وعلى فرض ان البيع المطعون فيه يخفي هبة فانه مع استيفاء عقد البيع الذي تتستر به لشروطه الشكلية فان الهبة تنتج مفاعيلها وتعتبر سارية المفعول قبل تسجيل عقد البيع طالما ان لهذا العقد مفاعيله القانونية منذ تاريخ توقيعه وابرامه ومنها الحق بالتسجيل والمطالبة به مع العطل والضرر في حال توفر شروطه مما يجعل من ادلاءات الجهة المستأنفة مردودة بهذا الشأن".

[30]محكمة استئناف بيروت، 26-2-1949: ن.ق.، 1949، ص.482

[31]استئناف، 12-2-1947: ن.ق.، 1947، ص.441؛ نفس المعنىتمييز،14-4-1967: العدل، 1967.

[32]قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز، 25-6-1965: باز، 1965، ص. 117

[33]محكمة استئناف بيروت، غ.2، قرار رقم 778، 15-6-2016: كساندر الالكتروني

[34]تمييز مدني، غ.6، قرار رقم 82/93، 19-10-1993: كساندر الالكتروني

[35]عفيف شمس الدين، أسباب اكتساب الملكية العقارية، 1995، ص. 351

[36]نذكر على سبيل المثال الاجتهاد التالي: " وحيث ان بقاء الأموال موضوع الحساب بتصرف المستأنف، مع إبقاء كامل الحرية والحق له وحده بسحبها والتصرف بها ساعة يشاء، وعدم قيام أي حق للمستأنف عليها بشأنها في هذه المرحلة لهذه الجهة، يتنافى ويتعارض مع خصائص هبة المنقول التي تفترض التسليم وانتقال الملكية والحيازة الى الموهوب له في الحال".

.محكمة استئناف بيروت المدنية، قرار رقم 494، 15-4-2016: كساندر الالكتروني

[37]زهدي يكن،جزء8، مرجع سابق، ص.68

نادر عبد العزيز شافي، عقد الهبة، مرجع سابق، الجزء الأول، 2002، ص. 175

[38]محمد كمال حمدي، المواريث والهبة والوصية، دار المطبوعات الجامعية، ص.164 و165

[39]ن.ق.، 1948، ص.64

[40]الهيئة العامة لمحكمة التمييز، قرار رقم 6، 31-1-1964: ن.ق.، 1964، ص.8

وقد اتبعته بعض المحاكم، نذكر منها: محكمة التمييز، غرفة 5، قرار رقم 67، 21-5-1997: كساندر الالكتروني.

[41] نذكر: تمييز مدني، 31-1-1959: باز، 1959، ص.129

[42]زهدي يكن، جزء8، مرجع سابق،ص.111

[43]استئناف جبل لبنان، الغرفة الثالثة، قرار رقم 116/1998، 11-6-1998: كساندر الالكتروني

[44]تميز مدني، غرفة أولى، قرار رقم 116/2000، 15-12-2000، كساندر الالكتروني.

[45]سميح فياض، مجلة المحامي،1965، ص.20

[46]صبحي المحمصاني، مرجع سابق، ص. 210

[47]تمييز مدني، غرفة 9، قرار رقم 9/2015، 19-2-2015

[48]استئناف الجنوب المدنية، قرار رقم 13، 25-1-1996: العدل، 1996، ص. 154

[49]تمييز مدني، غرفة 9، 29/2004، 8-6-2004، كساندر الالكتروني

[50]تمييز مدني، غرفة 9، قرار رقم 9/2005، 29-11-2005، كساندر الالكتروني

[51]صبحي المحمصاني، مرجع سابق، ص.209

يوسف نهرا، الوصية والارث في القانون اللبناني، بيروت، 1973، ص.147

[52]محكمة استئناف جبل لبنان، غرفة 3، قرار رقم 88/2001، 7-6-2001، كساندر الالكتروني

تمييز مدني، قرار رقم 116، 15-12-2000، كساندر الالكتروني

تمييز مدني، قرار رقم 103، 27-10-1970: باز، 1970، ص. 331 و332

[53] نادر عبد العزيز شافي، مرجع سابق، ص. 377 وما يليها

Cited

Texts it relies on